قصة أخوات موزة ============================================================ التحميل: 2026-05-10 22:47 ============================================================ # المعمارية0 ============================================================ # أخوات موزة — المعمارية الكاملة ## الشجرة المرجعية للمشروع الأدبي --- ## ١. الجذر — الفكرة المركزية **القصة في جملة واحدة:** ثلاث يتيمات عراقيات يخسرن كل شيء في ليلة واحدة، فيشققن طريقهن إلى قصر الملك في بغداد العباسية، لتتحول حياتهن من بؤس إلى مُلك — لكن الحسد يمزق ما بنته المحبة، ولا يرممه إلا الحنان. **الفلسفة العميقة:** - القوة الحقيقية في الرحمة لا في القسوة - الحسد يهدم ما لا تهدمه الكوارث الطبيعية - الحنان يرى ما لا يراه العقل وحده - الخيال العلمي وعاء لنظريات تستحق البحث **المستويات الثلاثة للقراءة:** - **القارئ الصغير:** مغامرة مشوقة عن ثلاث بنات شجاعات - **القارئ الأعمق:** نماذج فيزيائية مغلفة بالحكاية (الوسط المشحون، الانتقال، الطاقة) - **القارئ المؤمن:** آيات كونية — "وإن من شيء إلا يسبح بحمده" --- ## ٢. الجذع — شجرة الشخصيات ### الجيل الأول (الجذور) #### جواد (الأب) ⚔️ - **الصفة الجوهرية:** الشجاعة المخططة — ليس تهوراً بل بطولة مدروسة - **المظهر:** جسم عظيم، محارب مدرع بالكامل (4 سيوف، درعان، جعبتا سهام، قوس) - **الدور في القصة:** يُظن أنه استشهد في الهجوم الليلي على معسكر المغول - **السر الكبير:** حي في سجن المغول (يُكشف في الجزء الثاني) - **إرثه:** كل بنت ورثت منه شيئاً — موزة ورثت شجاعته، هيلة ورثت دهاءه التخطيطي، ربيعة ورثت حيلته في المعركة - **البذرة المزروعة:** ذكريات البنات عنه وهو يلاعبهن ويعلمهن أعمال المزرعة #### ثريا (الأم) 🌙 - **الصفة الجوهرية:** الصبر الفعّال — ليس استسلاماً بل بناء صامت - **المهارات:** تزرع، تصطاد، تنسج، تطبخ، تربي — امرأة مكتفية ذاتياً - **علاقتها بضاري:** علاقة تجارية تحولت إلى مشاعر من طرفه دون أن تعلم (أو تتجاهل) - **موتها:** ضربة قطعة سقف متطايرة أثناء العاصفة — موت مفاجئ وعبثي يكسر هدوء الحياة - **إرثها:** الطبخ التقليدي (الشليكين، الخميعة، المسكوف)، الحكايات عن الأب، والثقة بين الأخوات --- ### الجيل الثاني (الجذع) — البنات الثلاث #### 🌴 موزة — الكبرى (8 سنوات → شابة) **النموذج الأصلي:** القائدة — صورة أبيها | الصفة | التجلي في القصة | |---|---| | الشجاعة | تواجه الذئاب وحدها لتغطي هروب أخواتها | | القيادة | تتخذ القرارات في كل أزمة — حمل جثة الأم، الهروب للماء، قرار الذهاب للملك | | التعلق بالأب | تتحدث عنه، تستلهم منه، تستخدم تضحيته كحجة عند الملك | | الشك الذكي | لا تثق بضاري بسهولة، تسأل وتحقق | | الكبرياء | تكره أن يُشفق عليها، تريد حقها لا صدقة | | **النقطة العمياء** | ثقتها المطلقة بأخواتها — وهذا ما يمزقها لاحقاً | **مسارها:** يتيمة ← قائدة هاربة ← زوجة الأمير ← ملكة مكسورة (تُسرق أطفالها) ← أم تربي كلاباً ← تُكشف الحقيقة **حلمها عند سياج القصر:** [يُحدد لاحقاً — يجب أن يعكس طموحها القيادي ويبرر زواجها من الأمير] --- #### 🔥 هيلة — الوسطى (6 سنوات → شابة) **النموذج الأصلي:** الداهية — عقل بلا قلب | الصفة | التجلي في القصة | |---|---| | الذكاء الحاد | تفهم المواقف بسرعة، تقرأ نوايا الناس | | الدهاء | تعرف كيف تتلاعب بالكلام والمواقف | | غياب العطف | لا تتأثر عاطفياً بسهولة — تحلل بدل أن تشعر | | العملية | تفكر بالحلول لا بالمشاعر — "يجب أن نرحل، المكان غير آمن" | | الغيرة المكبوتة | تحسد موزة على قيادتها منذ الطفولة لكنها تكتمها | | **البذرة المظلمة** | غياب العطف + الذكاء = قدرة على التآمر بلا ندم | **التحول الدرامي:** - الجزء الأول: أخت مخلصة تساعد وتشارك في النجاة - بعد الزواج: الحسد يشتعل — هي زوجة القصاب بينما أختها ملكة - التآمر: تخطط لسرقة أطفال موزة وإلقائهم في دجلة — ثلاث مرات - دافعها: تريد أن يطلق الملك موزة فتنزل إلى مستواهن **حلمها عند سياج القصر:** [يعكس حبها للطعام الفاخر واللحم — فتتزوج القصاب] --- #### 🎭 ربيعة — الصغرى (5 سنوات → شابة) **النموذج الأصلي:** الخليط المتناقض — مملة وعميقة في آن | الصفة | التجلي في القصة | |---|---| | الثرثرة | تتكلم بلا توقف، تقاطع، تعلق على كل شيء | | حب المقالب | تفتعل المواقف المضحكة — نفض الطعام، أكل بشراهة | | الملل من الصمت | لا تطيق اللحظات الهادئة، تحاول ملأها دائماً | | الفطنة المخفية | رغم ظاهرها المرح، تكتشف الشباك بالظلام وتشعل النار | | الانجراف العاطفي | تنجذب للكلام المعسول (مشهد الشاب في السوق) | | **البذرة المظلمة** | تتبع هيلة بسهولة — قابلة للتأثر والانقياد | **التحول الدرامي:** - الجزء الأول: الشخصية المحبوبة الكوميدية — تخفف حدة المآسي - بعد الزواج: تتبع هيلة في الحسد والتآمر — ليس بدافع شرير أصيل بل بالانقياد - دورها في المؤامرة: تنفذ أوامر هيلة — تحمل الأطفال وتلقيهم في النهر - مأساتها: هي الأكثر قدرة على الندم لكنها لا تجرؤ على مواجهة هيلة **حلمها عند سياج القصر:** [يعكس حبها للخبز والمعجنات — فتتزوج الخباز] --- ### شخصيات الجذع المساندة #### ضاري — بائع السمك 🐟 - **العمر:** بداية الأربعين - **الصفة الجوهرية:** الوفاء الصامت — يحب ثريا ولم يبح - **السر:** كان يخطط لأمر ما مع ثريا (ربما خطبتها) - **الصراع الداخلي:** يريد مساعدة البنات وفاءً لأمهن، لكن زوجته الغيورة تشعل بيته - **ابنه:** شدّاد (13 سنة) — يعمل في الدكان، جميل المظهر وأنيق - **الحمار:** لا يطيق ضاري بسبب رائحة السمك — عنصر كوميدي متكرر #### زوجة ضاري (تُسمى لاحقاً) - **الدافع:** غيرة مشروعة — ثلاث شابات جميلات في بيت زوجها - **ليست شريرة:** بل امرأة تحمي عشها — القارئ يجب أن يتفهمها حتى لو لا يتفق معها #### رشيدة — المرأة النبيلة 🫀 - **الدور:** تعطيهن الخبز والحمار — أول لمسة إنسانية بعد الكارثة - **ابنها المراهق:** غير راضٍ عن كرم أمه — بذرة صغيرة يمكن استثمارها #### رومي — الكلب 🐕 - **الدور الدرامي:** الحامي الصامت — ينبح ليحذر، يسحب جسد ثريا، يقاتل الذئاب - **مصيره:** يُفقد في معركة الذئاب — مصيره مجهول (بذرة للجزء الثاني؟) --- ### الجيل الثالث (الفروع) — أبناء موزة #### البنت (الاسم يُحدد لاحقاً) 🕊️ - **الصفة الجوهرية:** الحنان — ترى ما لا يراه غيرها - **ورثت من جدتها ثريا:** الصبر والرعاية - **ورثت من أمها موزة:** الإصرار والشجاعة - **قدرتها الخاصة:** ترى في العقبان ما لا يراه أحد — الألم والحاجة خلف الغدر - **المعادلة:** الحنان يكسر ما لا تكسره القوة - **أمنياتها الثلاث:** جلب رحّال، جلب علي، كشف الحقيقة #### رحّال — الابن الأكبر 🧭 - **الاسم ودلالته:** من الرحيل — اسمه صار قدره عندما نُفي - **مكان نفيه:** بعيد — بضربة جناح من العنقاء (انتقال عبر الوسط) - **شخصيته:** [تُبنى لاحقاً حسب ظروف نفيه] #### علي — الابن الأصغر ⚡ - **الاسم ودلالته:** العلو والقوة - **مكان نفيه:** أقرب من رحّال لكن ليس أسهل - **شخصيته:** [تُبنى لاحقاً] --- ### شخصيات الجيل الثالث المساندة #### الشيخ الحكيم 📿 - **الصفة الجوهرية:** الصمت الحامي — يعرف الحقيقة ولا يبوح حماية للأطفال - **مكانه:** يعيش وحده، يجد الأطفال الثلاثة في صناديق خشبية ملكية في دجلة - **دوره:** يربيهم، يعلمهم كل شيء، مجاهد وحكيم - **الكشف:** على فراش الموت يخبرهم بما يخمّنه — يعطيهم المهمة - **إرثه:** يتركهم أغنياء ومتعلمين لكن بلا هوية #### الأم العنقاء 🦅 - **الطبيعة:** ليست مجرد طائر أسطوري — هي كيان فيزيائي - **قدرتها:** بضربة جناح تخلق اضطراباً في الوسط — شبه انتقال زمكاني - **العلاقة مع البنت:** البنت تنقذ بنيها، فالعنقاء تساعدها في البحث - **الرابط العلمي:** ضربة الجناح = اضطراب في الوسط المشحون، النفي = انتقال عبر الوسط لا عبر المسافة - **القاعدة:** الاتجاه معروف لكن الآلية غامضة — كالإشعاع في النظرية #### العقبان السبعة 🦅×7 - **طبيعتهم:** متحدون، غادرون، المهمة عندهم انتحارية - **الامتحان:** تصاعدي — كل عقاب أصعب من سابقه - **الحيلة:** من يدخل بالقوة أو الدهاء يُنفى، من يدخل بالحنان يمر - **السر:** أحدهم مصاب — البنت تراه وتساعده قبل أن يبدأ التحدي - **الفلسفة:** كلما ساعدت أحدهم كشفوا لها جزءاً من الحقيقة — على مراحل - **الرابط العلمي:** سبع طبقات/مراحل — كالطبقات السبع في بنية الغلاف أو المراحل السبع في رحلة المريد --- ## ٣. الفروع — خط الزمن التاريخي | التاريخ | الحدث التاريخي | الحدث في القصة | |---|---|---| | ~1256م | المغول يتقدمون نحو بغداد | جواد يتطوع للهجوم الليلي | | ~1256م | المغول يتراجعون مؤقتاً | نجاح خطة الأبطال — جواد يُظن شهيداً (لكنه أسير) | | 1256-1257م | المغول يعيدون التخطيط — يقررون الحصار | البنات يكبرن في المزرعة مع أمهن | | ~1257م | الفترة الأخيرة قبل الحصار | ليلة العاصفة — موت ثريا | | ~1257م | بغداد ما زالت مزدهرة لكن الخطر يقترب | البنات يدخلن بغداد — يشاهدن مجدها الأخير | | ~1257م | الحياة اليومية في بغداد المدورة | السوق، القصر، الزواج | | الجزء الثاني | حصار بغداد (يناير-فبراير 1258م) | البنات داخل الحصار + خط إنقاذ الأب | --- ## ٤. الأوراق — هيكل الفصول (الجزء الأول) ### القوس الأول: الجذور (فصول 1-3) — الخسارة | الفصل | العنوان المقترح | المحتوى الأساسي | |---|---|---| | 1 | أبطال خلف الجبل | هجوم جواد الليلي، استشهاده المفترض، تأسيس عالم المزرعة | | 2 | وادي النخيل | حياة الأسرة اليومية — الطبخ، الصيد، الزراعة، شخصيات البنات | | 3 | ليلة كل شيء | العاصفة — موت ثريا — الحريق — الذئاب — الفيضان — ضياع رومي | ### القوس الثاني: الساق (فصول 4-7) — الطريق إلى بغداد | الفصل | العنوان المقترح | المحتوى الأساسي | |---|---|---| | 4 | الصباح الأول | الاستيقاظ بعد الكارثة — صيد السمك — قرار المغادرة | | 5 | رشيدة والحمار | لقاء رشيدة — الحمار المعار — الطريق إلى المدينة | | 6 | سوق السمك | دخول بغداد — التجار — الحارس — لقاء ضاري — سر العربة | | 7 | بيت الغيرة | ضيافة ضاري — شجار الزوجة — هروب البنات ليلاً | ### القوس الثالث: التاج (فصول 8-10) — القصر | الفصل | العنوان المقترح | المحتوى الأساسي | |---|---|---| | 8 | شوارع بغداد المدورة | التجوال الليلي — العسس — مشهد الشاب وربيعة — السوق — البحث عن القصر | | 9 | ثلاثة أحلام عند السياج | المبيت قرب سور القصر — الجوع — كل أخت تحلم بحلمها — الملك يسمع | | 10 | الملك والبنات | استدعاء الملك — حكاية جواد — الزواج الثلاثي (موزة/الأمير، هيلة/القصاب، ربيعة/الخباز) | ### القوس الرابع: الثمار المُرّة (فصول 11-14) — الحسد | الفصل | العنوان المقترح | المحتوى الأساسي | |---|---|---| | 11 | قصر وكوخ | حياة موزة في القصر مقابل حياة أختيها — بداية الحسد | | 12 | الطفل الأول | ولادة رحّال — هيلة وربيعة يسرقانه — يُلقى في دجلة بصندوق ملكي — يُخبرن موزة أنها ولدت كلباً | | 13 | الطفل الثاني والثالث | تكرار المؤامرة مع علي ثم البنت — موزة تصدق أخواتها — تربي الكلاب | | 14 | الشيخ والصناديق | الشيخ يجد الأطفال — يربيهم — يصمت حتى فراش الموت — يكشف ما يخمّنه | ### القوس الخامس: الأجنحة (فصول 15-20) — رحلة البنت | الفصل | العنوان المقترح | المحتوى الأساسي | |---|---|---| | 15 | العرافتان | هيلة وربيعة ينتحلن صفة عرافات — يرسلن الأبناء للعقبان السبعة | | 16 | سبعة أجنحة | رحّال يواجه العقبان — ينجح في البداية لكنه يُنفى | | 17 | سبعة ظلال | علي يحاول — يُنفى أيضاً | | 18 | العقاب المجروح | البنت تصل — تجد عقاباً مصاباً — تساعده قبل التحدي | | 19 | ما لا يراه غيرها | البنت تتقدم — كل عقاب تساعده يكشف لها جزءاً من الحقيقة | | 20 | ثلاث أمنيات | البنت تصل إلى الأم العنقاء — رحّال، علي، الحقيقة | ### القوس السادس: الجذور تعود (فصول 21-23) — الحقيقة | الفصل | العنوان المقترح | المحتوى الأساسي | |---|---|---| | 21 | رحلة على الأجنحة | العنقاء تحمل البنت — البحث عن رحّال ثم علي — الانتقال عبر الوسط | | 22 | لمّ الشمل | الأبناء الثلاثة يعودون — يواجهون الملك — تُكشف الحقيقة | | 23 | ميزان العدل | مصير هيلة وربيعة — مصير موزة — تمهيد للجزء الثاني (الأب حي) | --- ## ٥. الروابط العلمية — الخيال كوعاء للنظرية | العنصر الخيالي | المفهوم العلمي المغلف | الملاحظة | |---|---|---| | ضربة جناح العنقاء | اضطراب في الوسط المشحون | الجناح يخلق موجة في الوسط تفتح ممراً | | النفي بضربة جناح العقاب | الانتقال ليس مسافة بل حالة في الوسط | الاتجاه معروف لكن الآلية تشبه الانتقال الزمكاني | | العقبان السبعة | سبع طبقات/ترددات في الوسط | كل طبقة لها تردد وامتحان مختلف | | حنان البنت يكسر الغدر | الرنين التوافقي يخترق الحاجز | القوة الغاشمة تُصد، التردد الصحيح يمر | | الأم العنقاء | مصدر الطاقة الأمومي | تولد من رمادها — دورة الطاقة لا تفنى | | صناديق الأطفال في دجلة | النهر كوسط ناقل | الماء يحمل لا يُغرق — الوسط يحفظ لا يدمر | --- ## ٦. قواعد السرد — دستور الكتابة 1. **كل مشهد خيالي يجب أن يحمل نواة علمية قابلة للبحث** 2. **كل شخصية تتصرف وفق صفاتها الجوهرية — لا استثناء بدون تبرير درامي** 3. **التفاصيل الحسية أولاً:** اللباس، الطعام، الرائحة، الصوت — ثم الحدث 4. **الحوار يكشف الشخصية:** موزة تقود، هيلة تحلل، ربيعة تعلّق وتمزح 5. **لحظات التنفس إلزامية:** بعد كل أزمة مشهد هدوء تتذكر فيه البنات أباهن أو أمهن 6. **البذور المبكرة:** كل حدث في الجزء الثاني يجب أن تُزرع بذرته في الجزء الأول 7. **اللغة:** عربية فصحى سلسة مع مفردات عراقية أصيلة (الشليكين، الخميعة، المسكوف، الخوص) 8. **المستوى اللغوي:** تصحيح تاء التأنيث، الإملاء، مع الحفاظ على نَفَس الراوي الشعبي --- ## ٧. الجزء الثاني — بذور مزروعة (ملاحظات أولية) - **الأب جواد حي في سجن المغول** — يُلمَّح إليه في جلسات التنفس (الفصل 8) - **المغول يعيدون التخطيط بأسلوب الحصار** — يُذكر كخلفية تاريخية - **حصار بغداد (يناير-فبراير 1258)** — البنات والأبناء داخل الحصار - **مهمة إنقاذ الأب** — محتمل - **مصير رومي** — يُفقد في الجزء الأول، يعود في الثاني؟ --- *هذه الوثيقة حية — تتطور مع كل فصل نكتبه* *آخر تحديث: مارس 2026* ============================================================ # المعمارية1 ============================================================ # أخوات موزة — المعمارية الكاملة ## الشجرة المرجعية للمشروع الأدبي (النسخة المحدّثة) --- ## ١. الجذر — الفكرة المركزية **القصة في جملة واحدة:** ثلاث يتيمات عراقيات يخسرن كل شيء في ليلة واحدة، فيشققن طريقهن إلى قصر الملك في بغداد العباسية، لتتحول حياتهن من بؤس إلى مُلك — لكن الحسد يمزق ما بنته المحبة، ولا يرممه إلا الحنان. **الفلسفة العميقة:** - القوة الحقيقية في الرحمة لا في القسوة - الحسد يهدم ما لا تهدمه الكوارث الطبيعية - الحنان يرى ما لا يراه العقل وحده - الخيال العلمي وعاء لنظريات تستحق البحث **المستويات الثلاثة للقراءة:** - **القارئ الصغير:** مغامرة مشوّقة عن ثلاث بنات شجاعات وأبناء يواجهون عقباناً أسطورية - **القارئ الأعمق:** نماذج فيزيائية مغلفة بالحكاية (الوسط المشحون، الانتقال عبر الوسط، الرنين التوافقي) - **القارئ المؤمن:** آيات كونية — "وإن من شيء إلا يسبح بحمده" --- ## ٢. الخط الزمني الدقيق والأعمار ### الحدث المؤسِّس: أسر الأب (~1247م) | الشخصية | العمر عند أسر الأب | |---|---| | موزة | 8 سنوات | | هيلة | 6 سنوات | | ربيعة | 5 سنوات | ### الأحداث الرئيسية: بعد 10 سنوات (~1257م) | الشخصية | العمر في الأحداث الحالية | |---|---| | موزة | 18 سنة — شابة راشدة، تتحمل مسؤولية كاملة | | هيلة | 16 سنة — مراهقة ذكية، بدأت ملامح شخصيتها تتبلور | | ربيعة | 15 سنة — مراهقة مرحة، ثرثارة، ما زالت تصنع المقالب | | ثريا (الأم) | ~38 سنة عند وفاتها | | ضاري | ~40 سنة — بداية الأربعين | ### بعد الزواج والإنجاب: (~1258-1261م) | الحدث | التوقيت التقريبي | |---|---| | زواج البنات الثلاث | ~1257م | | ولادة رحّال (الأول) وسرقته | ~1258م | | ولادة خيزرانة (الثانية) وسرقتها | ~1259م | | ولادة علي (الثالث) وسرقته | ~1260م | | الشيخ يربي الأطفال الثلاثة | 1258-1275م تقريباً | | وفاة الشيخ وكشف السر | ~1275م | | رحلة العقبان | ~1275-1276م | ### الجزء الثاني: معركة بغداد | الحدث | التوقيت | |---|---| | حصار بغداد وسقوطها | يناير-فبراير 1258م | | جواد يصل بغداد — يجدها تسقط — مهمة إنقاذ العائلة والهرب | فبراير 1258م | | فترة الفوضى والتجميع والهروب | 1258-1260م | | معركة عين جالوت — جواد يحارب مع قطز — المغول يُهزمون | سبتمبر 1260م | --- ## ٣. الجذع — شجرة الشخصيات ### الجيل الأول (الجذور) #### جواد (الأب) ⚔️ - **الصفة الجوهرية:** الشجاعة المخططة — بطولة مدروسة لا تهور - **المظهر:** جسم عظيم، محارب مدرع بالكامل (4 سيوف، درعان، جعبتا سهام، قوس) - **ما حدث فعلاً:** تطوع مع خمسة أبطال للهجوم الليلي على معسكر المغول — اكتُشفوا — قاتلوا ببسالة — يُظن أنهم استُشهدوا جميعاً - **السر الكبير:** جواد حي في سجن المغول (لم يستشهد — أُسر) - **مساره في الجزء الثاني:** يُحرر/يهرب من الأسر ← يصل بغداد فيجدها في بداية سقوطها ← لا يحارب بل ينقذ عائلته ويهرب (المهمة المستحيلة) ← يحارب كثائر في معركة عين جالوت مع الملك قطز (1260م) — المعركة الفاصلة التي هُزم فيها المغول - **الدائرة الكاملة:** بدأ بهجوم ليلي فاشل ← أُسر ← عاد لينقذ عائلته ← انتهى في المعركة التي هزمت المغول فعلاً - **إرثه في بناته:** موزة ورثت شجاعته وقيادته، هيلة ورثت دهاءه التخطيطي، ربيعة ورثت حيلته وخفته - **البذور المزروعة في الجزء الأول:** - ذكريات البنات عنه وهو يلاعبهن ويعلمهن أعمال المزرعة - جلسة التنفس (الفصل 8): إحداهن تقول "ليته حي" — تمنٍّ يتحول إلى حقيقة في الجزء الثاني - ذكر أن المغول يخططون لأسلوب جديد (الحصار) — خلفية تاريخية تمهد للجزء الثاني #### ثريا (الأم) 🌙 - **العمر عند الوفاة:** ~38 سنة - **الصفة الجوهرية:** الصبر الفعّال — بناء صامت لا استسلام - **المهارات:** تزرع، تصطاد، تنسج الشباك والملابس من صوف الغنم والماعز، تطبخ - **علاقتها بضاري:** علاقة تجارية حصرية (تبيع له فقط، تنتظره إن لم تجده) — تحولت إلى مشاعر من طرفه دون أن تعلم أو تتجاهل - **موتها:** ضربة قطعة سقف متطايرة في رأسها من الخلف أثناء عودتها للمنزل — موت مفاجئ وعبثي - **إرثها:** الطبخ التقليدي (الشليكين، الخميعة، المسكوف، الدبس والراشي في الشتاء)، نسج الملابس، حكايات عن الأب، الثقة بين الأخوات - **تفصيل الأكلات:** - **الشليكين:** خبز حار يُخبز في تنور طيني قليل التحميص، يُدهن بالسمن الحيواني والعسل - **الخميعة:** خبز محمص منقوع بالحليب مع الدهن الحر (السمن المذاب) - **المسكوف:** سمك يُشق ظهره ويُعلق بعود خشبي فوق نار الحطب - **الدبس والراشي:** أكلة الشتاء --- ### الجيل الثاني (الجذع) — البنات الثلاث #### 🌴 موزة — الكبرى **العمر:** 8 سنوات عند أسر الأب ← 18 سنة في الأحداث الحالية **النموذج الأصلي:** القائدة — صورة أبيها | الصفة | التجلي في القصة | |---|---| | الشجاعة | تواجه الذئاب وحدها لتغطي هروب أخواتها | | القيادة | تتخذ القرارات في كل أزمة — حمل جثة الأم، الهروب للماء، القرار بالذهاب للملك | | التعلق بالأب | تتحدث عنه، تستلهم منه، تستخدم تضحيته كحجة عند الملك — "نحن بنات القائد جواد" | | الشك الذكي | لا تثق بضاري بسهولة رغم كرمه — تسأل وتحقق وتشتبه بنواياه | | الكبرياء | تكره أن يُشفق عليها — "نحن سنتدبر أمرنا" | | الجمال | وجه ساحر — يلفت الانتباه دون أن تسعى لذلك | | **النقطة العمياء** | ثقتها المطلقة بأخواتها — هذا ما يمزقها لاحقاً | **مسارها الكامل:** يتيمة ← قائدة هاربة ← زوجة الأمير ← ملكة ← أم مخدوعة (تصدق أنها تلد كلاباً) ← تربي الكلاب كأولادها ← تُكشف الحقيقة بعد سنوات **حلمها عند سياج القصر:** يعكس طموحها القيادي وعظمة روحها — يبرر زواجها من الأمير [يُفصّل عند كتابة الفصل 9] --- #### 🔥 هيلة — الوسطى **العمر:** 6 سنوات عند أسر الأب ← 16 سنة في الأحداث الحالية **النموذج الأصلي:** الداهية — عقل بلا قلب | الصفة | التجلي في القصة | |---|---| | الذكاء الحاد | تفهم المواقف بسرعة — "يجب أن نرحل، المكان غير آمن" | | الدهاء | تعرف كيف تتلاعب بالكلام — "ربما لن يسمحوا لنا بمقابلته" (تحبط المعنويات بذكاء) | | غياب العطف | لا تتأثر عاطفياً — تحلل بدل أن تشعر | | العملية الباردة | عندما اشتعل البيت، لم تحاول إنقاذ جسد أمها بل أرادت الهروب | | الغيرة المكبوتة | تحسد موزة على قيادتها منذ الطفولة | | **البذرة المظلمة** | غياب العطف + الذكاء = قدرة على التآمر بلا ندم | **التحول الدرامي:** 1. **الجزء الأول (قبل الزواج):** أخت مخلصة تساعد — ذكاؤها ينقذ المواقف 2. **بعد الزواج:** الحسد يشتعل — هي زوجة القصاب بينما أختها ملكة 3. **المؤامرة:** العقل المدبر — تخطط لسرقة أطفال موزة ثلاث مرات 4. **انتحال صفة عرافة:** ترسل أبناء موزة للعقبان لتتخلص منهم نهائياً 5. **دافعها:** تريد أن يطلق الملك موزة + تحمي نفسها من الانكشاف **حلمها عند سياج القصر:** يعكس حبها للطعام الفاخر واللحم — فتتزوج القصاب [يُفصّل] --- #### 🎭 ربيعة — الصغرى **العمر:** 5 سنوات عند أسر الأب ← 15 سنة في الأحداث الحالية **النموذج الأصلي:** الخليط المتناقض — مملة وعميقة، ثرثارة وفطنة | الصفة | التجلي في القصة | |---|---| | الثرثرة المزمنة | تتكلم بلا توقف — تقاطع، تعلّق على كل شيء، تقول ما لا يجب قوله | | حب المقالب والمرح | تفتعل المواقف المضحكة حتى في أحلك اللحظات — نفض الطعام، أكل بشراهة، تعليقات ساخرة | | صناعة الكوميديا | هي مصدر الضحك في القصة — حتى وهي كبيرة لا تتوقف عن المزاح | | الملل من الصمت | لا تطيق اللحظات الهادئة — تملأها بكلام أو فعل | | الفطنة المخفية | تكتشف الشباك بالظلام، تشعل النار وحدها، تقود القارب | | الانجراف العاطفي | تنجذب للكلام المعسول — مشهد الشاب في السوق | | **البذرة المظلمة** | تتبع هيلة بسهولة — قابلة للانقياد لا بشر أصيل بل بضعف | **التحول الدرامي:** 1. **الجزء الأول:** الشخصية المحبوبة — تخفف حدة المآسي بمزاحها (وتستمر هكذا حتى وهي كبيرة) 2. **بعد الزواج:** تتبع هيلة في الحسد — ليس بدافع شرير بل بالانقياد 3. **التنفيذ:** تحمل الأطفال وتلقيهم في دجلة — يداها تفعل ما خطط عقل هيلة 4. **مأساتها الخاصة:** الأقدر على الندم لكنها لا تجرؤ على مواجهة هيلة **مرح ربيعة — قاعدة سردية ثابتة:** > ربيعة مصدر الكوميديا في كل فصل تظهر فيه — سواء كانت طفلة بعمر 5 أو شابة بعمر 15 أو امرأة متزوجة. تعليقاتها، مقالبها، طريقة أكلها، ردودها غير المتوقعة — كلها تخفف على القارئ وتجعله يحبها. وهذا ما يجعل خيانتها مؤلمة أكثر. **حلمها عند سياج القصر:** يعكس حبها للخبز والمعجنات — فتتزوج الخباز [يُفصّل] --- ### شخصيات مساندة — الجيل الثاني #### ضاري — بائع السمك واللحوم وصاحب المطعم 🐟 - **العمر:** بداية الأربعين - **الصفة الجوهرية:** الوفاء الصامت — يحب ثريا ولم يبُح لها - **معرفته بثريا:** علاقة تجارية حصرية تحولت لحب من طرف واحد — يعرف العربة من مشيتها - **خبرته:** يخمّن وزن البضاعة من مشي الحمار وتمايل العربة - **السر:** كان يخطط لأمر ما مع ثريا (خطبتها؟) — صدمه خبر موتها وحطم آماله - **صراعه:** يريد مساعدة البنات وفاءً لأمهن ← زوجته الغيورة تشعل بيته - **ابنه شدّاد:** 13 سنة، يعمل في الدكان، جميل المظهر، ينادي أباه "يا أبتي" - **الحمار ورائحة السمك:** لا يطيق ضاري — عنصر كوميدي متكرر - **عماله:** يفرزون السمك ويبيعونه بالتفاوض مع الباعة #### زوجة ضاري (تُسمى لاحقاً) - **الدافع:** غيرة طبيعية — ثلاث شابات جميلات (18، 16، 15) في بيت زوجها الذي في الأربعين - **ليست شريرة بالمطلق:** امرأة تحمي عشها — القارئ يجب أن يتفهمها - **نتيجة الصراع:** شجار عنيف يسمعه البنات ← يهربن ليلاً #### رشيدة — المرأة النبيلة 🫀 - **الدور:** أول لمسة إنسانية بعد الكارثة — تعطيهن خبزاً وتمراً ولبناً وحماراً مُعاراً - **ابنها المراهق:** غير راضٍ عن كرم أمه — يبدو مستاءً (بذرة صغيرة) - **راضي:** طفل يلعب مع مجموعة أطفال — تعطيه موزة سمكتين مقابل جلب خبز #### رومي — الكلب 🐕 - **الأدوار الدرامية:** - ينبح ليحذر من العاصفة - يسحب جسد ثريا تحت النخيل قرب التنور - يحرس البنات على التل - يقاتل الذئاب ببسالة — "الكثرة غلبت الشجاعة" - **مصيره:** يُفقد في معركة الذئاب — مصيره مجهول - **بذرة للجزء الثاني:** هل يعود؟ --- ### الجيل الثالث (الفروع) — أبناء موزة **ترتيب الولادة:** رحّال (الأكبر) ← خيزرانة (الوسطى) ← علي (الأصغر) #### رحّال — الابن الأكبر 🧭 - **الاسم ودلالته:** من الرحيل والترحال — اسمه صار قدره عندما نُفي - **ترتيب سرقته:** أول من سُرق من أمه — أول صندوق في دجلة - **مكان نفيه عند العقبان:** الأبعد — نُفي بضربة جناح (انتقال عبر الوسط) - **في مواجهة العقبان:** يتحدى ويفوز في العقبان السبعة ← يخسر عند الأم العنقاء لأن اختبارها يحتاج حناناً لا قوة - **شخصيته:** [تُبنى بالتفصيل عند كتابة فصول الجيل الثالث] #### 🕊️ خيزرانة — البنت الوسطى - **الاسم ودلالته:** الخيزرانة — لينة لكن لا تُكسر (كالخيزران) - **ترتيب سرقتها:** ثاني من سُرقت — ثاني صندوق في دجلة - **الصفة الجوهرية:** الحنان اللبق — ترى ما لا يراه غيرها، وتعرف بلباقة كل الحيل - **ورثت من جدتها ثريا:** الصبر والرعاية - **ورثت من أمها موزة:** الإصرار والشجاعة - **قدرتها الخاصة:** ترى الألم والحاجة خلف غدر العقبان — تساعد المجروح قبل التحدي - **المعادلة:** الحنان يكسر ما لا تكسره القوة ولا يفك شفرته الدهاء - **لماذا نجحت:** لأن الأم العنقاء كسرت المنهاج من أجلها — بدل الريشات الثلاث قالت لها مباشرة "ما طلباتك الثلاث وأنا أساعدك" — لأن فشلها بالطريقة العادية مؤكد - **أمنياتها الثلاث:** 1. جلب أخيها رحّال من المنفى 2. جلب أخيها علي من المنفى 3. معرفة الحقيقة عن أصلهم - **دورها في الجزء الثاني:** تذهب لجلب العقبان السبعة للمشاركة في معركة بغداد #### علي — الابن الأصغر (الثالث) ⚡ - **الاسم ودلالته:** العلو والقوة - **ترتيب سرقته:** آخر من سُرق — ثالث صندوق في دجلة - **مكان نفيه:** نُفي أيضاً بعد فوزه بالعقبان وخسارته عند الأم - **شخصيته:** [تُبنى لاحقاً] --- ### شخصيات الجيل الثالث المساندة #### الشيخ الحكيم 📿 - **الصفة الجوهرية:** الصمت الحامي — يعرف المؤامرة ولا يبوح حماية للأطفال - **كيف وجدهم:** ثلاثة صناديق خشبية ملكية في دجلة — واحداً تلو الآخر على مدى سنوات - **مكانه:** يعيش وحده - **صفاته:** حكيم ومجاهد عظيم — علّمهم كل شيء - **لماذا صمت:** يعرف المؤامرة لكنه لم يسأل ولم يتحرك كي لا يحيطهم بالخطر - **الكشف:** على فراش الموت يخبرهم بما يخمّنه — أنهم إخوة — يعطيهم المهمة - **إرثه:** يتركهم أغنياء جداً ومتعلمين لكن بلا هوية - **خيزرانة والأخوة:** البنت عطوفة ومحبة، جمعت أخويها حولها حتى لو لم يكونوا إخوة بالفعل — توافقوا على ذلك قبل أن يعرفوا الحقيقة #### تمركز الأبناء بعد وفاة الشيخ: - بيت قرب سور المدينة بين السور ونهر دجلة - في المكان المشكوه أنهم رُميوا منه - كثرة سؤالهم أذاعت صيتهم — القاصي والداني يعرف قصتهم --- ## ٤. عالم العقبان — النظام الكامل ### الدخول إلى عالم العقبان 🌀 - **ليس على الأرض:** عالم آخر — حقبة مختلفة، كأنك تدخل بُعداً موازياً - **إيجاده صعب:** يحتاج اتباع علامات محددة وأداء طقوس محددة - **الرابط العلمي:** الدخول = عبور حاجز في الوسط المشحون — يحتاج تردداً محدداً وظروفاً خاصة ### العقبان السبعة 🦅×7 - **طبيعتهم:** متحدون، غادرون — لا يُعرف ما يخططون له - **المهمة:** انتحارية — لم ينجُ منها أحد قبل أبناء موزة - **الامتحان:** تصاعدي — كل عقاب أصعب من سابقه - **آلية النفي:** بضربة جناح واحدة — انتقال عبر الوسط (ليس مسافة جغرافية) — الاتجاه معروف لكن الآلية غامضة ### نظام المكافأة 🪶 - **من يجتاز العقبان السبعة جميعاً:** يُمنح ثلاث ريشات - **كل ريشة:** عند حرقها يطلب صاحبها أمنية فتتحقق - **المجموع:** ثلاث ريشات = ثلاث أمنيات ### مواجهات الأبناء الثلاثة: #### رحّال (الأكبر) — المحارب - يتحدى العقبان السبعة ← **يفوز** ✓ - يصل للأم العنقاء ← **يخسر** ✗ - **سبب الخسارة:** اختبار الأم يحتاج حناناً لا قوة — رحّال محارب لكنه لا يملك مفتاح الرحمة - **النتيجة:** يُنفى بضربة جناح #### علي (الأصغر) — القوي - يتحدى العقبان السبعة ← **يفوز** ✓ - يصل للأم العنقاء ← **يخسر** ✗ - **سبب الخسارة:** نفس السبب — القوة وحدها لا تكفي - **النتيجة:** يُنفى بضربة جناح #### خيزرانة (الوسطى) — الحنونة اللبقة - تصل لعالم العقبان ← تجد عقاباً مصاباً قبل بدء التحدي - **اللحظة الفارقة:** رغم ألمها وفقدان أخويها — لا تتوقف عن الحنان والمساعدة - ترى في العقبان ما لا يراه غيرها — الألم خلف الغدر - تتقدم: كلما ساعدت أحدهم كشفوا لها جزءاً من الحقيقة — على مراحل - تصل للأم العنقاء ← **الأم تكسر المنهاج** - **بدل نظام الريشات:** تقول لها الأم العنقاء مباشرة "ما طلباتك الثلاث وأنا أساعدك" - **لماذا كسرت المنهاج:** لأن فشل خيزرانة بالطريقة العادية مؤكد — الحنان لا يحرق ريشات - **الأمنيات الثلاث:** رحّال ← علي ← الحقيقة ### الرابط العلمي لعالم العقبان: | العنصر | المفهوم الفيزيائي | |---|---| | عالم العقبان (بُعد آخر) | حقبة/طبقة في الوسط المشحون — ليست على سطح الأرض | | الطقوس والعلامات للدخول | ضبط التردد الصحيح لعبور حاجز الوسط | | ضربة جناح العقاب (النفي) | اضطراب في الوسط ينقل الكائن عبره | | سبع مراحل تصاعدية | سبع طبقات/ترددات في الوسط — كل طبقة بتردد مختلف | | الحنان يكسر الغدر | الرنين التوافقي يخترق حاجزاً لا تخترقه القوة الغاشمة | | الأم العنقاء تكسر المنهاج | حالة استثنائية في النظام — كالحالة الكمية التي تكسر القواعد الكلاسيكية | | ضربة جناح العنقاء (النقل) | موجة في الوسط المشحون تفتح ممراً للانتقال | --- ## ٥. هيكل الفصول — الجزء الأول ### القوس الأول: الجذور (فصول 1-3) — الخسارة | الفصل | العنوان المقترح | المحتوى | ملاحظات سردية | |---|---|---|---| | 1 | أبطال خلف الجبل | هجوم جواد الليلي — الاكتشاف — المعركة — الأسر (يُظن استشهاداً) | أعمار البنات: 8، 6، 5 | | 2 | وادي النخيل | حياة الأسرة بعد 10 سنوات — الطبخ، الصيد، الزراعة، النسيج — شخصيات البنات وهن شابات | الأعمار: 18، 16، 15. إبراز مرح ربيعة ودهاء هيلة وقيادة موزة | | 3 | ليلة كل شيء | العاصفة — موت ثريا — رومي يسحب الجثة — الحريق — الذئاب — الفيضان — ضياع رومي — المبيت فوق التل | لحظات تنفس بين الكوارث | ### القوس الثاني: الساق (فصول 4-7) — الطريق إلى بغداد | الفصل | العنوان المقترح | المحتوى | ملاحظات سردية | |---|---|---|---| | 4 | الصباح الأول | الاستيقاظ — حلم موزة المزعج — ربيعة تشعل النار وتصطاد — قرار المغادرة | ربيعة تصنع كوميديا حتى في المأساة | | 5 | رشيدة والحمار | رشيدة تعطيهن الطعام والحمار — الطريق — لقاء الأطفال — راضي | المراهق المستاء — بذرة | | 6 | سوق السمك | دخول بغداد — أبواب المدينة — التجار — الحارس المبتز — ضاري يدفع 80 درهم — الدكان — حوض السمك | عالم السوق بكل تفاصيله | | 7 | بيت الغيرة | ضاري يكشف عن مشاعره لثريا — ضيافته — الزوجة الغيورة — الشجار — هروب البنات ليلاً | ربيعة تخفف المواقف بمزاحها حتى في الهروب | ### القوس الثالث: التاج (فصول 8-10) — القصر | الفصل | العنوان المقترح | المحتوى | ملاحظات سردية | |---|---|---|---| | 8 | شوارع بغداد المدورة | التجوال — السوق يغلق — يسرعن لشراء خبز — شاب يتغزل بربيعة فتسبل لكلامه — هيلة تقاطع بالخبز — موزة تسأل عن طريق القصر — وصف بغداد المزدهرة — العسس ومواقف مضحكة — **جلسة التنفس:** يتذكرن الأب — "ليته حي" — ذكر المغول وخططهم الجديدة | مرح ربيعة مستمر. التحرش في السوق. جلسة التنفس = بذرة الجزء الثاني | | 9 | ثلاثة أحلام عند السياج | المبيت قرب سور القصر — الجوع — كل أخت تحلم حلمها — الملك يسمع | اللحظة الذهبية — كل حلم يكشف الشخصية | | 10 | الملك وبنات جواد | الملك يستدعيهن — موزة تحكي تضحية أبيها — الملك يتعرف على القصة — الزواج الثلاثي | موزة/الأمير — هيلة/القصاب — ربيعة/الخباز | ### القوس الرابع: الثمار المُرّة (فصول 11-14) — الحسد والمؤامرة | الفصل | العنوان المقترح | المحتوى | ملاحظات سردية | |---|---|---|---| | 11 | قصر وكوخ | حياة موزة ملكة مقابل حياة أختيها — بداية الحسد والتذمر | ربيعة ما زالت تمزح لكن المرارة تتسلل | | 12 | الصندوق الأول | ولادة رحّال — هيلة تخطط وربيعة تنفذ — يُلقى في دجلة بصندوق ملكي — يُخبرن موزة أنها ولدت كلباً | موزة تصدق أخواتها — نقطتها العمياء | | 13 | الصندوق الثاني والثالث | تكرار المؤامرة مع خيزرانة ثم علي — موزة تربي ثلاثة كلاب — الملك يحبها رغم كل شيء | هيلة وربيعة يائستان: خططهن فشلت في فصل الملك عنها | | 14 | الشيخ والنهر | الشيخ يجد الصناديق — يربي الأطفال — يعلمهم — يصمت سنوات — فراش الموت — الكشف | خيزرانة تجمع أخويها — يتمركزون قرب السور | ### القوس الخامس: الأجنحة (فصول 15-20) — رحلة العقبان | الفصل | العنوان المقترح | المحتوى | ملاحظات سردية | |---|---|---|---| | 15 | العرافتان | هيلة وربيعة ينتحلن صفة عرافات — يرسلن الأبناء للعقبان: "إن تجاوزتموهم ستخبركم الأم بالحقيقة وإلا يأكلكم أي عقاب أخطأتم عنده" | هيلة العقل المدبر — ربيعة المنفذة | | 16 | سبعة أجنحة | رحّال يجد العلامات — يؤدي الطقوس — يدخل عالم العقبان — يتحدى السبعة ويفوز — يخسر عند الأم — يُنفى | وصف عالم العقبان: حقبة أخرى، ليست الأرض | | 17 | سبعة ظلال | علي يتبع خطى أخيه — يفوز بالعقبان — يخسر عند الأم — يُنفى | كلا الأخوين قويان لكنهما يفتقدان مفتاح الحنان | | 18 | العقاب المجروح | خيزرانة تصل — تجد عقاباً مصاباً — تساعده قبل أن يبدأ التحدي — رغم فقدانها أخويها لا تتوقف عن الحنان | اللحظة الفارقة — "ترى ما لا يراه غيرها" | | 19 | على مراحل | خيزرانة تتقدم — كل عقاب تساعده يكشف لها جزءاً من الحقيقة | بناء تصاعدي — الحقيقة تتكشف قطعة قطعة | | 20 | ثلاث أمنيات | تصل للأم العنقاء — الأم تكسر المنهاج — "ما طلباتك الثلاث" — رحّال ← علي ← الحقيقة | ذروة الجزء الأول | ### القوس السادس: الجذور تعود (فصول 21-23) — الحقيقة | الفصل | العنوان المقترح | المحتوى | ملاحظات سردية | |---|---|---|---| | 21 | على ظهر العنقاء | العنقاء تحمل خيزرانة — البحث عن رحّال ثم علي — الانتقال عبر الوسط المشحون | الرابط العلمي في ذروته | | 22 | لمّ الشمل | الأبناء الثلاثة يعودون — يواجهون الملك — صيتهم يسبقهم — الناس تعرف قصتهم | التمهيد لكشف الحقيقة | | 23 | ميزان العدل | الحقيقة تُكشف — مصير هيلة وربيعة — موزة تعرف — مصير الكلاب — تمهيد للجزء الثاني: الأب حي والمغول قادمون | الختام المفتوح | --- ## ٦. الروابط العلمية — الخيال كوعاء للنظرية | العنصر الخيالي | المفهوم العلمي المغلف | التفصيل | |---|---|---| | عالم العقبان (بُعد آخر) | حقبة/طبقة في الوسط المشحون | ليس على الأرض — حقبة مختلفة يُدخل إليها بطقوس وعلامات | | الطقوس والعلامات للدخول | ضبط التردد الصحيح لعبور حاجز الوسط | كالتردد الذي يفتح قفلاً — ليس أي تردد يعمل | | ضربة جناح العقاب (النفي) | اضطراب موجي في الوسط | ينقل الكائن عبر الوسط — الاتجاه معروف والآلية غامضة | | سبع مراحل تصاعدية | سبع طبقات ترددية | كل طبقة بتردد مختلف وصعوبة أعلى | | حنان خيزرانة يكسر الغدر | الرنين التوافقي | التردد الصحيح (الحنان) يخترق حاجزاً لا تخترقه القوة الغاشمة | | الأم العنقاء تكسر المنهاج | الحالة الاستثنائية في النظام | كالحالة الكمية التي تكسر القواعد الكلاسيكية | | ضربة جناح العنقاء (النقل) | موجة في الوسط المشحون | تفتح ممراً للانتقال — ليس طيراناً عادياً | | صناديق الأطفال في دجلة | النهر كوسط ناقل | الماء يحمل لا يُغرق — الوسط يحفظ لا يدمر | | تولد العنقاء من رمادها | حفظ الطاقة | الطاقة لا تفنى — تتحول | --- ## ٧. قواعد السرد — دستور الكتابة 1. **كل مشهد خيالي يحمل نواة علمية قابلة للبحث** 2. **كل شخصية تتصرف وفق صفاتها الجوهرية — لا استثناء بدون تبرير درامي** 3. **التفاصيل الحسية أولاً:** اللباس، الطعام، الرائحة، الصوت — يُشرح كل شيء في وقته المناسب 4. **الحوار يكشف الشخصية:** موزة تقود، هيلة تحلل بلا عاطفة، ربيعة تعلّق وتمزح وتقاطع 5. **مرح ربيعة ثابت في كل فصل:** حتى وهي كبيرة — مقالب، تعليقات، مواقف مضحكة — هذا دستور 6. **لحظات التنفس إلزامية:** بعد كل أزمة مشهد هدوء — ذكريات، مزاح، تأمل 7. **البذور المبكرة:** كل حدث في الجزء الثاني يُزرع في الأول (الأب، المغول، رومي) 8. **مشاهد بغداد:** وصف المدينة المدورة المزدهرة قبل السقوط — الشوارع، الأسواق، التحصينات، الحياة 9. **اللغة:** عربية فصحى سلسة + مفردات عراقية أصيلة 10. **التصحيح اللغوي:** تاء التأنيث الساكنة (تْ) لا المضمومة (تُ)، إملاء صحيح، حفاظ على نَفَس الراوي الشعبي --- ## ٨. الجزء الثاني — الرؤية النهائية ### الرؤية النهائية — مطابقة التاريخ مع بطولة العائلة القصة تسير مع التاريخ لا ضده. ثلاث محطات تاريخية حقيقية تشكّل العمود الفقري: **المحطة الأولى — سقوط بغداد (فبراير 1258م):** - بغداد تسقط تاريخياً — لا تغيير - الأب جواد يُحرر من أسر المغول (يهرب أو يُطلق في فوضى الحملة) - يصل بغداد فيجدها **في بداية سقوطها** — الدمار يبدأ - **مهمته ليست القتال** — بل المهمة المستحيلة: إنقاذ عائلته والهرب من بغداد المحاصرة - أب عاد من الموت بعد سنوات ليجد بناته ملكات وأحفاده مشتتين — ويجد مدينته تحترق - **لا يحارب — ينقذ ويهرب** — البطولة هنا في الحب لا في السيف **المحطة الثانية — الهروب والتجميع:** - جواد يجمع عائلته (موزة، أبناءها الثلاثة، ربما هيلة وربيعة بعد كشف الحقيقة) - الهروب من بغداد المحترقة — مشاهد مأساوية تاريخية حقيقية - خيزرانة تذهب لجلب العقبان السبعة — حلفاؤها من الجزء الأول - **العقبان لا ينقذون بغداد** — بغداد سقطت — لكنهم يساعدون العائلة على النجاة **المحطة الثالثة — معركة عين جالوت (سبتمبر 1260م):** - **المعركة الفاصلة** التي هُزم فيها المغول لأول مرة - الملك المظفر سيف الدين قطز يقود المماليك - جواد يشارك كمحارب/ثائر في هذه المعركة — يعود بطلاً كما بدأ - **الدائرة الكاملة:** بدأ بهجوم ليلي فاشل على المغول ← ينتهي في المعركة التي هزمتهم فعلاً ### لماذا هذا البناء عبقري: 1. **التاريخ يُحترم:** بغداد تسقط، عين جالوت تنتصر — كلاهما حقيقي 2. **الأمل لا يموت:** السقوط ليس النهاية — بعد سنتين تأتي عين جالوت 3. **الأب يكتمل:** من أسير يُظن ميتاً ← إلى منقذ عائلته ← إلى محارب في المعركة الفاصلة 4. **الرسالة:** الحنان ينقذ العائلة (الجزء الأول) ← الشجاعة تنقذ الأمة (الجزء الثاني) 5. **ربط الأجيال:** جواد + أبناء موزة + العقبان = ثلاثة أجيال وثلاثة عوالم يتحدون --- ## ٩. الجزء الثاني — الخط الزمني والبذور ### الخط الزمني: | التاريخ | الحدث التاريخي | الحدث في القصة | |---|---|---| | يناير 1258م | بداية حصار بغداد | جواد يُحرر/يهرب من الأسر | | فبراير 1258م | سقوط بغداد | جواد يصل بغداد — يجدها تسقط — المهمة المستحيلة: إنقاذ العائلة | | 1258-1260م | فترة الفوضى والهروب | تجميع العائلة — خيزرانة تجلب العقبان — الهروب من العراق | | سبتمبر 1260م | معركة عين جالوت | جواد يحارب مع قطز — المغول يُهزمون — الدائرة تكتمل | ### البذور المزروعة في الجزء الأول: | البذرة | مكانها في الجزء الأول | ثمارها في الجزء الثاني | |---|---|---| | "ليته حي" | الفصل 8 — جلسة التنفس | جواد حي فعلاً ويعود | | المغول يخططون بأسلوب جديد (الحصار) | الفصل 8 — خلفية تاريخية | حصار بغداد وسقوطها | | علاقة خيزرانة بالعقبان | الفصول 18-20 | تجلبهم للمساعدة في الجزء الثاني | | مصير رومي المجهول | الفصل 3 — معركة الذئاب | يعود في الجزء الثاني؟ | | شجاعة جواد وتخطيطه | الفصل 1 | يستخدم نفس المهارات في الهروب وعين جالوت | | مهارات موزة القيادية | كل الفصول | تقود العائلة أثناء فوضى السقوط | --- *هذه الوثيقة حية — تتطور مع كل فصل نكتبه* *النسخة: ٣ — محدّثة برؤية فاضل النهائية للجزء الثاني* *آخر تحديث: مارس ٢٠٢٦* ============================================================ # اخوات موزة الفصل الاول ============================================================ # أخوات موزة --- ## المدخل --- ‎ > *«من ملك الملوك شرقاً وغرباً، القان الأعظم.* > > *يَعلم الملك المظفر قطز، الذي هو من جنس المماليك الذين هربوا من سيوفنا إلى هذا الإقليم...* > > *أنّا نحن جند الله في أرضه، خلقنا من سخطه، وسلّطنا على من حلّ به غضبه.* > > *فنحن ما نرحم من بكى، ولا نرقّ لمن اشتكى.* > > *فأيّ أرض تأويكم، وأيّ طريق تنجيكم، وأيّ بلاد تحميكم؟* > > *فما لكم من سيوفنا خلاص، ولا من مهابتنا مناص.* > > *فلا تطيلوا الخطاب، وأسرعوا بردّ الجواب، قبل أن تضرم الحرب نارها، وترمي نحوكم شرارها، فلا تجدون منّا جاهاً ولا عزّاً، ولا كافياً ولا حرزاً، وتصبح بلادكم منكم خالية.* > > *فقد أنصفنا إذ راسلناكم، وأيقظناكم إذ حذّرناكم.* > > *فما بقي لنا مقصد سواكم.»* ‎ --- هذه الرسالة وصلت إلى مصر. لكنها لم تكن الأولى، ولن تكون الأخيرة. فقبلها وصلت رسائل مثلها إلى بغداد، وإلى دمشق، وإلى حلب، وإلى كل مدينة وقفت في طريق الجيش القادم من خلف الجبال. بعض تلك المدن أجابت بالصمت فأُبيدت. وبعضها أجابت بالخضوع فأُذلّت. وبعضها لم تصلها الرسالة أصلاً — جاءها السيف قبل الحبر. في ذلك الزمان — زمان الرسائل التي تسبق الجيوش كما يسبق الظلّ صاحبه — كان العالم يتغيّر بسرعة لم يعتدها أحد. مدن كانت بالأمس مليئة بالناس والكتب والأسواق، أصبحت اليوم ركاماً ورماداً. ممالك كان ملوكها يجلسون على عروش من ذهب، أصبح ملوكها يُركلون في التراب ويُداسون بحوافر الخيول. والناس — الناس العاديون الذين لا علاقة لهم بالملوك ولا بالرسائل — هم من يدفعون الثمن دائماً. كان الجميع يعرف أن العاصفة قادمة. لكن لا أحد يعرف متى تصل، ولا من تبتلع أولاً. ‎ --- ‎ ## الفصل الأول: أبطال خلف الجبل --- ‎ كانت السماء صافية صفاءً لا يُطمئن، والقمر معلّق في وسطها كعين مفتوحة لا ترمش، يسكب نوره البارد على السهل الممتد خلف سلسلة جبال حمرين، حيث نصبت طلائع جيش المغول خيامها — عشرات الخيام المصنوعة من جلود الخيل والأبقار، بُنّية اللون، قصيرة، مرصوصة بلا نظام ظاهر لكن بنظام يعرفه أصحابها. على كل خيمة شعار مرسوم بدم مجفف أو بطين أحمر — رموز القبائل والفرق. وفي الوسط خيمة أكبر قليلاً عليها راية سوداء مشقوقة الطرف تتمايل في النسيم — راية قائد الطليعة. هؤلاء ليسوا الجيش. هؤلاء عيونه. فرق استطلاع أرسلها بايجو نويان لتتحسس الطرق وتختبر قوة أهل هذه الأرض وتعدّ الممرات وترسم الخرائط في رؤوسها قبل أن يأتي الجيش الحقيقي بعد سنوات. جاؤوا من خلف الجبل، من أرض كرمانشاه التي نهبوها ومن ديار بكر التي ذبحوا أكرادها، ومن كل بقعة داستها حوافر خيولهم القصيرة الصلبة التي تأكل أي عشب وتشرب أي ماء وتمشي أي أرض — خيول لا تعرف التعب ولا يعرف أصحابها الرحمة. كان الفرق بين هؤلاء القادمين وبين ما يقف خلف الجبل واضحاً كالفرق بين الليل والنهار. خلف الجبل — باتجاه بغداد — تقف أعظم مدينة عرفتها الأرض: بغداد المدوّرة، مدينة السلام، حاضرة الدنيا التي فيها ألف مكتبة ومئة حمام وأسواق تمتد حتى يتعب الماشي قبل أن يصل آخرها. مدينة فيها البيمارستانات التي تعالج المرضى مجاناً، والمدارس التي يأتيها طلاب العلم من أقصى الأرض، وقصور الخلفاء التي تلمع قبابها تحت الشمس كأنها أقمار وُضعت على الأرض. أما هؤلاء القادمون — فخيامهم من جلود مسلوخة، وطعامهم لحم خيولهم إذا ماتت ولبن أفراسهم إذا عاشت، ولا يعرفون الكتابة ولا يبنون داراً ولا يزرعون أرضاً. لكنهم يعرفون شيئاً واحداً أتقنوه حتى صاروا فيه أسياد العالم: الحرب. في تلك الليلة، وبينما كان المعسكر يغرق في سكون حذر، تحركت خمسة ظلال بين الصخور عند سفح الجبل. --- كان جواد في المقدمة. رجل عظيم الجثة، عريض الكتفين، يمشي بخطوات محسوبة كأنه يعدّ الأرض قبل أن يطأها. خلف ظهره سيفان طويلان متقاطعان، وعلى جانبَي خصره سيفان آخران أقصر — أربعة سيوف تتحرك معه كأنها أطراف إضافية نبتت من جسده. على صدره درع أصغر مشدود بأربطة جلدية، وفي وسطه حامل مصنوع خصيصاً لقوس قصير جاهز للسحب السريع. وخلف ظهره فوق السيفين درع أكبر يغطي عرض كتفيه. وعلى كل جانب من خصره، فوق السيفين القصيرين تماماً، حاوية سهام مربوطة بإحكام حتى لا تصدر صوتاً عند الحركة. هكذا كان يتسلّح كل واحد من الأبطال الخمسة — آلة حرب كاملة تمشي على قدمين. التفت جواد إلى رفاقه وأشار بيده إشارة صامتة. توقفوا. أنصتوا. لم يُسمع سوى أنفاسهم المكتومة وصوت الحشرات الليلية في العشب الجاف. من بعيد، وصلت أصوات خافتة — حارس مغولي يتمتم لنفسه وهو يمشي بين الخيام، وآخر يسعل سعلة جافة، وحصان يضرب الأرض بحافره ضربة واحدة كسولة ثم يسكت. همس جواد بصوت لا يتجاوز شفتيه: — خيمة القائد في الوسط. فيها رأس الأفعى. لا نتوقف عند أي خيمة أخرى. إذا وصل أحدنا قبل الباقين فلا ينتظر — يدخل ويُنهي الأمر. المهم ألّا نخرج من هنا قبل أن ينتهي كل شيء. هزّ الأربعة رؤوسهم في صمت. كانت وجوههم ملطّخة بالطين الأسود، وعيونهم تلمع تحت ضوء القمر بثبات من عرف أنه ربما لن يرجع. كان حامد — أصغرهم سناً وأسرعهم في الجري — على يمين جواد. وعلى يساره ناصر، الرجل الذي نادراً ما يتكلم ولا يُخطئ سيفه أبداً. وخلفهم اثنان: سلمان الذي لا ينام إلا على ظهر حصانه، وأبو طارق — أكبرهم سناً وأثقلهم خطوة — لكنه إذا أمسك برقبة فلا تفلت منه إلا بالموت. تسلّلوا بين الخيام الأولى كظلال. رائحة الخيل وروثها تملأ المكان، ممزوجة بدخان نيران خامدة ورائحة لحم مشوي بقيت عالقة في الهواء من عشاء الجنود. كانت الأرض رخوة تحت أقدامهم — مداسة بمئات الحوافر حتى صارت طينية ليّنة — وهذا ساعدهم، إذ كانت خطواتهم تغوص فيها بلا صوت. تجاوزوا خيمتين... ثلاثاً... أربعاً. كانوا يقتربون. رأى جواد الخيمة الكبرى أمامه — أوسع من غيرها، وعلى ذروتها شعار محفور في قطعة جلد مشدودة، وأمام بابها رمحان مغروزان في الأرض عليهما رايات. عشرون خطوة. عشر خطوات. ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. --- كانت حبال الخيام المغولية تُشدّ إلى أوتاد مدفونة في الأرض وتمتد منخفضة — لا تراها العين في الظلام لأنها من الجلد الأسود المدبوغ. وكان حامد يتقدم بسرعة أكبر مما ينبغي، عيناه مثبّتتان على الخيمة الكبرى، قدماه تسبقان حذره. علقت قدمه بالحبل. لم يكن سقوطاً عادياً. تشابكت ساقه بالحبل فسحبه سحباً، وسحب معه الوتد الذي اقتُلع من الأرض بصوت غليظ، فارتخى جانب كامل من الخيمة القريبة وانهار على من فيها. ارتطم حامد بالأرض، لكن الخيمة المنهارة أحدثت ما هو أسوأ — سقطت على حصانين مربوطين خلفها. فزع الحصان الأول ورفع قائمتيه الأماميتين وصهل صهيلاً عالياً قطع سكون الليل. تبعه الثاني، ثم الثالث من الخيمة المجاورة. في لحظات، كان صهيل الخيول ينتقل من مكان إلى مكان كأنه وباء، والحوافر تضرب الأرض بقوة — دقّ متواصل يهتز له الصدر — فأثارت غباراً كثيفاً بدأ يبتلع ضوء القمر. خرج أول جندي مغولي من خيمته وهو نصف نائم، يحمل سيفاً بيد ويفرك عينيه بالأخرى. لم يفرك الثانية. كان سيف ناصر أسرع. --- تحوّل التسلل إلى معركة في لحظة واحدة. لم يعد هناك مكان للصمت ولا للتخفّي. صرخ جواد صرخة واحدة عميقة — ليست صرخة خوف بل نداء حرب — فعرف رفاقه أن الخطة تبدّلت: لم يعد الهدف الوصول إلى خيمة القائد، بل قتل أكبر عدد ممكن وزرع أكبر قدر من الفوضى في هذه الطليعة حتى لا ترسل أخباراً سليمة لمن خلفها. سحب جواد سيفيه الطويلين من خلف ظهره بحركة واحدة سلسة تمرّن عليها ألف مرة حتى صارت كالتنفس. في كل يد سيف، وفي كل سيف امتداد لذراعه. كان يدور وسط الخيام — يضرب يميناً ويطعن شمالاً ويتحرك بخفّة لا تناسب جسمه الضخم. وخلفه سلمان يحمي ظهره بالدرع الكبير ويضرب بالسيف القصير كل من يحاول الالتفاف عليهم. حامد — رغم سقوطه — قفز كالنابض وأخرج سيفيه وهجم على الجنود الذين خرجوا من الخيمة المنهارة متعثرين في القماش. كان يضرب بسرعة مرعبة، ذهاباً وإياباً. ناصر تحرك وحده نحو الخيمة الكبرى. كان لا يزال يحاول إكمال المهمة الأصلية. قطع أربعة رجال في طريقه — بأربع ضربات — كل ضربة في مكانها كأنها مرسومة قبل أن تحدث. وصل إلى الباب. شقّ القماش بسيفه. لكنه وجد الخيمة فارغة — كان القائد قد استيقظ عند أول صهيل وخرج من الجهة الأخرى. أما أبو طارق فقد وقف عند ممر ضيق بين خيمتين — لا يتسع إلا لرجلين — وسدّه بجسمه ودرعيه. كل من حاول العبور ارتطم بجدار من حديد وعضلات. لم يكن يتحرك كثيراً — لم يكن يحتاج ذلك. كان يمسك ويكسر ويرمي. --- كانت الطليعة المغولية تضم ما يقارب ثمانين فارساً ومقاتلاً. خمسة رجال فقط أوقعوا فيهم خسائر لم تكن في حسبانهم — ليس لأنهم أكثر عدداً، بل لأنهم جاؤوا ليموتوا. والرجل الذي جاء ليموت يختلف عن الرجل الذي يحارب ليبقى حياً — فالأول لا يتردد ولا يحسب خطوته التالية، يضرب كأن كل ضربة هي الأخيرة. والمغول — رغم شراستهم — لم يتوقعوا هذا النوع من الجنون المنظّم. سقط حامد أولاً — سهم في رقبته من الخلف وهو يقاتل ثلاثة في وقت واحد. بقي واقفاً يضرب وهو يختنق بدمه، ثم سقط على ركبتيه وأخيراً على وجهه في التراب. ثم أبو طارق — لم يُسقطه سيف. وقف ساعة يسدّ ذلك الممر حتى خارت قواه ووقع كجدار مهدوم. طعنوه وهو على الأرض طعنات كثيرة — خافوا أن يقوم مرة أخرى. ثم سلمان — مات وهو يحمي ظهر جواد. سيف مغولي طويل شقّ جنبه من تحت الدرع. التفت إلى جواد بعينين مفتوحتين وعلى وجهه ما يشبه الاعتذار، ثم انزلق إلى الأرض بلا صوت. بقي ناصر وجواد — ظهراً لظهر وسط بحر من الرجال. كان ناصر ينزف من كتفه اليسرى لكن يده اليمنى لم تُبطئ. قاتل حتى كُسر سيفه، فسحب الثاني وقاتل به حتى سقط مثخناً بالجراح. لم يرَ جواد لحظة سقوطه — كان مشغولاً بحلقة تضيق حوله. بقي جواد وحده. --- لم يستسلم. قاتل حتى كُسر أحد سيفيه. سحب الثالث من خصره. ثم كُسر الثاني فسحب الرابع والأخير. لكن المغول لم يكونوا أغبياء. رأى قائد الطليعة — الذي كان يراقب من بعيد — هذا الرجل الوحيد الذي أنهك معسكره. رأى كيف يقاتل، كيف يدور، كيف يستبدل سيفاً بسيف دون أن يتوقف. وفهم شيئاً يفهمه كل قائد ذكي: هذا الرجل يعرف أسراراً. رجل بهذا المستوى من التدريب والتسليح والتخطيط — ليس مجرد مزارع أمسك سيفاً — هذا رجل يعرف كيف تفكر المملكة التي خلف هذا الجبل. أشار القائد إشارة واحدة. جاء الغدر من حيث لا يُنتظر. جندي أطلق حبلاً ثقيلاً مربوطاً بحجارة — سلاح الصيد المغولي الذي يستخدمونه لإسقاط الخيول — فالتفّ الحبل حول ساقَي جواد. سقط على ركبة واحدة. قبل أن ينهض ارتمى عليه أربعة من الخلف وأمسكوا ذراعيه. ضربوه بمؤخرة رمح في رأسه. ثم ضربة ثانية. ثم ثالثة. أُسقط سيفه الأخير من يده. رأى جواد الأرض تقترب من وجهه. سمع أصواتاً بعيدة كأنها تأتي من تحت الماء. شعر بالحبال تلتف حول معصميه. رفع رأسه مرة أخيرة — كان القمر لا يزال هناك، بارداً، لا يبالي. ثم أظلم كل شيء. --- وقف قائد الطليعة المغولية بعد الفجر ينظر إلى ما حلّ بمعسكره. خيام ممزقة. عربات مقلوبة. خيول هاربة لم تُسترد بعد. وحول كل واحد من الأبطال الأربعة الذين ماتوا — دائرة من الجثث كأنها دوائر حجر رُمي في ماء ساكن. خمسة رجال. خمسة فقط. وهذا ما فعلوه بفرقة استطلاع كاملة. تخيّل ما ينتظره إذا كان هذا ما يفعله خمسة من هؤلاء الناس. تخيّل المدينة التي خلف الجبل — بأسوارها وجيشها وشعبها. أرسل رسالة إلى بايجو نويان في تلك الليلة. كتب فيها ما رأى. وكتب توصيته: لا يمكن دخول هذه الأرض بالطريقة المعتادة. هؤلاء شعب يملك من الشجاعة والتخطيط والدهاء ما يجعل المواجهة المباشرة مكلفة جداً. يجب أن تكون الخطة مختلفة. يجب أن نحاصرهم. نقطع عنهم الماء والطعام. نخنقهم ببطء. الحصار. هذا ما قرروه. لكن ليس الآن. بعد سنوات. بعد أن يدرسوا كل طريق وكل ثغرة وكل نقطة ضعف. وسيأتون — ليس بفرقة استطلاع بل بأكبر جيش جمعه المغول في تاريخهم. لم يكن أحد في المملكة يعلم ذلك بعد. كل ما عرفوه أن خمسة أبطال خرجوا ولم يعد منهم أحد. وأن الطليعة انسحبت. وأن المملكة نجت — هذه المرة. --- وصل الخبر إلى الوادي بعد ثلاثة أيام. جاء رجل على ظهر فرس متعبة، وجهه مغبر وعيناه حمراوان من قلة النوم. سأل عن بيت جواد. دلّوه. مشى في الطريق الضيق بين النخيل حتى وصل إلى البيت الطيني الصغير القريب من النهر. كانت ثريا في الحديقة تنسج شبكة صيد جديدة، وبجانبها موزة — ثماني سنوات — تساعدها بأصابعها الصغيرة الدقيقة وهي تتعلم العقد. وهيلة — ست سنوات — جالسة تحت شجرة تراقب نملة تحمل فتاتاً أكبر منها وتتابع مسارها بصمت كامل، عيناها تتبعان كل حركة كأنها تحلّ لغزاً. وربيعة — خمس سنوات — تجري خلف الدجاجات وتضحك كلما هربت واحدة منها بطريقة مضحكة، ثم تقلّد طريقة جريها فتتعثر وتقع على مؤخرتها وتضحك أكثر، ثم تقوم وتجري مرة أخرى وهي تحكي للدجاجة كلاماً لا تفهمه إلا هي. نبح رومي — كلبهم — عندما اقترب الرجل. خرجت ثريا إلى الباب ونظرت في وجهه. لم تسأل. لم تكن بحاجة لأن تسأل. قرأت الجواب في عينيه قبل أن يفتح فمه. — جواد... بدأ الرجل. رفعت ثريا يدها فسكت. نظرت خلفها إلى بناتها الثلاث. موزة رفعت رأسها من الشبكة ونظرت إلى أمها بعينين واسعتين. هيلة التفتت من نملتها. حتى ربيعة توقفت عن الجري ووقفت ساكنة للمرة الأولى في يومها. فهمت موزة أولاً. ربما لأنها الأقرب لأبيها. ربما لأن في عينيها شيئاً من عينيه — ذلك الذكاء الذي يقرأ الوجوه قبل الكلمات. سقطت الشبكة من يديها. — أبي؟ قالتها بصوت خافت. لم تُجب ثريا. أدارت وجهها عن بناتها. كانت أكبر من أن تبكي أمامهن وأصغر من أن تحتمل بلا بكاء. مشت نحو التنور الطيني ووضعت يدها عليه كأنها تتكئ على الشيء الوحيد الذي لا يتحرك في عالمها، ثم جلست على الأرض بلا صوت. جاء الرجل بما يعرفه: أن الأبطال الخمسة قاتلوا حتى قُتلوا جميعاً. أن المعركة كانت شرسة. أن الطليعة المغولية انسحبت بسببهم. أن كل واحد منهم مات محاطاً بدائرة من الأعداء الذين أسقطهم. أن جثثهم لم تُعثر عليها — ربما دفنها المغول في طريق انسحابهم، أو ربما تركتها الصحراء تأخذها الرمال. لم يكن الخبر دقيقاً. لم يكن أحد يعرف ما حدث بعد أن أُظلمت الدنيا في عينَي جواد. لم يكن أحد يعرف إلى أين حُمل ذلك الجسد المقيّد الذي توقف عن المقاومة. لم يكن أحد يتخيل ما الذي ينتظر ذلك الرجل الذي أسقطه الحبل بعد أن عجزت السيوف عن إسقاطه. لكن ذلك كان سراً لن يعرفه أحد — لا اليوم، ولا غداً، ولا لسنوات طويلة قادمة. --- في تلك الليلة، وبعد أن نامت هيلة وربيعة متعانقتين على فراشهما الصغير، بقيت موزة مستيقظة. جلست بجانب أمها التي كانت تنظر إلى شعلة السراج بعينين جافتين. — أمي. — نعم يا موزة. — هل أبي كان يعرف أنه لن يرجع؟ صمتت ثريا لحظة. ثم قالت: — أبوكِ كان يعرف أن جلوسه بلا فعل أصعب عليه من كل شيء. هناك رجال لا يقدرون أن يجلسوا وهم يرون الخطر يقترب. أبوكِ كان من هؤلاء. — وماذا سنفعل بدونه؟ نظرت ثريا إلى ابنتها الكبرى. في عينَي موزة رأت شيئاً لم تره من قبل — ليس خوفاً ولا حزناً وحسب، بل شيئاً أعمق. شيئاً يشبه ما كانت تراه في عينَي جواد حين يقرر شيئاً لا رجعة فيه. — سنعيش، قالت ثريا. سنزرع ونحصد ونصطاد ونبيع ونأكل ونضحك ونبكي ونكبر. سنعيش يا موزة. هذا ما كان أبوكِ يريده. أسندت موزة رأسها على كتف أمها. ومن الغرفة المجاورة جاء صوت ربيعة وهي تتكلم في نومها — كلام غير مفهوم تتخلله ضحكة صغيرة — كأنها حتى في أحلامها لا تعرف كيف تسكت. ابتسمت ثريا رغم كل شيء. ‎ --- *عشر سنوات ستمرّ.* *ستكبر الصغيرات.* *وسيتبدّل كل شيء في ليلة واحدة — مرة أخرى.* ============================================================ # اخوات موزة الفصل الثاني ============================================================ # أخوات موزة --- ## المدخل --- ‎ > *«من ملك الملوك شرقاً وغرباً، القان الأعظم.* > > *يَعلم الملك المظفر قطز، الذي هو من جنس المماليك الذين هربوا من سيوفنا إلى هذا الإقليم...* > > *أنّا نحن جند الله في أرضه، خلقنا من سخطه، وسلّطنا على من حلّ به غضبه.* > > *فنحن ما نرحم من بكى، ولا نرقّ لمن اشتكى.* > > *فأيّ أرض تأويكم، وأيّ طريق تنجيكم، وأيّ بلاد تحميكم؟* > > *فما لكم من سيوفنا خلاص، ولا من مهابتنا مناص.* > > *فلا تطيلوا الخطاب، وأسرعوا بردّ الجواب، قبل أن تضرم الحرب نارها، وترمي نحوكم شرارها، فلا تجدون منّا جاهاً ولا عزّاً، ولا كافياً ولا حرزاً، وتصبح بلادكم منكم خالية.* > > *فقد أنصفنا إذ راسلناكم، وأيقظناكم إذ حذّرناكم.* > > *فما بقي لنا مقصد سواكم.»* ‎ --- هذه الرسالة وصلت إلى مصر. لكنها لم تكن الأولى، ولن تكون الأخيرة. فقبلها وصلت رسائل مثلها إلى بغداد، وإلى دمشق، وإلى حلب، وإلى كل مدينة وقفت في طريق الجيش القادم من خلف الجبال. بعض تلك المدن أجابت بالصمت فأُبيدت. وبعضها أجابت بالخضوع فأُذلّت. وبعضها لم تصلها الرسالة أصلاً — جاءها السيف قبل الحبر. في ذلك الزمان — زمان الرسائل التي تسبق الجيوش كما يسبق الظلّ صاحبه — كان العالم يتغيّر بسرعة لم يعتدها أحد. مدن كانت بالأمس مليئة بالناس والكتب والأسواق، أصبحت اليوم ركاماً ورماداً. ممالك كان ملوكها يجلسون على عروش من ذهب، أصبح ملوكها يُركلون في التراب ويُداسون بحوافر الخيول. والناس — الناس العاديون الذين لا علاقة لهم بالملوك ولا بالرسائل — هم من يدفعون الثمن دائماً. كان الجميع يعرف أن العاصفة قادمة. لكن لا أحد يعرف متى تصل، ولا من تبتلع أولاً. ‎ --- ‎ ## الفصل الأول: أبطال خلف الجبل --- ‎ كانت السماء صافية صفاءً لا يُطمئن، والقمر معلّق في وسطها كعين مفتوحة لا ترمش، يسكب نوره البارد على السهل الممتد خلف سلسلة جبال حمرين، حيث نصبت طلائع جيش المغول خيامها — عشرات الخيام المصنوعة من جلود الخيل والأبقار، بُنّية اللون، قصيرة، مرصوصة بلا نظام ظاهر لكن بنظام يعرفه أصحابها. على كل خيمة شعار مرسوم بدم مجفف أو بطين أحمر — رموز القبائل والفرق. وفي الوسط خيمة أكبر قليلاً عليها راية سوداء مشقوقة الطرف تتمايل في النسيم — راية قائد الطليعة. هؤلاء ليسوا الجيش. هؤلاء عيونه. فرق استطلاع أرسلها بايجو نويان لتتحسس الطرق وتختبر قوة أهل هذه الأرض وتعدّ الممرات وترسم الخرائط في رؤوسها قبل أن يأتي الجيش الحقيقي بعد سنوات. جاؤوا من خلف الجبل، من أرض كرمانشاه التي نهبوها ومن ديار بكر التي ذبحوا أكرادها، ومن كل بقعة داستها حوافر خيولهم القصيرة الصلبة التي تأكل أي عشب وتشرب أي ماء وتمشي أي أرض — خيول لا تعرف التعب ولا يعرف أصحابها الرحمة. كان الفرق بين هؤلاء القادمين وبين ما يقف خلف الجبل واضحاً كالفرق بين الليل والنهار. خلف الجبل — باتجاه بغداد — تقف أعظم مدينة عرفتها الأرض: بغداد المدوّرة، مدينة السلام، حاضرة الدنيا التي فيها ألف مكتبة ومئة حمام وأسواق تمتد حتى يتعب الماشي قبل أن يصل آخرها. مدينة فيها البيمارستانات التي تعالج المرضى مجاناً، والمدارس التي يأتيها طلاب العلم من أقصى الأرض، وقصور الخلفاء التي تلمع قبابها تحت الشمس كأنها أقمار وُضعت على الأرض. أما هؤلاء القادمون — فخيامهم من جلود مسلوخة، وطعامهم لحم خيولهم إذا ماتت ولبن أفراسهم إذا عاشت، ولا يعرفون الكتابة ولا يبنون داراً ولا يزرعون أرضاً. لكنهم يعرفون شيئاً واحداً أتقنوه حتى صاروا فيه أسياد العالم: الحرب. في تلك الليلة، وبينما كان المعسكر يغرق في سكون حذر، تحركت خمسة ظلال بين الصخور عند سفح الجبل. --- كان جواد في المقدمة. رجل عظيم الجثة، عريض الكتفين، يمشي بخطوات محسوبة كأنه يعدّ الأرض قبل أن يطأها. خلف ظهره سيفان طويلان متقاطعان، وعلى جانبَي خصره سيفان آخران أقصر — أربعة سيوف تتحرك معه كأنها أطراف إضافية نبتت من جسده. على صدره درع أصغر مشدود بأربطة جلدية، وفي وسطه حامل مصنوع خصيصاً لقوس قصير جاهز للسحب السريع. وخلف ظهره فوق السيفين درع أكبر يغطي عرض كتفيه. وعلى كل جانب من خصره، فوق السيفين القصيرين تماماً، حاوية سهام مربوطة بإحكام حتى لا تصدر صوتاً عند الحركة. هكذا كان يتسلّح كل واحد من الأبطال الخمسة — آلة حرب كاملة تمشي على قدمين. التفت جواد إلى رفاقه وأشار بيده إشارة صامتة. توقفوا. أنصتوا. لم يُسمع سوى أنفاسهم المكتومة وصوت الحشرات الليلية في العشب الجاف. من بعيد، وصلت أصوات خافتة — حارس مغولي يتمتم لنفسه وهو يمشي بين الخيام، وآخر يسعل سعلة جافة، وحصان يضرب الأرض بحافره ضربة واحدة كسولة ثم يسكت. همس جواد بصوت لا يتجاوز شفتيه: — خيمة القائد في الوسط. فيها رأس الأفعى. لا نتوقف عند أي خيمة أخرى. إذا وصل أحدنا قبل الباقين فلا ينتظر — يدخل ويُنهي الأمر. المهم ألّا نخرج من هنا قبل أن ينتهي كل شيء. هزّ الأربعة رؤوسهم في صمت. كانت وجوههم ملطّخة بالطين الأسود، وعيونهم تلمع تحت ضوء القمر بثبات من عرف أنه ربما لن يرجع. كان حامد — أصغرهم سناً وأسرعهم في الجري — على يمين جواد. وعلى يساره ناصر، الرجل الذي نادراً ما يتكلم ولا يُخطئ سيفه أبداً. وخلفهم اثنان: سلمان الذي لا ينام إلا على ظهر حصانه، وأبو طارق — أكبرهم سناً وأثقلهم خطوة — لكنه إذا أمسك برقبة فلا تفلت منه إلا بالموت. تسلّلوا بين الخيام الأولى كظلال. رائحة الخيل وروثها تملأ المكان، ممزوجة بدخان نيران خامدة ورائحة لحم مشوي بقيت عالقة في الهواء من عشاء الجنود. كانت الأرض رخوة تحت أقدامهم — مداسة بمئات الحوافر حتى صارت طينية ليّنة — وهذا ساعدهم، إذ كانت خطواتهم تغوص فيها بلا صوت. تجاوزوا خيمتين... ثلاثاً... أربعاً. كانوا يقتربون. رأى جواد الخيمة الكبرى أمامه — أوسع من غيرها، وعلى ذروتها شعار محفور في قطعة جلد مشدودة، وأمام بابها رمحان مغروزان في الأرض عليهما رايات. عشرون خطوة. عشر خطوات. ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. --- كانت حبال الخيام المغولية تُشدّ إلى أوتاد مدفونة في الأرض وتمتد منخفضة — لا تراها العين في الظلام لأنها من الجلد الأسود المدبوغ. وكان حامد يتقدم بسرعة أكبر مما ينبغي، عيناه مثبّتتان على الخيمة الكبرى، قدماه تسبقان حذره. علقت قدمه بالحبل. لم يكن سقوطاً عادياً. تشابكت ساقه بالحبل فسحبه سحباً، وسحب معه الوتد الذي اقتُلع من الأرض بصوت غليظ، فارتخى جانب كامل من الخيمة القريبة وانهار على من فيها. ارتطم حامد بالأرض، لكن الخيمة المنهارة أحدثت ما هو أسوأ — سقطت على حصانين مربوطين خلفها. فزع الحصان الأول ورفع قائمتيه الأماميتين وصهل صهيلاً عالياً قطع سكون الليل. تبعه الثاني، ثم الثالث من الخيمة المجاورة. في لحظات، كان صهيل الخيول ينتقل من مكان إلى مكان كأنه وباء، والحوافر تضرب الأرض بقوة — دقّ متواصل يهتز له الصدر — فأثارت غباراً كثيفاً بدأ يبتلع ضوء القمر. خرج أول جندي مغولي من خيمته وهو نصف نائم، يحمل سيفاً بيد ويفرك عينيه بالأخرى. لم يفرك الثانية. كان سيف ناصر أسرع. --- تحوّل التسلل إلى معركة في لحظة واحدة. لم يعد هناك مكان للصمت ولا للتخفّي. صرخ جواد صرخة واحدة عميقة — ليست صرخة خوف بل نداء حرب — فعرف رفاقه أن الخطة تبدّلت: لم يعد الهدف الوصول إلى خيمة القائد، بل قتل أكبر عدد ممكن وزرع أكبر قدر من الفوضى في هذه الطليعة حتى لا ترسل أخباراً سليمة لمن خلفها. سحب جواد سيفيه الطويلين من خلف ظهره بحركة واحدة سلسة تمرّن عليها ألف مرة حتى صارت كالتنفس. في كل يد سيف، وفي كل سيف امتداد لذراعه. كان يدور وسط الخيام — يضرب يميناً ويطعن شمالاً ويتحرك بخفّة لا تناسب جسمه الضخم. وخلفه سلمان يحمي ظهره بالدرع الكبير ويضرب بالسيف القصير كل من يحاول الالتفاف عليهم. حامد — رغم سقوطه — قفز كالنابض وأخرج سيفيه وهجم على الجنود الذين خرجوا من الخيمة المنهارة متعثرين في القماش. كان يضرب بسرعة مرعبة، ذهاباً وإياباً. ناصر تحرك وحده نحو الخيمة الكبرى. كان لا يزال يحاول إكمال المهمة الأصلية. قطع أربعة رجال في طريقه — بأربع ضربات — كل ضربة في مكانها كأنها مرسومة قبل أن تحدث. وصل إلى الباب. شقّ القماش بسيفه. لكنه وجد الخيمة فارغة — كان القائد قد استيقظ عند أول صهيل وخرج من الجهة الأخرى. أما أبو طارق فقد وقف عند ممر ضيق بين خيمتين — لا يتسع إلا لرجلين — وسدّه بجسمه ودرعيه. كل من حاول العبور ارتطم بجدار من حديد وعضلات. لم يكن يتحرك كثيراً — لم يكن يحتاج ذلك. كان يمسك ويكسر ويرمي. --- كانت الطليعة المغولية تضم ما يقارب ثمانين فارساً ومقاتلاً. خمسة رجال فقط أوقعوا فيهم خسائر لم تكن في حسبانهم — ليس لأنهم أكثر عدداً، بل لأنهم جاؤوا ليموتوا. والرجل الذي جاء ليموت يختلف عن الرجل الذي يحارب ليبقى حياً — فالأول لا يتردد ولا يحسب خطوته التالية، يضرب كأن كل ضربة هي الأخيرة. والمغول — رغم شراستهم — لم يتوقعوا هذا النوع من الجنون المنظّم. سقط حامد أولاً — سهم في رقبته من الخلف وهو يقاتل ثلاثة في وقت واحد. بقي واقفاً يضرب وهو يختنق بدمه، ثم سقط على ركبتيه وأخيراً على وجهه في التراب. ثم أبو طارق — لم يُسقطه سيف. وقف ساعة يسدّ ذلك الممر حتى خارت قواه ووقع كجدار مهدوم. طعنوه وهو على الأرض طعنات كثيرة — خافوا أن يقوم مرة أخرى. ثم سلمان — مات وهو يحمي ظهر جواد. سيف مغولي طويل شقّ جنبه من تحت الدرع. التفت إلى جواد بعينين مفتوحتين وعلى وجهه ما يشبه الاعتذار، ثم انزلق إلى الأرض بلا صوت. بقي ناصر وجواد — ظهراً لظهر وسط بحر من الرجال. كان ناصر ينزف من كتفه اليسرى لكن يده اليمنى لم تُبطئ. قاتل حتى كُسر سيفه، فسحب الثاني وقاتل به حتى سقط مثخناً بالجراح. لم يرَ جواد لحظة سقوطه — كان مشغولاً بحلقة تضيق حوله. بقي جواد وحده. --- لم يستسلم. قاتل حتى كُسر أحد سيفيه. سحب الثالث من خصره. ثم كُسر الثاني فسحب الرابع والأخير. لكن المغول لم يكونوا أغبياء. رأى قائد الطليعة — الذي كان يراقب من بعيد — هذا الرجل الوحيد الذي أنهك معسكره. رأى كيف يقاتل، كيف يدور، كيف يستبدل سيفاً بسيف دون أن يتوقف. وفهم شيئاً يفهمه كل قائد ذكي: هذا الرجل يعرف أسراراً. رجل بهذا المستوى من التدريب والتسليح والتخطيط — ليس مجرد مزارع أمسك سيفاً — هذا رجل يعرف كيف تفكر المملكة التي خلف هذا الجبل. أشار القائد إشارة واحدة. جاء الغدر من حيث لا يُنتظر. جندي أطلق حبلاً ثقيلاً مربوطاً بحجارة — سلاح الصيد المغولي الذي يستخدمونه لإسقاط الخيول — فالتفّ الحبل حول ساقَي جواد. سقط على ركبة واحدة. قبل أن ينهض ارتمى عليه أربعة من الخلف وأمسكوا ذراعيه. ضربوه بمؤخرة رمح في رأسه. ثم ضربة ثانية. ثم ثالثة. أُسقط سيفه الأخير من يده. رأى جواد الأرض تقترب من وجهه. سمع أصواتاً بعيدة كأنها تأتي من تحت الماء. شعر بالحبال تلتف حول معصميه. رفع رأسه مرة أخيرة — كان القمر لا يزال هناك، بارداً، لا يبالي. ثم أظلم كل شيء. --- وقف قائد الطليعة المغولية بعد الفجر ينظر إلى ما حلّ بمعسكره. خيام ممزقة. عربات مقلوبة. خيول هاربة لم تُسترد بعد. وحول كل واحد من الأبطال الأربعة الذين ماتوا — دائرة من الجثث كأنها دوائر حجر رُمي في ماء ساكن. خمسة رجال. خمسة فقط. وهذا ما فعلوه بفرقة استطلاع كاملة. تخيّل ما ينتظره إذا كان هذا ما يفعله خمسة من هؤلاء الناس. تخيّل المدينة التي خلف الجبل — بأسوارها وجيشها وشعبها. أرسل رسالة إلى بايجو نويان في تلك الليلة. كتب فيها ما رأى. وكتب توصيته: لا يمكن دخول هذه الأرض بالطريقة المعتادة. هؤلاء شعب يملك من الشجاعة والتخطيط والدهاء ما يجعل المواجهة المباشرة مكلفة جداً. يجب أن تكون الخطة مختلفة. يجب أن نحاصرهم. نقطع عنهم الماء والطعام. نخنقهم ببطء. الحصار. هذا ما قرروه. لكن ليس الآن. بعد سنوات. بعد أن يدرسوا كل طريق وكل ثغرة وكل نقطة ضعف. وسيأتون — ليس بفرقة استطلاع بل بأكبر جيش جمعه المغول في تاريخهم. لم يكن أحد في المملكة يعلم ذلك بعد. كل ما عرفوه أن خمسة أبطال خرجوا ولم يعد منهم أحد. وأن الطليعة انسحبت. وأن المملكة نجت — هذه المرة. --- وصل الخبر إلى الوادي بعد ثلاثة أيام. جاء رجل على ظهر فرس متعبة، وجهه مغبر وعيناه حمراوان من قلة النوم. سأل عن بيت جواد. دلّوه. مشى في الطريق الضيق بين النخيل حتى وصل إلى البيت الطيني الصغير القريب من النهر. كانت ثريا في الحديقة تنسج شبكة صيد جديدة، وبجانبها موزة — ثماني سنوات — تساعدها بأصابعها الصغيرة الدقيقة وهي تتعلم العقد. وهيلة — ست سنوات — جالسة تحت شجرة تراقب نملة تحمل فتاتاً أكبر منها وتتابع مسارها بصمت كامل، عيناها تتبعان كل حركة كأنها تحلّ لغزاً. وربيعة — خمس سنوات — تجري خلف الدجاجات وتضحك كلما هربت واحدة منها بطريقة مضحكة، ثم تقلّد طريقة جريها فتتعثر وتقع على مؤخرتها وتضحك أكثر، ثم تقوم وتجري مرة أخرى وهي تحكي للدجاجة كلاماً لا تفهمه إلا هي. نبح رومي — كلبهم — عندما اقترب الرجل. خرجت ثريا إلى الباب ونظرت في وجهه. لم تسأل. لم تكن بحاجة لأن تسأل. قرأت الجواب في عينيه قبل أن يفتح فمه. — جواد... بدأ الرجل. رفعت ثريا يدها فسكت. نظرت خلفها إلى بناتها الثلاث. موزة رفعت رأسها من الشبكة ونظرت إلى أمها بعينين واسعتين. هيلة التفتت من نملتها. حتى ربيعة توقفت عن الجري ووقفت ساكنة للمرة الأولى في يومها. فهمت موزة أولاً. ربما لأنها الأقرب لأبيها. ربما لأن في عينيها شيئاً من عينيه — ذلك الذكاء الذي يقرأ الوجوه قبل الكلمات. سقطت الشبكة من يديها. — أبي؟ قالتها بصوت خافت. لم تُجب ثريا. أدارت وجهها عن بناتها. كانت أكبر من أن تبكي أمامهن وأصغر من أن تحتمل بلا بكاء. مشت نحو التنور الطيني ووضعت يدها عليه كأنها تتكئ على الشيء الوحيد الذي لا يتحرك في عالمها، ثم جلست على الأرض بلا صوت. جاء الرجل بما يعرفه: أن الأبطال الخمسة قاتلوا حتى قُتلوا جميعاً. أن المعركة كانت شرسة. أن الطليعة المغولية انسحبت بسببهم. أن كل واحد منهم مات محاطاً بدائرة من الأعداء الذين أسقطهم. أن جثثهم لم تُعثر عليها — ربما دفنها المغول في طريق انسحابهم، أو ربما تركتها الصحراء تأخذها الرمال. لم يكن الخبر دقيقاً. لم يكن أحد يعرف ما حدث بعد أن أُظلمت الدنيا في عينَي جواد. لم يكن أحد يعرف إلى أين حُمل ذلك الجسد المقيّد الذي توقف عن المقاومة. لم يكن أحد يتخيل ما الذي ينتظر ذلك الرجل الذي أسقطه الحبل بعد أن عجزت السيوف عن إسقاطه. لكن ذلك كان سراً لن يعرفه أحد — لا اليوم، ولا غداً، ولا لسنوات طويلة قادمة. --- في تلك الليلة، وبعد أن نامت هيلة وربيعة متعانقتين على فراشهما الصغير، بقيت موزة مستيقظة. جلست بجانب أمها التي كانت تنظر إلى شعلة السراج بعينين جافتين. — أمي. — نعم يا موزة. — هل أبي كان يعرف أنه لن يرجع؟ صمتت ثريا لحظة. ثم قالت: — أبوكِ كان يعرف أن جلوسه بلا فعل أصعب عليه من كل شيء. هناك رجال لا يقدرون أن يجلسوا وهم يرون الخطر يقترب. أبوكِ كان من هؤلاء. — وماذا سنفعل بدونه؟ نظرت ثريا إلى ابنتها الكبرى. في عينَي موزة رأت شيئاً لم تره من قبل — ليس خوفاً ولا حزناً وحسب، بل شيئاً أعمق. شيئاً يشبه ما كانت تراه في عينَي جواد حين يقرر شيئاً لا رجعة فيه. — سنعيش، قالت ثريا. سنزرع ونحصد ونصطاد ونبيع ونأكل ونضحك ونبكي ونكبر. سنعيش يا موزة. هذا ما كان أبوكِ يريده. أسندت موزة رأسها على كتف أمها. ومن الغرفة المجاورة جاء صوت ربيعة وهي تتكلم في نومها — كلام غير مفهوم تتخلله ضحكة صغيرة — كأنها حتى في أحلامها لا تعرف كيف تسكت. ابتسمت ثريا رغم كل شيء. ‎ --- *عشر سنوات ستمرّ.* *ستكبر الصغيرات.* *وسيتبدّل كل شيء في ليلة واحدة — مرة أخرى.* ## الفصل الثاني: وادي النخيل --- ‎ مرّت عشر سنوات. لم تمر بهدوء — فالسنوات لا تمر بهدوء على من فقد نصف عائلته — لكنها مرّت. مرّت بصوت طرق الخبز على جدار التنور، وبرائحة السمك المشوي على نار الحطب، وبضحكات ربيعة التي لم تتوقف يوماً واحداً منذ أن فتحت عينيها على هذا العالم. كان الوادي لا يزال كما هو — خصباً، واسعاً، تحيط به أشجار النخيل من كل جانب، ونهر دجلة يشقّه من وسطه بمياهه التي تتلوّن بين الأزرق والأخضر حسب مزاج الشمس. البيت الطيني لا يزال واقفاً على ضفة النهر، وقد أضافت إليه ثريا غرفة جديدة بنتها بيديها مع البنات حين ضاق بهنّ المكان — فالبنات كبرن، ولم يعدن يتسعن في فراش واحد كما كنّ يفعلن وهنّ صغيرات. --- في ذلك الصباح، كانت ثريا جالسة أمام التنور الطيني تخبز. كانت في الثامنة والثلاثين من عمرها لكنها تبدو أكبر. الشمس والعمل والوحدة نحتت وجهها نحتاً، فصار فيه صلابة جميلة — كوجه امرأة اعتادت أن تنظر في عين المصاعب بدون أن ترمش. يداها خشنتان من الزراعة والنسيج وحياكة الشباك، لكنهما سريعتان ودقيقتان حين تلصق العجينة على جدار التنور الحار وتسحبها في الوقت الصحيح — لا قبله فتخرج نيّئة ولا بعده فتحترق. كانت تُعدّ الشليكين — خبز حار يُخبز في التنور قليل التحميص، ثم يُقطع ويُدهن بالسمن الحيواني والعسل. رائحته وحدها كافية لإيقاظ الميّت. — ربيعة! صاحت ثريا بدون أن ترفع رأسها عن التنور. لا جواب. — ربيعة! جاء صوت من داخل البيت، مخنوق كأن صاحبته تتكلم وفمها ممتلئ بشيء: — أنا هنا! — ماذا في فمك؟ صمت قصير. ثم: — لا شيء. خرجت ربيعة من باب البيت وهي تمضغ بسرعة وتبلع ما في فمها قبل أن تصل إلى أمها. كانت في الخامسة عشرة من عمرها — فتاة متوسطة الطول، ممتلئة قليلاً، وجهها مستدير تملؤه النمش وعيناها واسعتان فيهما بريق مشاغب لا يخمد. شعرها الأسود الكثيف مربوط بلفّة قماش على طريقة نساء الوادي لكنه يفلت منها دائماً من الجوانب. — كنتِ تأكلين تمراً، قالت ثريا بلا سؤال. — كيف عرفتِ؟ — لأنك تمضغين وأنتِ تمشين. لا أحد يمضغ وهو يمشي إلا من يحاول أن يخفي شيئاً. ولأن يدك اليمنى خلف ظهرك — وفيها حبة تمر ثانية كنتِ تنوين أكلها في الطريق. فتحت ربيعة فمها للاعتراض، لكنها نظرت إلى يدها خلف ظهرها ووجدت فيها حبة التمر فعلاً. ضحكت ضحكة عالية ورمت التمرة في فمها أمام أمها بلا خجل. — الجوع لا يعرف الأدب يا أمي. — اذهبي واستدعي هيلة. أين ذهبت؟ — لا أعرف. ربما تراقب شيئاً كعادتها. تجلس وتحدّق وتفكّر وتفكّر... لا أفهم كيف لا يملّ رأسها من نفسه. هزّت ثريا رأسها وابتسمت. كانت تعرف بناتها كما تعرف أصابعها. --- هيلة لم تكن بعيدة. كانت جالسة على صخرة قرب النهر، ساقاها ممدودتان أمامها، عيناها مثبّتتان على نقطة في الماء لا يراها غيرها. كانت في السادسة عشرة — أطول من ربيعة وأنحف، وجهها ضيّق حاد الملامح، وعيناها داكنتان ذكيتان تنظران إلى الأشياء نظرة من يقيس ويحسب قبل أن يتكلم. شعرها أسود ناعم مسدول على كتفيها بلا لفّة — لا تحب أن تربطه لأنه يضايقها كما تقول. كانت تراقب الشباك. أمها علّمتها كيف تحوك شباك الصيد بيدها — كل عقدة في مكانها، كل فتحة بحجم معيّن حسب نوع السمك الذي تريد اصطياده. لكن هيلة لم تكتفِ بالتعلّم — بل بدأت تُعدّل. غيّرت حجم الفتحات في الزاوية اليمنى من الشبكة لأنها لاحظت أن السمك الكبير يدخل من هناك دائماً. وأضافت حبلاً إضافياً في الأسفل ليكون الثقل أكبر فتنزل الشبكة أعمق. ولم تُخبر أمها بالتعديلات — فقط فعلتها وانتظرت النتائج. — هيلة! جاءها صوت ربيعة من فوق المنحدر. لم تلتفت. — هيلة! أمي تريدك! — أسمع. أنا قادمة. لكنها لم تتحرك. بقيت تراقب الشبكة لحظة أخرى ثم نهضت بهدوء، نفضت التراب عن ثوبها، ومشت نحو البيت بخطوات متساوية كأنها تعدّها. — لماذا لا تسرعين؟ سألت ربيعة وهي تمشي بجانبها. — لأنه لا يوجد سبب للإسراع. — الخبز الحار سبب كافٍ. — ليس بالنسبة لي. — أنتِ غريبة يا هيلة. لو كنتُ أنا... بدأت ربيعة في جملة طويلة عن ماذا كانت ستفعل لو كانت مكان هيلة، وكيف أن الخبز الحار هو أهم شيء في الحياة، وكيف أنها مرة أكلت سبع قطع في جلسة واحدة فانتفخ بطنها حتى ظنّت أنها ستنفجر، وكيف ضحكت موزة من شكلها وهي ممدّدة على الأرض لا تقدر أن تتحرك... هيلة لم تردّ. مشت بصمتها المعتاد وتركت ربيعة تملأ الفراغ كعادتها. --- أما موزة — فكانت قد خرجت قبل الفجر. لم يسمعها أحد حين نهضت ولبست ثوبها وأخذت السكين والحبل ومشت في الظلام نحو الحقل. هذا ما تفعله كل صباح منذ سنتين — منذ أن قررت أنها هي التي ستتولى حرث الأرض وتجهيزها للزراعة بدل أمها التي بدأ ظهرها يؤلمها. كانت موزة في الثامنة عشرة. الأطول بين أخواتها والأقوى بنية. وجهها يشبه وجه أبيها كما كانت أمها تقول — فيه شيء من الصرامة حتى وهي تبتسم، وفي عينيها ذلك الشيء الذي كان في عينَي جواد: نظرة من يتخذ قراره قبل أن يتكلم. شعرها مربوط ربطة عملية محكمة لا تفلت منها شعرة واحدة — على عكس ربيعة التي يبدو شعرها دائماً وكأنه في مشاجرة مع صاحبته. حين عادت من الحقل كانت الشمس قد ارتفعت ويداها فيهما طين. دخلت من باب الحديقة ورأت أمها عند التنور وربيعة تأكل قطعة شليكين بكلتا يديها وهيلة تشرب الحليب بهدوء. — صباح الخير، قالت موزة وهي تغسل يديها في الحوض الحجري. — أين كنتِ؟ سألت ثريا وهي تعرف الجواب. — في الحقل. أصلحت السور الجنوبي — العنزة السوداء كسرته أمس بالليل. — لوحدك؟ — أنا أقدر يا أمي. نظرت ثريا إلى ابنتها الكبرى. كل يوم تشبه أباها أكثر. نفس الإصرار، نفس الكبرياء الهادئ، نفس الرفض لطلب المساعدة. حتى طريقة وقوفها — ذراعاها على جنبيها ورأسها مرفوع — تذكّرها بجواد حين كان يقف عند باب البيت مساءً يتفقد المزرعة بعينيه قبل أن يدخل. — تعالي كلي، قالت ثريا بصوت ليّن. ثم أخفض: أبوكِ أيضاً كان يقول "أنا أقدر" — قالها ليلة خرج ولم يرجع. سكتت موزة. جلست بجانب أخواتها وأخذت قطعة خبز. لم تعلّق. لكن فكّها تصلّب قليلاً — وهذا ما تفعله حين تسمع شيئاً يؤلمها ولا تريد أن يظهر عليها. --- بعد الفطور، بدأ يوم العمل. كل واحدة كان لها دورها في المزرعة كأنها تروس في آلة واحدة — إذا توقفت واحدة اختلّ الباقي. موزة تذهب للحقل — تسقي وتحرث وتتفقد الأشجار وتجمع ما نضج من ثمار. وتعود بالعربة محمّلة بالتمور أو البرتقال أو ما يجود به الموسم. هي التي تقرر متى تُقطف الثمرة ومتى تُترك — أمها علّمتها العلامات: اللون والملمس والرائحة. "التمرة تخبرك حين تكون جاهزة — فقط استمعي." هيلة تتولى الشباك والنهر. تنزل كل صباح إلى الماء، تتفقد الشباك الأربعة التي حاكتها أمها — والتي عدّلتها هي سراً — وتجمع السمك. ترتّبه حسب الحجم واللون والنوع، وتعرف أيّ سمكة تُباع وأيّ سمكة تُطبخ وأيّ سمكة تُعاد للماء لأنها صغيرة. تفعل كل ذلك بدقة هادئة بدون كلام كثير — كأنها تحل معادلة في رأسها. وربيعة — ربيعة كان دورها "كل شيء آخر". تُطعم الحيوانات في الحظيرة وتنظّفها وتتحدث معها وكأنها تفهم — وربما تفهم، لأن الحيوانات كانت تستجيب لها بطريقة لا تستجيب بها لأحد غيرها. وتساعد أمها في الطبخ والتنور والبيت. وتجمع الحطب. وتغسل الملابس. وبين كل مهمة وأخرى تجد وقتاً لتصنع مقلباً في أحد — إما أن تخبّئ صندل هيلة فتمشي حافية وهي تبحث عنه بصمت غاضب، أو أن تضع حشرة ميتة في جيب موزة فتكتشفها حين تُدخل يدها وتصرخ صرخة نادرة — لأن موزة التي لا تخاف من شيء تخاف من الحشرات. وثريا — أمهنّ — كانت تنسج. تجلس عند النول الخشبي الصغير وتنسج من صوف الغنم والماعز ملابس لبناتها. كل ثوب تنسجه يختلف عن الآخر — لأن كل بنت تختلف عن أختها. ثوب موزة متين عملي يتحمل العمل في الحقل. ثوب هيلة أخف وأنعم لأنها لا تحب الخشونة على جلدها. وثوب ربيعة — ثوب ربيعة يُفصَّل واسعاً لأنها تأكل كثيراً وتتحرك كثيراً ولا يبقى ثوب على جسمها سليماً أكثر من أسبوع. --- عند الظهيرة، حين تشتد الشمس ويعود الكل من عمله، كانت ثريا تُعدّ الطعام. اليوم كان الغداء مسكوفاً. سمك كبير اصطادته هيلة من الشبكة الثالثة — السمكة التي دخلت من الزاوية المعدّلة كما توقعت بالضبط. شقّت ثريا ظهر السمكة بسكين حاد وأدخلت فيها عوداً من الخشب كالسيخ، ثم ثبّتتها أمام النار — لا فوقها بل أمامها — فالمسكوف لا يُشوى من فوق كاللحم بل يُشوى من أمام اللهب ببطء حتى ينضج بدخان الخشب ويأخذ لونه الذهبي ورائحته التي لا تُنسى. جلسن حول طبق الخوص الكبير — طبق محاك من سعف النخيل كما كانت العوائل تأكل في ذلك الزمان. السمكة في الوسط محاطة بخبز ساخن وبصل مشوي وطماطم. أكلن بأيديهن — ثريا تقسم وتوزّع بعدالة أم تعرف أن ربيعة ستأخذ أكثر من حصتها إذا لم تُراقب. — هذه القطعة ليست لكِ، قالت هيلة لربيعة بهدوء بارد. — ولكنها أقرب إليّ. — الأقرب ليس معناه الأحق. — كلّي من الجهة الأخرى يا ربيعة، قالت موزة بنبرة القائد التي تحسم الأمر بكلمة. أخذت ربيعة القطعة من الجهة الأخرى ووضعتها في فمها ممتلئة وقالت بصوت مكتوم: — يوم واحد... سآكل سمكة كاملة لوحدي... بدون أحد يقول لي من أين آكل... ضحكت ثريا. حتى هيلة رفعت زاوية فمها بشيء يشبه الابتسامة — وهذا كثير بالنسبة لهيلة. --- بعد الأكل، جلسن تحت نخلة قريبة من النهر. كان هذا وقتهن المحبّب — ساعة ما بعد الظهر حين تخمد حرارة الشمس قليلاً ويهبّ نسيم من النهر يحمل رطوبة خفيفة ورائحة طين وأعشاب. ثريا تواصل النسيج. هيلة تراقب النهر. ربيعة تتمدد على ظهرها وتنظر إلى السماء وتتكلم. — أمي، قالت ربيعة ويداها خلف رأسها. — نعم. — كيف كان أبي يضحك؟ رفعت موزة رأسها. هيلة لم تتحرك لكنها أنصتت. — كان يضحك بكل جسمه، قالت ثريا وأصابعها لا تتوقف عن النسيج. ليس بصوته فقط. حين كان يضحك كانت كتفاه تهتزان ويداه تتحركان وقدماه تضربان الأرض. كأن الضحكة أكبر من جسمه ولا يقدر أن يحتويها. ابتسمت ربيعة. ثم سألت: — وهل كان يحب أن يأكل كثيراً مثلي؟ — كان يأكل كثيراً لكنه كان يتحرك أكثر. أنتِ تأكلين وتنامين. — لأن النوم بعد الأكل من نعيم الحياة. — وهل كان يحب المقالب؟ سألت ربيعة مرة أخرى. — كان يضعكنّ على ظهره ثلاثتكنّ ويركض بكنّ في الحديقة وأنتنّ تصرخن. وكان يعلّمكنّ أسماء النباتات وكيف تسقين الأرض. كانت يداه خشنتين وكبيرتين لكنهما حين يمسكانكنّ كنتنّ تنمن فوراً — كأنهما أأمن مكان في الدنيا. سكتت ثريا. أصابعها توقفت عن النسيج لحظة. ثم عادت. — ليته حي، قالت موزة بصوت خافت وهي تنظر إلى النهر. لم تقلها كأمنية بل كألم — كحجر ثقيل تحمله كل يوم ولا تضعه أبداً. لم تردّ ثريا. نظرت إلى ابنتها الكبرى، ثم إلى النهر، ثم عادت إلى نسيجها. هيلة قالت بهدوئها المعتاد: — سمعت في آخر مرة ذهبنا للسوق أن المغول يخططون لأسلوب جديد. لم يعودوا يهاجمون مباشرة كما فعلوا أول مرة. يقولون إنهم سيحاصرون المدن — يقطعون عنها الماء والطعام حتى تستسلم وحدها. — من قال لكِ ذلك؟ سألت موزة. — تاجر كان يتحدث مع رجل آخر عند عربة الحبوب. لم يكن يتحدث معي — كنت أسمع. — أنتِ دائماً تسمعين ما لا يخصّكِ، قالت ربيعة ممازحة. — كل شيء يخصّني إذا كان يهددنا، ردّت هيلة بجدّية لا تقبل المزاح. ساد صمت قصير. نسيم النهر حمل ورقة صفراء من شجرة النخلة فاستقرت على صدر ربيعة المستلقية. رفعتها ونفختها في الهواء. — إذا جاؤوا، ماذا سنفعل؟ سألت بنبرة مختلفة — نبرة جادة نادراً ما تخرج منها. — سنفعل ما فعله أبوكنّ، قالت ثريا بدون تردد. سنقاوم بما لدينا. — أبونا كان يحمل أربعة سيوف يا أمي. نحن لدينا مكنسة وملعقة طبخ. ضحكت ثريا ضحكة حقيقية — من النوع الذي يخرج رغماً عنها. وضحكت معها ربيعة التي كانت تقول ذلك بجدّية وبمزاح في آن واحد — وهذا هو سرّها: لا تعرف أبداً إن كانت تمزح أم تتكلم من قلبها. --- بقية اليوم مرّ كما تمر الأيام في الوادي: بطيئاً وكاملاً. عند العصر، جهّزت ثريا الخميعة — خبز محمص منقوع بالحليب الدافئ مع السمن المذاب. رائحة السمن في الحليب كانت تنتشر في البيت كله حتى تسلّلت إلى الخارج. جاء رومي — الكلب — وجلس عند الباب يهزّ ذيله. كان قد كبر هو أيضاً — فروه أبيض في الأطراف لكن جسمه لا يزال قوياً. ينام نهاراً عند عتبة البيت وينشط ليلاً يحرس ما حوله بأذنين لا تغفلان عن أي صوت. عند المغرب، أشعلت موزة المصباح الزيتي وجلسن للعشاء. كان الشتاء يقترب — الهواء يبرد والليالي تطول — فأعدّت ثريا أكلة الشتاء: دبس التمر مع الراشي، يؤكلان مع الخبز الحار. حلاوة الدبس مع دسامة الراشي ودفء الخبز — أكلة بسيطة لكنها تملأ البطن وتدفئ الروح. أكلن. وتحدّثن. وضحكت ربيعة على شيء قالته هيلة بدون أن تقصد أن يكون مضحكاً. وبدأت ربيعة تحاكي صوت العنزة السوداء التي كسرت السور — فقلّدت صوتها ثم قلّدت وجه موزة حين رأت السور المكسور صباحاً — وجه الغضب المكتوم الذي تضيق فيه عيناها وتنفتح فيه فتحتا أنفها — فضحكت موزة نفسها رغم أنها كانت الضحية. ثم خمد المزاح ببطء. واحدة واحدة بدأت عيونهن تثقل. أسندت ربيعة رأسها على كتف هيلة التي لم تدفعها بل تركتها — وهذا يحدث فقط حين تكون هيلة في مزاج طيّب. وموزة بقيت مستيقظة أطول — كعادتها — تساعد أمها في ترتيب البيت وإطفاء النار. — نامي يا موزة. — بعد قليل. — نامي الآن. غداً يوم طويل — سنحمّل العربة ونذهب إلى السوق. رفعت موزة حاجبها: — السوق؟ — نعم. التمر جاهز والسمك كثير. وأنتِ تحتاجين ثوباً جديداً بدل هذا الذي قطّعته الأشواك. — أنا لا أحتاج ثوباً. — أنتِ تحتاجين ولا تعرفين. نامي. ابتسمت موزة ابتسامة صغيرة — من النوع الذي نادراً ما يراه أحد — ودخلت غرفتها. وجدت ربيعة قد سبقتها وأخذت مكانها الدافئ فتنهّدت ودفعتها قليلاً ونامت بجانبها. ومن مكانها سمعت صوت أمها تهمهم بصوت خافت حزين ودافئ في آن واحد: — سيد الرسل... يفتح سجل... ولأمته يعاتبها... كانت ثريا تردد هذه القصيدة كل ليلة منذ غاب جواد. ترددها بصوت واطئ وهي تنسج أو تغسل أو تجلس وحدها بعد أن تنام البنات. كأنها تشتكي لسيد الخلق ما حلّ بها — والأم التي فقدت زوجها في سبيل الله تعرف أن شكواها مسموعة عند من لا يضيع عنده شيء. — ميظل عذر... يوم الحشر... والخالق يحاسبها... نامت موزة وصوت أمها يتسلل إلى حلمها — صوت فيه كل الحزن وكل الصبر وكل الإيمان بأن هذا الألم ليس بلا معنى. ‎ --- *لم تكن أيّ منهنّ تعرف أن هذا هو آخر يوم عادي في حياتهنّ.* *غداً ستأتي العاصفة.* ============================================================ # الفصل الثالث ============================================================ ## الفصل الثالث: ليلة كل شيء --- ‎ بدأت العاصفة قبل المغرب. لم تبدأ بمطر — بدأت بصمت. صمت غريب ثقيل نزل على الوادي كأن أحداً وضع يده على فم الطبيعة. توقفت الطيور عن الغناء. توقف النسيم. حتى النهر بدا وكأنه يجري بصوت أخفض. السماء تحولت من زرقاء إلى رمادية ثم إلى لون كبد الأغنام — رمادي داكن فيه اصفرار مريب. رومي أول من أحسّ. وقف عند باب البيت ورفع أذنيه وبدأ يُصدر صوتاً خافتاً من حلقه — ليس نباحاً بل أنيناً مكتوماً — كأنه يسمع شيئاً لا تسمعه الأذن البشرية. — ما به رومي؟ سألت ربيعة وهي تطعم الدجاج. — يشمّ العاصفة، قالت ثريا من داخل البيت وهي تُسرع في ترتيب الأواني. أدخلي الدجاج وأغلقي باب الحظيرة. موزة — أين موزة؟ — في الحقل. — نادِيها ترجع. الآن. لم تحتج ربيعة أن تنادي. كانت موزة قد رأت السماء من الحقل وفهمت. جاءت تمشي بسرعة — لا تركض لأن موزة نادراً ما تركض — ودخلت من باب الحديقة ويداها فيهما طين. — أغلقتُ باب السور الجنوبي وربطت العربة بالنخلة الكبيرة، قالت وهي تمسح يديها. — جيد. ساعدي هيلة بالقارب — تأكدي أن الحبل متين. نزلت موزة إلى النهر حيث كانت هيلة تربط القارب بجذع شجرة. كان القارب الصغير الذي تستخدمه ثريا للصيد — خشبي، يتسع لثلاثة، خفيف يتأرجح مع أي موجة. — الحبل قديم، قالت هيلة وهي تشدّه. قد لا يتحمل. — اربطي حبلاً ثانياً. — فعلت. عادتا إلى البيت. كانت السماء الآن سوداء تماماً رغم أن الوقت لم يكن قد تجاوز العشاء. ثم جاءت الريح. --- جاءت الريح دفعة واحدة كأنها جدار. ليست ريحاً تشتد ببطء كما يحدث عادة — بل ضربة واحدة هزّت البيت كله. صفّقت الأبواب. طارت أوانٍ كانت على الحافة. اهتزّ المصباح الزيتي وكاد ينطفئ. ثم جاء المطر — لا كنقاط بل كجدار ماء يسقط من السماء سقوطاً واحداً. صوته على سقف البيت الطيني كأن أحداً يقرع طبولاً لا تتوقف. جلست البنات الثلاث وأمهنّ داخل البيت. ثريا أشعلت شمعتين إضافيتين لأن المصباح وحده لم يعد يكفي. كان العشاء جاهزاً قبل العاصفة — سمك مشوي وخبز — لكن لم يأكل أحد. كانت الأصوات في الخارج أكبر من الجوع. صهيل الريح. طرق المطر. ثم — من بعيد — صوت الحيوانات في الحظيرة. بدأ بصياح ديك مذعور. ثم صوت الماعز — ثغاء حاد متواصل كأنها تستغيث. ثم البقرة — خوار عميق لم تسمعه البنات من قبل. — الحظيرة، قالت ثريا وهي تقوم. — أنا أذهب، قالت موزة. — لا. أنا أعرف الحيوانات أكثر. ابقين هنا ولا تخرجن. لفّت ثريا رأسها بقماش سميك وخرجت. --- استقبلها رومي عند الباب. كان مبللاً بالكامل ومختبئاً قرب الجدار تحت جزء من السقف الذي يمتد قليلاً فوق الباب. حين رآها نبح نبحة واحدة وهزّ ذيله ثم أنزل رأسه — كأنه يحذّرها ويطلب منها الرجوع في آن واحد. خرجت ثريا إلى الظلام. المطر كان غزيراً لدرجة أنها لم تستطع فتح عينيها بالكامل. الأرض تحت قدميها تحوّلت إلى وحل يصل إلى كاحلها. الريح تدفعها بقوة — تدفعها كأن يداً عملاقة تريد أن تُرجعها إلى البيت. مشت بصعوبة نحو الحظيرة التي تبعد عشرين خطوة — لكن العشرين خطوة صارت رحلة. رأت السبب قبل أن تصل. سقف الحظيرة — المصنوع من جذوع النخيل والقصب والطين المجفف — بدأت قطع منه تتفكك وتطير في الهواء. الريح تقتلع القطع واحدة تلو الأخرى وترميها في كل اتجاه. والمطر يسقط مباشرة على الحيوانات التي تصرخ وتتزاحم في زاوية الحظيرة. أدركت ثريا أنها لا تستطيع فعل شيء. السقف يتطاير ولا يمكن لامرأة وحدها أن توقف الريح. الحيوانات خائفة لكنها ليست في خطر مباشر — فقط مبللة ومرعوبة. قررت أن ترجع وتنتظر حتى تهدأ العاصفة. استدارت لتعود. — ساعود بسرعة! صاحت نحو الباب — حيث رأت وجوه بناتها الثلاث يتدافعن خلف الباب ينظرن إليها. — ارجعي يا أمي! صاحت موزة. استدارت ثريا ومشت خطوتين نحو البيت. ثم حدث ما حدث. --- لم ترَها. قطعة كبيرة من سقف الحظيرة — جذع نخيل مع لوح من الطين المشدود — حملتها الريح وقذفتها في الظلام. لم يكن هناك صوت تحذير. لم يكن هناك وقت للانحناء أو القفز. ضربتها في مؤخرة رأسها. سقطت ثريا على وجهها في الوحل بلا صوت. سقوط كامل — لا يد امتدت لتحمي الوجه ولا ركبة انثنت لتخفف الارتطام. سقطت كأن الحياة خرجت منها قبل أن يلمس جسمها الأرض. رومي كان أول من وصل إليها. ركض نحوها وبدأ ينبح — نباح حاد يائس. شمّ وجهها. لعق يدها. دفعها بمنخره. لا حركة. نبح أكثر — نبح باتجاه الباب — ركض نحو الباب ونبح — عاد إليها ونبح — لكن صوت الريح والمطر كان أقوى من نباحه. سحب رومي جسد ثريا من ذراع ثوبها بأسنانه — سحبها ببطء عبر الوحل، قدماه تنزلق والمطر يغرقه — حتى وصل بها إلى مكان تحت أشجار النخيل قرب تنور الطين. مكان فيه شيء من الحماية من المطر والقطع المتطايرة. وضعها هناك وجلس بجانبها وبدأ يعوي. عواء طويل حزين ممتد — عواء كلب يعرف ما حدث ولا يقدر أن يفعل شيئاً. --- في البيت، كانت البنات ينتظرن. مرّت دقائق. ثريا لم ترجع. — ما الذي أخّر أمنا؟ قالت موزة وهي تنظر إلى أختيها. كان العشاء في طبق الخوص على الأرض لم يُلمس. كنّ ينتظرن أمهنّ لتأكل معهنّ كعادتهنّ كل ليلة — فالعائلة تأكل مع بعضها في طبق واحد. — سأخرج لأتحقق، قالت موزة. فتحت الباب. ضربتها الريح في وجهها. أغمضت عينيها ثم فتحتهما. نظرت في الظلام. لم ترَ شيئاً سوى المطر والوحل وظلال النخيل تتمايل كأنها تتصارع مع كائن لا يُرى. ثم سمعت عواء رومي. مشت نحو الصوت. قلبها يدق. قدماها تغوصان في الطين. كل خطوة جهد. وصلت إلى النخيل قرب التنور. رأت رومي أولاً — جالساً مبللاً يهزّ رأسه ويعوي. ثم رأت ما هو جالس بجانبه. رأت أمها. ممدّدة على الأرض. وجهها في الوحل. ذراعاها بجانبها. ومن مؤخرة رأسها — خط أحمر داكن يختلط بالطين وماء المطر. سقطت موزة على ركبتيها. لم تصرخ فوراً. أمسكت كتف أمها وقلّبتها على ظهرها. مسحت الوحل عن وجهها بيديها. كان وجه ثريا هادئاً — هادئاً بطريقة لا تشبه النوم. عيناها نصف مغمضتين. فمها مفتوح قليلاً. كأنها كانت في منتصف كلمة لم تكملها. — أمي، قالت موزة بصوت واطئ. لا جواب. — أمي! لا جواب. ثم صرخت. --- سمعت هيلة وربيعة صوت صراخ موزة وبكائها في الخارج. ركضتا نحو الباب. وجدتا موزة واقفة عند العتبة — وجهها أبيض كأن كل الدم غادره — يداها ترتجفان — الوحل والدم على ثوبها. — ماتت، قالت موزة. — من؟ قالت ربيعة بصوت مرتبك وخائف. — ماتت... ماتت... — من هي؟ صاحت هيلة. — أمي. وأنزلت موزة رأسها. نظرت هيلة إلى ربيعة. نظرت ربيعة إلى هيلة. كانت عيونهما تتوسع ببطء كأن الكلمة تحتاج وقتاً لتصل إلى المكان الذي تفهم فيه. — ماذا تقولين؟ قالت ربيعة بصوت يرتجف. — وجدتها ميتة. ودمها يغطي الوحل قرب الحظيرة. ركضن ثلاثتهن إلى المكان. ارتمين على جسم أمهن المبلل. أمسكن بها كأنهن يحاولن إيقاظها بقوة أيديهن. بكين — بكاءً لا يشبه بكاء البنات بل بكاء من انكسر شيء في داخله لن يعود. كان صوت بكائهن يختلط بصراخ الحيوانات التي لا تزال تستغيث في الحظيرة المهدمة، وبعواء رومي الذي لم يتوقف، وبزمجرة الريح التي لا تبالي بأحد. بقين عند جسمها وقتاً طويلاً. الوحل يبلل ثيابهن والبرد يعضّ جلدهن والمطر يغسل دموعهن قبل أن تنزل. ثم رفعت موزة رأسها. مسحت وجهها بظهر يدها. نظرت إلى أختيها. وقالت بصوت ثابت لا يشبه صوت من كانت تبكي قبل لحظة: — اليوم يجب علينا أن نردّ لأمنا الجميل. — وكيف يكون ذلك؟ سألت هيلة وهي تبكي. ربيعة تنظر إليهما بعينين مغرقتين بالدموع — ساكتة للمرة الثانية في حياتها. — انتظرا. ذهبت موزة إلى البيت وأحضرت بطانية. عادت وقالت: — سنحملها إلى البيت. سنغيّر ملابسها وننظّفها. هذا أقل ما يمكننا فعله. حملن جسم أمهن — ثلاث شابات يحملن امرأة في بطانية عبر الوحل والمطر — ودخلن البيت. غيّرن ملابسها. نظّفن وجهها. مشّطن شعرها. وضعنها على أريكة الخشب — سرير ثريا الذي كانت تنام عليه كل ليلة. أشعلت موزة الشموع حولها. كثيراً من الشموع. وجلسن أمامها يبكين. --- لم يأكلن تلك الليلة. طبق العشاء بقي على الأرض كما هو — سمك بارد وخبز جاف. الحيوانات في الحظيرة نسينها. الدنيا كلها نسينها. لم يبقَ في رأس أيّ منهنّ سوى صورة أمهن ممدّدة على الأريكة وضوء الشموع يرقص على وجهها الهادئ. غلبهنّ التعب والحزن والبرد. ونمن على الأرض بجانبها — جائعات، مبللات، منهكات — في ذلك المساء الذي لا يُسمع فيه سوى أصوات العاصفة وصرير الخشب وطقطقة المطر على السقف. ما أيقظهنّ لم يكن الصباح. --- سقطت إحدى الشموع. سقطت على حافة الأريكة الخشبية وبدأت تلتهم القماش. ارتفعت حرارتها فأذابت الشموع القريبة منها، فاشتعلت هي الأخرى. في دقائق كان اللهب قد وصل إلى السقف — سقف من جذوع النخل والقصب الجاف — فاشتعل كأنه ينتظر شرارة. رومي في الخارج بدأ ينبح — نباح مجنون متواصل. استيقظت موزة أولاً. لم تستيقظ من الصوت بل من الدخان. فتحت عينيها فلم ترَ شيئاً — غيمة سوداء كثيفة تملأ الغرفة. بدأت تسعل. سعال عنيف يقطع أنفاسها. أمسكت بالأرض وزحفت — لأنها تعرف أن الهواء النظيف يكون قرب الأرض. ثم تذكرت أخواتها. — هيلة! ربيعة! بدأت تصرخ وهي تسعل. وجدت ربيعة أولاً — أقرب إليها — مغمى عليها من الدخان. حملتها وسحبتها نحو باب البيت. وضعتها عند الباب والهواء البارد يدخل من الخارج. ثم عادت إلى الداخل. النار الآن في نصف السقف. قطع مشتعلة تسقط. الدخان لا يُحتمل. عيناها تدمعان ورئتاها تحترقان. وجدت هيلة في الزاوية البعيدة — مغمى عليها أيضاً. حاولت حملها لكن سقط عمود محترق من السقف في طريقها — جزء منه فوق جسد أمها على الأريكة، وجزء على الأرض يسدّ الممر بينها وبين الباب. لم تتوقف. رأت جرّة فخارية قرب الشباك — وعاء الماء الذي كانت ثريا تشرب منه. أخذتها وسكبت الماء على الجزء المشتعل على الأرض. أزاحته عن طريقها. وركضت نحو هيلة. حملتها على كتفها — هيلة أخف منها لكنها ثقيلة على كتف امرأة تختنق بالدخان. مشت نحو الباب. خطوة. خطوتين. ثلاث. سقف يحترق فوق رأسها. شرر يتطاير على شعرها. وصلت إلى الباب. خرجت. الهواء البارد ضرب وجهها كصفعة أعادتها للحياة. --- توقف المطر. كأن السماء استنفدت كل ما عندها وقررت أن تتوقف — لكنها تركت خلفها أرضاً غارقة بالوحل وهواءً بارداً يقطع العظم. حملت موزة أختيها واحدة واحدة ووضعتهما تحت شجرة النخيل — بعيداً عن البيت الذي يحترق. كانت تحاول إيقاظهما — تضرب على وجهيهما بلطف وتصرخ بأسمائهما وتهزّ أكتافهما — وبعينها الأخرى تنظر إلى البيت وهو يأكله اللهب. في رأسها صراع: أمها لا تزال في الداخل. جسدها على الأريكة المشتعلة. لكن أخواتها هنا بين يديها مغمى عليهما ويحتجنها. رفعت رأسها إلى السماء وهي تشكو حالها بلا كلمات. في تلك اللحظة — سقطت كمية من ماء المطر كانت متجمعة فوق أوراق النخيل الكبيرة. سقطت دفعة واحدة باردة على وجهَي هيلة وربيعة. ارتجفتا. سعلتا. فتحتا عينيهما. — موزة... قالت ربيعة بصوت ضعيف. — أنا هنا. أنا هنا. — أمي... قالت هيلة وعيناها تتجهان نحو البيت المحترق. نهضت هيلة تريد أن تركض نحو البيت. أمسكتها موزة من يدها بقوة: — فات الأوان. لم يبقَ شيء. --- جلسن تحت النخيل يشاهدن بيتهنّ يحترق. كل شيء فيه — ملابسهنّ، فراشهنّ، النول الذي كانت أمهن تنسج عليه، أدوات المطبخ، المصباح الزيتي، طبق الخوص الذي كنّ يأكلن فيه مع بعض، وجسد أمهن — كل شيء يتحوّل إلى رماد أمام عيونهنّ. ساد هدوء غريب. لا صوت سوى طقطقة النار. — لماذا لا نسمع صوت الحيوانات؟ سألت ربيعة فجأة. التفتن كلهن نحو الحظيرة. كانت مهدّمة تماماً. السقف على الأرض. الجدران الطينية انهارت من المطر. مشين ببطء نحوها — أقدامهن تنزلق في الوحل — تحت ضوء الحريق الذي يُنير الظلام بلون برتقالي مرتجف. وجدن كل من فيها ميتاً. الماعز والدجاج والبقرة — سحقها السقف حين انهار. وقفت ربيعة تنظر. لأول مرة منذ الليلة لم يخرج منها صوت ولا تعليق ولا مزاح. --- لم تنتهِ الليلة بعد. بدأ منسوب الماء يرتفع. النهر — دجلة الذي كان صديقهن ومصدر سمكهن وماء مزرعتهن — فاض. الماء بدأ يزحف نحو المزرعة ببطء ثم بسرعة — ماء بُنّي عكر يحمل معه أغصاناً وقصباً وطيناً وكل ما قابله في طريقه. — الماء يرتفع! صاحت هيلة — أول مرة ترتفع فيها صوتها تلك الليلة. — يجب أن نصعد لمكان أعلى، قالت موزة. نظرت حولها. على الجهة الشرقية من المزرعة تلّة صغيرة — ليست عالية لكنها أعلى من مستوى الأرض المنبسطة. كافية. — هيا. اركضن. ركضن — ثلاث بنات وكلب — عبر الوحل والماء الذي بدأ يصل إلى ساقيهنّ. ربيعة تعثرت وسقطت فسحبتها موزة من يدها. وصلن إلى التلة وصعدن. ورومي معهن لم يتركهن لحظة. من أعلى التلة نظرن إلى الأسفل. المزرعة كلها — أرضهن وشجرهن وحقلهن وما تبقى من بيتهن المحترق وحظيرتهن المهدومة — غارقة في الماء. كأن النهر قرر أن يبتلع كل ما تركته لهن العاصفة. لم يبقَ شيء. جلسن على الأرض الرطبة فوق التل. ربيعة ترتجف من البرد. هيلة تضمّ ركبتيها إلى صدرها وتنظر إلى الأفق بعينين فارغتين. موزة تجلس مستقيمة الظهر ويداها على ركبتيها — كأنها تحرس أختيها حتى وهي جالسة. رومي استلقى بجانبهن — مبلل ومتعب — لكن أذنيه منتصبتان وعيناه تراقبان الظلام. نمن من شدة الإرهاق. نوم ليس نوماً بل إغماء تعب — أجسادهن لم تعد تقدر أن تحتمل. --- استيقظت ربيعة أولاً. من البرد — ليس من أي شيء آخر. فتحت عينيها ورأت السماء صافية والنجوم مشتعلة. كان الوقت بعد منتصف الليل. وجدت رومي مستيقظاً واقفاً على حافة التل يرمي نظره نحو السهل البعيد — واقف كالحارس، أذناه مثبتتان، عضلات ساقيه متوترة. اقتربت منه. حين أحسّ بها التفت إليها وأصدر صوتاً حزيناً خافتاً من حلقه — كأنه يقول لها شيئاً لا تفهمه. نهضت ربيعة تبحث عن حطب جاف. وجدت بعض الأغصان التي لم يصلها المطر تحت الأشجار. جمعتها وحفرت حفرة صغيرة بيديها وبدأت تحاول إشعال النار بحجرين صوّانيين تحملهما دائماً في جيبها — علّمتها أمها ذلك منذ صغرها. انقدحت الشرارة. ثم أخرى. ثم اشتعل العشب الجاف. ثم الأغصان. ثم النار. نظرت ربيعة إلى النار وابتسمت ابتسامة صغيرة — أول ابتسامة تلك الليلة. — شيء نافع أخيراً، قالت لنفسها. استيقظت موزة وهيلة من الضوء ومن صوت طقطقة الحطب. — ربيعة؟ همست موزة. — أنا هنا. أشعلت ناراً. جلستا قرب النار. هيلة مدّت يديها نحو الدفء بلا كلام. موزة نظرت إلى ربيعة — نظرة فيها شيء لم تقله: شكراً. ثم سمعن صوت عواء. ليس عواء رومي. عواء آخر — بعيد — قادم من السهل خلف التل. عواء ذئاب. --- وقف رومي في نفس المكان الذي كان فيه — حافة التل — وبدأ ينبح. نباح عميق تحذيري. جسمه متصلّب وذيله منخفض وأسنانه بدأت تظهر. — ذئاب، قالت هيلة بهدوء. — كم تتوقعين؟ سألت موزة. — لا أعرف. أكثر من واحد. الصوت يأتي من أكثر من مكان. ثم رأينها. بريق عيون في الظلام. عيون صفراء تلمع تحت ضوء النار وتقترب. واحد... اثنان... ثلاثة... خمسة... مجموعة كاملة تتحرك ببطء محسوب كأنها تقيس المسافة وتعدّ الفريسة. أخذت كل واحدة منهن عصا كبيرة من الحطب الذي جمعته ربيعة وأشعلت طرفها من النار. وضعت موزة كمية إضافية من الخشب على النار لتزيد اللهب. — ابقين خلفي، قالت موزة. — لا. بجانبك، قالت هيلة. — أنا أيضاً، قالت ربيعة وصوتها يرتجف لكن يدها لا ترتجف. اقتربت الذئاب أكثر. سمعن زئيرها — صوت منخفض يخرج من أعماق صدورها كمحرّك يدور ببطء. كان الذئب الأمامي أكبرهم — يبدو أنه قائد المجموعة — يتقدم بثبات وعيناه مثبّتتان على رومي الذي يقف بينهنّ وبين الذئاب. رمت ربيعة غصنها المشتعل على الذئب القائد. أصابه. تراجع وهو يعوي. لكن رومي رأى الفرصة وانطلق — انطلق نحو الذئب قبل أن تقدر موزة على منعه. — رومي! لا! صرخت موزة. لكنه كان قد وصل. قفز على الذئب المصاب وأمسك رقبته بأسنانه. الذئب انقلب وضربه بمخالبه. رومي لم يفلت. لكن الذئاب الأخرى — أربعة أو خمسة — هجمت على رومي من كل الجهات. — رومي! صرخت ربيعة. رومي يقاتل — يعضّ ويدور ويضرب بجسمه — لكن الذئاب أكثر منه. أحاطت به وأبعدته عن البنات شيئاً فشيئاً — كأنها تفصله عنهن بقصد. نظرت موزة إلى المشهد. رأت رومي يقاتل وحده. رأت الذئاب تحيط به. ورأت أربعة ذئاب أخرى تتسلل نحوهنّ من الجهة الأخرى — من أسفل التل. اتخذت القرار في لحظة. — اركضن إلى الماء! صاحت بكل قوتها. إلى أسفل التل نحو البيت — الماء — القارب! — ورومي؟ صرخت ربيعة. — اركضن الآن! نزلت هيلة وربيعة مسرعتين من التل نحو الماء الذي غمر المزرعة. وبقيت موزة لحظة — تبعد الذئاب عنها بالمشعل — تنظر إلى رومي وهو يقاتل مجموعة كاملة وحده. أرادت أن تركض نحوه. أرادت أن تساعده. لكنها سمعت صوت أختيها من الأسفل — ورأت الذئاب الأربعة تلاحقهن. ركضت موزة باتجاه أختيها. لحقها أربعة ذئاب. حاول أحدها القفز عليها من الخلف فاستدارت وضربته بالمشعل في وجهه. سقط وهو يعوي. أكملت الركض. وصلت إلى الماء. كان يصل إلى ركبتيها. ثم إلى فخذيها. الذئاب دخلت الماء خلفها لكنها أبطأت — الماء والوحل يعيقان حركتها. — القارب! صاحت ربيعة من بعيد. لنذهب إلى القارب! القارب — الحبل الذي ربطته هيلة بحبلين ما زال صامداً. كان القارب يتأرجح في الماء لكنه هناك. صعدت ربيعة أولاً — قفزت داخله بخفّة وأمسكت المجداف. أفلتت هيلة الحبل وصعدت هي الأخرى وأمسكت المجداف الآخر. غرستاهما في الطين استعداداً لدفع القارب حين تصعد موزة. قفزت موزة بحركة واحدة — ساقاها تدفعان الماء وجسمها يرتمي داخل القارب — ودفعت هيلة وربيعة بالمجدافين في نفس اللحظة. انطلق القارب. قفز خلفهنّ ذئبان — لكنهما سقطا في الماء. سبحا قليلاً ثم عادا إلى الشاطئ. --- رمت هيلة المرساة ليستقر القارب بعيداً عن الشاطئ. جلسن يلهثن. ملابسهن مبللة. أيديهن ترتجف. وقلوبهن تدق كأنها تريد أن تخرج من صدورهن. من بعيد — من فوق التل — سمعن أصوات قتال. عواء وأنين ونباح. نظرت ربيعة إلى أعلى التل. ثم نظرت إلى موزة. — رومي... لم تردّ موزة. — ماذا نفعل الآن؟ سألت ربيعة. — لا شيء، قالت موزة وهي تنظر إلى الماء. لا يمكننا فعل شيء. لننتظر الصباح. فالليلة أخذت منا كل شيء. ساد هدوء ثقيل. جلست كل واحدة في جانب من القارب. ربيعة ضمّت ركبتيها وأخفت وجهها فيهما. هيلة أسندت ظهرها على حافة القارب ونظرت إلى السماء بعينين مفتوحتين لا تغمضان. وموزة بقيت جالسة مستقيمة — تراقب الشاطئ — تنتظر أن ترى ظلّ رومي يظهر من الظلام. لم يظهر. سكتت أصوات القتال فوق التل. ثم ساد صمت كامل. لا ريح ولا مطر ولا عواء. فقط صوت الماء يلطم جوانب القارب بهدوء رتيب — كأن النهر يهدهدهنّ. نمن واحدة بعد الأخرى. ربيعة أولاً — لأن جسمها لا يقدر أن يظل مستيقظاً مهما حدث. ثم هيلة — التي أغمضت عينيها لكنك لا تعرف إن كانت نائمة فعلاً أم تفكّر بعينين مغمضتين. وأخيراً موزة — التي بقيت تراقب الشاطئ حتى غلبها التعب وسقط رأسها على صدرها. كان الفجر يقترب. وكان كل ما عرفنه من حياتهنّ السابقة قد اختفى — كأنه لم يكن. ‎ --- *في الصباح ستشرق الشمس على ثلاث بنات في قارب.* *بلا أب. بلا أم. بلا بيت. بلا شيء.* *إلا بعضهن.* ============================================================ # الفصل الرابع ============================================================ ## الفصل الرابع: الصباح الأول --- ‎ انقطع حبل القارب. أو هكذا سمعتها موزة في حلمها — دوياً عظيماً في الماء، والقارب يتأرجح بعنف في كل الاتجاهات وهي تتأرجح معه. ثم صوت ينادي اسمها: — موزة... موزة... طيف ضخم يتقدم نحوها من الماء. وجه بلا ملامح. جسم عريض كجسم أبيها لكنه مصنوع من ظلام. يمدّ يده نحوها ويقول بصوت كأنه يأتي من قعر النهر: — لقد تأخّر الوقت. إنها الضحى. فتحت موزة عينيها. لم يكن الوحش. كانت هيلة — تهزّ كتفها بهدوء ووجهها قريب من وجهها. — استيقظي. الشمس طلعت. جلست موزة ببطء. رمشت. الضوء أعماها لحظة — شمس الصباح تضرب الماء من كل جهة فيبدو العالم كله أبيض لامعاً. القارب مستقر هادئ. الحبل — الحبلان اللذان ربطتهما هيلة — ما زالا صامدين. لم ينقطع شيء. كان كل ذلك الدوي والتأرجح حلماً. حلماً مزعجاً ختمت به دراما الليلة الماضية. نظرت حولها. ربيعة ليست في القارب. — أين ربيعة؟ قفزت موزة قلقة. أشارت هيلة بيدها نحو الماء. هناك — على بعد خطوات — كانت ربيعة واقفة في الماء الذي وصل إلى ركبتيها. مستوى النهر انخفض كثيراً خلال الليل — عاد إلى قريب من وضعه السابق والأرض بدأت تظهر مجدداً. وربيعة كانت تسحب شيئاً من الماء بيديها. — ماذا تفعلين؟ صاحت موزة. التفتت ربيعة بوجه فيه شيء يشبه الانتصار: — الشباك! وجدت الشباك! --- كانت ربيعة قد استيقظت قبلهما بوقت طويل. استيقظت من البرد كعادتها — بطنها يؤلمها من الجوع وجسمها يرتجف من الرطوبة — فنظرت حولها ووجدت أختيها نائمتين. هيلة مستندة إلى حافة القارب ورأسها مائل على كتفها. وموزة نائمة وهي جالسة — ظهرها مستقيم حتى في النوم — كأنها تحرس حتى وهي فاقدة الوعي. أول ما فكرت فيه ربيعة: الأكل. ليس لأنها لا تبالي بما حدث — بل لأن جسمها يفكّر بالأكل قبل أن يفكر عقلها بأي شيء آخر. هكذا خُلقت. حتى في أسوأ ليلة في حياتها، يستيقظ جوعها قبل حزنها. نزلت من القارب بهدوء حتى لا توقظهما. الماء بارد لكنه منخفض. مشت نحو المكان الذي تعرفه — المكان الذي كانت أمها تضع فيه الشباك. ترددت مع أمها عشرات المرات على هذا المكان — تعرف كل حجر وكل قصبة وكل منحنى في الشاطئ. لكن الفيضان غيّر كل شيء. لا أثر للشباك. المياه حرّكت القصب والبردي وغيّرت شكل الضفة. أي شخص آخر كان سيعود ويقول لم أجد شيئاً. ربيعة ليست أي شخص. تذكّرت الحبال. أمها كانت تربط الشباك بحبال مثبّتة في أوتاد على الشاطئ. الأوتاد قد تكون اقتُلعت لكن الحبال لا تذوب في الماء — يجب أن تكون في مكان ما تحت السطح. بدأت تتحسس بقدميها في الماء العكر. خطوة. خطوتين. عشر خطوات. ثم شعرت بشيء يلتف حول كاحلها — حبل. سحبت الحبل. في نهايته شبكة — مليئة بالسمك. الفيضان حشر فيها أسماكاً أكثر مما تحشره في أسبوع عادي. ابتسمت ربيعة ابتسامة عريضة — أول ابتسامة حقيقية منذ الأمس. ثم بحثت عن الشباك الأخرى — وجدت ثلاثاً من أربع. كلها ممتلئة. --- جذفت هيلة وموزة القارب نحو الشاطئ حيث ربطت هيلة الحبل بجذع نخلة. نزلتا ومشتا نحو ربيعة التي كانت تسحب الشبكة الأخيرة إلى الشاطئ وحولها كومة من السمك يقفز ويتلوّى على الأرض الرطبة. — كم سمكة هذه؟ سألت هيلة وعلى وجهها ما يشبه الإعجاب — وهذا نادر من هيلة. — لم أعدّهن. كثير. يكفينا أيام. عملن معاً على تحرير السمك من الشباك — عمل بطيء يحتاج صبراً وأصابع دقيقة. هيلة تفكّ العقد بهدوء. ربيعة تسحب السمك وتصنّفه. وموزة ذهبت تبحث عن حطب جاف لإشعال نار. وجدت موزة بقايا الحطب فوق التل — حيث أشعلت ربيعة النار ليلاً. بعضه ما زال فيه جمر. أشعلت ناراً جديدة ونزلت تأخذ ثلاث سمكات كبيرة. بعد نصف ساعة كانت رائحة السمك المشوي تملأ المكان. جلسن حول النار — ثلاثتهن — وأكلن بأيديهن. بلا طبق خوص. بلا خبز. بلا بصل مشوي ولا طماطم. فقط سمك وجوع. أكلت ربيعة سمكتها كاملة في دقائق. ثم نظرت إلى الباقي. — هناك سمكتان إضافيتان. واحدة لرومي حين يعود. سكتت موزة. نظرت إلى أعلى التل ثم إلى الأفق. لا أثر لرومي. — والثانية؟ سألت هيلة. — لي. أنا ما زلت جائعة. رغم كل شيء — رغم الموت والحريق والذئاب والفيضان — ضحكت موزة. ضحكة صغيرة مكسورة خرجت من مكان عميق في صدرها. وابتسمت هيلة. وأخذت ربيعة السمكة الثانية وبدأت تأكلها وهي تقول بفمها الممتلئ: — أمي كانت تقول إن الأكل نصف العقل. والنصف الثاني نوم. وأنا أوافقها. --- بعد الأكل مرّت عليهنّ لحظة سكون. لحظة توقف فيها الزمن — لا أحد يتحرك ولا أحد يتكلم. النار تطقطق. الشمس ترتفع. والنسيم يحمل رائحة الطين الرطب وبقايا الدخان من البيت المحترق. نظرت كل واحدة إلى ما تبقى من عالمهنّ: البيت ركام أسود. الحظيرة كومة طين. المزرعة مغطاة بالوحل والأغصان المكسورة. العربة ما زالت مربوطة بالنخلة — أصابها ضرر لكنها قائمة. والقارب سليم بفضل حبال هيلة. كان المنظر كأن يداً عملاقة مسحت كل ما بنته ثريا في عشر سنوات. تحدثت ربيعة أولاً — لأن ربيعة دائماً تتحدث أولاً: — كيف سوف نعيش؟ ووضعت يديها فوق رأسها — حركة تفعلها حين تفكر وتقلق في آن واحد. — لا داعي للقلق يا أختي، قالت موزة وهي تنظر إلى الأفق. — يجب أن نرحل من هنا، قالت هيلة. فتحت ذراعيها مشيرة إلى الدمار من حولها. المكان غير آمن. لا سقف ولا طعام مخزون ولا حيوانات. والذئاب ستعود الليلة. — إلى أين يمكننا الرحيل وكيف سنواصل حياتنا؟ سألت ربيعة ويداها ما زالتا فوق رأسها. سكتت موزة. نظرت إلى النهر. ثم إلى البيت المحترق. ثم إلى أختيها. — نذهب إلى الملك، قالت. — الملك؟ رفعت هيلة حاجبها. — نذهب إلى بغداد ونطلب من الملك أن يساعدنا. أمي كانت تقول إن لنا عنده صنيعاً. أبونا ضحّى بحياته لأجل هذه المملكة — والملك يعرف ذلك. سيردّ لنا الجميل. — فكرة جيدة، قالت ربيعة بسرعة. هيلة جلست على حجر قرب النار ونظرت إلى الأرض. ثم قالت بيأس هادئ: — ربما لن يسمحوا لنا بمقابلته. — نحاول مرة ومرتين وعشر مرات حتى نقدر، قالت موزة. — وحتى ذلك الوقت كيف سنعيش؟ سألت هيلة. قامت ربيعة ومشت نحو كومة السمك. وقفت فوقها ونظرت إلى أختيها وقالت: — نبيع هذا السمك الذي في الشباك. ونجد مكاناً في المدينة نأوي إليه. ثم نقرر ما سنفعل. نظرت موزة إلى ربيعة — الأخت الصغرى التي يظنها الجميع مجرد فتاة مرحة لا تفكر إلا بالأكل — ورأت في عينيها شيئاً لم تره من قبل: عقل يعمل تحت كل ذلك المزاح. — جيد، قالت موزة. هيا بنا. --- عملن بسرعة. جلبت هيلة العربة من مكانها تحت النخلة — كانت سليمة إلا من بعض الخدوش. فكّت الحبل وسحبتها نحو الشاطئ حيث بدأت ربيعة وموزة بتحميل السمك فيها. حمّلن كل ما اصطادته الشباك. سمك كثير — أنواع مختلفة وأحجام مختلفة. غطّت ربيعة الحمولة بأوراق النخيل حتى لا تجفّ الشمس السمك قبل أن يصلن إلى السوق. وقفت موزة عند العربة ونظرت إلى الطريق الذي يؤدي إلى المدينة — طريق طويل لم تمشِه وحدها من قبل. كانت أمها هي التي تذهب دائماً وترجع. البنات يعرفن الوادي كأصابعهن لكنهن لا يعرفن ما بعده. — هل تعرفن الطريق إلى بغداد؟ سألت موزة. — أعرف الاتجاه، قالت هيلة. غرباً مع النهر ثم شمالاً عند المنعطف الكبير. أمي أخبرتني. — طبعاً أخبرتكِ أنتِ، قالت ربيعة. أنتِ تسمعين كل شيء وتحفظين كل شيء ولا تنسين شيئاً. لو كنتِ كتاباً لامتلأتِ بالأسرار. لم تردّ هيلة. لكن زاوية فمها ارتفعت بما يكفي ليفهم من يعرفها أنها وافقت على المديح. أمسكت موزة بمقود العربة. أمسكت هيلة بالمقود الآخر. ودفعت ربيعة من الخلف. قبل أن يخطون خطوة، التفتت موزة إلى الوراء. نظرت إلى ما تبقى من البيت — كومة سوداء محترقة. إلى الحظيرة المهدومة. إلى النخيل الذي لا يزال واقفاً رغم كل شيء. إلى النهر الذي خانهن الليلة الماضية ثم أطعمهن هذا الصباح. إلى التل الذي ناموا فوقه. ونظرت إلى المكان الأخير الذي رأت فيه رومي — فوق التل — يقاتل وحده. — سنرجع يوماً ما، قالت بصوت لم تسمعه إلا هي. ثم استدارت ومشت. ‎ --- *خلفهنّ وادي النخيل الذي وُلدن فيه وكبرن فيه وفقدن فيه كل شيء.* *أمامهنّ بغداد — مدينة لم يدخلنها من قبل.* *والعربة ثقيلة. والطريق طويل. والشمس ترتفع.* ============================================================ # الفصل الخامس ============================================================ ## الفصل الخامس: رشيدة والحمار --- ‎ كان الطريق أجمل مما توقعن. ربما لأنهنّ لم يخرجن من الوادي من قبل إلا نادراً — فكل ما عرفنه من الدنيا كان مزرعتهنّ ونهرهنّ ونخيلهنّ. أما الآن فقد انفتح أمامهنّ عالم آخر — كأن أحداً رفع ستارة كانت تحجب نصف السماء. الطريق يسير بمحاذاة دجلة — لا يبتعد عنه كثيراً ولا يقترب كثيراً — كأنه يحترم النهر ويخاف منه في آن واحد. على يمينهنّ كان النهر يجري واسعاً هادئاً بعد هيجان الليلة الماضية — مياهه بُنّية بالطمي لكنها تلمع تحت شمس الصباح كأن أحداً رشّ عليها ذهباً مطحوناً. وعلى ضفتيه قصب طويل يتمايل بالنسيم وبردي أخضر كثيف وأشجار صفصاف تغمس أغصانها في الماء كأنها تشرب. على يسارهنّ امتدت الأرض الزراعية — حقول مسطّحة بين الأخضر الداكن والبُنّي حسب ما يُزرع فيها. هنا حقل قمح شتوي بدأت براعمه الخضراء تشقّ الأرض السوداء في صفوف منتظمة. وهناك حقل شعير أخضر قصير يهتز بالنسيم كأنه بحر صغير. وأبعد قليلاً — بستان حمضيات تتدلى ثماره البرتقالية والصفراء بين أوراق خضراء لامعة كأنها مصابيح أوقدها أحد في البرد. رائحة زهر النارنج الباقية من الموسم ما زالت عالقة في الهواء الشتوي الرطب — رائحة حلوة خفيفة تختلط ببرودة الصباح. وصفوف النخيل العالي تقف عارية من عراجينها — جُمع تمرها قبل أشهر — لكنها تبقى واقفة شامخة كأنها حرّاس لا يتركون مواقعهم حتى في أقسى الفصول. بين الحقول وعلى ضفة النهر تناثرت بيوت صغيرة — بيوت طينية بسيطة ذات أسقف مسطحة وأبواب خشبية مفتوحة على الهواء. كل بيت حوله سياج من جريد النخل يحيط بحديقة صغيرة فيها شجرتا تين أو تفاح أو رمان. ومن كل بيت يخرج ساقية — قناة طينية ضيقة تنحدر من النهر إلى الحقل لتسقيه. كان الماء يجري في تلك السواقي بصوت خافت موسيقي — خرير رقيق متواصل يسمعنه كلما اقتربن من بيت ويخفت كلما ابتعدن. دخان خفيف يتصاعد من بعض البيوت — نساء يخبزن في تنانيرهن الصباحية. ورائحة الخبز الطازج تسافر في الهواء وتصل إلى أنوف البنات فتعصر بطونهنّ الجائعة. — هل تشمّين هذا؟ قالت ربيعة من خلف العربة وهي تدفع. — نعم، قالت هيلة. خبز حار. — بطني تتكلم لغة لا أفهمها. — بطنك لا تتوقف عن الكلام — مثلك تماماً، قالت موزة وهي تسحب العربة. ضحكت ربيعة. ثم سكتت قليلاً — وهذا نادر — ونظرت إلى المنظر حولها. كانت الشمس قد ارتفعت بمقدار رمح في السماء. ضوءها الصباحي ليس حاداً بعد — ليّن ذهبي يصبغ كل شيء بلون العسل. الأرض بعد المطر تفوح منها رائحة خاصة — رائحة الطين المبلل والعشب المغسول والهواء النظيف — رائحة تملأ الصدر وتُريح شيئاً في الداخل لا تعرف اسمه. طائر أبيض كبير — بلشون — وقف على ساق واحدة في الماء الضحل قرب الضفة، ثقيل وساكن كأنه تمثال، ثم فجأة غمس رأسه في الماء وخرج وفي منقاره سمكة فضية تتلوّى. طار بها نحو عشّ في شجرة عالية. تابعته ربيعة بعينيها حتى اختفى. — حتى الطيور تأكل سمكاً، قالت. الكل يأكل إلا نحن. — أكلتِ سمكتين قبل ساعة، قالت هيلة. — ذلك كان فطور. والآن أريد غداء. --- مرّوا على مجموعة أطفال كانوا يلعبون عند منعطف في الطريق. كانوا خمسة أو ستة — صبيان ببشرة سمراء محروقة بالشمس ورؤوس حليقة وأقدام حافية — يتبارزون بسيوف خشبية صنعوها من أغصان الرمان اليابسة، ويلبسون لامة حرب من صنعهم: دروع من قطع خشب مربوطة بحبال، وخوذات من قِرَع يابسة مجوّفة، ودرقات من أغطية أوانٍ قديمة. يصرخون ويهاجمون بعضهم بحماسة من يظن نفسه في معركة حقيقية. حين رأوا العربة توقفوا ولهثوا وحدّقوا — ثلاث بنات يجررن عربة بأيديهن بلا حمار ولا حصان شيء لا يُرى كل يوم. — ما اسمك؟ سألت موزة أحدهم — صبي بعينين واسعتين فضوليتين يبدو في العاشرة من عمره. — راضي، ردّ الصبي وهو ينظر إلى العربة وما فيها. فتحت موزة غطاء أوراق النخيل عن السمك وأخرجت سمكتين كبيرتين وأعطتهما له: — خذ هذا لأهلك. وأريد أن تجلب لي بعض التمر والخبز. نظر راضي إلى السمكتين في يديه بعينين لامعتين. ثم ركض نحو بيته بسرعة لم يركضها في حياته — رمى سيفه الخشبي وخوذته ونسي أصحابه ونسي المبارزة ونسي كل شيء. اختفى خلف سياج من جريد النخل. انتظرت البنات. كان بيت راضي واحداً من تلك البيوت الطينية المتناثرة على ضفة النهر — أكبر قليلاً من غيره، حوله حديقة فيها شجرة توت كبيرة يملأ ظلها نصف الساحة. ودجاجات تمشي بحرية داخل السياج وخارجه. وساقية ماء تجري من النهر وتمر تحت السياج وتسقي الحديقة ثم تعود إلى النهر. بعد دقائق ظهر راضي مع امرأة. كانت في الأربعين تقريباً — وجه مستدير طيّب، عيناها صغيرتان لكن فيهما دفء لا يُخطأ. تلبس ثوباً داكناً بسيطاً ورأسها مغطى بقماش أبيض. في يديها صينية خشبية عليها أرغفة خبز وتمر وإبريق لبن. — صباح الخير، قالت المرأة وهي تقترب. أنا اسمي رشيدة. نظرت إلى البنات الثلاث — ملابسهنّ ممزقة ومتسخة، وجوههنّ شاحبة من السهر والجوع، شعرهنّ متشابك — ثم نظرت إلى العربة المحملة بالسمك التي يجرّونها بأيديهن. فهمت فوراً أن هناك قصة وراء هذا المنظر. — لماذا لا تدخلن البيت؟ بيتكن بيتكن. — شكراً جزيلاً فنحن على عجلة من أمرنا، قالت موزة. — تفضلوا. لو كنت أعلم بزيارتكن لجمعت لكن أكثر من ذلك. فهذا كل ما لدي الآن. وهي تمدّ يديها بالصينية. آسفة. — هذا كثير، قالت موزة. وأخذت الصينية بكلتا يديها. ثم فتحت غطاء العربة مرة أخرى: — وبالمقابل سنضع لكم سمكاً إضافياً. وضعت ربيعة أربع سمكات كبيرة في وعاء أعطتهنّ إياه رشيدة. — أشكركنّ. هذا كرم، قالت رشيدة وهي تنظر إلى السمك. ثم رفعت رأسها ونظرت إلى العربة مرة أخرى: هل لي بسؤال؟ — تفضلي. — لماذا تجررن العربة أنتنّ بأيديكن؟ ألا يوجد لديكن ما يجرّها من الحيوانات؟ أنزلت موزة رأسها. سكتت لحظة. ثم رفعت رأسها وروت لرشيدة — باختصار — ما حدث. العاصفة. السقف. أمها. الحريق. الحيوانات. الفيضان. لم تذكر الذئاب ولا رومي. بعض الألم لا يُحكى لغرباء. دمعت عينا رشيدة. وضعت يدها على فمها وهزّت رأسها. ثم التفتت ونظرت خلفها — حيث كان حمار مربوطاً قرب مكان معشّب تحت ظل شجرة التوت الكبيرة. حمار بُنّي متوسط الحجم، أذناه طويلتان منتصبتان، وهو يمضغ العشب بهدوء لا يبالي بما يحدث حوله. — عندي ذلك الحمار، قالت رشيدة وأشارت إليه. وهي تبتسم بعينين حزينتين. خذوه. وبعد انتهاء عملكنّ أعيدوه. نظرت موزة إلى رشيدة. ثم إلى الحمار. ثم إلى رشيدة مرة أخرى. — هل أنتِ متأكدة؟ — متأكدة. ما فائدته واقف يأكل عشبي ولا يعمل شيئاً، قالت رشيدة وهي تضحك ضحكة خفيفة تخفي بها تأثرها. --- ربطن العربة بالحمار. لم يكن ربطاً سهلاً — الحمار بدا هادئاً لكنه عنيد. حين حاولت موزة شدّ اللجام أدار رأسه بالاتجاه المعاكس. وحين أرادت ربيعة ربط الحبل بالعربة ركل الهواء برجله الخلفية بلا سبب واضح. — ما اسمه؟ سألت ربيعة وهي تتراجع من الركلة. — ليس له اسم، قالت رشيدة. ننادِيه "الحمار" فقط. — كل كائن يحتاج اسماً، قالت ربيعة وهي تنظر إلى عينيه. سأسميك... مفلح. لأنك ستفلح معنا اليوم إن شاء الله. نهق الحمار نهيقاً واحداً عالياً كأنه يعترض على الاسم. ضحك الجميع — حتى هيلة ضحكت بصوت مسموع، وهذا لا يحدث إلا مرة في الشهر. وبينما هنّ يُنهين ربط العربة، لاحظت موزة شاباً في الخامسة عشرة أو السادسة عشرة من عمره يقف بعيداً عند باب البيت يتحدث مع رشيدة بصوت واطئ. كان يشير بيده نحو الحمار ويهزّ رأسه — بدا عليه الاستياء. رشيدة تردّ عليه بهدوء وهو يرفع صوته قليلاً ثم يسكت حين ينظر باتجاه البنات. لم تسمع موزة ما قالاه. لكنها فهمت: ابنها غير راضٍ عن كرم أمه. وهذا حقه — فالحمار ليس شيئاً بسيطاً لعائلة تعيش على الزراعة. التفتت موزة إلى رشيدة وقالت بصوت واضح: — سنعيده اليوم. قبل المغرب. ابتسمت رشيدة. والشاب أدار ظهره ودخل البيت بلا كلمة. --- سارت البنات بجانب العربة — موزة تمسك بالمقود الأيمن وهيلة بالأيسر وربيعة تمشي خلف العربة تراقب الحمولة وتتحدث مع مفلح الذي لا يبالي بكلامها لكنه يسير بخطوات ثابتة متساوية كأنه يعدّها. كان الطريق يتغيّر كلما اقتربن من بغداد. في البداية كان طريقاً ترابياً ضيقاً بين الحقول — يمر تحت أشجار النخيل العالية التي تصنع ظلاً خفيفاً فوق رؤوسهنّ رغم عُري سعفها في الشتاء. الأرض بعد المطر رطبة وطريّة تحت أقدامهنّ، ورائحة الطين المبلل تختلط برائحة العشب المغسول ورائحة السمك خلفهنّ. عصافير صغيرة تقفز بين الأغصان العارية وتصدر أصواتاً حادة قصيرة كأنها تتحدث عنهنّ. ثم بدأ الطريق يتسع. ظهرت عربات أخرى — عربات يجرّها حمير أو بغال محملة بأكياس حبوب أو سلال فاكهة. ورجال يمشون في مجموعات يتحدثون بأصوات عالية. ونساء يحملن جرار فخارية على رؤوسهنّ يمشين بتوازن مذهل لا تقع منهنّ قطرة. على الضفة الأخرى من النهر — التي تلمع تحت الشمس الشتوية الواطئة كأنها ضفة عالم آخر — رأت البنات قرية صغيرة: بيوت طينية بيضاء ذات أسقف مقوّسة، ومسجد صغير مئذنته قصيرة ترتفع فوق النخيل. دخان كثيف يتصاعد من تنانير البيوت ويرسم أعمدة رمادية في الهواء البارد الساكن. ونساء يغسلن الملابس على حافة النهر بأيدٍ حمراء من البرد وهنّ يتحدثن بأصوات عالية تصل عبر الماء كأنها قريبة. نظرت ربيعة إليهن وقالت: — يبدو أن النساء في كل مكان يغسلن ويتكلمن في نفس الوقت. — وأنتِ تأكلين وتتكلمين في نفس الوقت، قالت هيلة. — هذه موهبة وليست عيباً. --- كلما اقتربن من بغداد تغيّر المنظر أكثر. البيوت المتباعدة صارت متقاربة. الحقول صارت أصغر. الطرق صارت أوسع وأكثر ازدحاماً. ظهرت دكاكين صغيرة على جانب الطريق — رجل يبيع البطيخ من كومة ضخمة ذات قشر أخضر داكن. وامرأة تبيع اللبن في أوانٍ فخارية مغطاة بقماش أبيض مبلل ليبقى بارداً. وعجوز يجلس تحت شجرة يبيع حِبالاً وسلالاً من القصب وحصائر من الخوص. البنات كنّ ينظرن إلى كل شيء بعيون واسعة — كمن يرى العالم لأول مرة. كل شيء جديد. كل وجه غريب. كل صوت مختلف عن أصوات واديهن الهادئ. وأمامهنّ — بعيداً لكنه يقترب مع كل خطوة — بدأ شيء يظهر في الأفق. أسوار. أسوار عالية ممتدة عريضة — مبنية من الآجر الأحمر المحروق — تمتد يميناً ويساراً حتى تختفي خلف الأفق. وفوق الأسوار أبراج مراقبة كل عدة أمتار — دائرية، عالية، فيها فتحات ضيقة للرماة. وأمام الأسوار خندق عريض فيه ماء — خندق دفاعي يحيط بالمدينة كاملة كأنها جزيرة. ثم رأين البوابة. بوابة عظيمة مقوّسة — قوسها من الحجر المنحوت ارتفاعه يتجاوز ثلاثة رجال واقفين فوق بعض. بابها من خشب ثقيل مغلّف بألواح معدنية ومفتوح على مصراعيه. وعلى جانبيه حراس يلبسون دروعاً ويحملون رماحاً ويراقبون كل من يدخل ويخرج بعيون لا تفوتها تفصيلة. وقفت موزة ونظرت إلى البوابة. ثم رفعت رأسها ونظرت إلى الأسوار. ثم إلى ما خلف الأسوار — حيث ارتفعت قباب ومآذن وأسقف بنايات كثيرة كثيفة تظهر من فوق السور كأنها غابة من الحجر. بغداد. كانت أكبر من أي شيء تخيلته. نظرت إلى هيلة. هيلة كانت تنظر إلى الأسوار بعينيها الداكنتين الحادتين — تقيس وتحسب وتحلل كعادتها. نظرت إلى ربيعة. ربيعة كانت واقفة فاغرة الفم. ثم قالت: — هذا... كبير. — نعم، قالت موزة. كبير. ثم أمسكت المقود وقالت: — هيا. ندخل. --- ولم يكنّ يعرفن ماذا ينتظرهنّ خلف تلك الأسوار. ‎ ============================================================ # الفصل السادس ============================================================ ## الفصل السادس: سوق السمك --- ‎ لم يتركوهنّ يدخلن. قبل أن تصل العربة إلى البوابة بخمسين خطوة، ظهر أول تاجر. ثم ثانٍ. ثم ثالث. تجمّعوا حول العربة كالذباب حول العسل — رجال بوجوه حادة وعيون سريعة تُقيّم البضاعة قبل أن يفتحوا أفواههم. كانوا متمركزين على درب دخول المدينة — كل يوم يقفون هناك ينتظرون كل عربة قادمة من الأرياف، يشترون البضاعة قبل أن تصل السوق بأسعار لا تُشبع عصفوراً. رفع أحدهم غطاء أوراق النخيل عن السمك بلا استئذان. نظر. قلّب سمكتين بيده. شمّهما. ثم نظر إلى البنات الثلاث — ثلاث شابات بملابس ممزقة متسخة يجررن عربة بحمار مستعار — وعرف أنهنّ لا يعرفن شيئاً عن السوق. — بكم تريدون هذا السمك؟ قال وهو يمسح يده بثوبه. قال آخر بجانبه وهو يقلّب السمك بلا اهتمام: — يبدو قديماً. — إنه صيد الصباح، قالت ربيعة بسرعة ونظرت إلى أختيها فهزّتا رأسيهما بالموافقة. — هل تبيعون أم تقايضون؟ سأل التاجر الأول. — بل نبيع. نريد مالاً لا أغراضاً، قالت موزة. — أعطيكم عشرة دراهم، قال التاجر بنبرة من يُقدّم عرضاً سخياً وهو يعلم أن الثمن الحقيقي أضعاف ذلك. كان يحاول أن يُغلق الصفقة بسرعة قبل أن تتدخل أي منافسة. — نحتاج مأوى. نريد سكناً مؤقتاً، قالت هيلة فجأة — كأنها تفكر بصوت عالٍ. اقترب أحدهم — رجل بعينين ضيقتين وابتسامة لا تصل إلى عينيه: — أنا أدلكم على مكان. لم تعجب موزة نظرته. كان يتأمل وجوه البنات بطريقة ليس فيها اهتمام بالسمك. — نناقش هذا لاحقاً، قالت موزة بحدّة. الآن نريد بيع السمك. والسعر الذي دفعتموه قليل جداً. — أدفع لكم خمسة عشر درهماً، قال تاجر آخر. ثم جاء الصوت. --- — ثمانون درهماً. صوت قوي، نبرته واثقة وحادة، صدر من خلف المجموعة. التفت الجميع. كان رجلاً متوسط العمر — في بداية الأربعين — يتقدم نحوهم بخطوات واسعة. عظيم الهيئة، متناسق البنية، يرتدي ملابس ليست غالية لكنها متناسقة ونظيفة — بلون بُنّي فاتح — وعلى رأسه وشاح من نفس اللون يغطي مقدّم جبهته ونصف وجهه. لم يكن موجوداً عند وقوف العربة — جاء من اتجاه السوق كأنه كان يراقب من بعيد. توقف ووضع يده على رأس الحمار وبدأ يلاطفه وينتظر ردّ التجار على عرضه. لم يعجب ذلك مفلحاً. أفلت رأسه من قبضة الرجل بحركة عنيفة ودفعه بمنخره. ضحكت البنات — ضحكة لم يتوقعنها من أنفسهنّ في ذلك الموقف. — هل يوجد من يريد أن يزيد السعر؟ قال الرجل وهو ينظر إلى التجار. صمت الجميع. — هذا يعني أن السمك لي. وبدأ يُخرج كيس دراهم من حزامه ويعدّ المبلغ. — من صاحب السمك؟ سأل وهو ينظر إلى الموجودين. — أنا، قالت موزة بفخر. — هل بعتِني بهذا السعر؟ سأل باستغراب — كأنه لم يتوقع أن تكون صاحبة القرار فتاة بهذا العمر. — نعم. بعتك. ومدّت يدها لاستلام الكيس. ربط الرجل خيط الكيس ورماه نحو يد موزة. أمسكته في الهواء بيد واحدة. — الآن تعالوا لنُفرغ السمك في الدكان، قال الرجل. — أين ذلك؟ سألت موزة وهي تهز رأسها مستفسرة. — داخل المدينة. في سوق السمك. وبدأ يسحب الحمار من لجامه. لكن مفلحاً — الذي يبدو أنه لم يطق هذا الرجل منذ اللحظة الأولى — أدار رأسه وهمهم همهمة غاضبة ورفض أن يتحرك. — ما به هذا الحمار؟ سأل الرجل. — ربما لا يحب الغرباء، قالت ربيعة. سحبت ربيعة اللجام من يد الرجل وقادت الحمار بنفسها. مشى مفلح فوراً بلا اعتراض. — هل أنت تبيع السمك؟ سألت ربيعة الرجل وهم يمشون. — نعم. وكل أنواع اللحوم. وعندي مطعم. --- عند البوابة اعترضهم حارس. رجل ضخم يلبس درعاً جلدياً ويحمل رمحاً طويلاً. اقترب من العربة بخطوات بطيئة متعمّدة ورفع غطاء أوراق النخيل. ثم غرس عقب رمحه داخل الحمولة — غرسة بلا سبب إلا إظهار السلطة. — من صاحب هذا السمك؟ قال بصوت ثقيل. — أنا، قال الرجل قبل أن تتكلم موزة. نظرت إليه موزة باستغراب. لكنه أشار لها بعينيه إشارة خفيفة: اسكتي. — إذاً أنت صاحب هذا السمك، قال الحارس وهو يحاول إخافة الرجل. — قلت لك نعم. فأوجز — ما الذي تريده؟ — اليوم هو الأربعاء. وأنا أتغدى السمك في هذا اليوم. أريدك أن تبيعني سمكتين بسعر مناسب. — اختر السمكتين وأعطني ما يُرضيك. أخذ الحارس سمكتين ضخمتين — كل واحدة لا تقل عن كيلوين — وأخرج درهمين فقط وأعطاهما للرجل. أخذهما الرجل وسكت. ثم أشار للموكب أن يتحرك. مرّوا من تحت البوابة المقوّسة — ظلّها البارد الرطب سقط عليهن كأنهن يعبرن من عالم إلى عالم آخر. — ألم يكن المبلغ قليلاً جداً؟ سألت موزة وهي تنظر إلى السوق المكتظ بالناس أمامها. — نعم. لكنه كان يقدر أن يؤخرنا ساعة كاملة يقلّب السمك ويتفحصه ويفتّش العربة. هؤلاء يفتعلون الأسباب دائماً لابتزاز التجار. — ماذا لو قلنا له نحن أصحاب السمك؟ — كانت الخسارة أكبر. — ولماذا؟ — يتعمد أن يأخذ كمية أكبر بحجج لا تعرفينها. وبلا مقابل. رفعت موزة حاجبيها: — أهذا يحدث دائماً؟ — ليس مع الكل. فقط من يجهل أساليبهم. --- دخلن بغداد. وبغداد من الداخل شيء آخر تماماً. لم تكن مدينة — كانت عالماً. شوارع تتفرع من شوارع تتفرع من شوارع — كأنها شجرة جذورها البوابة وأغصانها تمتد في كل اتجاه. الناس في كل مكان — يمشون ويركضون ويصرخون ويتفاوضون ويضحكون ويتشاجرون. عربات تمرّ محمّلة بأكياس وسلال وأقمشة وأواني فخارية وخشب وحديد. حمّالون على ظهورهم أحمال تبدو أثقل منهم يمشون بخطوات قصيرة سريعة وهم ينادون "طريق! طريق!" ليفسح لهم الناس الممر. وباعة على مصاطب يعرضون بضائعهم وينادون بأصوات عالية — "عسل! عسل حر!" و"أقمشة من الهند!" و"بخور! بخور يمني!". الروائح تتصارع في الهواء — رائحة البهارات من دكان العطار، ورائحة الخبز الطازج من فرن كبير يخدم السوق كله، ورائحة الجلد المدبوغ من ورشة خياطة، ورائحة الدخان من مشاوي اللحم التي يقف أمامها صف من الجائعين. وفوق كل ذلك — البنايات. بنايات من الآجر والحجر بعضها من طابقين وبعضها من ثلاثة. مدارس ذات أقواس عريضة وأبواب مفتوحة يُرى من داخلها طلاب يجلسون في حلقات. وحمّامات عامة يتصاعد منها بخار ساخن من فتحات في سقوفها المقببة. ومسجد كبير مئذنته عالية مزخرفة بالآجر الأزرق والأبيض ترتفع فوق كل شيء كأنها إصبع يشير إلى السماء. كانت هيلة وربيعة تنظران حولهما بأفواه مفتوحة. حتى موزة — التي نادراً ما يظهر على وجهها الانبهار — كانت تدير رأسها يميناً ويساراً بعينين واسعتين. — هذا... بدأت ربيعة. — كبير. أعرف. قلتِها عند البوابة، قالت هيلة. — لا. هذا المكان يبدو مثل بطني — فيه كل شيء ولا ينتهي. لم يضحك أحد. لكن الرجل — الذي كان يمشي أمامهن — ابتسم ابتسامة صغيرة من تحت وشاحه. --- وصلوا إلى سوق السمك. كان سوقاً داخل السوق — منطقة مسقّفة بالخشب والقصب، أرضيتها رطبة دائماً، ورائحة السمك فيها قوية حادة تضرب الأنف من مسافة عشر خطوات. دكاكين متراصة على الجانبين — كل دكان فيه لوح خشبي يُعرض عليه السمك وخلفه رجل ينادي ويُفاوض. — هذا هو الدكان، قال الرجل مشيراً بيده. دكان واسع نظيف — أنظف من جيرانه — أرضيته مغسولة وألواحه مرتّبة. خلفه عمّال يرتّبون ويفرزون. فكّ الرجل لجام مفلح من العربة. الحمار همهم مرة أخرى حين اقتربت يد الرجل منه — كأنه يحتجّ على وجوده. — ما به هذا الحمار؟ لماذا يعاملك بهذه القسوة؟ سألت موزة. — الأمر ليس بسببي. إنه بسبب الرائحة. الحمار يكره رائحة السمك، قال الرجل وهو يبتسم ويربط الحبال. ضحكت موزة خجلاً: — آسفة. توقعت أمراً آخر. قلب الرجل العربة على جانبها فتناثر السمك على أرضية الدكان النظيفة. بدأ العمال بفرز الأسماك إلى مجموعات حسب النوع والحجم — بسرعة ودقة تدل على أنهم يفعلون ذلك كل يوم. تجمّع بائعون من الدكاكين المجاورة حول أكوام السمك المفروز وبدأوا يتفاوضون مع الرجل على الأسعار. اقتربت موزة منه: — أهلاً وسهلاً. تشرفنا بمعرفتك. لكننا لا نعرف اسمك حتى الآن. كشف الرجل وشاحه عن رأسه — جبهته عريضة بارزة وشعره قصير وعيناه داكنتان فيهما ذكاء وشيء آخر... شيء يشبه الألم القديم. — اسمي ضاري، قال. — لماذا دفعت سعراً عالياً بدون أن ترى البضاعة؟ سألت موزة وهي تمشي نحو أكوام السمك. سكت ضاري لحظة. ثم قال: — هذه العربة مميزة. وهي صاحبة أفضال كثيرة عليّ. أنا أشتري منها كلما دخلت إلى السوق. واليوم شاهدتها بالصدفة — لكنني لم أرَ صاحبتها، ولا الحصان الذي يجرّها عادة. فعرفت أن هناك أمراً ما. توقفت موزة عن المشي. — صاحبتها؟ — نعم. السيدة ثريا. أنا أتعامل معها منذ سنوات. هي لا تبيع لغيري — وأنا لا أشتري من غيرها. وبما أنني أعمل بهذا المجال فأستطيع تقدير وزن البضاعة من طريقة مشي الحمار وتمايل العربة. تبادلت البنات نظرات سريعة. هيلة رفعت حاجبها. ربيعة فتحت فمها لتتكلم لكن موزة أشارت لها بعينيها: ليس الآن. --- نادى ضاري على عامل شاب: — شدّاد! تعال هنا. جاء شاب في الثالثة عشرة من عمره لكنه يبدو أكبر — جميل المظهر أنيق الملبس رغم بساطة ثيابه. وقف أمام ضاري منتبهاً. — أبتي؟ — أعِدّ الطبق إلى المطعم. وجهّز غداءً لضيوفنا. ذهب شدّاد بسرعة. انتهى العمال من فرز الأسماك. تجمّع البائعون وبدأت المفاوضات الحادة على الأسعار — أصوات عالية وأيدٍ تشير وأرقام تتطاير في الهواء. كان ضاري فرحاً: — لقد كسبت كثيراً اليوم. بسبب الأجواء العاصفة ليوم أمس لا يوجد سمك في السوق. فبعت الكل. وحظكنّ عليّ حلو أيضاً. — يسرنا سماع ذلك، قالت موزة. هل لنا أن نطلب منك معروفاً... قاطعها ضاري: — لكن ماذا حلّ بصاحبة هذه العربة؟ السيدة ثريا؟ ما زالت علامات البهجة على وجهه — لكنها بدأت تتجمد ببطء حين رأى وجوه البنات تتغير. انقلبت ملامحهنّ — من التفاعل مع فرحة ضاري إلى حزن ثقيل مفاجئ. ربيعة أنزلت رأسها. هيلة أدارت وجهها. وموزة — موزة التي نادراً ما يظهر عليها شيء — بدأت عيناها تدمع. — ماذا هناك؟ سأل ضاري وصوته تغيّر. — توفّت ليلة أمس، قالت موزة. — ماذا؟ ثار في وجهها. ليس غضباً منها — بل غضباً من الخبر: — لكن كيف ذلك وهي في كامل صحتها؟ بدا عليه شيء لم تتوقعه البنات — شيء أكبر من تعاطف تاجر فقد زبونة. أدار وجهه عنهنّ ليخفي ما يحدث في عينيه. كتفاه ارتجفتا. كان يبكي. بدأت موزة تروي له القصة. وهي تحكي كان ضاري واقفاً بظهره نحوهنّ ولم يلتفت — كأنه يستمع بجسمه كله لا بأذنيه فقط. --- ركضت موزة نحوه حين انتهت من الحكاية — أرادت أن تسأله معروفاً وتغيّر الموضوع — لكنها صُدمت بما رأت. دموع ضاري كانت حقيقية. ليست دموع مجاملة. وتأثره ليس عادياً — فيه شيء أعمق من الحزن على معرفة. — لكن ما الذي يحدث؟ سألت موزة. لماذا أنت حزين هكذا؟ سكت ضاري. مسح وجهه بطرف وشاحه. ثم سأل بصوت متقطع ضعيف: — من أنتنّ؟ وكيف حصلتنّ على العربة؟ — إنها عربتنا، قالت ربيعة بسرعة. وهذا الحمار سلفة أعطتنا إياه سيدة نبيلة وسنعيده إليها قريباً. — أنا بنتها البكر، قالت موزة. وهذه هيلة بنتها الوسطى. وأمّ اللسان — وأشارت إلى ربيعة — ربيعة بنتها الصغرى. وقف ضاري أمامهنّ ونظر إلى وجوههنّ واحدة واحدة. كأنه يبحث فيها عن شيء — ملامح يعرفها أو لا يعرفها. كأن ثريا لم تخبره أن بناتها أصبحن شابات بهذا القدر. أو أنه لم يسألها عن أعمارهنّ. — اجلسن هنا، قال بصوت مكسور وأشار إلى مقعد خشبي أمام الدكان. ذهب إلى الداخل وتحدث مع شدّاد بصوت واطئ. ثم عاد. — إذاً أنتنّ الثلاثة بنات ثريا. — نعم. نحن الثلاثة، قالت موزة بنبرة فيها شيء من التحدي — كأنها تقول: وماذا في ذلك؟ — متى ستعدن إلى بيتكنّ؟ — قررنا العيش هنا، قالت ربيعة. لأننا... قاطعتها موزة: — ألا تكفّين عن الكلام؟ فالرجل غريب. ليس من الضروري أن يعرف مشاكلنا. — ولماذا تتركن أرضكنّ؟ سأل ضاري. — لم يبقَ لنا فيها شيء. خسرنا كل شيء. — يمكن إصلاح ذلك. — المكان خطر جداً ونحن لا طاقة لنا بعد ما حدث، قالت هيلة مقاطعة. وفقدنا كلبنا رومي أيضاً. سكت ضاري. ثم قال: — إذاً تعالين معي اليوم للبيت حتى نجد لكنّ مكاناً آمناً في المدينة. — لا نريد أن نثقل عليك، قالت موزة. وتصرف علينا ما حصلت من صفقتنا اليوم. قالتها وهي تبتسم — ابتسامة بوجهها الذي يشبه وجه أبيها — ممازحة له للمرة الأولى. كان ضاري يخفي في نفسه مرارة. يعرف حجم المشاكل التي ستنفجر في بيته — لأن صبيحة زوجته لن تقبل بذلك أبداً. لكنه مضطر. البنات ليس لديهنّ من يأويهنّ في هذا اليوم. --- عاد شدّاد ومعه طبق خوص كبير فيه طعام كثير — كباب وتكّة وطماطة مشوية وخبز حار وسلطات وخضراوات — ووضعه على الأرض أمام المقعد. جلس ضاري قرب الطبق: — هيا. تقدّمن وكلن. هذا الغداء لكنّ. أشارت موزة لأختيها. جلسن حول الطبق على استحياء — ثلاث بنات جائعات أمام أكثر طعام رأينه في حياتهنّ. بدأ الكل يأكل. رائحة المشويات فاحت — رائحة اللحم المشوي على الفحم والبهارات والبصل المحمّر. ربيعة لم تحتمل صبراً: — هذا لذيذ جداً! قالت وفمها ممتلئ بلقمة كبيرة. — صحة وهناء. بالعافية، قال ضاري. لكنه كان شارد الذهن — يمضغ ببطء وينظر إلى لا مكان. لاحظت موزة: — هل كل شيء على ما يرام؟ — نعم، قال وهو يمضغ ببطء. نظر إلى موزة: هو على ما يرام. — ساعدنا فقط في الوصول إلى الملك. — ماذا؟ بدا مندهشاً. ما الذي تريدونه من الملك؟ — نطلب منه مساعدتنا. نظرت إليه وتنهدت. — الملك لم يسبق له مقابلة العامة من الناس، قال بيأس. — أمنا أخبرتنا أن لنا عنده صنيعاً. وأنه سيردّ لنا الجميل يوماً ما. — أنتنّ... صنيع؟ قالها ضاحكاً رغم حزنه. — نعم. وحكت له موزة تضحية والدها. أطرق ضاري برأسه إلى الأرض: — نعم... أعرف. آسف... نسيت ذلك. — تعرف؟ وهل كل من في المدينة يعرفون؟ سألت موزة بتفاؤل. — لا. ولكن ثريا حكت لي، قال وهو يبتسم ابتسامة ضعيفة. — هي حكت لك؟ قالت موزة بنبرة مشككة. --- كان الطعام يقارب على النفاذ — هيلة وربيعة التهمتا كل ما في الطبق بينما موزة وضاري انشغلا بالتعرف على بعضهما. قال ضاري: — الملك يعدّ الولائم في المناسبات ويحتاج منّا لتجهيز مطبخ القصر بالأسماك. وكذلك احتياجاتهم الخاصة من السمك — نقوم بتزويدهم بها على أعلى مستوى. لذلك لديّ معارف في القصر — القصّاب والخبّاز — أتعامل معهم. يمكننا طلب مساعدتهم. — هذا جيد! قالت موزة ونظرت إلى هيلة وربيعة بفرح. ومتى يمكنك محادثتهم؟ — عندما تسنح الفرصة. في أقرب وقت. --- نادى ضاري شدّاداً: — أعِدّ الطبق إلى المطعم. نهض الجميع. نفضت ربيعة ملابسها — التي كانت تلتصق فيها بقايا الطعام من كل مكان — نفضاً قوياً متواصلاً وسط استغراب الجميع. — ماذا؟ لماذا تنظرون إليّ هكذا؟ قالت وهي تستمر بالنفض. — يبدو من مظهرك أنكِ أكلتِ الطبق كله، قالت هيلة وهي تضحك. — لو لم أخجل من صاحب المطعم لأكلت الطبق أيضاً، قالت ربيعة وهي تقهقه. — ألف عافية. أنا صاحب المطعم، قال ضاري. وهو مفتوح لكنّ أينما ومتى ما حللتنّ — كلن واشربن مجاناً. نظرت موزة إلى ضاري بعينين فاحصتين. هذا الرجل يكرمهنّ ويساعدهنّ ويأويهنّ ويفتح لهنّ مطعمه. أفكل هذا من أجل صفقة سمك مربحة؟ --- تفرّق الجميع لحظة — كل واحد يفعل شيئاً. موزة ذهبت لتغسل يديها في حوض رأته في زاوية الدكان. لحقتها هيلة. بقيت ربيعة تنظف ثيابها. ووقف ضاري في باب الدكان يفكّر. كسر شدّاد ذلك الهدوء حين صاح: — هذا حوض السمك! كانت موزة قد مدّت يدها لتغترف ماءً — لكنها جفلت حين سمعت ذلك. مدّت بصرها داخل الحوض فوجدت أسماكاً حيّة تسبح فيه. تبسّمت خجلة. سحبت يدها ومسحتها في ثوبها. وهيلة فعلت مثلها. وهنّ يضحكن من ذلك الموقف. --- — شدّاد! نادى ضاري. جاءه فوراً. — أنا ذاهب إلى البيت. حاول أن تبيع كل ما تبقى لدينا من السمك. — حاضر يا أبتي. التفت ضاري إلى البنات. لكنه لم ينظر إليهنّ — ظلّ معرضاً بوجهه نحو السوق: — دعونا نذهب إلى البيت. إذا لم يكن لديكنّ مانع. تصرّف غريب — لا معنى له بنظر موزة. لماذا لا ينظر إليهنّ؟ — شكراً على كل شيء. ونحن سنتدبر أمرنا من هنا، قالت موزة. التفت ضاري. بدت عليه علامات الغضب — ليس منهنّ بل من الموقف: — أنتنّ لا يمكنكنّ التعامل مع هؤلاء الوحوش، وأشار بيده نحو السوق — نحو الأعين التي كانت تراقب البنات منذ وصولهنّ. أرجوكنّ — ساعدنني لأردّ إلى أمكنّ الجميل. وامتلأت عيناه بالدموع مرة أخرى. نظرت البنات إلى بعضهنّ. هذا الرجل يبكي على أمهنّ بكاءً حقيقياً. ليس بكاء معرفة عابرة. — ولكن أي جميل؟ قالت موزة. لم تعرف أمنا أي أحد هنا في المدينة لتسدي له جميلاً. — إن لها عليّ أفضالاً كثيرة. وهذا الخير كله بسببها. — ولماذا لم تردّ لها الجميل في حياتها؟ قالت موزة بحدّة. — إنك محقة. كان عليّ أن أخبرها بكل شيء منذ زمن طويل. — وبماذا تخبرها؟ نظر ضاري إلى داخل الدكان — رأى شدّاداً مشغولاً. ثم قال: — لنكمل كلامنا في الطريق. لم تعارض موزة. أحسّت بوجود سرّ — وتريد له تفسيراً. مشوا نحو الخارج — ضاري في المقدمة والبنات خلفه ومفلح يجرّ العربة الفارغة — وبدأ ضاري يتكلم بصوت واطئ: — منذ معرفتي لأمكنّ لم تفارق بالي. لأنها إنسانة مميزة. كنت فقيراً آنذاك. وبدأت أحوالي تتحسن حين تعاملت معها — أشتري كل ما تجلبه وأقايضها أحياناً. عرضت عليها أن آتي لمنزلها وأشتري منها مباشرة — لكنها رفضت. بقينا نتعامل هنا في السوق فقط. كانت تخبرني كل شيء عنكنّ — لكنني لم أتخيل أنكنّ شابات. سكت لحظة. — أحببت... ثم سكت مرة أخرى. ولم يُكمل الجملة. ‎ --- *مشوا في شوارع بغداد — الرجل الذي يحمل سراً، والبنات اللاتي لا يعرفن ما ينتظرهنّ في بيته.* ============================================================ # الفصل السابع أ ============================================================ ## الفصل السابع: بيت الغيرة (الجزء الأول) --- ‎ لم يكن بيت ضاري بعيداً عن السوق. مشوا في أزقة ضيقة متعرّجة — أضيق من الشوارع الرئيسية — جدرانها من الآجر الأصفر المحروق وأرضيتها حجرية مبلّطة رطبة من ماء الغسيل الذي يسيل من أبواب البيوت. كانت الأزقة مسقّفة في بعض أجزائها بألواح خشبية تصنع ظلاً دائماً تحتها — فيبقى الهواء فيها بارداً حتى في الصيف، وفي الشتاء يصير بارداً لدرجة أن البنات ضممن أذرعهنّ إلى صدورهنّ وهنّ يمشين. كان مفلح يمشي خلفهنّ بالعربة الفارغة — هادئاً طيّعاً مع ربيعة التي تمسك لجامه، لكنه يهمهم كلما اقترب منه ضاري. ربيعة كانت تهمس له: "اصبر يا مفلح. سنعيدك لأمك رشيدة قريباً." وصلوا إلى باب خشبي كبير مزيّن بمسامير حديدية — أوسع من أبواب جيرانه. طرق ضاري الباب ثلاث طرقات. فُتح الباب. --- لم تفتحه صبيحة. فتحته فتاة. فتاة في السادسة عشرة من عمرها — وجهها أبيض صافٍ وعيناها واسعتان هادئتان فيهما نور خاص، ذلك النور الذي تراه في وجوه من يُكثرون من الصلاة والذكر. رأسها مغطى بحجاب أبيض نظيف مرتّب. ثوبها بسيط محتشم. وقفت عند الباب بهدوء وابتسمت ابتسامة خفيفة حين رأت أباها. — أبتي. الحمد لله على سلامتك. — رقية، هؤلاء ضيوفنا اليوم. بنات السيدة ثريا. اتّسعت عينا رقية وأشرق وجهها: — بنات السيدة ثريا؟ أهلاً وسهلاً! أبي يتحدث عنها كثيراً. تفضّلن. فتحت الباب على مصراعيه. دخل الجميع إلى ساحة داخلية مكشوفة — كما هي بيوت بغداد — في وسطها شجرة نارنج كبيرة وحوض ماء صغير وأصص نباتات مرتّبة على الجوانب. البيت من طابقين — الطابق الأول فيه غرفة الضيوف والمطبخ، والثاني فيه غرف النوم يُصعد إليها بدرج خشبي. ربطت ربيعة مفلحاً عند حوض الماء. شرب الحمار بنهم ثم نظر حوله بعينيه الكبيرتين كأنه يتفقد المكان. — أين أمك؟ سأل ضاري رقية بصوت واطئ. — في الطابق العلوي. تتشاجر مع الوسادة. قالتها رقية ببراءة تامة — بلا سخرية ولا استغراب — كأن هذا أمر عادي في بيتهم. ضاري تنهّد ولم يعلّق. نظرت ربيعة إلى موزة. موزة رفعت حاجبها. هيلة لم تتحرك لكن عينيها قالتا: سمعت. --- أجلسهنّ ضاري في غرفة الضيوف — غرفة واسعة مفروشة بالسجاد والوسائد، جدرانها مطلية بالجص الأبيض وعليها رفوف فيها كتب وأوانٍ نحاسية. ثم صعد إلى الطابق العلوي. بقيت رقية مع البنات. جلست أمامهنّ بأدب — ركبتاها مضمومتان ويداها في حجرها — ونظرت إليهنّ بعينيها الهادئتين: — أبي أخبرني عن السيدة ثريا كثيراً. كان يتحدث عنها بإجلال كبير. كيف حالها؟ سكتت البنات. نظرت موزة إلى أختيها ثم قالت بصوت هادئ: — توفّت. ليلة أمس. وضعت رقية يدها على فمها. عيناها اتسعتا ثم امتلأتا بالدموع: — إنا لله وإنا إليه راجعون. رحمها الله رحمة واسعة. سكتت لحظة ثم قالت بصوت مرتجف: — أبي كان إذا عاد من السوق بعد لقائها يكون في أحسن أحواله. كنت أعرف أنه رآها من طريقة دخوله للبيت. لم تعلّق موزة. لكنها خزّنت هذه المعلومة. دخل شدّاد من باب المطبخ يحمل صينية عليها أكواب شاي ساخن وصحن تمر مخزون وخبز. — تفضّلن، قال بابتسامة خجولة. ثم أضاف وهو ينظر إلى رقية: أمي بدأت. — أعرف، قالت رقية بهدوء. سمعتُ. --- من الطابق العلوي بدأ يتسرّب صوت. ليس صوت شجار بين اثنين — بل صوت شخص واحد يتشاجر مع نفسه. صوت امرأة حاد مرتفع — يصعد وينخفض ويصعد — تتكلم بلا توقف بلا فاصلة بلا نَفَس. كأنها تلقي محاضرة غاضبة على جمهور غير موجود. — هذا الرجل يريد أن يملأ بيتي بالغرباء... كأن البيت فندق... كأنني خادمة... كل يوم يجلب أحداً... كل يوم مصيبة جديدة... لا أطيق أحداً... لا أطيق حتى نفسي... كان صوت صبيحة يخترق السقف الخشبي ويصل إلى غرفة الضيوف بوضوح لا يحتاج أذناً حادة. نظرت ربيعة إلى رقية بعينين مستغربتين. رقية ابتسمت ابتسامة اعتذارية صغيرة وقالت: — أمي... لا تطيق أحداً. حتى قبل أن تعرف أنكنّ هنا. هي هكذا دائماً. — هل تتشاجر مع أبيك؟ سألت هيلة. — تتشاجر مع الجميع. مع أبي. مع شدّاد. معي. مع الجدران. مع الهواء. هذا الصباح تشاجرت مع الإبريق لأنه سكب الماء على ثوبها — وهي التي سكبته على نفسها. ضحكت ربيعة ضحكة خرجت منها رغماً عنها. حتى موزة ابتسمت. — آسفة. لا أمزح، قالت رقية. هي تعبة في داخلها. أدعو لها كل ليلة أن يشرح الله صدرها. نظرت موزة إلى رقية نظرة جديدة. هذه الفتاة — بعمر ربيعة تقريباً — تتحدث بحكمة امرأة كبيرة. لا تشتكي من أمها ولا تسخر منها بل تدعو لها. --- صوت صبيحة ارتفع أكثر. ثم سُمع صوت ضاري — هادئ أولاً ثم بدأ يرتفع هو أيضاً. كلمات متقطعة تتسرب من السقف: صبيحة: "... بنات؟ ثلاث بنات شابات في بيتي؟ هل جُننت؟..." ضاري: "... ليلة واحدة فقط... بنات ثريا..." صبيحة: "... ثريا ثريا ثريا! كل حياتك ثريا! ماذا عن بيتك؟ ماذا عن زوجتك؟..." ضاري: "... اخفضي صوتك..." صبيحة: "... لن أخفض صوتي! هذا بيتي وأرفع صوتي فيه كيفما أشاء! ثلاث بنات شابات بعمر الورد تريد أن تُدخلهن بيت رجل في الأربعين! ماذا سيقول الجيران؟ ماذا سيقول الناس؟..." ازداد الصوت حدّة. بدأت أشياء تُرمى — وسادة ارتطمت بالجدار وأصدرت صوتاً مكتوماً. ثم صحن — فخار ينكسر. ثم صوت باب يُفتح ويُغلق بعنف. في غرفة الضيوف جلست البنات في صمت ثقيل. رقية أنزلت رأسها ويداها تعبثان بطرف حجابها. شدّاد وقف عند الباب ينظر إلى الأرض. كلاهما يعرفان هذا المشهد — عاشاه مئات المرات — لكن وجود غرباء يسمعونه جعله أثقل. — آسفة، قالت رقية بصوت واطئ. — لا تعتذري، قالت موزة بصوت ثابت. ليس ذنبك. ثم التفتت إلى أختيها وقالت بعينيها ما لم تقله بفمها: لن نبقى هنا. --- نزل ضاري بعد ربع ساعة. كان وجهه محمراً وعيناه تتجنبان النظر مباشرة إلى البنات. جلس في الزاوية وسكت لحظة. ثم قال بصوت مكسور: — ستبيتن هنا الليلة. رتّبت لكنّ غرفة في الطابق العلوي. — شكراً لك يا ضاري، قالت موزة. لكننا لن نسبّب لك مشاكل أكثر. — ليست مشاكل. هذا واجبي. جلسوا في صمت. شدّاد جلب إبريق شاي جديد. رقية جلست بجانب البنات وبدأت تتحدث معهنّ — بلطف وهدوء — تسألهنّ عن حياتهنّ في الوادي وعن أمهنّ وعن رحلتهنّ. كانت طريقتها في الكلام مريحة — لا تتدخل ولا تحشر أنفها بل تسأل وتستمع وتهزّ رأسها. ثم سألت: — هل تصلّين يا موزة؟ سكتت موزة. لم تكن تتوقع السؤال. — أمنا كانت تصلي. لكننا... لا نعرف كل شيء. — أعلّمكنّ إن أردتنّ، قالت رقية ببساطة. الصلاة هي الشيء الوحيد الذي لا يخذلك حين يخذلك كل شيء آخر. نظرت إليها هيلة بفضول — هيلة التي نادراً ما تهتم بما يقوله الآخرون — لكن شيئاً في كلام رقية لمسها. ربما لأنها قالته بلا وعظ ولا تكلّف — كمن يخبرك عن شيء جرّبه ووجده حقيقياً. — كيف تتحملين هذا كل يوم؟ سألت ربيعة فجأة — وهي تشير بعينيها نحو السقف حيث صوت صبيحة ما زال يتردد. ابتسمت رقية: — بالصبر. وبالدعاء. أمي ليست شريرة — هي تعبة. والإنسان التعب ينشر تعبه على من حوله بدون أن يقصد. أبي يعرف ذلك ولهذا يصبر عليها. — ولهذا أيضاً يبحث عن السعادة في مكان آخر، قالت هيلة بهدوء. سكت الجميع. هيلة قالت ما كان الكل يفكر فيه ولا يجرؤ أن يقوله. رقية لم تردّ — لكن عينيها قالتا إنها تعرف. --- عند العصر، خرج ضاري إلى السوق لإنهاء بعض أعماله. وبقي شدّاد ورقية مع البنات. جلست رقية معهنّ في الساحة الداخلية — تحت شجرة النارنج التي تملأ رائحة أوراقها المكان حتى في الشتاء — وبدأت تعلّمهنّ الوضوء. — بسم الله، قالت رقية وهي تريهنّ الحركات. ثم الوجه. ثم اليدان إلى المرفقين. ثم الرأس. ثم القدمان. قلّدتها موزة بجدّية وتركيز. هيلة تابعت بدقتها المعتادة — تحفظ كل حركة من أول مرة. وربيعة — ربيعة حين غسلت وجهها رشّت الماء على هيلة بالخطأ فصاحت هيلة: — ربيعة! — لم أقصد! الماء له عقل خاص! ضحكت رقية وشدّاد. حتى من الطابق العلوي خفت أصوات صبيحة لحظة — كأن ضحكة أطفال وصلتها واخترقت جدار غضبها لثانية واحدة قبل أن يعود. بعد الوضوء، فرشت رقية سجادتين وصلّت بهنّ صلاة العصر. علّمتهنّ الفاتحة — كلمة كلمة — وعلّمتهنّ كيف يقفن وكيف يركعن وكيف يسجدن. — في السجود، قالت رقية وجبينها على الأرض، أنتِ أقرب ما تكونين إلى الله. فاطلبي منه ما تشائين. هو يسمع. سجدت موزة. أغمضت عينيها. ولأول مرة منذ ليلة العاصفة — شعرت بشيء يشبه السكينة. شيء ثقيل في صدرها بدأ يخفّ — ليس كثيراً — لكنه خفّ. ورقية كانت تراقبها بعينين دامعتين وابتسامة. --- عاد ضاري قبل المغرب بقليل. دخل من الباب ومعه كيس فيه أغراض اشتراها لهنّ من السوق — ثياب بسيطة نظيفة لكل واحدة، وعباءة صوفية دافئة، وحذاء جلدي لموزة التي كان حذاؤها ممزقاً. وجلب خبزاً طازجاً وجبناً ولحماً مجففاً وتمراً مخزوناً وزيتوناً — مؤونة يوم كامل. وضع الكيس في غرفة الضيوف وقال: — هذا لكنّ. استريحوا الليلة وغداً نتحدث عن الخطوة التالية. — لا نقدر أن نقبل كل هذا، قالت موزة. — هذا ليس منّي. هذا من أمكنّ. كل درهم أملكه فيه نصيب لها. لم تجد موزة ما تقوله. أخذت الكيس ودخلت مع أختيها إلى الغرفة. --- لم يطل الهدوء. عند المغرب — حين بدأ أذان المغرب يصدح من مئذنة المسجد القريب ويملأ الأزقة — نزلت صبيحة من الطابق العلوي. رآها البنات لأول مرة. امرأة في الخامسة والثلاثين تقريباً — ليست قبيحة ولا جميلة بل عادية تماماً. لكن وجهها يحمل تعبيراً دائماً من الاستياء — كأن شيئاً في الدنيا لا يعجبها مهما فعلت. حاجباها مقطّبان حتى وهي لا تتكلم. شفتاها مضغوطتان. وعيناها تنظران إلى كل شيء وكل شخص بنظرة من يبحث عن سبب ليشتكي. دخلت غرفة الضيوف بلا سلام. نظرت إلى البنات الثلاث — نظرة طويلة بطيئة من رأس موزة إلى قدميها ثم إلى هيلة ثم إلى ربيعة — كأنها تقيسهنّ أو تقيّمهنّ أو تبحث فيهنّ عن شيء يؤكد شكوكها. — أنتنّ بنات ثريا، قالت بلا سؤال. — نعم، قالت موزة. — ليلة واحدة. ثم ترحلن. استدارت وخرجت. لم تنتظر ردّاً. مرّت بجانب ضاري الذي كان واقفاً عند الباب. نظرت إليه نظرة سكبت فيها كل ما في صدرها من كلام بلا أن تنطق حرفاً واحداً. ثم صعدت الدرج. --- بعد دقائق بدأ الصوت مرة أخرى. لكنه هذه المرة كان أعلى. وأحدّ. وفيه كلمات لا يجب أن يسمعها أحد. — ... شابات بعمر الورد... وأنت بلا حياء تجلبهنّ لبيتي... ثريا ماتت وأنت تريد بناتها... أيّ نوع من الرجال أنت... كانت الكلمات تنزل من السقف كالحجارة. كل كلمة تضرب المكان بصوتها. شدّاد أنزل رأسه وخرج إلى الساحة. رقية أغمضت عينيها وبدأت تحرّك شفتيها بصمت — تدعو. موزة وقفت. نظرت إلى أختيها. ربيعة كانت صامتة — وجهها محمرّ من الخجل والألم. هيلة كانت تنظر إلى الأرض بعينين ضيقتين باردتين — ليس فيهما دموع بل غضب مكتوم. — لن نبيت هنا، قالت موزة بصوت واطئ حازم. — وأين نذهب؟ قالت هيلة. — أيّ مكان غير هذا. لن أسمح لأحد أن يُهيننا. لم تعارض هيلة. لم تعارض ربيعة. قمن ثلاثتهنّ بهدوء. جمعن الثياب والمؤونة التي جلبها ضاري — أخذنها لأنه أصرّ أنها من حقهنّ — ووضعنها في كيس. نزلن إلى الساحة. كان شدّاد واقفاً عند حوض الماء ومفلح بجانبه. — إلى أين؟ سأل شدّاد بصوت حزين. — نرحل يا شدّاد. لا نريد أن نسبّب لأبيك مشاكل أكثر. — أبي لا يريدكنّ أن ترحلن. — نعرف. لكننا نريد. جاءت رقية مسرعة من الغرفة: — انتظرن! لا ترحلن هكذا. الليل قريب والمدينة ليست آمنة لثلاث بنات وحدهنّ. — سندبّر أمرنا يا رقية. أمسكت رقية يد موزة. نظرت في عينيها: — اسمعيني. إذا احتجتنّ شيئاً — أيّ شيء — ارجعن إلى هنا. اطرقن الباب واسألن عن رقية بنت ضاري. سأكون هنا. ثم أضافت بصوت أخفض: — وإذا ضاقت بكنّ الدنيا — صلّين ركعتين واسألن الله. هو لا ينسى أحداً. أمسكت موزة يد رقية وضغطتها ضغطة واحدة — كلمة شكر بلا كلمات. ربيعة حضنت رقية حضناً سريعاً. وهيلة هزّت رأسها — وهذا كثير من هيلة. فكّت ربيعة رباط مفلح وسحبته نحو الباب. الحمار مشى بطاعة — كأنه يعرف أن الوقت ليس وقت عناد. خرجن من الباب الخشبي الكبير. خلفهنّ سمعن صوت ضاري يصرخ من الطابق العلوي: — أين ذهبن؟ وصوت صبيحة تردّ بخبث بارد: — رحلن. والحمد لله. --- *وقفن في الزقاق وحدهنّ.* *ثلاث بنات وحمار وكيس مؤونة.* *والشمس تغيب خلف أسطح بغداد.* *واللّيل يقترب.* ‎ ============================================================ # الفصل السابع ب ============================================================ ## الفصل السابع: بيت الغيرة (الجزء الثاني) --- ‎ أول ما فعلنه: أكلن. جلسن على حافة حوض ماء في ساحة صغيرة قريبة من بيت ضاري وفتحن كيس المؤونة. خبز وجبن ولحم مجفف وزيتون وتمر مخزون. أكلن بسرعة وبصمت — ليس صمت حزن بل صمت من يجمع قواه قبل أن يقرر خطوته التالية. مفلح وقف بجانبهنّ يمضغ كسرة خبز أعطته إياها ربيعة. كان هادئاً — كأنه يفهم أن الوقت ليس وقت نهيق. — نحتاج أشياء قبل أن يغلق السوق، قالت موزة وهي تمسح يديها. عباءة إضافية لربيعة — ثوبها ممزق. وحبل لمفلح — لجامه يكاد ينقطع. — ومشط، أضافت هيلة وهي تنظر إلى شعرها المتشابك بلا تعبير. — ومعجّنات، قالت ربيعة. نظرت إليها موزة. — أقصد... إذا بقي شيء من المال، أضافت ربيعة بابتسامة بريئة. --- السوق كان يستعد للإغلاق. الباعة بدأوا يجمعون بضائعهم ويغطّون مصاطبهم بالقماش. الأصوات التي كانت عالية صاخبة في الظهيرة خفتت إلى همهمات ونداءات أخيرة — "آخر البضاعة! آخر السعر!" — نداء من يريد أن يبيع ما تبقى لديه قبل الظلام بأيّ ثمن. مشت البنات بسرعة بين الدكاكين. موزة تشتري بحساب دقيق — تفاوض وتضغط وترفض وتعود — كأنها تاجرة عتيقة لا فتاة دخلت المدينة لأول مرة اليوم. اشترت الحبل والعباءة وأشياء صغيرة أخرى. هيلة اشترت مشطاً خشبياً ابتسمت حين أمسكته — ابتسامة من يستعيد شيئاً فقده. وربيعة — ربيعة انفصلت عنهنّ لحظة. لم تذهب بعيداً. وقفت عند عربة رجل يبيع الخبز المحشو بالتمر والجوز — رائحته تملأ الزقاق — ووقفت تنظر إليه بعينيها الواسعتين الجائعتين. — كم هذا؟ سألت. — درهم واحد لقطعتين. مدّت يدها إلى لفّة القماش على خصرها حيث تحتفظ بالدراهم القليلة التي أعطتها إياها موزة. وبينما هي تعدّ — اقترب شاب. كان في العشرين تقريباً — وسيم بطريقة يعرفها ويعرف أنها تعمل. شعر أسود طويل مسدول على جبهته. وابتسامة مرسومة بعناية. وقف بجانبها وقال: — دعيني أدفع عنكِ. نظرت إليه ربيعة. لم تقل نعم ولم تقل لا. لكنها لم تبعد يدها عن الدراهم. — أنتِ لستِ من هنا، قال وهو يميل رأسه قليلاً. أعرف وجوه أهل بغداد. ووجهك... ليس من بغداد. أجمل. احمرّ وجه ربيعة. لم تكن معتادة على هذا الكلام — في الوادي لم يكن هناك شباب يتكلمون بهذا الأسلوب. فقط حيوانات وأشجار ونهر. — من أين أنتِ؟ سأل وهو يقترب خطوة. — من... بدأت ربيعة. — من مكان بعيد ولا يخصّك، قالت هيلة من خلفها. جاءت هيلة كالسيف — بلا صوت ولا تحذير. في يدها قطعتان من الخبز اشترتهما بنفسها. مدّت واحدة لربيعة ونظرت إلى الشاب بعينيها الباردتين الحادتين — نظرة تقيس وتحذّر في آن واحد. تراجع الشاب خطوة. ثم ابتسم ابتسامة خاسرة ومشى. — ماذا فعلتِ؟ قالت ربيعة وهي تأخذ الخبز. كان يريد أن يدفع! — كان يريد شيئاً أغلى من الخبز يا ربيعة. سكتت ربيعة. أكلت الخبز وهي تمشي ولم تعلّق — وهذا نادر. --- موزة لم تكن مع أختيها لأنها كانت مشغولة بشيء آخر. وقفت عند دكان عجوز يبيع حصائر القصب وسألته: — أيها الشيخ، كيف أصل إلى قصر الخليفة؟ نظر إليها العجوز من فوق كتفه: — القصر؟ ولماذا تريدين القصر يا بنتي؟ — لدينا حاجة عند الخليفة. ضحك العجوز ضحكة فيها شفقة أكثر مما فيها سخرية: — قصر الخليفة المستعصم بالله في الجانب الشرقي من المدينة. لكنكِ لن تقتربي منه — الحرس يمنعون أي أحد من الاقتراب من السور الخارجي. حتى التجار الكبار لا يدخلون إلا بإذن مسبق. يا بنتي، انسي القصر. ليس لأمثالنا. شكرته موزة ومشت. لكنها لم تنسَ. موزة لا تنسى. --- التقت بأختيها عند مدخل شارع واسع — أوسع من الأزقة التي مشين فيها — وبدأن يمشين باتجاه شرق المدينة. وبغداد في ساعة المغرب كانت مشهداً لا يُنسى. الشمس غابت لكن السماء ما زالت مضيئة بلون برتقالي يتحول ببطء إلى بنفسجي. والمآذن — عشرات المآذن — ترتفع في كل اتجاه كأصابع مرفوعة إلى السماء، وصوت الأذان يتردد من واحدة إلى أخرى كأنهم يتناوبون لا ينادون معاً. كل مئذنة بصوت مؤذنها — هذا عميق وذاك حاد وآخر يرتّل ترتيلاً يُبطئ الخطوات. أضاءت المصابيح الزيتية في الدكاكين والبيوت. نوافذ الطابق الثاني في البيوت تفتح ونساء يسحبن حبال الغسيل قبل ندى الليل. أطفال يركضون في الأزقة في آخر لعبة قبل أن تسحبهم أمهاتهم من آذانهم إلى الداخل. ورائحة العشاء تتسرب من كل باب — رائحة شوربة عدس ساخنة من هنا، ورائحة لحم مطبوخ مع البهارات من هناك، ورائحة خبز تنور من كل مكان. مرّن على بناية كبيرة ذات واجهة عريضة مزخرفة بالآجر المنقوش — أقواسها عالية متراصة وبابها مفتوح يخرج منه ضوء دافئ ورائحة أعشاب وأدوية. — ما هذا المكان؟ سألت ربيعة. — صيدلية، قالت هيلة. — ما هي الصيدلية؟ — مكان يبيعون فيه الأدوية والأعشاب الطبية. أمي كانت تحكي عنها. فيها أطباء يخلطون العلاج لكل مرض — كل مرض له وصفة — ويكتبونها في كتب يتوارثها الأطباء. نظرت ربيعة من الباب المفتوح. رأت رفوفاً تمتد من الأرض إلى السقف مليئة بأوعية فخارية وزجاجية فيها مساحيق ملوّنة وأعشاب مجففة وسوائل. ورجل بلحية بيضاء يجلس خلف طاولة خشبية يطحن شيئاً في هاون نحاسي. رائحة المكان غريبة — مزيج من النعناع والكافور والزنجبيل وأشياء لا يعرفها أنفهنّ. — هل عندهم دواء للجوع؟ قالت ربيعة. — الأكل دواء الجوع يا ربيعة. أكلتِ قبل نصف ساعة. — ذلك كان دواءً مؤقتاً. --- أكملن المسير. وكلما مشين انفتحت بغداد أمامهنّ أكثر — كأنها مدينة بلا نهاية، كلما ظننتِ أنك رأيتِ كل شيء ظهر شيء جديد. مرّن على ساحة واسعة مفتوحة — أوسع من مزرعتهنّ كلها — أرضيتها مبلّطة بالحجر المصقول وفي وسطها نافورة كبيرة لا تعمل في الشتاء لكن حوضها ممتلئ بماء صافٍ تنعكس فيه المصابيح. حول الساحة بنايات رسمية عالية ذات أعمدة حجرية وأقواس مدبّبة — مبنية بدقّة هندسية تجعل كل قوس يبدو كأنه ينمو من الذي قبله. ثم وصلن إلى بناية أذهلتهنّ. بناية ضخمة ممتدة — واجهتها من الآجر المزخرف بأنماط هندسية معقّدة: مربعات داخل مربعات، ودوائر متداخلة، وخطوط عربية محفورة في الجص الأبيض فوق الأبواب. كانت البناية تحتل رقعة كاملة من الشارع — طولها لا ينتهي — وأبوابها كثيرة وعالية، كل باب يفتح على قاعة تلمع من داخلها أضواء المصابيح. — ما هذا المكان؟ قالت موزة وهي تنظر إلى الأعلى. على الجدار فوق الباب الرئيسي — محفور في الحجر بخط عربي كبير — كُتب: **المدرسة المستنصرية** — مدرسة؟ قالت ربيعة. كل هذا مدرسة؟ — ليست مدرسة عادية، قالت هيلة — وكانت عيناها تقرأ النقوش بسرعة مذهلة. هذه جامعة. من أعظم ما بُني في بغداد. فيها أربعة مذاهب يُدرَّس فيها الفقه والحديث واللغة والحساب والطب. فيها مكتبة ومطبخ ودار علاج للمرضى وحمّام. الطلاب يعيشون فيها ويأكلون ويتعلّمون مجاناً. نظرت إليها موزة: — كيف تعرفين كل هذا؟ — أمي أخبرتني. وذلك التاجر في السوق — الذي كان يتحدث مع جاره. أسمع كل شيء يا موزة. هذه وظيفتي. وقفت ربيعة أمام الباب تنظر إلى الداخل. رأت ساحة داخلية واسعة فيها إيوانات — أقواس ضخمة مفتوحة — وطابقان من الغرف حولها، وطلاب يمشون بكتبهم وأساتذة بعمائم بيضاء يتناقشون. — أتمنى لو أستطيع الدخول، قالت ربيعة بصوت مختلف عن صوتها المعتاد — صوت فيه شيء من الحسرة. — حين ننتهي من كل هذا — سندخل، قالت موزة. ونتعلّم. هذا ما كان أبونا يريده لنا. --- مشين أكثر. مرّن ببناية عالية مقبّبة — دار علاج — يسمّيها الناس "بيمارستان" بالفارسية أي مكان المرضى — تعالج المرضى مجاناً. من بابها المفتوح رأين ممرّات نظيفة وغرفاً صغيرة فيها أسرّة وأطباء يتنقلون بين المرضى. رائحة البخور تخرج من الداخل — يحرقونه لتطهير الهواء. ومرّن ببنايات أخرى — ورشة صناعة ورق، وورشة صناعة زجاج رأين فيها رجلاً ينفخ الزجاج المصهور من أنبوب طويل فيتحول إلى كرة شفافة لامعة كفقاعة عملاقة. ودار كتب — مكتبة عامة — بابها مقفل لكن فوقه لوحة كُتب عليها: "العلم نور والجهل ظلام." وكل بناية أكبر من التي قبلها. وكل شارع يفتح على شارع أوسع. وبغداد لا تنتهي. — هذه المدينة بناها الناس أم بناها الجن؟ قالت ربيعة وهي تلهث من المشي. — بناها أناس مثلنا. لكنهم كان لديهم وقت وعلم ومال ونحن ليس لدينا شيء من ذلك، قالت هيلة. — لدينا حمار، قالت ربيعة وهي تربّت على رأس مفلح. --- عند مدخل شارع عريض يبدو أنه يؤدي إلى حي مختلف — أهدأ وأكثر فخامة — اعترضهنّ حارس. — قفن! أين تذهبن في هذا الوقت؟ — نبحث عن قصر الخليفة، قالت موزة. نظر إليها الحارس كأنها قالت شيئاً مضحكاً: — القصر؟ ولماذا؟ — لدينا حاجة عنده. — ارجعن من حيث أتيتنّ. هذا ليس مكاناً لثلاث بنات يتسكّعن في الليل. وخذن حماركنّ معكنّ قبل أن يوسّخ الشارع. كأنه سمعه — نهق مفلح في تلك اللحظة نهيقاً عالياً ارتجّ له الزقاق. فزع الحارس وتراجع خطوة. ضحكت ربيعة ضحكة مكتومة وسحبت مفلحاً بسرعة قبل أن يتسبّب في مشكلة أكبر. عادوا وحاولوا شارعاً آخر. حارس آخر: — ممنوع المرور بعد المغرب بدون إذن. ارجعن. وشارع ثالث. عسس — حرس الليل — يمشون في مجموعات من ثلاثة، كل واحد يحمل فانوساً ورمحاً قصيراً. رأوا البنات فاقتربوا: — من أنتنّ؟ ماذا تفعلن هنا؟ — نبحث عن مكان نبيت فيه، قالت موزة. — بيتكنّ أين؟ — ليس لنا بيت. نظر العسس إلى بعضهم. ثم نظر أحدهم إلى مفلح والعربة الفارغة: — ثلاث بنات بلا بيت وحمار وعربة. هل أنتنّ لصوص؟ — هل يسرق اللصوص بحمار؟ قالت ربيعة. كاد العسسي أن يبتسم لكنه تماسك: — لا يجوز لكنّ التجوّل ليلاً. اذهبن إلى أحد الخانات في سوق الريحانيين. أو ابحثن عن قريب يأويكنّ. — لا أقارب لنا هنا، قالت هيلة. — مشكلتكنّ. ابتعدن عن هذا الحي قبل أن أحبسكنّ. --- مشين مرة أخرى. الليل حلّ تماماً. البرد اشتد. الشوارع بدأت تفرغ إلا من العسس والقطط الهزيلة التي تمشي على الجدران. وجدن ساحة صغيرة فيها شجرة كبيرة وحوض ماء ومقعد حجري. جلسن عليه. مفلح وقف بجانبهنّ ونفخ من منخريه نفخة بخار في الهواء البارد. — أحصيتُ أربعة حراس طردونا حتى الآن، قالت هيلة. — والخامس كان الحمار الذي أفزعناه بالنهيق، قالت ربيعة. ضحكن — ضحكة خافتة متعبة — من النوع الذي يخرج حين لا يبقى شيء آخر يمكن فعله. — لن يسمحوا لنا بالاقتراب من القصر الليلة، قالت هيلة. كل الطرق المؤدية إليه محروسة. — إذاً ننام هنا ونحاول في الصباح، قالت موزة. — هنا؟ في الساحة؟ قالت ربيعة. — عندك اقتراح أفضل؟ نظرت ربيعة حولها. ساحة مكشوفة. حجر بارد. وليل طويل. ثم نظرت إلى المقعد الحجري: — على الأقل الحجر لا يتشاجر معنا كصبيحة. ابتسمت موزة ابتسامة صغيرة. ثم قامت وأخرجت العباءات من الكيس ووزّعتها. لفّت كل واحدة نفسها بعباءتها. ربيعة جمعت حطباً يابساً من تحت الشجرة — كعادتها — وأشعلت ناراً صغيرة بحجرَي الصوّان اللذين لا يفارقان جيبها. النار ارتفعت وألقت ضوءاً دافئاً على وجوههنّ المتعبة. — أتعلمن ما الذي يعجبني في بغداد؟ قالت ربيعة وهي تمد يديها نحو النار. — ما هو؟ — حتى حراسها مهذبون. في واديّنا كانت الذئاب تهاجم بلا كلام. هنا على الأقل يقولون لكِ "ارجعي" قبل أن يطردوكِ. لم تضحك موزة هذه المرة. كانت تنظر إلى مكان بعيد — فوق أسطح البيوت — حيث يرتفع في الظلام شكل ضخم أسود: سور عالٍ خلفه أبراج وقباب تلمع تحت ضوء القمر. القصر. — أراه من هنا، قالت موزة. نظرت هيلة وربيعة في نفس الاتجاه. كان هناك فعلاً — قصر الخليفة المستعصم بالله — محاطاً بسور خاص أقل ارتفاعاً من سور المدينة لكنه متين ومحروس. خلفه ترتفع قبة كبيرة مذهّبة ومبانٍ عالية وأبراج فيها أضواء تتحرك — حراس يمشون بفوانيسهم على أسوار القصر. — غداً، قالت موزة. غداً سنكون هناك. — وإن لم يسمحوا لنا؟ سألت هيلة. — سنبقى عند السياج حتى يسمحوا. يوماً أو يومين أو عشرة أيام. لن نرحل حتى يسمعنا أحد. سكتت هيلة. ثم هزّت رأسها بالموافقة — وهذا يعني أنها وافقت فعلاً لا مجاملة. وربيعة كانت قد نامت. رأسها على كتف هيلة — مرة أخرى — وهيلة لم تدفعها — مرة أخرى. وفمها مفتوح قليلاً وشعرها يفلت من اللفّة على وجهها ويدها ما زالت ممدودة نحو النار كأنها تريد أن تأخذ الدفء معها إلى حلمها. ومفلح وقف بجانبهنّ كالحارس — أذناه منتصبتان ورأسه مرفوع — كأن روح رومي انتقلت إليه تلك الليلة. أغمضت موزة عينيها. وقبل أن تنام — همست لنفسها كلمات رقية: — اللهم لا تنسنا. ‎ --- *في الصباح سيكنّ عند سياج القصر.* *ثلاث بنات جائعات ينتظرن ملكاً.* *ولكل واحدة حلم لا تعرف عنه أختاها شيئاً.* ============================================================ # الفصل_الثامن ============================================================ ## الفصل الثامن: ثلاثة أحلام عند السياج --- ‎ استيقظت موزة قبل الفجر. لم يوقظها صوت ولا حلم — بل البرد. برد كانون الذي يدخل من تحت العباءة ومن بين خيوطها ومن كل ثقب لا تراه العين. فتحت عينيها فرأت سماء بغداد رمادية بلا نجوم — غيوم واطئة كأنها سقف بيت ثقيل — وشجرة عارية فوق رأسها تهزّ أغصانها في ريح خفيفة كأنها تشير لها: قومي. قامت. نظرت حولها. هيلة نائمة على جنبها — وجهها هادئ بارد حتى في النوم. وربيعة ملتفّة كالقنفذ في عباءتها ورأسها مدفون تحتها ولا يظهر منها إلا خصلة شعر. مفلح واقف — واقف لم ينم — أذناه منتصبتان ورأسه مائل كأنه يستمع لشيء بعيد. النار انطفأت. لم يبقَ منها إلا رماد دافئ ورائحة حطب محترق. نظرت موزة إلى الشكل الأسود الضخم خلف أسطح البيوت — سور القصر. القباب المذهّبة التي لمعت تحت القمر البارحة كانت الآن رمادية في ضوء الفجر الأول. لكنها هناك. قريبة. — قمن. --- مشين في شوارع فارغة. بغداد قبل الفجر مدينة مختلفة — بلا أصوات ولا رائحة طعام ولا حركة إلا خطواتهنّ وحوافر مفلح على الحجر المبلّط. الأبواب مغلقة. النوافذ مغلقة. حتى القطط التي تملأ الأزقة في الليل اختفت. كان الهواء رطباً بارداً فيه رائحة دجلة — ماء وطين ونباتات متعفّنة — ممزوجة برائحة مدينة: فحم ودخان وجلود مدبوغة وبقايا طعام الأمس. ثم سُمع الأذان. ليس أذاناً واحداً — بل عشرات. بدأ من مئذنة بعيدة صوتها عميق كأنه يصعد من تحت الأرض — ثم ردّت عليه مئذنة أقرب بصوت أحدّ — ثم ثالثة ورابعة وخامسة — حتى صار الهواء كله أذاناً. موجات صوت تتقاطع وتتداخل وتتردد بين الجدران والقباب — كأن المدينة كلها تتنفس بصوت واحد. وقفت موزة. وقفت أختاها. حتى مفلح توقّف. تذكّرت موزة كلمات رقية: "في السجود أنتِ أقرب ما تكونين إلى الله." ثم تذكّرت صوت أمها ثريا وهي تقوم قبل الفجر في الوادي وتصلّي على حصيرة القصب في الظلام. كانت موزة طفلة تراقبها من تحت الغطاء ولا تفهم لماذا تقوم من النوم الدافئ لتقف في البرد. الآن فهمت. أكملن المسير. --- وصلن إلى القصر مع أول ضوء. لم يكن ما رأته موزة سوراً كسور المدينة — بل سياجاً حديدياً طويلاً أسود اللون — قضبان غليظة مدبّبة الرؤوس مغروسة في قاعدة حجرية ترتفع إلى ما فوق الرأس بذراعين. بين كل قضيبين فراغ بعرض الكفّ — يكفي لترى من خلاله لكن لا يكفي لتمرّ. وخلف السياج حديقة واسعة فيها أشجار نارنج وأحواض ورد يابسة في الشتاء وممرات حجرية تؤدي إلى مبانٍ عالية ذات قباب وأقواس. وخلف الحديقة — بعيداً — القصر نفسه. ضخم. أضخم من أي شيء رأينه في حياتهنّ. واجهته مزخرفة بالآجر الملوّن والخط العربي المحفور، وقبابه المذهّبة تلمع حتى في ضوء الفجر الشاحب. لكن الحديقة لم تكن فارغة. جنود يمشون في مجموعات من ثلاثة. وخيول مربوطة عند أعمدة خشبية — خيول حرب لا خيول نزهة — عليها سروج جلدية ودروع صدرية. وعند البوابة الرئيسية — بوابة حديدية مزخرفة بنجوم وأهلّة — وقف ستة حراس لا اثنان. وجوههم متوترة. أسلحتهم جاهزة. مشت موزة نحو البوابة. — قفي! من أنتِ؟ ماذا تريدين؟ الحارس الأول — شاب بشارب خفيف وعينين ضيقتين من قلة النوم — جاء نحوها بخطوات سريعة. — نريد مقابلة الخليفة، قالت موزة. ضحك الحارس — ضحكة قصيرة جافة بلا مرح: — مقابلة الخليفة! هل سمعتم يا رجال؟ ثلاث بنات وحمار يريدون مقابلة الخليفة! ضحك حارسان آخران. لكن الحارس الأكبر — ذو اللحية الرمادية — لم يضحك. نظر إليهنّ بعينين فاحصتين ثم قال: — ارجعن إلى بيوتكنّ يا بنات. هذا ليس مكاناً — — ليس لدينا بيوت، قاطعته موزة. سكت الحارس. نظر إليها ثانية — نظرة أطول — ثم قال بصوت أهدأ: — اسمعي يا بنت. الخليفة المستنصر بالله لا يستقبل أحداً هذه الأيام. أخبار التتار سيئة — فرسان بايجو رُصدوا قرب حدود العراق والقصر كله في حالة استنفار. لا أحد يدخل ولا أحد يخرج إلا بإذن. ابتعدن عن السياج قبل أن أضطر لحبسكنّ. — نحن بنات جواد، قالت موزة. — ومن يكون جواد؟ — القائد الذي هاجم طليعة التتار بخمسة رجال. رفع الحارس حاجبيه: — خمسة ضد كم؟ — ثمانين فارساً. طليعة استكشاف كانت تتقدم نحو الموصل. أبي وأربعة من رجاله هاجموهم ليلاً. أبي لم يعد. نظر الحارس إلى زميله. شيء في صوت موزة — ليس التوسل بل الحقيقة — جعله يتردد. لكنه هزّ رأسه: — حتى لو كان أبوكِ بطلاً — وأنا لا أشكّ في كلامك — فالوقت ليس وقت استقبال. اجلسن هناك — بعيداً عن البوابة — وفي الصباح سأرسل خبركنّ إلى داخل القصر. هذا أفضل ما أستطيع. أشار إلى ساحة صغيرة قبالة السياج فيها شجرة سدر كبيرة ومقعد حجري. مشت موزة نحو الساحة. تبعتها أختاها. --- جلسن تحت شجرة السدر وانتظرن. بدأت بغداد تستيقظ. أبواب تُفتح. باعة ينادون. أطفال يركضون نحو الكتاتيب. لكن شيئاً في إيقاع المدينة كان مختلفاً عن أمس — الناس يمشون أسرع والأصوات أخفض. ونساء يحملن صرراً كبيرة كمن يحزم حياته في كيس. مرّ رجلان يتحدثان بصوت واطئ: — القوافل من همدان تقول إن بايجو أرسل فرساناً يستكشفون طرق العراق. — والخليفة؟ — حصّن السور الشرقي وجهّز المنجنيقات. لكن أهل الكرخ لا يثقون. بعضهم يخرج من الأبواب الجنوبية. ابتعدا. نظرت هيلة إلى موزة: — سمعتِ؟ لهذا الحراس متوترون. — أعرف. — موزة — إذا كان التتار قادمين... هل يعقل أن نجلس هنا؟ — أبونا لم يجلس حين جاء التتار. هاجم بخمسة. فهل نهرب نحن من سياج؟ --- مرّت ساعتان. ربيعة اشترت خبزاً ولبناً بآخر الدراهم. مفلح أكل كسرة خبز وشرب من حوض ماء قريب. موزة حاولت مرتين أخريين عند البوابة — نفس الجواب: "لا يُستقبل أحد." ثم — عند الضحى — حدث ما لم يكن في الحسبان. --- ### مفلح كان الباب الجانبي مفتوحاً. باب صغير في السياج — على بعد ثلاثين خطوة من البوابة الرئيسية — يُستخدم لإدخال المؤونة والبضائع. عربة محمّلة بأكياس قمح كانت تدخل منه — بغلان يجرّانها وجندي يقودهما — والباب مفتوح على مصراعيه لأن العربة عريضة. وربيعة — التي كانت تمسك لجام مفلح — التفتت لحظة لتنظر إلى البائع المتجول الذي ينادي "كعك بالسمسم!" — لحظة واحدة فقط — أفلتت يدها عن اللجام. ومفلح — الذي كان هادئاً طوال الصباح — شمّ رائحة. رائحة شعير. رائحة شعير طازج تخرج من أكياس العربة المفتوحة. ومفلح — الجائع منذ أمس — لم يفكّر. لم يحسب. لم يستأذن. فعل ما يفعله أي حمار جائع شمّ شعيراً: ركض. ركض نحو الباب الجانبي المفتوح بسرعة لم تره البنات فيها من قبل — مفلح البطيء الكسول المتثاقل — صار حصاناً. دخل من الباب قبل أن يفهم أحد ما يحدث — مرّ بجانب العربة — كاد يصطدم بالبغلين — ودخل إلى حديقة القصر. — مفلح! صرخت ربيعة. لم يلتفت. مفلح كان الآن داخل القصر. يركض بين أشجار النارنج وأحواض الورد — حوافره تدقّ على الممرات الحجرية — وخلفه بدأ الصراخ. — حمار! حمار في القصر! — أمسكوه! — من أين دخل؟ صاح حارس الباب الجانبي وهو يحاول إغلاقه لكنه تأخر — لأن ربيعة كانت قد مرّت من تحت ذراعه كالسهم وهي تصرخ: — مفلح! يا حمار! ارجع! ودخلت هيلة خلفها — ليس ركضاً بل مشياً سريعاً هادئاً — كأنها تدخل بيتها. وموزة — موزة وقفت لحظة عند الباب. نظرت إلى الحارس الذي كان يحاول أن يقرر: هل يمسكها أم يمسك الحمار؟ ثم قالت له بهدوء: — سنُرجعه. أعدك. ودخلت. --- ما حدث في الدقائق التالية لن ينساه أحد في القصر. مفلح — الذي وجد أكياس الشعير مكدّسة عند مخزن المؤونة — توقف أخيراً وأدخل رأسه في كيس مفتوح وبدأ يأكل بنهم وسعادة وصوت مضغ يُسمع من الطرف الآخر للحديقة. ذيله يتحرك يميناً ويساراً — إشارة الرضا عند الحمير. ربيعة وصلت إليه أولاً. أمسكت لجامه وسحبت: — مفلح! يا وجه السوء! هل جُننت؟ مفلح لم يرفع رأسه. أكل لقمة أخرى من الشعير بهدوء تام — كأنه في بيته. — اسحبيه! صاحت هيلة من خلفها. — يرفض! هذا حمار لا يفهم السياسة! جاء ثلاثة جنود يركضون — سيوفهم مسحوبة — ثم رأوا المشهد: فتاة تسحب حماراً من كيس شعير والحمار يرفض. توقفوا. نظر أحدهم إلى الآخر. ثم ابتسم أحدهم رغماً عنه. — هذا حماركنّ؟ — للأسف نعم، قالت ربيعة وهي تسحب بكل قوتها. ساعدها جنديان. أمسكا مفلحاً من الجانبين وسحباه. رفع مفلح رأسه من الكيس — فمه ممتلئ بالشعير وعلى وجهه تعبير مَن قُوطع في أهم لحظة في حياته — ونهق. نهق نهيقاً عالياً ارتجّت له الحديقة كلها. وفي أحد شبابيك القصر العلوية — فُتح ستار وأطلّ وجه. --- في تلك اللحظة وصل رئيس الحرس. رجل ضخم بلحية سوداء كثيفة ودرع كامل. نظر إلى المشهد بوجه لا تُقرأ فيه أي مشاعر: — ما هذا؟ — حمار دخل من باب المؤونة يا قائد. وهؤلاء صاحباته، قال أحد الجنود. — صاحباته؟ — ثلاث بنات. يقلن إنهنّ بنات قائد اسمه جواد حارب التتار. كنّ يجلسن عند السياج منذ الفجر. الحمار هرب ودخل وهنّ لحقنه. نظر رئيس الحرس إلى موزة — التي كانت تقف بهدوء وظهرها مستقيم رغم أنها تعرف أنها في ورطة كبيرة — ثم إلى ربيعة التي تمسك لجام مفلح بيدين مرتجفتين ووجهها أحمر من الخجل — ثم إلى هيلة التي تقف بلا تعبير كأن شيئاً لم يحدث. — اقتادوهنّ إلى دار الضيافة، قال أخيراً. والحمار إلى الإسطبل. سأقرر ما أفعل بهنّ لاحقاً. — ولماذا لا نطردهنّ وننتهي؟ سأل الجندي. نظر إليه رئيس الحرس: — لأن آخر مرة طردنا فيها أحداً ادّعى أنه يعرف شيئاً عن التتار — كان يعرف فعلاً. وخسرنا ثمن المعلومة. خذهنّ إلى دار الضيافة. أطعمهنّ. وأخبرني ماذا يقلن. --- ### دار الضيافة لم تكن داراً فخمة — لكنها كانت جنّة مقارنة بالساحات الحجرية والأزقة الباردة. غرفة واسعة في الطابق الأرضي من مبنى ملحق بالقصر — أرضيتها مفروشة بسجاد سميك وجدرانها مطلية بالجص الأبيض وفي وسطها منقل فحم يشعّ دفئاً. وسائد مرصوفة على الجوانب. ونافذة واحدة مطلّة على الحديقة — مغطاة بستار رقيق. دخلت البنات الثلاث. وقفن لحظة على العتبة — أقدامهنّ على السجاد الدافئ بعد ليلتين على الحجر — ولم يتحركن. كأن أجسادهنّ لا تصدّق. ثم جاءت امرأة — خادمة في الخمسين اسمها وردة — وجهها مستدير طيب وعيناها تبتسمان قبل فمها. حملت صينية كبيرة عليها خبز ساخن وجبن أبيض وعسل وتمر وإبريق شاي وأكواب. — كلن يا بناتي. وبعدها احكين لي حكايتكنّ. ربيعة لم تنتظر دعوة ثانية. جلست وبدأت تأكل بسرعة محمومة. هيلة أكلت بهدوء ودقة — كل لقمة بحسابها. وموزة أكلت — لكن عينيها كانتا تراقبان الغرفة والنافذة والباب. تحسب. تقيس. تفكر. وردة جلست في الزاوية تراقبهنّ وتبتسم — ابتسامة أم — وتنتظر. --- بعد الأكل — حين امتلأت البطون وهدأت الأعصاب واسترخت الأجساد في دفء المنقل — بدأ الكلام. بدأته ربيعة — كعادتها: — أتعلمن... حلمتُ حلماً غريباً البارحة. قبل أن يوقظنا البرد. — ماذا حلمتِ؟ سألت وردة بلطف. — حلمتُ أنني في مخبز. مخبز واسع فيه تنور كبير — أكبر من تنور أمي — ورائحة خبز تملأ المكان. وأنا أعجن وأخبز. وعند الباب أطفال كثيرون ينتظرون. وأعطيهم. أكسر الخبز وأعطيهم قطعة قطعة. ولا ينتهي الخبز. كل قرص أخبزه ينتج قرصين. والأطفال يأتون ويأتون. وأنا — تصدّقين يا وردة؟ — لم أقل في الحلم كلمة واحدة. أنا! ربيعة التي لا تسكت! في الحلم كنت أعجن وأعطي وأسكت. وكان ذلك كافياً. ابتسمت وردة: — حلم جميل يا بنتي. من تطعم الجياع لا يجوع. نظرت هيلة إلى النار ثم قالت — بصوتها البارد الهادئ: — أنا أيضاً حلمتُ. حلمتُ بمائدة طعام طويلة — طويلة لا نهاية لها — وعليها كل شيء: لحم بالبهارات وأرز بالزعفران وفاكهة وحلويات — أشياء لم أرها إلا في حكايات أمي. وأنا آكل. آكل بلا خجل ولا حساب. ولا ينتهي الطعام. ولا أحد يصرخ فوق رأسي ولا أحد يطردني. وعلى الكرسي المقابل... كرسي فارغ. نظرتُ إليه وابتسمتُ. — لمن الكرسي الفارغ؟ سألت وردة. هزّت هيلة كتفيها: — لا أعرف. لكنني كنت سعيدة أنه فارغ. سكتن لحظة. ثم نظرت وردة إلى موزة: — وأنتِ يا كبيرتهنّ؟ سكتت موزة. نظرت إلى يديها. ثم قالت: — حلمتُ أنني واقفة في قاعة كبيرة — سقفها ذهب وأعمدة رخام — وفي يدي سيف. سيف أبي. بمقبضه الجلدي المهترئ وغمده الأسود. وأنا أمشي نحو كرسي مرتفع في آخر القاعة وأركع وأمدّ يدي بالسيف وأقول: "هذا سيف جواد. سيف من لم يهرب." — ومن كان على الكرسي؟ سألت وردة — وقد تغيّر شيء في عينيها. — رجل بعمامة بيضاء. نهض. ومدّ يده. وأخذ السيف. ونظر إليّ. نظرة واحدة قالت كل شيء. صمتت الغرفة. وردة نظرت إلى البنات الثلاث — نظرة طويلة — ثم قالت: — وأبوكنّ... جواد... ماذا حصل له؟ أجابت موزة: — قبل عشر سنين. كان التتار يرسلون طلائع استكشاف نحو الموصل — ثمانين فارساً. أبي وأربعة من رجاله هاجموهم ليلاً. أوقفوا الطليعة. لكن أبي لم يعد. — خمسة ضد ثمانين؟ قالت وردة. — خمسة ضد ثمانين. وقفت وردة. ابتسمت ابتسامة فيها شيء مبهم — ليست ابتسامة شفقة ولا تكذيب — ابتسامة من يعرف شيئاً لا يقوله. ثم قالت: — استريحن. سأعود. وخرجت. --- ### جلسة التنفس بعد خروج وردة — في هدوء الغرفة الدافئة — حدث ما لم يحدث منذ ليلة العاصفة: تنفّست البنات. لا بمعنى الشهيق والزفير — بل بمعنى أعمق. الدفء في أجسادهنّ والطعام في بطونهنّ والسجاد تحتهنّ والمنقل أمامهنّ — كل هذا أذاب شيئاً كنّ يحملنه منذ أيام. شيئاً صلباً مضغوطاً في الصدر. فانفتح. قالت ربيعة — وصوتها الهادئ الذي لا يشبهها عاد: — أتعلمن ما يؤلمني أكثر من البرد وأكثر من الجوع وأكثر من كل شيء؟ — ماذا؟ — أنني بدأتُ أنسى وجه أبي. كنتُ في الخامسة حين ذهب. أتذكر صوته — صوتاً عميقاً يملأ البيت — وأتذكر أنه كان يحملني على كتفه وأنا أمسك بشعره وأضحك. لكن وجهه... كل سنة يبتعد قليلاً. كأنه يمشي في ضباب. سكتت هيلة — لكنها أنزلت رأسها. وهذا من هيلة يساوي بكاءً. — أنا أتذكره، قالت موزة. كنت في الثامنة. أتذكر كيف يشدّ حزام سيفه وكيف يجلس ليعلّمني سنّ السكين. وأتذكر يوم رحل — حين ركب الحصان قبل الفجر — التفت إليّ ونظر. لم يقل شيئاً. نظر فقط. ثم أضافت بصوت أخفض: — أحياناً أفكر... ماذا لو لم يمت؟ ماذا لو أنه حي في مكان ما — في سجن أو في أرض بعيدة؟ — موزة... قالت هيلة. — أعرف. خمسة ضد ثمانين — لا أحد ينجو. لكن... ألا يحقّ لي أن أتمنى؟ قالت ربيعة — بصوت مكسور: — ليته حي. كلمتان. سقطتا في الصمت كحجر في بئر عميقة. ثم قالت هيلة — وهذا نادر: — لو كان حياً... لما كنّا هنا. لما ماتت أمنا وحيدة. لما أكل الذئاب رومي. لما احتجنا ضاري ولا صبيحة ولا هذا القصر. ثم أضافت: — التتار أخذوه. والتتار الآن يهددون هذه المدينة. كأنهم يتبعوننا. سكتن. قالت موزة أخيراً: — لن يأخذوا منا شيئاً آخر. --- ### الملك لم تكن البنات تعلم أن وردة ليست خادمة عادية. وردة كانت كبيرة خادمات دار الضيافة — وهي المسؤولة عن استقبال كل من يأتي إلى القصر من خارجه. كل كلمة تُقال في دار الضيافة تصل إلى أذنيها. وكل شيء مهم يصل منها إلى أذن واحدة فوق كل الآذان. صعدت وردة إلى الطابق العلوي. دخلت من باب خشبي صغير إلى ممر طويل. مشت حتى وصلت إلى غرفة فيها رجل يجلس خلف طاولة عليها خرائط ورسائل وأوراق — رئيس ديوان القصر. — عندي خبر، قالت وردة. — ماذا؟ — ثلاث بنات دخلن مع حمار — الحمار هرب إلى الحديقة وهنّ لحقنه. رئيس الحرس أرسلهنّ إلى دار الضيافة. — وما شأني بثلاث بنات وحمار؟ — يقلن إنهنّ بنات قائد اسمه جواد. هاجم طليعة تتارية — ثمانين فارساً — بخمسة رجال قبل عشر سنين. تجمّد الرجل. — جواد؟ — جواد. — جواد بن... جواد الذي أوقف طليعة بايجو قرب الموصل؟ — لم يذكرن اسم بايجو. لكنهنّ يعرفن التفاصيل — ثمانين فارساً وخمسة رجال وهجوم ليلي. وقف الرجل ببطء. يداه على الطاولة. ثم قال: — الخليفة يجب أن يعرف. الآن. — هناك شيء آخر، قالت وردة. — ماذا؟ — الكبيرة — موزة — حكت حلماً. قالت إنها رأت نفسها تقدّم سيف أبيها للخليفة في قاعة العرش. والخليفة أخذ السيف ونظر إليها. سكت الرجل لحظة. ثم قال: — أبلغ الخليفة. أحضر البنات الثلاث إلى المجلس الخاص بعد صلاة الظهر. وأطعمن الحمار — لا أريد فوضى أخرى في الحديقة. --- *وفي دار الضيافة — البنات لا يعلمن شيئاً.* *موزة مستلقية على ظهرها — عيناها مفتوحتان — تنظر إلى السقف المزخرف وتفكر.* *هيلة نامت — للمرة الأولى منذ أيام — نوماً عميقاً بلا أحلام.* *وربيعة — ربيعة تأكل آخر قطعة تمر وتتمتم:* *— أرجو أن يكون مفلح بخير. لم يأكل من الشعير ما يكفيه.* *ومن مكان ما في أعلى القصر — وصل خبر إلى أذن لن تنساه.* ‎ ============================================================ # الفصل_التاسع ============================================================ ## الفصل التاسع: الملك وبنات جواد --- بعد صلاة الظهر جاءت وردة. لم تطرق الباب — فتحته بهدوء ودخلت. كانت قد غيّرت ثيابها — ثوب أنظف وحجاب أبيض مرتّب — ووجهها يحمل تعبيراً لم يكن فيه حين خرجت: شيء بين الجدّية والتوتر المكتوم. — قمن، قالت. نظرت إليها موزة: — إلى أين؟ — إلى مكان لا يدخله إلا من يُطلب. --- مشين خلف وردة في ممر طويل. ممر لم يره بنات الوادي في حياتهنّ ولم يتخيّلنه — أرضيته من الرخام المصقول الأبيض تنعكس فيه الأقدام كأنه ماء جامد، وجدرانه مكسوة بالخشب المحفور حفراً دقيقاً: أوراق وأزهار وأشكال هندسية متداخلة لا تعرف أين يبدأ الخط وأين ينتهي. وفوقهنّ سقف مقوّس مزيّن بنجوم مذهّبة على خلفية زرقاء داكنة — كأنهنّ يمشين تحت سماء ليل صناعية. على الجدران مصابيح زيتية في تجويفات محفورة — تلقي ضوءاً دافئاً ناعماً يجعل كل شيء يلمع. ورائحة البخور تملأ الهواء — عود وكافور — رائحة لم تشمّها ربيعة من قبل فتوقفت لحظة واستنشقت. — امشي يا ربيعة، همست هيلة. — أشمّ فقط. — تشمّين لاحقاً. امشي. مرّن بحراس واقفين كالتماثيل عند كل باب — لا يتحركون ولا ينظرون — كأنهم جزء من الجدار. ومرّن بغرف مفتوحة الأبواب لمحن فيها رفوفاً من الكتب ورجالاً يكتبون على طاولات خشبية. ومرّن بساحة داخلية صغيرة فيها نافورة تعمل — ماء يتدفق في الشتاء — ونخلتان صغيرتان وأصص ورد أحمر. ثم توقفت وردة أمام باب. باب خشبي أصغر من الأبواب الأخرى — لا زخرفة عليه ولا ذهب — لكن الحارسين الواقفين عنده كانا أضخم حارسين رأينهما في حياتهنّ. دروع كاملة. سيوف طويلة. ووجوه لا تعرف الابتسام. طرقت وردة ثلاث طرقات. انتظرت. ثم سُمع صوت من الداخل: — أدخليهنّ. --- ### المجلس الخاص لم تكن القاعة كبيرة. هذا أول ما لاحظته موزة — أنها ليست قاعة العرش التي حلمت بها. غرفة بحجم غرفتين من بيت ضاري — لكنها مختلفة عن أي غرفة في الدنيا. أرضيتها سجاد واحد — سجادة واحدة ضخمة منسوجة بألوان لا تعرفها العين: أحمر داكن وأزرق ملكي وذهبي — وعليها رسوم حيوانات وأشجار كأنها حديقة مطوية. الجدران مكسوة بخشب الأرز — رائحته تملأ الغرفة — وعليها رفوف فيها كتب وأوانٍ فخارية ولوحات خط عربي. في الزاوية مبخرة نحاسية يتصاعد منها خيط دخان رفيع. وعلى الجانبين وسائد كبيرة حمراء ومنضدة خشبية واطئة عليها صينية شاي وصحن فاكهة. وفي صدر الغرفة — على وسادة أعلى من بقية الوسائد — جلس رجل. --- لم يكن كما تخيّلته موزة. لم يكن ضخماً ولا مهيباً ولا يلبس ذهباً من رأسه إلى قدميه. كان رجلاً في الخمسين — وجهه حنطي ناشف فيه تجاعيد العمل لا تجاعيد الترف. لحية بيضاء مشذّبة بعناية. وعينان — عيناه هما كل شيء — واسعتان هادئتان فيهما ذكاء حاد يراقب ويقيس ولا يفوته شيء. عيون رجل قرأ ألف كتاب وبنى مدرسة وحكم مدينة فيها مليون إنسان. ثيابه بسيطة — ثوب أبيض وعباءة بنية وعمامة بيضاء ليس عليها جواهر. لولا الوسادة المرتفعة والحارسان عند الباب — لظننته عالماً أو تاجراً لا خليفة. نظر إلى البنات حين دخلن. نظرة واحدة طويلة بطيئة — من موزة إلى هيلة إلى ربيعة — كأنه يقرأ كتاباً من ثلاثة فصول. — اجلسن، قال بصوت هادئ. ليس صوت أمر بل صوت دعوة. جلسن. موزة في الوسط. هيلة عن يمينها. ربيعة عن يسارها. وردة وقفت عند الباب. صبّ الرجل الشاي بنفسه — لم ينتظر خادماً — صبّ ثلاثة أكواب ومدّها إليهنّ: — اشربن أولاً. ثم نتحدث. أخذت موزة الكوب. يداها لم ترتجفا. شربت رشفة. هيلة شربت بهدوئها المعتاد. ربيعة شربت — ثم مدّت يدها إلى صحن الفاكهة — ثم سحبتها — ثم مدّتها — ثم نظرت إلى موزة. — كلي يا بنت، قال الرجل. الفاكهة ليست للزينة. أخذت ربيعة تفاحة. عضّتها عضّة كبيرة. ثم ابتسمت ابتسامة خجلة — أول ابتسامة خجلة من ربيعة منذ بداية القصة. --- ثم قال الرجل: — أنتنّ بنات جواد. لم يكن سؤالاً. كان إعلاناً. — نعم، قالت موزة. — وجواد هو الذي هاجم طليعة بايجو قرب الموصل. خمسة فرسان ضد ثمانين كشّافاً. لم يكن سؤالاً أيضاً. — كيف تعرف؟ قالت موزة. نظر إليها الرجل نظرة فيها شيء من الألم القديم: — لأنني أنا الذي أرسلتهم. سكتت الغرفة. سكتت موزة. سكتت هيلة. حتى ربيعة توقفت عن المضغ. أكمل الرجل: — قبل عشر سنين وصلتنا أخبار أن بايجو — قائد جيوش التتار في فارس — يرسل طلائع استكشاف نحو العراق. ثمانون فارساً كانوا يرسمون الطرق ويقيسون المسافات ويعدّون نقاط الضعف. لو وصلت تلك الطلائع إلى بغداد بخرائطها — لكانت المدينة سقطت قبل أن تستعد. توقف. شرب من كوبه. ثم أكمل: — كنت أحتاج من يوقفهم. ليس جيشاً — الجيش يلفت الانتباه ويستفزّ. بل فرقة صغيرة سريعة تضرب وتختفي. عرضتُ المهمة على قادة الجيش — رفضوا. قالوا إنها انتحار. خمسة ضد ثمانين في أرض مكشوفة — لا أمل. سكت لحظة. ثم قال: — ثم جاء رجل. لم يكن من قادة الجيش ولا من أمراء البلاط. جاء من وادٍ بعيد عند ضفاف دجلة — رجل بجسم عظيم وأربعة رفاق — وقال: أنا أذهب. — أبي، قالت موزة. — أبوكِ. جواد. قال كلمة واحدة: أذهب. لم يسأل عن المال ولا عن المكافأة ولا عن الدعم. أخذ رجاله الأربعة وخرج في الليل. وبعد أسبوع — وصلنا الخبر: الطليعة دُمّرت. ثمانون فارساً تتارياً قُتل منهم أكثر من خمسين وهرب الباقون. لكن الخمسة... توقف. — لم يعودوا، أكملت موزة بصوت لا يرتجف. — لم يعودوا. بحثنا عنهم. أرسلتُ فرقتين. وجدنا آثار المعركة — دماء ورماح مكسورة وخيول نافقة — لكن أجساد الخمسة... لم نجدها. — لم تجدوها؟ قالت هيلة فجأة — وعيناها اتسعتا. — لم نجدها. وهذا غريب. لأن التتار يتركون جثث أعدائهم في مكانها — عادةً — كرسالة. لكن هذه المرة لم نجد شيئاً. صمتت الغرفة مرة أخرى. لكن هذه المرة — الصمت فيه شيء مختلف. شيء يشبه الأمل. شيء خطير. موزة نظرت إلى هيلة. هيلة نظرت إلى موزة. وكلتاهما فكّرتا الشيء نفسه — لكن لم تقله أيّ منهما. ربيعة قالته: — يعني ممكن أنه حي؟ لم يجب الخليفة. لكنه لم ينفِ. --- مرّ صمت طويل. ثم تنحنح الرجل وقال بصوت مختلف — أدفأ: — وردة أخبرتني عن أحلامكنّ. المخبز. والمائدة. والسيف. نظرت البنات إلى بعضهنّ — لم يتوقعن أنه يعرف. ابتسم الخليفة: — لا تستغربن. كل كلمة تُقال في دار ضيافتي تصل إليّ. هذه ليست مراقبة — بل حماية. وأحلامكنّ وصلتني كاملة. سكت لحظة. ثم قال بصوت هادئ — كأنه يتحدث مع نفسه: — من يحمل سيف أبيه إلى قصر الملك... لا يرجع خاوي اليدين. --- وقف الخليفة. وقف ببطء — كأنه يحمل ثقل ما سيقوله — ومشى في الغرفة خطوتين. ثم التفت إليهنّ: — اسمعن يا بنات جواد. أبوكنّ أعطى هذه المدينة عشر سنين إضافية. عشر سنين لم يهاجمنا فيها بايجو — لأن طليعته لم ترجع بخرائطها. عشر سنين بنينا فيها المستنصرية وحصّنّا الأسوار وجهّزنا الجيش. وأنتنّ — بنات ذلك الرجل — جئتنّ إليّ جائعات يتيمات بلا بيت ولا أهل. هذا دَين. وأنا أسدّد ديوني. التفت إلى ربيعة: — أنتِ حلمتِ بمخبز تطعمين فيه الجياع. يداكِ تعجنان وفمكِ يصمت — هذا حلم من تحبّ العطاء بلا كلام. سأزوّجكِ خيرة خبّازي بغداد — رجل اسمه عامر — مخبزه يطعم حيّاً كاملاً. ستكونين ربّة مخبز وأمّ أطفال يأكلون كل يوم خبزاً ساخناً. ربيعة فتحت فمها — ولم تخرج كلمة. أول مرة في حياتها. التفت إلى هيلة: — وأنتِ حلمتِ بمائدة لحم لا تنتهي وكرسي فارغ قبالتكِ. تريدين أن تأكلي بلا خوف ولا شريك يملأ حياتكِ ضجيجاً. سأزوّجكِ رئيس جزّاري السوق الكبير — رجل اسمه صابر — رجل هادئ قليل الكلام كثير العمل. بيته مليء باللحم والمال. ولن يصرخ أحد في وجهكِ ما حييتِ. نظرت هيلة إلى الخليفة بعينيها الباردتين. ثم — وهذا نادر — ابتسمت. ابتسامة صغيرة سريعة — كبرق — ثم اختفت. ثم التفت إلى موزة. ونظر في عينيها طويلاً — أطول مما نظر في عيني أختيها: — وأنتِ... أنتِ حلمتِ بسيف أبيكِ في قاعة العرش. لم تحلمي بطعام ولا خبز — حلمتِ بشرف. حلم من يحمل اسم أبيه ولا يقبل أقل مما يستحقه ذلك الاسم. توقف. ثم قال: — لي ابن. اسمه هارون. في العشرين من عمره. يحتاج زوجة تعرف ما معنى التضحية — لا زوجة تعرف الحرير فقط. بنت جواد الذي لم يهرب — هي تلك الزوجة. سكتت موزة. لم تقل نعم ولم تقل لا. نظرت في عيني الخليفة — والرجل الذي على الكرسي المرتفع في حلمها ينظر إليها بالنظرة ذاتها — وقالت: — سيف أبي ضاع. لا أملكه. — السيف ليس الحديد يا موزة. السيف هو أنتِ. أنتِ التي حملت أخواتها من الوادي إلى بغداد. أنتِ التي لم تبكِ أمام الحراس. أنتِ التي نامت عند السياج ولم ترحل. السيف لم يضع — السيف واقف أمامي. --- سكتت الغرفة سكوتاً كاملاً. ربيعة — التي لا تسكت — تنظر إلى أختها بعينين واسعتين لامعتين وفمها ما زال مفتوحاً والتفاحة في يدها منسية. هيلة — التي لا تُظهر شيئاً — بلعت ريقها مرة واحدة. ومفلح — من مكان ما في إسطبل القصر — نهق نهيقاً بعيداً مكتوماً. كأنه يعرف. ثم قال الخليفة: — سيُعلن الزواج في يوم واحد. ثلاث بنات جواد يتزوّجن في يوم واحد. بغداد تحتاج خبراً سعيداً هذه الأيام — وهذا أسعد خبر. ثم أضاف — وهو ينظر إلى موزة: — وإن وجدنا أباكِ يوماً — فسيجد بناته ملكات لا يتيمات. وقفت موزة. وقفت ببطء — كما وقف الخليفة — كأن شيئاً ثقيلاً يرفعها لا يثقلها. ونظرت إليه. وقالت — بصوت ثابت لا يرتجف: — شكراً لك. ليس لأنك زوّجتنا. بل لأنك تذكّرت أبانا. انحنت. وانحنت هيلة. وانحنت ربيعة — التي نسيت التفاحة فسقطت من يدها وتدحرجت على السجاد حتى وصلت قدم الخليفة. ضحك الخليفة. ضحكة كبيرة — أول ضحكة كبيرة في هذا القصر منذ أسابيع. — خذن تفاحتكنّ وارجعن إلى دار الضيافة. غداً يبدأ التجهيز. --- خرجن. مشين في الممر الطويل نفسه — الرخام والخشب المحفور والنجوم المذهّبة — لكن المشي هذه المرة مختلف. موزة تمشي وكتفاها مرفوعتان — ليس كبرياءً بل ارتياحاً. هيلة تمشي وعيناها تحسبان — تحسبان شيئاً جديداً. وربيعة — ربيعة تمشي وتبكي. بلا صوت. الدموع تنزل على خدّيها وهي تبتسم — ابتسامة ودموع في آن — وحين سألتها هيلة "ما بكِ؟" — لم تجب. لأنها لا تعرف. لأن البكاء والضحك حين يأتيان معاً لا يحتاجان تفسيراً. ومن بعيد — من الإسطبل — سُمع نهيق مفلح مرة أخرى. وهذه المرة ردّ عليه حصان من إسطبل الخليفة. كأن حتى الحيوانات تعرف أن شيئاً تغيّر. --- *ثلاث بنات دخلن بغداد أمس بلا بيت ولا أهل ولا مال.* *واليوم — واحدة ستصبح زوجة أمير.* *وواحدة ستملك أكبر جزّارة في السوق.* *وواحدة ستملك مخبزاً يطعم حيّاً كاملاً.* *كل حلم صار حقيقة.* *لكن أعمق حلم — حلم موزة الذي لم تقله — "ليته حي" —* *ذلك الحلم لم يتحقق بعد.* *بعد.* ‎ ============================================================ # الفصل_العاشر ============================================================ ## الفصل العاشر: عقد بطعم العزاء --- ‎ لم تنم موزة تلك الليلة. بقيت في دار الضيافة — على السجاد الدافئ بجانب المنقل — وعيناها مفتوحتان تنظران إلى السقف المزخرف بالنجوم. ربيعة نامت فوراً — كعادتها — وهيلة نامت بعد ساعة. لكن موزة لم تنم. ليس لأنها خائفة. بل لأنها تفكر. قبل ثلاثة أيام كانت في الوادي. قبل يومين كانت تنام على حجر عند سياج قصر. واليوم — يقول لها خليفة بغداد إنها ستتزوج ابنه. كأن الدنيا تدور بسرعة أكبر مما تستطيع عيناها أن تتبعا. والسؤال الذي يأكلها ليس "هل أريد؟" — بل "هل أملك أن أرفض؟" الخليفة لم يسألها. قال: "سأزوّجكِ ابني." لم يقل: "هل تقبلين؟" وهي لم تقل نعم. لم تقل لا. سكتت. والسكوت في القصور ليس سكوتاً — بل موافقة. لكن هل هي موافقة فعلاً؟ أم أنها فتاة يتيمة جائعة ليس لديها خيار — فتأخذ ما يُعطى وتسكت؟ قلّبت الفكرة في رأسها مرة ومرتين وعشر مرات. ثم سألت نفسها السؤال الأصعب: ماذا كان أبي ليقول؟ أبوها الذي لم يهرب. أبوها الذي هاجم ثمانين بخمسة. أبوها الذي — لو كان حياً — لما سمح لأحد أن يزوّج بناته بلا إذنه ولا إذنهنّ. لكن أباها ليس هنا. وأمها ليست هنا. ولا أحد هنا إلا هي وأختان ينامان وحمار في الإسطبل. عند الفجر — حين بدأ الأذان يملأ بغداد — قامت موزة وتوضّأت وصلّت. وحين سجدت — تذكّرت كلمات رقية: "اطلبي منه ما تشائين." فطلبت. طلبت شيئاً واحداً: — يا الله. أرني إن كان هذا صواباً. --- في الصباح جاءت وردة. لم تكن وحدها هذه المرة — معها خياطة تحمل أقمشة، وامرأتان تحملان أواني وأطباق ومباخر. دخلن الغرفة وبدأن يرتّبن كأن الأمر محسوم. — ما هذا؟ سألت موزة. — تجهيز العقد يا بنتي. الخليفة أمر أن يُعقد اليوم. — اليوم؟ — اليوم. قبل صلاة الظهر. نظرت موزة إلى وردة بعينين فيهما شيء لم تره وردة من قبل — ليس رفضاً ولا قبولاً — بل سؤال: — يا وردة. هل هذا أمر أم عرض؟ توقفت وردة. وضعت ما في يدها. جلست أمام موزة ونظرت في عينيها: — ما الذي يقلقكِ يا بنتي؟ — أمي ماتت قبل أيام. لم ندفنها بأيدينا — الحريق أخذها. لم نلبس عزاءً ولم نبكِ بكاء الفراق الحقيقي. وأبي غائب منذ عشر سنين. وأنا — في ثلاثة أيام — من يتيمة عند سياج إلى زوجة أمير؟ هل تتوقعين مني أن أفرح؟ سكتت وردة لحظة. ثم قالت بصوت واطئ: — لا أحد يتوقع منكِ أن تفرحي يا موزة. الخليفة نفسه لا يتوقع ذلك. هو يعرف أنكنّ في حداد. ويعرف أن الوقت ليس وقت أعراس. — فلماذا يستعجل؟ — لأنه خائف. — الخليفة خائف؟ — خائف عليكنّ. لا منكنّ. يقول إن التتار قد يتحركون في أي وقت — وإذا وقع شيء لبغداد — ثلاث بنات يتيمات بلا أهل ولا زوج ولا حماية سيكنّ أول من يضيع. يريد أن يضعكنّ في بيوت وعائلات قبل أن تتغير الأحوال. سكتت موزة. هذا السبب — الحماية لا الاحتفال — غيّر شيئاً في رأسها. — وهناك شيء آخر، أكملت وردة بصوت أخفض. الخليفة يحمل ذنباً يا موزة. هو الذي أرسل أباكِ في تلك المهمة. هو يعرف ذلك — ولم ينسه يوماً. عشر سنين وهو يسأل: ماذا حصل لعائلة جواد؟ ولم يجد جواباً لأنه لم يكن يعلم أن لجواد بنات أصلاً. أبوكِ جاء وحده — لم يذكر عائلة ولم يسأل عن مكافأة ولم يترك عنواناً. ذهب وقاتل ولم يعد. والخليفة بقي يحمل ذلك الدَين بلا عنوان يسدّده إليه. توقفت. ثم قالت: — ثم جئتنّ أنتنّ. من العدم. ثلاث بنات وحمار عند السياج. والخليفة — لأول مرة منذ عشر سنين — وجد عنواناً لدَينه. هذا ليس أمراً يا موزة. هذا رجل يحاول أن يسدّد ما عليه قبل فوات الأوان. --- استيقظت ربيعة على صوت الحديث. جلست وفركت عينيها ونظرت إلى الأقمشة والنساء: — ما الذي يحدث؟ — نتزوج اليوم يا ربيعة، قالت هيلة — التي كانت مستيقظة تسمع كل شيء ولم تقل كلمة. — اليوم؟ لكننا... لم نستحم حتى! — ستستحمّين، قالت وردة وهي تبتسم. كل شيء جاهز. لكن اسمعنني — ليس عرساً بالمعنى الذي تتخيلنه. لا طبول ولا زغاريد ولا ولائم. عقد قران عند القاضي في حضور الخليفة وشهود. بسيط. سريع. لائق بحالكنّ وحال المدينة. — عقد بلا أم تزغرد ولا أب يمشي بجانبنا، قالت موزة بصوت واطئ. سكتت الغرفة. ثم قالت وردة: — أنا لن أكون أمكنّ يا بنات. لكنني سأقف بجانبكنّ اليوم. وكذلك رقية. — رقية؟ قالت ربيعة. — أرسلنا في طلبها. بنت ضاري. الخليفة أمر أن تُحضر — لأنكنّ ذكرتنّها لي وقلتنّ إنها من علّمتكنّ الصلاة. نظرت موزة إلى وردة بعينين دامعتين — لأول مرة — ولم تقل شيئاً. --- ### الأزواج قبل العقد بساعة — أخبرتهنّ وردة عن الرجال الثلاثة. — أحمد ابن الخليفة. في العشرين من عمره. شاب هادئ جدّي — يشبه أباه في الذكاء لكن ليس فيه صرامة أبيه. يحب الخيل والقراءة. لم يتزوج بعد — لأن أباه يقول: "لن أزوّجه بنت ذهب. سأزوّجه بنت شرف." — صابر الجزّار. في الثالثة والعشرين. يملك أكبر محل جزارة في سوق الكرخ. رجل صامت قليل الكلام — يعمل من الفجر حتى المغرب. يعيش وحده منذ مات أبوه العام الماضي. — عامر الخبّاز. في الثانية والعشرين. شاب مرح — مخبزه في حي الرصافة يأتيه الناس من أنحاء بغداد. يعجن بيديه ويخبز بنفسه. يحب الأطفال ويعطيهم خبزاً مجاناً كل صباح. رفعت ربيعة رأسها: — يعطي الأطفال خبزاً مجاناً؟ — كل صباح. — كالحلم... قالت ربيعة بصوت لم يكن فيه مزاح. --- لكن هيلة قالت ما لم تقله أختاها: — يا وردة. لم يسألنا أحد. — ماذا تعنين؟ — الخليفة قرّر. وأنتِ تخبريننا. والقاضي ينتظر. والرجال ينتظرون. لكن لم يأتِ أحد ويسألنا: هل تقبلن؟ سكتت وردة. — نحن يتيمات. لا أهل لنا ولا ظهر. والخليفة كريم. لكن التعويض حين يُفرض على صاحبه — يصبح ثمناً لا هدية. ثم تكلّمت موزة: — هيلة محقّة. نريد أن يسألنا أحد: "هل تقبلين؟" ونقول نعم بأفواهنا لا بصمتنا. هذا حقنا. أبونا حارب بإرادته — ونحن نريد أن نتزوج بإرادتنا. — أنتنّ تقبلن؟ — نقبل. لكن بشرط أن نُسأل. خرجت وردة. عادت بعد نصف ساعة: — الخليفة يقول: "بنات جواد أعقل مما ظننت. سيسألهنّ القاضي أمامي. وإن قلن لا — فلا." تنفّست موزة. ليس لأنها كانت ستقول لا. بل لأنها الآن تقول نعم — بإرادتها. --- ### رقية قبل العقد بقليل — فُتح الباب ودخلت رقية. بهدوءها المعتاد — حجابها الأبيض ووجهها المضيء. لكن حين رأت البنات بثياب جديدة — بكت وابتسمت في آن. ركضت ربيعة وحضنتها: — رقية! كيف وصلتِ؟ — أرسلوا في طلبي. جاء جندي إلى بيت أبي وقال: "القصر يطلب رقية بنت ضاري." أبي كاد يُغمى عليه. وأمي... أمي سكتت لأول مرة. ضحكت ربيعة. جاءت رقية إلى موزة. أمسكت يديها: — كيف حالكِ يا موزة؟ — أتزوج اليوم. بلا أم ولا أب. — أنا هنا. — أعرف. ولهذا أنا أقوى مما كنت أمس. همست رقية: — صلّيتِ؟ — صلّيت. — واطمأنّ قلبكِ؟ — لم يطمئن تماماً. لكنه لم يرفض. — هذا يكفي. القلب الذي لا يرفض — يقبل بطريقته. --- ### العقد لم يكن عرساً. كان عقد قران في غرفة صغيرة. حضره الخليفة جالساً على وسادة عادية — كأب لا كملك. وقاضٍ بلحية بيضاء. وشاهدان. ورئيس الحرس عند الباب. وحضر الرجال الثلاثة. --- أحمد دخل أولاً. شاب في العشرين — أطول من أبيه وأنحف — وجهه حنطي ولحية خفيفة بالكاد بدأت وعيناه فيهما ذكاء أبيه وشيء من كبرياء الأمراء. لكن تعبير وجهه لم يكن تعبير عريس — بل تعبير رجل أُمر بشيء لم يخترْه. فكّه مشدود وكتفاه مرفوعتان وعيناه تنظران إلى الأمام لا إلى موزة — نظرة من يمتثل لأبيه لكنه لا يُخفي أن الأمراء لا يتزوجون هكذا. ثم دخل صابر. عريض الكتفين — يداه كبيرتان خشنتان من العمل. نظر إلى هيلة بعينين ثابتتين. وهيلة نظرت إليه بعينيها الفاحصتين — وللحظة تقاطعت النظرتان كسيفين ثم افترقتا. ثم دخل عامر — وابتسم. ابتسامة واسعة صادقة. وعلى ثوبه الأبيض بقعة صغيرة صفراء — بقعة طحين. رأى ربيعة فاتسعت ابتسامته أكثر. وربيعة ابتسمت رغماً عنها — لأن بقعة الطحين أراحتها. هذا رجل حقيقي لا رجل قصور. --- وقف القاضي. قرأ البسملة. ثم نظر إلى البنات: — بنات جواد. الخليفة أمر بعقد قرانكنّ. لكنه أمر أيضاً أن أسألكنّ أمامه وأمام الشهود: هل تقبلن؟ سكتت القاعة. نظرت موزة إلى أحمد — الأمير الذي يقف بكبرياء مكسور ولا ينظر إليها. ابن الرجل الذي أرسل أباها. — أقبل، قالت موزة. نظرت هيلة إلى صابر — الرجل الصامت ذو اليدين الكبيرتين. — أقبل، قالت هيلة. نظرت ربيعة إلى عامر — الخبّاز ذو بقعة الطحين. — أقبل، قالت ربيعة. ثم أضافت بصوت أخفض: وأرجو أن يكون خبزه طيباً لأنني خبيرة. ابتسمت رقية. وابتسم عامر — لأنه سمع. --- كتب القاضي. وقّع الشهود. والخليفة وقف وقال: — هذا ليس عرساً. هذا سداد دَين. جواد أعطاني عشر سنين — وأنا أعطي بناته حياة جديدة. ولو كان حاضراً — لركعت أمامه وسلّمته بناته بيدي. لكنه غائب. فأقف مكانه — لا كخليفة بل كرجل يسدّد ما عليه. ثم التفت إلى موزة — وفي عينيه انكسار: — سامحيني يا موزة. لو كنت أعلم أن لجواد بنات — لما تركتكنّ عشر سنين بلا حماية. هذا ذنبي. فقالت موزة: — أبي لم يذهب لأنك أرسلته. ذهب لأنه أراد أن يذهب. الذنب ليس ذنبك. هزّ الخليفة رأسه ببطء — كأنه لا يصدّقها تماماً لكنه يريد أن يصدّقها. --- خرجوا من الغرفة. في الممر الطويل — مشت البنات بجانب أزواجهنّ لأول مرة. ثلاثة أزواج لا يعرف أحدهم الآخر — ربطهم سيف رجل غائب وقرار ملك نادم. موزة وأحمد مشيا في صمت — صمت شخصين يعرفان أن الكلام سيأتي لاحقاً. هيلة وصابر مشيا في صمت — صمت شخصين لا يحتاجان الكلام. وربيعة وعامر — بعد عشر خطوات: — بقعة الطحين على ثوبك. — أحاول أن أكون نظيفاً لكن الطحين لا يطيعني. — لا بأس. أنا أيضاً لا أطيع أحداً. ضحك عامر. وربيعة ابتسمت ابتسامة فيها شيء جديد — ليس مرحها المعتاد بل شيء يشبه الراحة. --- عند باب القصر وقف الجميع. لكنهم لم يخرجوا معاً. موزة — زوجة الأمير أحمد — تبقى في القصر. هذا بيتها الآن. هيلة وربيعة يخرجن مع أزواجهنّ إلى بيوتهنّ الجديدة في المدينة. وقفت الأخوات الثلاث أمام بعضهنّ. عشر سنين لم يفترقن فيها ليلة واحدة — منذ أُسر أبوهنّ حتى هذه اللحظة — كنّ يِنمن على نفس الفراش ويأكلن من نفس القدر ويمشين على نفس الطريق. واليوم — كل واحدة تمشي في اتجاه. حضنت موزة هيلة. وهيلة — التي لا تحضن أحداً — لفّت ذراعيها حول أختها وضغطت. ضغطة واحدة قصيرة قوية — كأنها تقول كل شيء في ثانية. ثم حضنت موزة ربيعة. وربيعة بكت — طبعاً — ولم تُفلت أختها: — لا أريد أن أذهب بدونكِ. — أنتِ لا تذهب بدوني. أنا هنا. في أي وقت — تأتين. — وعد؟ — وعد. ثم جاءت رقية — كانت قد حضرت بعد أن علمت — وحضنتهنّ واحدة واحدة: — إذا احتجتنّ شيئاً — اطرقن الباب واسألن عن رقية بنت ضاري. — ومفلح؟ سألت ربيعة. أين مفلح؟ من الإسطبل البعيد جاء نهيق — نهيق فيه احتجاج — كأنه يقول: وأنا؟ ألا يسألني أحد هل أقبل؟ — سآخذه معي، قالت ربيعة. الخبّاز يحتاج حماراً ينقل الطحين. ومفلح يحتاج شعيراً مجانياً. --- *خرجت هيلة مع صابر إلى بيت في حي الجزارين.* *خرجت ربيعة مع عامر — ومفلح خلفهما — إلى مخبز في حي الرصافة.* *وبقيت موزة.* *وقفت عند باب القصر تنظر إلى أختيها وهما تبتعدان في الشارع — هيلة تمشي بلا التفات وربيعة تلتفت كل خطوتين وتلوّح — حتى اختفتا عند المنعطف.* *ثم أغلقت الباب.* *والسماء فوق بغداد رمادية.* *والتتار على الحدود.* *والأب غائب.* *وموزة — لأول مرة في حياتها — وحيدة.* ============================================================ # الفصل_الحادي_عشر ============================================================ ## الفصل الحادي عشر: قصر وكوخ --- ‎ مرّ شهر. شهر واحد يكفي لتعرف هل ستحبّ المكان الذي أنتِ فيه — أو ستتحمّله فقط. --- ### موزة في القصر أول ما فعلته موزة في بيتها الجديد: كنست. لم تطلب خادمة. لم تجلس على الوسائد الحريرية وتنتظر أن يأتيها الطعام. استيقظت قبل الفجر — كعادتها — توضّأت وصلّت ثم نظرت حولها في الجناح الذي خصّصه لها أحمد: غرفتان وساحة صغيرة ومطبخ فيه كل ما تحتاجه المرأة وأكثر. فأخذت المكنسة من الزاوية وبدأت تكنس. الخادمة التي دخلت بعد ساعة وجدت زوجة الأمير على ركبتيها تمسح الأرض بخرقة مبلّلة. وقفت عند الباب ولم تعرف ماذا تقول. — ساعديني أو اجلسي، قالت موزة بلا أن ترفع رأسها. لكن لا تقفي عند الباب كأنك رأيتِ جنّية. --- أحمد لم يتقبّلها بسرعة. في الأيام الأولى كان يدخل الجناح ويخرج منه كأنه يدخل غرفة ضيوف لا بيته. يأكل بصمت. ينام بصمت. يخرج في الصباح إلى مجالس أبيه ولا يعود إلا في المساء. لا يسأل ولا يحكي ولا يشتكي — لكن في عينيه ذلك الشيء الذي رأته موزة يوم العقد: كبرياء أمير لم يختر. موزة لم تضغط عليه. لم تسأله "لماذا لا تتحدث معي؟" ولم تبكِ ولم تشتكِ لوردة. فعلت ما تعرفه — العمل. كنست ورتّبت وطبخت. طبخت بيديها — رغم أن مطبخ القصر فيه عشرة طباخين — طبخت الشليكين والخميعة كما علّمتها أمها. ورائحة الخبز المدهون بالسمن والعسل ملأت الجناح. في اليوم الرابع — دخل أحمد ووقف عند باب المطبخ. شمّ الرائحة. نظر إلى موزة وهي تخبز على تنور صغير جلبته من السوق — ثوبها ملطّخ بالطحين ووجهها محمرّ من حرارة النار — ولأول مرة قال شيئاً ليس أمراً ولا تحية: — ما هذه الرائحة؟ — شليكين. خبز أمي. — لم أشمّ هذه الرائحة من قبل. في القصر لا يخبزون هكذا. — لأن القصر لا يعرف كل شيء. نظر إليها. ثم جلس — جلس على الأرض بجانب التنور — وهذا شيء لم يفعله أمير في هذا القصر من قبل. وأكل من يدها. أكل خبزاً ساخناً بالسمن والعسل ولم يقل شيئاً — لكن عينيه قالتا ما لم يقله فمه. لم يكن حبّاً. ليس بعد. لكنه كان أول صدع في الجدار. --- المشكلة الحقيقية لم تكن أحمد — بل النساء. نساء القصر — زوجات الوزراء وبنات الأمراء وخادمات الحريم — نظرن إلى موزة من أول يوم بعيون لا تحتاج ترجمة. بنت ريف. بنت لا أحد. دخلت القصر بحمار ونامت عند السياج — وصارت زوجة الأمير. كيف؟ لماذا؟ ماذا فيها؟ الهمس بدأ من اليوم الأول: — رأيتِها تكنس بنفسها. زوجة أمير تكنس! كأنها خادمة. — يقولون إنها تطبخ أيضاً. أيّ أميرة تطبخ؟ — بنت وادٍ. أبوها مزارع مات في حرب. والخليفة زوّجها ابنه من الشفقة. كان الهمس يصل إلى موزة — لأن الجدران في القصور أرقّ مما يظن الناس — لكنها لم تردّ. لا لأنها ضعيفة بل لأنها تعرف شيئاً لا يعرفنه: أن الخليفة نفسه يقف خلفها. وأن أباها أعطى هذه المدينة عشر سنين. فلا تحتاج أن تبرّر وجودها لأحد. لكنها لم تتكبّر أيضاً. حين طلبت منها زوجة أحد الوزراء أن تحضر مجلس النساء — ذهبت. وجلست بينهنّ بثوبها البسيط بين حريرهنّ وذهبهنّ — وحين سألنها عن الوادي حكت. حكت عن النخل ودجلة والمسكوف والذئاب وليلة العاصفة — حكت بلا تجميل ولا مبالغة — وحين انتهت كان بعض النساء يبكين وبعضهنّ يحسدنها أكثر. لأن القصة الحقيقية أقوى من الحرير. --- ### هيلة في بيت الجزار بيت صابر لم يكن كوخاً. غرفتان ومطبخ وساحة صغيرة فيها شجرة تكي ودجاجات. في حي الجزارين — حي فيه رائحة لحم دائمة ودم يجفّ على الحجارة وضجيج سكاكين تُسنّ وأصوات رجال ينادون "لحم! لحم طازج!" من الفجر حتى المغرب. هيلة دخلت البيت يوم العقد. نظرت حولها. ثم قالت: — المطبخ صغير. سأحتاج رفّاً إضافياً. هذا كل ما قالته. --- صابر كان كما وصفه الخليفة — هادئاً قليل الكلام. يخرج قبل الفجر إلى الدكان ويعود بعد المغرب. بينهما — صمت. صمت لا يشبه صمت أحمد المتكبّر — بل صمت رجل لا يملك كلاماً كثيراً ويحتاج وقتاً ليعتاد على وجود إنسان آخر في بيته. وهيلة لا تحتاج كلاماً. في الأسبوع الأول — لم يتحدثا أكثر من عشر جمل في اليوم. لكن البيت كان نظيفاً. والطعام جاهزاً حين يعود. وملابسه مغسولة مطوية في مكانها. لأن هيلة تفعل كل شيء بدقة آلية — بلا حب ظاهر ولا كره — كأنها تؤدي مهمة. صابر لاحظ. لم يعلّق. لكنه في اليوم العاشر — حين عاد من الدكان — جلب معه قطعة لحم كبيرة. أكبر من المعتاد. وضعها على طاولة المطبخ وقال: — هذه لكِ. اطبخيها كما تشائين. نظرت هيلة إلى اللحمة. ثم نظرت إليه: — أنا لا أعرف الطبخ جيداً. أمي كانت تطبخ وأنا كنت أراقب. — تعلّمي. عندكِ وقت. ذلك المساء — حاولت هيلة أن تطبخ. أحرقت اللحم أول مرة. ورمته وبدأت من جديد. وأحرقته ثانية — ليس كثيراً هذه المرة. وفي الثالثة — خرج شيء يُؤكل. ليس لذيذاً — لكنه يُؤكل. أكله صابر بلا تعليق. ثم قال: — غداً سأجلب لكِ قطعة أطرى. الطرية أسهل. لم تقل هيلة شكراً. لكنها — في اليوم التالي — طبخت أفضل. --- المشكلة عند هيلة لم تكن صابر. صابر رجل طيب بسيط لا يطلب الكثير. المشكلة كانت في رأس هيلة نفسها. كل جمعة تذهب البنات الثلاث لزيارة بعضهنّ — تتناوبن بين البيوت الثلاثة. وحين تذهب هيلة إلى القصر لزيارة موزة — ترى ما لا تراه في بيت الجزار: الرخام والحرير والخدم والحدائق والطعام الذي لا ينتهي. وترى موزة — أختها التي كانت تنام بجانبها على نفس الفراش — تمشي في ممرات القصر كأنها وُلدت فيه. لم تقل هيلة شيئاً. لم تشتكِ. لم تقل "لماذا هي في القصر وأنا في حي الجزارين؟" لأن هيلة لا تشتكي — هيلة تحسب. تحسب بصمت. تخزّن. تقارن. تضع كل شيء في ميزان داخلي لا يراه أحد. وحين تعود إلى بيتها — تنظر إلى الجدران المطلية بالجير الأبيض وإلى الدجاجات في الساحة وإلى رائحة اللحم الدائمة في الهواء — ولا تقول شيئاً. لكن البذرة نبتت. --- ### ربيعة في المخبز ربيعة لم تحتج وقتاً. من اليوم الأول — وقفت بجانب عامر في المخبز وقالت: — علّمني. — ماذا تريدين أن تتعلمي؟ — كل شيء. العجن والخبز والتنور وأنواع الطحين وكم ملح وكم ماء وكم وقت. — هذا يحتاج سنين. — عندي سنين. ابدأ. --- عامر أحبّها. ليس بالطريقة التي تقرأ عنها في القصص — لم يحبّها من أول نظرة ولم يسقط مغشياً عليه من جمالها — بل أحبّها لأنها ملأت المخبز. قبل ربيعة كان المخبز صامتاً — عامر يعجن وحده والتنور يشتعل وحده والخبز يخرج وحده. بعد ربيعة — صار المخبز حيّاً. تتكلم وتضحك وتسأل وتعلّق على كل شيء وتذوق العجين قبل أن ينضج وتتشاجر مع مفلح الذي يحاول سرقة أكياس الطحين. — مفلح! يا حمار! هذا طحين ليس شعيراً! مفلح ينظر إليها بعينيه الواسعتين البريئتين — كأنه يقول: وما الفرق؟ وعامر يضحك. يضحك ضحكة حقيقية يسمعها الجيران. --- لكن ربيعة أيضاً تحمل شيئاً. في الليل — حين ينام عامر وينام مفلح في الساحة — تجلس ربيعة عند النافذة وتنظر إلى السماء. وتفكّر في أمها. تفكّر في الشليكين الذي كانت تخبزه ثريا — وتتساءل هل تستطيع أن تخبزه مثلها. تفكّر في رائحة بيت الوادي — رائحة الطين والنخل والنهر — وتتساءل هل ستنسى تلك الرائحة يوماً. وتفكّر في أبيها. "ليته حي." الكلمتان اللتان قالتهما عند السياج ما زالتا تدوران في رأسها كحجر في ماء — تهبط وتصعد ولا تتوقف. وحين يستيقظ عامر ويجدها عند النافذة — لا يسألها لماذا. يذهب إلى المطبخ ويصنع لها كوب حليب ساخن ويضعه بجانبها بلا كلمة. ويعود إلى النوم. وهذا — أكثر من أي كلام — هو ما جعل ربيعة تبدأ تحبّه. --- ### الجمعة الأولى في أول جمعة بعد الزواج — اجتمعت البنات الثلاث في القصر. جلسن في جناح موزة — على السجاد الحريري بجانب المنقل — وأكلن الشليكين الذي خبزته موزة. وللحظة — لحظة واحدة — كأنهنّ عدن إلى الوادي. ثلاث بنات يأكلن خبز أمهنّ ويتحدثن. ربيعة بدأت — طبعاً: — عامر رجل طيب. يضحك كثيراً ولا يصرخ. وخبزه أحسن من خبزي — لكن لا تخبروه أنني قلت ذلك. ومفلح أكل نصف كيس طحين أمس وعامر لم يغضب — قال: "الحمار ضيف الله." ضحكت موزة. ثم نظرت إلى هيلة: — وأنتِ؟ سكتت هيلة لحظة. ثم قالت: — صابر رجل محترم. لا يتكلم كثيراً. البيت نظيف والأكل متوفر. لا أشتكي. — "لا أشتكي" ليست إجابة يا هيلة، قالت ربيعة. — هي إجابتي. سكتت ربيعة. لأنها تعرف أختها — حين تقول هيلة "لا أشتكي" فهذا يعني أن هناك شيئاً لا تقوله. ثم سألت هيلة — بصوتها البارد: — وأنتِ يا موزة؟ كيف الأمير؟ — اسمه أحمد. — كيف أحمد؟ — يتقبّلني ببطء. لم نتحدث كثيراً بعد. لكنه أكل من خبزي وجلس على الأرض. هذا شيء. — جلس على الأرض؟ أمير يجلس على الأرض؟ — حين شمّ رائحة الشليكين نسي أنه أمير. ابتسمت ربيعة. لكن هيلة لم تبتسم. نظرت حولها — إلى الجدران المزخرفة والسقف المذهّب والنافذة التي تطلّ على الحديقة — ثم عادت تنظر إلى يديها. يداها اللتان أصبحتا خشنتين من غسل الثياب في حوض بارد. لم تقل شيئاً. لكن موزة رأت. موزة التي ترى كل شيء — رأت عيني هيلة وهي تقيس الغرفة. ورأت فيهما شيئاً لم يكن فيهما من قبل — شيئاً بارداً وحاداً كسكين الجزار. لم تعلّق. لأنها لا تعرف بعد ماذا يعني. لكنها خزّنته. --- ### ثلاثة أيام في أواخر الشهر — جاء الخبر. سقطت حامية المماليك في الموقع الأمامي الشمالي. لا بصوت معركة. لا بدم ظاهر. اختفى الرجال في ليلة واحدة كأن الأرض ابتلعتهم — ووصل المبعوث مرعوباً في منتصف الليل وعيناه أكبر من وجهه. موزة سمعت صوت الخيل والأضواء من نافذتها لكنها لم تعرف لماذا. نامت على قلق. في الصباح رأت أحمد. كان في الساحة تحت النافذة مباشرة — يفحص الخيل بنفسه. درع خفيفة. سيف في الحزام. وراءه اثنا عشر فارساً صامتون. لم ينظر إلى أعلى. لم يعلم أنها تراه. لكنه — قبل أن يضع قدمه في الركاب — توقف. ثم رفع رأسه ونظر إلى النافذة. نظرة واحدة. ثم ركب ومضى. --- اليوم الأول مرّ وموزة فيه تكنس وتطبخ وتصلي وتعود إلى النافذة. لا خبر. الساحة فارغة. اليوم الثاني أطول من الأول. في اليوم الثالث — لم تبتعد عن النافذة إلا للصلاة. وردة مرّت مرتين وقالت بلا كلام: "اجلسي، اشربي، كلي." موزة لم ترد. بقيت عند النافذة. في العصر — سمعت صوت حوافر مختلف. ليس صوت خيل عائدة منتصرة — بل صوت خيل تسير ببطء. خيل تحمل ثقلاً لا تريد أن تهزّه. نظرت فرأته. أحمد على ظهر فرسه — لكن جسده ينحني إلى الجانب. وفارسان يمسكانه من يمينه ويساره. وعلى كتفه الأيسر — عباءته مبللة بلون غامق في ضوء العصر. --- لم تنتظر. أمسكت عباءتها وحجابها من خطفة واحدة وهي تقوم. ثم نزلت — لم تجرِ لأن الجري في ممرات القصر فضيحة — لكنها مشت بسرعة كسرعة الجري. وحين وصل أحمد إلى الجناح وأنزله الفارسان على الفراش — كانت موزة هناك قبلهم. وقف خادم عند الباب: — سنرسل للطبيب يا سيدتي. انتظري في— — اجلب لي ماءً حاراً وقماشاً نظيفاً وخلّاً ودهن الزيت. الآن. نظر الخادم إليها ثانية. ثم ذهب. --- الجرح في الكتف الأيسر — طعنة جانبية لم تدخل عميقاً لكنها نزّت ولم تتوقف. أحمد كان بين وعيه واللاوعي — يسمع ولا يتكلم. فتح عينيه حين لمسته يدها. رآها جالسة بجانبه. عباءتها سوداء محكمة وحجابها في مكانه — لم تخلعهما حتى في هذه اللحظة. وفي يدها قماشة مبللة بالخل تمسح بها الجرح بحركات لا تتردد ولا تخاف. — أنتِ... من أين تعرفين هذا؟ — من أمي. كان أبي يعود مجروحاً كثيراً — من قطاع الطرق حين يمشي وحده في الليل، ومن المهمات التي لا يرفضها حين يكلّفه الملك. لم يكن يشكو. كان يجلس ويمدّ ذراعه وتعالجه أمي وهو يحدّق في السقف كأن الجرح ليس جرحه. — أبوكِ... كان مزارعاً؟ — أبي مزارع وقاتل شرس ومبعوث الملك المفضّل. يقبل كل مهمة عادلة — لكنه لا يسير في ركب أحد. طريقه طريقه. صمت أحمد. وفي صمته شيء — كأن الكلمة الأخيرة وصعت في مكان غير متوقع. — هل يريد الأمير أن نتحدث الآن؟ أغمض أحمد عينيه. يدها لم ترتجف. --- حين جاء الطبيب — وجد الجرح منظفاً ومضمداً بإحكام. نظر إلى الضمادة. نظر إلى موزة. ثم قال: — من فعل هذا؟ — زوجة الأمير، قال الخادم. لم يعلّق الطبيب. لكنه في طريق خروجه توقف عند الباب وقال بصوت خفيف: — عملٌ جيد يا سيدتي. --- في الليل — حين نام أحمد وخرج الجميع — جلست موزة في الزاوية بجانب المصباح. يداها في حجرها. في يدها اليمنى بقعة دم جفّت لم تنتبه إليها حتى الآن. لم تبكِ. ليس لأنها لا تشعر — بل لأن البكاء يحتاج وقتاً فارغاً والوقت الفارغ لم يكن. لكنها فكّرت في أمها. فكّرت في كم مرة عاد جواد مجروحاً — من الحقل أحياناً، ومن طرق الليل الطويلة أحياناً، ومن مهمات لا تُذكر أسماؤها أحياناً — وعالجته ثريا بنفس الحركات — بنفس القماش والماء الحار ونفس اليدين اللتين لا ترتجفان. وكيف نظر جواد إلى ثريا بعدها دائماً بشيء لا تسميه النساء لكن يعرفنه. ونظرت إلى أحمد النائم. هل سينظر إليها هكذا يوماً؟ لا تعرف. لكن يدها لم ترتجف — وهذا يكفي الآن. --- *مرّ شهر.* *وبدأت ثلاث حيوات.* *موزة في القصر — تكنس وتخبز وتصبر على أمير يتعلّم أن يحبّها. ظهرها مسنود بالخليفة لكن قلبها مسنود بصلاة الفجر وذكرى أمها. ويدها الآن تحمل أثر دمه — ولم ترتجف.* *هيلة في بيت الجزار — تطبخ وتنظّف وتصمت. وفي صمتها شيء ينمو — لا تعرف بعد هل هو صبر أم شيء آخر.* *وربيعة في المخبز — تعجن وتضحك وتبكي في الليل عند النافذة. وبجانبها رجل يصنع لها الحليب بلا أن يسأل لماذا.* *والأب غائب.* *والتتار يقتربون. وحاميات المماليك تسقط الواحدة تلو الأخرى بلا صوت.* *والبذرة التي نبتت في عيني هيلة — لم يرها أحد بعد.* *إلا موزة.* ‎ ============================================================ # الفصل_الثاني_عشر ============================================================ ## الفصل الثاني عشر: الصندوق الأول --- حملت موزة في خريف ذلك العام. والخبر ملأ القصر والمدينة — حفيد الخليفة الأول. فرح من فرح وحسد من حسد — لكن أحداً لم يجرؤ أن يقول شيئاً علناً. الخليفة أمر بتوزيع الطعام على الفقراء وأرسل الأطباء والقابلات إلى جناح موزة وأمر وردة أن لا تفارقها. وأحمد — الذي دخل الزواج بكبرياء أمير مكسور — بدأ يتغيّر. لم يصبح رجلاً آخر بين ليلة وضحاها — لكن شيئاً في عينيه لان. صار يعود من مجالس أبيه أبكر. صار يجلس بجانب موزة في المساء ويسمعها. وحين تنام — يبقى جالساً يراقبها. --- وصل الخبر إلى بيت الجزار وبيت الخباز في نفس اليوم. ربيعة فرحت — صاحت وحضنت عامر وقالت إنها ستخبز للطفل كعكاً خاصاً. وعامر ابتسم لأنه يعرف أن فرحة ربيعة حقيقية — بلا حساب. هيلة سمعت الخبر من صابر وقالت: "مبارك." كلمة واحدة. ثم دخلت تحت شجرة التكي في الساحة وجلست. --- ### الاتفاق بعد أسبوع — زارت هيلة ربيعة في المخبز. لم تأتِ لتشتري خبزاً ولم تأتِ لتشرب الشاي. جاءت بوجه فيه شيء ثقيل — ثقل من يحمل فكرة لا يستطيع أن يحملها وحده. جلست مع ربيعة في الساحة الخلفية — بعيداً عن عامر والزبائن — وبدأت: — ربيعة. هل زارتكِ موزة مرة واحدة منذ دخلت القصر؟ سكتت ربيعة. الجواب: لا. — ولا مرة، أكملت هيلة. نحن نذهب إليها — دائماً — وهي لا تأتي. وحين نذهب — هل لاحظتِ كيف تنظر إلينا خادمات القصر؟ كأننا متسوّلات ندخل من باب الخدم. — هيلة — — اسمعيني. أنا لا أتكلم عن نفسي. أتكلم عن موزة. أختنا في قصر لا يريدها. نساء القصر يتكلمن عنها في الزوايا — بنت ريف تكنس وتطبخ بيديها — يستهزئن بها. وأحمد — هل رأيتِه يتحدث إليها بحرارة؟ هل رأيتِه ينظر إليها نظرة رجل يحب زوجته؟ لا. ينظر إليها نظرة من يمتثل لأمر أبيه. — أحمد يتغيّر. موزة قالت ذلك. — موزة تريد أن تصدّق. لأنها لا تملك خياراً آخر. لكن الحقيقة يا ربيعة — أختنا وحيدة في ذلك القصر. وحيدة بين جدران مذهّبة. ولو كان أبونا حياً — لما سمح بهذا. لما ترك بنته في مكان لا تُحترم فيه. هذا هو المفتاح. "لو كان أبونا حياً." هيلة تعرف أن هذه الجملة تفتح كل أبواب ربيعة. — ماذا تريدين يا هيلة؟ سألت ربيعة بصوت مرتبك. — أريد أن نحمي أختنا. أريد أن نحرّرها من قصر يأكلها ببطء. والطريقة — أن نُخرجها من هذا الزواج. — كيف؟ — الحمل. سكتت ربيعة. نظرت إلى هيلة بعينين مستغربتين: — ماذا في الحمل؟ — إذا ولدت موزة ولداً — سيصبح ولي العهد. وموزة ستبقى في القصر إلى الأبد — أسيرة لا ملكة. لن تخرج أبداً. لن تعود لنا أبداً. ستكون أمّ ملك — والأمهات في القصور سجينات بلا قيد. — وماذا نفعل؟ — نتكفّل نحن بولادتها. --- الخطة بسيطة — بسيطة كما تخطط هيلة: بلا عاطفة وبلا ثغرة. حين يقترب موعد الولادة — تطلب هيلة وربيعة من موزة أن تولّدها هما لا القابلة الغريبة. أختاها — لحمها ودمها. موزة لن ترفض — لأن نقطتها العمياء هي ثقتها المطلقة بأخواتها. وحين يولد الطفل — تُخفيه هيلة. تضعه في صندوق. وتخبر موزة أنها ولدت — كلباً. — كلباً؟ قالت ربيعة وعيناها اتسعتا حتى كادتا تخرجان من وجهها. — كلباً. موزة ستكون متعبة من الولادة ولن ترى شيئاً. سنُريها جرواً ملفوفاً بقماش ونقول لها: هذا ما خرج منكِ. وهي — بنت الوادي التي نشأت بين الحيوانات — ستصدّق. لأن النساء في الأرياف سمعن حكايات كهذه — حكايات عن نساء يلدن مسوخاً حين يكون في الحمل لعنة أو ذنب. — ومن سيصدّق أن امرأة تلد كلباً؟ — الناس يصدّقون ما يخافون منه. وموزة ستكون أول من يصدّق — لأنها ستخاف أن يعرف أحمد. ستطلب منا أن نُخفي الأمر — بنفسها. وهذا ما نريده بالضبط. — والطفل الحقيقي؟ — صندوق. في دجلة. ينجرف. ويجده من يجده. بلا اسم. سكتت ربيعة طويلاً. طويلاً جداً. عيناها تنظران إلى الأرض. يداها تعبثان بطرف ثوبها. وفي صدرها ذلك الشيء البارد يكبر. — هيلة... هذا ابن أختنا. لحمنا ودمنا. — هذا سجن أختنا. إذا بقي الطفل — بقيت موزة في القصر. وإذا اختفى — لا سبب يبقيها. أحمد لا يحبها حباً حقيقياً — سيتركها. والخليفة سيزوّجه أخرى. وموزة تعود لنا. حرّة. — أنتِ متأكدة؟ — متأكدة. لم تكن هيلة متأكدة. لكنها تعرف أن التردد يقتل الخطط — وأن ربيعة تحتاج يقيناً لا شكوكاً. --- ربيعة لم تنم تلك الليلة. جلست عند نافذتها — كعادتها — وفكّرت. فكّرت في موزة وحيدة في قصر لا يحبها أحد فيه. فكّرت في أمها التي لو كانت حية لما سمحت بهذا. وفكّرت في أبيها الغائب — أبيها الذي لم يكن هنا حين كبرت ولم يكن هنا حين بكت ولم يكن هنا حين زُوّجت ولم يكن هنا الآن حين تحتاج من يقول لها: لا تفعلي. لو كان أبوها حياً — لما احتاجت أن تقرر وحدها. لما كانت طفلة يتيمة تتبع أختها الأذكى لأنها لا تعرف طريقاً آخر. لكن أباها ليس هنا. وأمها ليست هنا. وموزة — في نظر ربيعة — أسيرة قصر. قالت لنفسها: نحرّرها. وصدّقت. --- ### الولادة في ليلة شتاء باردة — حين بدأ المخاض — كانت هيلة وربيعة هناك. كانتا قد أقنعتا موزة قبل أسابيع — بسهولة مخيفة — أنهما ستتوليان الولادة. "نحن أخواتكِ. نحن أقرب إليكِ من أي قابلة غريبة. أمنا كانت تولّد نساء الوادي بيديها — علّمتنا. دعينا نكون بجانبكِ." موزة وافقت. لأنها تثق بأخواتها ثقة لا تقبل الشك. هذا هو ثمن حبّها — ثمن باهظ. --- الولادة كانت طويلة. ساعات من الألم. وموزة — التي لم تبكِ أمام الذئاب ولا أمام الحراس — صرخت. صرخت صراخاً يخرج من أعماق الجسد. وهيلة بجانبها تمسك يدها بوجه لا تعبير فيه. وربيعة — ربيعة تجهّز الماء الساخن والكتان ويداها ترتجفان. ثم جاء الطفل. ولد. سليم معافى. صرخ صرخته الأولى — صرخة ملأت الغرفة — وموزة سمعتها وابتسمت ابتسامة إنهاك ثم أغمضت عينيها. وفي تلك اللحظة — لحظة إغماض العينين — تحرّكت هيلة. بسرعة. بدقة. بلا تردد. لفّت الطفل بقماش. ووضعته في سلّة كانت قد أعدّتها. وأخرجت من تحت عباءتها جرواً صغيراً — جرو كلب عمره أيام — ملفوفاً بقماش مشابه. ووضعته بجانب موزة. ربيعة شاهدت كل شيء. يداها ترتجفان أكثر. لكنها لم تتحرك. لم تصرخ. لم تقل "لا." وقفت كالحجر — وهذا أسوأ ما فعلته في حياتها. --- حين فتحت موزة عينيها — رأت هيلة تنظر إليها بوجه فيه حزن مصطنع. وربيعة واقفة في الزاوية لا تنظر إليها. — أين طفلي؟ قالت موزة بصوت ضعيف. — موزة... قالت هيلة — وصوتها محسوب الحروف — حدث شيء. — ماذا حدث؟ أين طفلي؟ — أنتِ لم... لم تلدي طفلاً. مدّت هيلة يدها وأزاحت القماش عن الجرو. جرو صغير أعمى يتحرك ببطء ويُصدر أصواتاً ضعيفة. نظرت موزة. نظرت طويلاً. ثم — وجهها تجمّد. بياض كامل. كأن الدم توقف. — ماذا... ماذا هذا؟ — هذا ما خرج منكِ يا موزة. أنا وربيعة رأينا بأعيننا. لا أحد غيرنا. نظرت موزة إلى ربيعة. ربيعة — التي لا تستطيع الكذب بعينيها — أنزلت رأسها ولم تنظر. وموزة — المتعبة من عشر ساعات ولادة — فسّرت نزول رأس ربيعة على أنه حزن لا ذنب. — لا أحد يعرف، قالت هيلة بسرعة. لم يدخل أحد. إذا أخبرنا أحمد أو الخليفة — تخيّلي ماذا سيقولون. تخيّلي ماذا ستقول نساء القصر. بنت الوادي التي تلد كلاباً — هل تريدين أن تسمعي هذا الكلام؟ — ماذا أفعل؟ همست موزة — وصوتها مكسور. — نُخفيه. نقول إن الولادة كانت صعبة والطفل لم ينجُ. ولد ميتاً. والجثة دُفنت. لا أحد يسأل عن جثة طفل ميت. ونحن نحمل هذا — وأشارت إلى الجرو — ونتخلص منه بهدوء. — لا، قالت موزة. — لا؟ — لا تتخلصوا منه. نظرت هيلة إلى ربيعة. ربيعة رفعت رأسها — مصدومة. — أعطيني إياه، قالت موزة. مدّت يدها وأخذت الجرو. ضمّته إلى صدرها. الجرو — الصغير الأعمى — التصق بدفئها وسكت. — هذا خرج مني، قالت موزة بصوت ثابت مرعب. وأنا لا أرمي ما خرج مني. لو كان حجراً لاحتضنته. --- هيلة لم تتوقع هذا. لم تتوقع أن موزة — بدل أن تخجل وتطلب إخفاء الفضيحة والتخلص من "المسخ" — ستحتضنه. ستربّيه. ستعامله كابنها. ولم تتوقع أن أحمد — حين أخبرته موزة أن الولادة كانت صعبة وأن "الطفل لم ينجُ" — سيحزن حزناً حقيقياً. سيجلس بجانبها ويمسك يدها ويقول: "سنحاول مرة أخرى. لا تحزني." وسيراها تربّي جرواً — جرواً صغيراً في جناح الأمير — ولن يسأل لماذا. لأنه بدأ يفهم أن هذه المرأة ليست كغيرها — وأن حزنها لا يشبه حزن أحد. والخليفة — حين سمع أن الطفل مات — أنزل رأسه وصلّى ركعتين ولم يلُم أحداً. ثم أرسل إلى موزة يقول: "الله يعوّضكِ. وأنا أنتظر." الخطة فشلت. موزة لم تُطلَّق. ولم تخرج من القصر. ولم يكرهها أحد. بل العكس — أحمد اقترب منها أكثر بعد الخسارة. والخليفة أرسل هدايا. ونساء القصر — حتى الحاسدات — سكتن أمام أم تحتضن حزنها بلا بكاء. --- ### الطفل في النهر وفي تلك الليلة نفسها — حملت ربيعة سلّة. سلّة فيها طفل حيّ ملفوف بقماش ملكي — قماش من جناح موزة — لا اسم عليه ولا علامة. حملته وخرجت من الباب الجانبي في الظلام. ومشت إلى ضفة دجلة. الماء بارد وأسود في ليل الشتاء. والتيار هادئ. وربيعة واقفة على الضفة — السلّة في يديها — والدموع تنهمر على وجهها بلا صوت. كادت أن تتوقف. كادت أن ترجع. كادت أن تركض إلى القصر وتصرخ: "أختي! ابنكِ حيّ!" — لكنها لم تفعل. لأن هيلة قالت لها: "إذا رجعتِ — ستعرف موزة أننا كذبنا عليها. وستفقد أخواتها أيضاً. ستخسر الطفل والأخوات معاً. هل تريدين ذلك؟" وربيعة — التي لا تجرؤ على مواجهة هيلة — وضعت السلّة المطلية بالقير في الماء. السلّة طفت. التيار أخذها ببطء — ببطء مؤلم — وربيعة ظلّت واقفة تراقبها حتى اختفت في الظلام. ثم جلست على الضفة وبكت. بكت بكاءً لم تبكِه في حياتها — لا حين ماتت أمها ولا حين هاجمتهنّ الذئاب ولا حين نامت على حجر بغداد. بكاء من يعرف أنه فعل شيئاً لا يُصلحه الدمع. --- *وفي مكان ما — على نهر دجلة — سلّة تنجرف.* *فيها طفل لا اسم له.* *ابن موزة. حفيد جواد. وريث عرش لا يعرف أنه وريثه.* *والنهر يحمله — لا يُغرقه.* *لأن دجلة — كأمه — لا يرمي ما يخرج منه.* ‎ ============================================================ # الفصل_الثالث_عشر ============================================================ ## الفصل الثالث عشر: الصندوق الثاني --- ### صوت في الظلام في تلك الليلة — ليلة وضعت فيها ربيعة السلّة في دجلة — كان سلمان أبو السليّة في قفّته. لم يكن يصطاد. لا أحد يصطاد في الليل إلا المجانين والمضطرون — وسلمان كان الاثنين. لأن صيد النهار لم يكفِ هذا الأسبوع — السمك قليل والشتاء بارد والبطن لا ينتظر — فنزل في الظلام إلى قفّته المستديرة من خُصّ النخل المجدول والمطلية بالقير الأسود، ودفعها بمجدافه القصير إلى وسط النهر. الماء أسود. والسماء فيها غيوم واطئة تحجب القمر. والضفتان خطّان داكنان لا تعرف أيهما اليمنى وأيهما اليسرى. وسلمان وحده — في دائرة من القير والخُصّ — يجدّف بلا هدف وينتظر حظه. ثم سمع صوتاً. صوت ضعيف. من بعيد. يأتي من عند منعطف النهر — حيث التيار يلتفّ حول لسان رملي ويبطئ. صوت لا يشبه صوت سمك ولا صوت طير ليلي ولا صوت ماء يصطدم بصخر. صوت بكاء. تجمّد سلمان. أمسك المجداف ولم يتحرك. أذنه مرفوعة كأذن كلب يسمع شيئاً لا يسمعه البشر. البكاء توقف. ثم عاد. أضعف. كأن من يبكي يتعب ثم يحاول مرة أخرى. — أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، همس سلمان. لأنه يعرف. كل صياد على دجلة يعرف — أن الجنّ تسكن النهر في الليل. تسكن المنعطفات والبرك الراكدة وأماكن الدوّامات. ومن علاماتها — الأصوات. أصوات غريبة تخرج من الماء: ضحكات أحياناً ونداءات أحياناً وبكاء أحياناً. والصياد العاقل يسمع ويسكت ولا يقترب — لأن الجن تسخر من الصيادين الذين يستجيبون للأصوات وتقلب قفافهم وتغرقهم. سلمان سكت. انتظر. قال لنفسه: إنها ليلة باردة والرياح تصنع أصواتاً في القصب. لكن الصوت عاد. أقرب هذه المرة. أوضح. ليس صوت ريح في قصب — بل صوت فم صغير. فم حيّ. — إن كنتَ من الجنّ فأنا لا أريد شرّاً، قال سلمان بصوت يحاول أن يكون ثابتاً. وإن كنتَ من الإنس فاصرخ حتى أعرف مكانك. لم يأتِ جواب. لكن البكاء استمرّ. جدّف سلمان. ببطء. بحذر. مجدافه يغطس في الماء الأسود ويرفع قطرات لا يراها. والصوت يقترب — يقترب — كأن ما يبكي ينجرف نحوه أو هو ينجرف نحوه. — بسم الله الرحمن الرحيم، قال — وهذه المرة قالها بصوت عالٍ لأن الصوت صار على بعد خطوات. ثم رآها. بقعة بيضاء على الماء الأسود. شيء يطفو. صغير. مستدير. يتمايل مع التيار البطيء. مدّ يده. سلّة. سلّة خوص صغيرة مطليّة بالقير — مثل قفّته تماماً — تطفو ولا تغرق. مربوطة بقماش. والبكاء يخرج من داخلها. فتح القماش بأصابع مرتجفة. طفل. طفل صغير جداً. عمره ساعات لا أيام. وجهه أحمر مجعّد وعيناه مغمضتان وفمه مفتوح يصرخ صرخة لا صوت فيها — كأنه صرخ حتى انتهى صوته ولم يبقَ إلا الحركة. جسمه ملفوف بقماش ناعم فيه خيوط ذهبية — قماش ليس من بيت فقير. سلمان لم يتحرك. نظر إلى الطفل في ضوء الظلام — ضوء لا يكفي لرؤية التفاصيل لكنه يكفي لرؤية الحياة. ثم نظر إلى النهر. ثم رفع رأسه إلى السماء المغلقة وقال: — يا ربّ. خمسة وستون سنة أصطاد السمك. وهذه أول مرة أصطاد إنساناً. لا أفهم حكمتك — لكنني لا أردّ ما ترسله. ضمّ الطفل إلى صدره. جلبابه المبلّل بارد لكن صدره دافئ. والطفل — حين أحسّ بالدفء — سكت. سكت سكوتاً مفاجئاً كأنه وجد ما يبحث عنه. ثم فتح عينيه — أول مرة — ونظر إلى وجه الرجل العجوز. ولم يبكِ. جدّف سلمان عائداً إلى الضفة — بيد واحدة — والأخرى تحمل الطفل. وفي بيته الصغير من الطين والقصب — أطعمه حليب ماعز بقطعة قماش مبلّلة. والطفل رضع وسكت ونام. لم يُسمِّه تلك الليلة. تركه بلا اسم أياماً — يناديه "يا ولد" — حتى اليوم السابع حين حمله إلى النهر ليغسله فأمسك الطفل بإصبع العجوز بقوة لا تتناسب مع حجمه — أمسك ولم يترك. — أنت رحّال، قال سلمان. تمسك ولا تترك. --- ### ربيعة لم تعد ربيعة كما كانت. عامر لاحظ. لاحظ أن زوجته التي تملأ المخبز ضجيجاً صارت تسكت لحظات طويلة وهي تعجن — يداها تتوقفان وعيناها تنظران إلى شيء ليس في الغرفة. ولاحظ أنها لا تنام — كل ليلة يستيقظ فيجدها عند النافذة والحليب الذي يصنعه لها يبرد بجانبها. — ربيعة. ماذا بكِ؟ — أفكّر في أمي. نصف الحقيقة. النصف الآخر — الطفل والنهر والسلّة والكذبة — لا تستطيع أن تقوله لأحد في هذا العالم. كل ليلة يعود المشهد: السلّة البيضاء على الماء الأسود. والبكاء الذي يبتعد. ويداها الفارغتان. --- ذهبت إلى هيلة. — هيلة. لا أستطيع. أريد أن أخبر موزة. نظرت هيلة إليها بعينيها الباردتين. ثم قالت بهدوء — هدوء أخطر من الصراخ: — اسمعي يا ربيعة. ليلة ولادة رحّال — أين كنتُ أنا؟ سكتت ربيعة. — كنتُ مع موزة. في الغرفة. ممسكة بيدها. من لحظة المخاض حتى الصباح. وردة تعرف ذلك. والخادمات يعرفن ذلك. وحين خرجتِ أنتِ من القصر بالسلّة في الليل — أين كنتُ أنا؟ — معها... — مع موزة. في جناحها. أنا لم أغادر القصر تلك الليلة. الحراس عند الباب الجانبي — هل رأوني أخرج؟ لا. هل رأوكِ؟ نعم. أنتِ خرجتِ وحدكِ في الظلام. وإذا بحث أحد — ظلّكِ على الجدران وقدماكِ على الطين وعينا الحارس الذي رآكِ. — أنتِ خططتِ لهذا من البداية. — أنا خططت لكل شيء. ولهذا أنتِ بأمان — ما دمتِ صامتة. وإذا تكلّمتِ — أنتِ وحدكِ التي ستحترقين. ربيعة نظرت إلى أختها بعينين فيهما شيء انكسر — ليس خوفاً بل إدراكاً. إدراك أن هيلة وحش يمشي على قدمين ويتكلم بلسان أخت. — أنتِ شريرة. — أنا ذكية. والذكي ينجو. والغبي يبكي عند النافذة. --- ### رشيدة وفي وسط هذا كله — جاءت رشيدة. رشيدة — المرأة العجوز التي أطعمتهنّ وسقتهنّ وجادت لهنّ بحمارها يوم هربن من ليلة العاصفة — جاءت إلى بغداد وذهبت مباشرة إلى القاضي. --- قاضي الحي سمع الشكوى. ورشيدة وقفت أمامه بثوبها المرقّع ووجهها المحروق بالشمس: — يا سيدي القاضي. ثلاث بنات مررن بقريتي. أعطينني سمكاً اصطدنه وأنا أطعمتهنّ وسقيتهنّ وجدتُ لهنّ بحماري رغم أن ابني عارضني. قلن إنهنّ ذاهبات إلى بغداد ووعدنني أن يُعدن الحمار سريعاً. مرّت سنة ونصف يا سيدي. لا حمار عاد ولا أحد سأل عني. مرضتُ. محصولي تلف لأنني لا أنقله بلا حمار. وابني يقول لي كل يوم: "قلتُ لكِ لا تعطيهنّ." أنا امرأة عجوز وحيدة والحمار كل ما عندي. أريد حقّي. — هل تعرفين أسماءهنّ؟ سأل القاضي. — الكبيرة اسمها موزة. والاثنتان الأخريان لا أتذكر. لكنهنّ ثلاث أخوات. بنات رجل اسمه جواد. تجمّد القاضي. لأنه يعرف — كل بغداد تعرف — من هي موزة بنت جواد. سكت القاضي. لأنه يعرف أن المشتكى عليها الأولى — موزة — هي زوجة الأمير أحمد ابن الخليفة المستنصر بالله. والشكوى ليست على سرقة حمار فقط — بل على جحود ونكران جميل. وهذه — إن بقيت في المحكمة — ستكون فضيحة تصل إلى كل أذن في بغداد: زوجة الأمير وأختاها سرقن حمار امرأة فقيرة ساعدتهنّ. لم يحكم القاضي. رفع الأمر إلى القصر. --- وصل الأمر إلى الخليفة. الخليفة — الرجل الذي زوّج بنات جواد سداداً لدين أبيهنّ — سمع القصة. وتغيّر وجهه. ليس غضباً على البنات — بل خجلاً. خجلاً أن بنات الرجل الذي أنقذ بغداد — أخذن من امرأة فقيرة ولم يردّن جميلها. استدعى موزة. استدعاها سرّاً — إلى المجلس الخاص — بلا وزراء ولا كتّاب ولا حتى أحمد. لأن الخليفة يعرف أن هذا الأمر إن خرج من الغرفة سيصبح وصمة على الزواج وعلى ابنه. والخليفة لا يبني شيئاً بيد ويهدمه بالأخرى. موزة دخلت. ورأت رشيدة جالسة أمام الخليفة — بثوبها المرقّع في غرفة الحرير — ولم تعرفها للحظة. ثم عرفتها. وابيضّ وجهها. — رشيدة... — تعرفينها، قال الخليفة بصوت هادئ — ليس فيه غضب بل ثقل. — أعرفها. وأعرف أنني أخطأت. نظر الخليفة إليها طويلاً: — هذه المرأة أعطتكنّ حمارها حين لم يعطكنّ أحد شيئاً. ووعدتنّها أن تعدنه سريعاً. ومرّت سنة ونصف. لن أسألكِ لماذا — لأن الأسباب لا تهمّ أمام امرأة عجوز مرضت وحدها. لكنني أقول لكِ شيئاً واحداً يا موزة: أبوكِ أعطاني جميلاً ولم أنسه. فلا تكوني ممن ينسى. ثم التفت إلى رشيدة: — يا أمّ. حمارك سيعود إليكِ اليوم. ولأنكِ تضرّرتِ — ستُعوَّضين عن كل خسارة من مال القصر. ويُبنى لكِ بيت في قريتكِ. ويُرسل معكِ من يحمل لكِ ما تحتاجين. ثم قال للاثنتين: — هذا الأمر بيني وبينكما. لن يخرج من هذه الغرفة. لا أحمد يعلم ولا أحد في القصر. لأنني لا أهدم ما بنيت. خرجت رشيدة. وبقيت موزة واقفة أمام الخليفة — رأسها منخفض. ثم نظرت إلى الباب الذي خرجت منه رشيدة. وتذكّرت: امرأة عجوز وحيدة بثوب مرقّع ووجه محروق. جادت بكل ما تملك لثلاث بنات غريبات — ثم نسينها سنة ونصف. صعب عليها حال رشيدة. صعب عليها صعوبة أثقل من كل ما مرّ بها — لأن هذا ذنبها هي. لا ذنب القدر ولا ذنب التتار ولا ذنب أحد. خرجت من المجلس ولم تتكلم بقية اليوم. --- الأمر بقي سرّاً. لم يعلم أحمد ولم تعلم نساء القصر ولم يعلم أحد. لكن موزة علمت. وهذا كافٍ ليكسرها من الداخل. ليس لأن الخليفة عاقبها — بل لأنه لم يعاقبها. حماها. أخفى الفضيحة. وهذا أثقل من أي عقاب — لأنه يعني أن الذنب باقٍ عليها وحدها. لا أحد يشاركها حمله. وتقلّصت دائرة ثقتها أكثر. لم تعد تريد أن ترى أحداً من خارج عالمها. لا وردة. لا الخادمات. لا نساء القصر. كل غريب صار يذكّرها بأنها أخطأت — بأنها نسيت من ساعدها — بأنها ليست بنت جواد التي ينبغي أن تكون. والشخصان الوحيدان اللذان ما زالت تثق بهما — ثقة عمياء — هما أختاها. هيلة وربيعة. لحمها ودمها. اللتان لن تحكما عليها. وهذا — بالضبط — ما احتاجته هيلة. --- ### الخيط يُشدّ هيلة سمعت كل شيء عن قضية رشيدة — لأن موزة حكت لأختيها. حكت وهي مكسورة. وهيلة سمعت وابتسمت ابتسامتها الباردة القصيرة. ذهبت إلى ربيعة: — رأيتِ حال موزة؟ مكسورة من الداخل. الخليفة أخفى الأمر لكن موزة تحمل الذنب وحدها. وحين تُكسر المرأة — تتشبّث بمن تثق. ومن تثق بهنّ موزة؟ نحن. وحين تحمل مرة ثانية — وستحمل — ستطلبنا نحن. لن تسمح لقابلة غريبة ولا لوردة ولا لأحد أن يقترب منها. لأنها صارت تخاف من كل أحد — إلا منا. — هيلة — — أنا لا أريد هدفاً. أنا أريد أن أنام. — ستنامين بعد أن ننتهي. سكتت ربيعة. لأنها تعرف أن هيلة لن تتوقف. وتعرف أنها — ربيعة — مربوطة بحبل لا تستطيع قطعه. حبل اسمه ذنب وخوف وطفل في نهر. --- ### الحمل الثاني موزة حملت للمرة الثانية في ربيع ذلك العام. لكن هذه المرة — لم يفرح القصر بصوت عالٍ. فرح بحذر. لأن الحمل الأول انتهى بـ"طفل ميت" — أو هذا ما يعتقد الجميع. وأحمد خاف أن يتكرر الأمر. والخليفة صلّى ودعا ولم يوزّع حلويات — ينتظر. وموزة — خوفها أسود. ليس خوف فقد طفل ثانٍ فقط. بل خوف أن يخرج منها مسخ ثانٍ. خوف أن جسدها — لسبب لا تفهمه — ملعون. وهذا الخوف جعلها تتخذ نفس القرار: — أخواتي فقط. لا قابلة. — يا موزة، توسّلت وردة. القابلة — — لا. لأن موزة تفكّر: إذا ظهر جرو آخر أمام قابلة غريبة — ستعرف بغداد كلها. ستعرف نساء القصر. وسيتحوّل الهمس إلى صراخ. "بنت الوادي التي تلد كلاباً." لا — أخواتها فقط. أخواتها تعرفان ولن تتكلمان. وهيلة — حين سمعت — جلست في ساحة بيتها تحت شجرة التكي وفكّرت. لكنها لم تفكّر كشريرة. هذا ما لا يفهمه أحد عن هيلة — حتى هيلة نفسها. في رأسها قصة مختلفة عن القصة التي يراها الآخرون. في رأسها: أختي موزة أسيرة في قصر لا يحبها فيه أحد حقاً. أحمد يمتثل لأبيه. ونساء القصر يحتقرنها. والخليفة يستخدمها لسداد ذنبه. وإذا أنجبت وريثاً — ستبقى هناك إلى الأبد. مربوطة بطفل وعرش ورجل لم يخترها بل أُمر بها. وأنا — أختها التي تعرفها أكثر من أي أحد — أحاول أن أحرّرها. أن أقطع الحبل الذي يربطها بذلك القصر. والطريقة الوحيدة — أن لا يكون هناك وريث. هل هذا شرّ؟ هيلة لا تعتقد ذلك. هيلة تعتقد أنها الوحيدة التي ترى الحقيقة — والباقون عميان. وهذا — بالضبط — أخطر أنواع الشرّ: الشرّ الذي يرى نفسه خيراً. --- ### الخطة لكن الولادة الثانية ليست كالأولى. في المرة الأولى — كان الأمر سهلاً. لا أحد كان ينتظر خلف الباب. لا أحد كان يترقّب. الولادة حدثت بهدوء والأختان وحدهما في الغرفة. هذه المرة — كل القصر يترقّب. أحمد واقف في الممر يمشي ذهاباً وإياباً كأسد في قفص. والخليفة جالس في المجلس المجاور ينتظر الخبر. ووردة عند الباب لا تبتعد. وخادمتان تجلبان الماء الساخن والكتان كل ربع ساعة. والطبيب جاهز في الغرفة المقابلة. كل هذه العيون — ستسمع صرخة الطفل. وستطلب أن تراه. وإذا لم ترَ شيئاً — ستشكّ. هيلة تعرف ذلك. ولهذا جاءت بخطة مختلفة. --- قبل الولادة بيومين — جهّزت ربيعة في غرفة موزة سلّة مخلفات الولادة. كل غرفة ولادة فيها واحدة — تُوضع فيها قطع القماش المدمّاة والقطن المستخدم والمشيمة وبقايا الحبل السرّي وكل ما يخرج من جسد المرأة. لا أحد يستغرب وجودها بل يستغرب غيابها. ولا أحد يقترب منها بعد الولادة — لأن رائحة الدم تنفر والمنظر لا يطيقه أحد. واللعبة — أخفتها هيلة تحت الوسائد منذ زيارتها الأخيرة. والسلّة نفسها — أعدّتها هيلة قبل أسابيع. ليست سلّة عادية — بل سلّة خوص مجدول مطليّة بالقير من الداخل والخارج كقفّة الصياد. تطفو في الماء ولا تغرق. لأن هيلة تخطط لكل شيء — حتى لما بعد القصر. والخطة بسيطة — كخطط هيلة دائماً: حين يولد الطفل — تلفّه هيلة وتضعه في السلّة بين مخلفات الولادة. الطفل حديث الولادة دامٍ أصلاً — لا يميّزه أحد بين القماش المدمّى والمشيمة. ثم تأخذ اللعبة وتلفّها بقماش ملطّخ بالدم وتخرج إلى الجميع بوجه حزين: "الطفل وُلد ميتاً." والجميع سيرى اللفّة المدمّاة ولن يفتحها أحد — لا أحد يفتح كفن طفل ميت. ثم تخرج ربيعة بسلّة المخلفات — والطفل الحقيقي بداخلها بين الدم والقماش — ولا أحد ينظر إلى سلّة مخلفات ولادة. لا أحد يقترب منها. ولا أحد يفتّشها. لأنها قذارة — وفي القذارة أمان. --- ### الولادة الثانية ليلة صيف. حارّة. والهواء في الجناح ثقيل رطب يلتصق بالجلد. المصابيح الزيتية تلقي ظلالاً مرتجفة على الجدران المزخرفة. ورائحة البخور التي أحرقتها وردة قبل ساعات ما زالت عالقة — ممزوجة الآن برائحة العرق والماء الساخن وبداية رائحة الدم. خلف الباب — عالم كامل ينتظر. أحمد يمشي في الممر ذهاباً وإياباً — خطوة خطوة — ووجهه أبيض كجدران القصر. يداه مشبوكتان خلف ظهره وفكّه مطبق. بعد فقد الطفل الأول — لا يتحمّل أن يفقد ثانياً. والخليفة أرسل خادمه الخاص — رجل صامت اسمه بشير — ليقف عند الباب وينقل الأخبار لحظة بلحظة. ووردة جالسة على الأرض قبالة الباب — ظهرها على الجدار ومسبحتها بين أصابعها وشفتاها تتحركان بلا صوت. وطبيب القصر واقف بأدويته وأدواته في الغرفة المجاورة — جاهز لأي طارئ. أحمد توقف عن المشي ونظر إلى الباب المغلق: — لماذا لا أدخل؟ قال لوردة بصوت مخنوق. — لأنها طلبت ذلك يا مولاي، ردّت وردة بصوت هادئ. موزة تخجل. ولا تريد أن يراها أحد في هذه الحال. وبعد ما حدث في المرة الأولى — تخاف. إذا دخل أحد غير أختيها قد تهلع. والهلع في الولادة يقتل. أنزل أحمد رأسه. لأنه يعرف أن وردة محقّة. موزة بعد "فقد" الطفل الأول تقلّصت وصارت لا تطيق أن يقترب منها أحد غير أختيها. والطبيب اقترح أن يُترك لها ما تريد — "الأم الخائفة إذا أُجبرت على ما لا تريده تتعسّر ولادتها." فتركوها. والباب مغلق. وخلفه — ثلاث نساء. --- داخل الغرفة — الضوء خافت. مصباح واحد على المنضدة بجانب الفراش. وإبريق ماء ساخن يتصاعد منه بخار خفيف. وأقمشة بيضاء نظيفة مطوية على الأرض بجانب وعاء الخلّ الذي نُقع فيه المشرط. وفي الزاوية البعيدة — سلّة المخلفات. موزة على الفراش — شعرها ملتصق بوجهها من العرق وعيناها مغمضتان وجسدها يتقوّس مع كل موجة ألم. هيلة عن يمينها — جالسة على الأرض بهدوء — تمسك يد موزة بيد وباليد الأخرى تمسح جبينها بقماش مبلّل. وجهها لا يتغيّر — وجه حجر — لكن صوتها ناعم محسوب: — تنفّسي يا موزة. ادفعي ببطء. كل شيء بخير. وربيعة عن يسارها — تجهّز الماء والكتان — يداها ترتجفان وعيناها تهربان نحو سلّة المخلفات في الزاوية ثم ترجعان. مالت هيلة نحو أذن ربيعة — قريبة جداً — حتى شفتاها تلامسان شعرها — وهمست: — لا تنظري إلى السلّة. انظري إلى موزة. ستستطيعين. لأنكِ تفعلين هذا لأختكِ. لتحرّريها. ردّت ربيعة بتمتمة لا يسمعها إلا الله — تمتمة فيها سخرية مرّة من نفسها: — أفعل هذا من أجلها... أفعل هذا من أجلها... كأنها تردد كلمة لم تعد تعني شيئاً. كأنها تعزية كاذبة قالتها لنفسها كثيراً حتى فقدت طعمها. --- ساعات. صراخ موزة يخترق الباب والجدران. والناس في الممر يسمعون كل شيء — كل أنّة وكل صرخة وكل لحظة صمت مرعب بين الصرخات. أحمد ضرب الجدار بقبضته مرة — فنظر إليه بشير بعينين ثابتتين ولم يقل شيئاً. ووردة أسندت رأسها على الجدار ودموعها تنزل على مسبحتها. والخادمات يدخلن ويخرجن من الباب — يحملن الماء الساخن والكتان النظيف — ثم يُغلق الباب ثانية. ثم — بعد منتصف الليل — جاء صوت. ليس صرخة موزة. صوت آخر. رفيع. ضعيف. صوت أنين صغير كأنين قطة حديثة الولادة. سمعه أحمد. رفع رأسه. ونظر إلى الباب بعينين واسعتين. — طفل؟ قال بصوت يكاد لا يخرج. وردة رفعت رأسها. وبشير تقدّم خطوة نحو الباب. وسكتوا جميعاً — ينتظرون. --- داخل الغرفة — بنت. صغيرة. وجهها مجعّد أحمر ملطّخ بالدم — كل المواليد هكذا — وجسدها متصل بأمها بالحبل السرّي. لم تصرخ صرخة عالية — بل أنّت أنيناً رقيقاً كمن يستيقظ من نوم طويل ولا يعرف أين هو. — صوت... صوت طفلة! همست موزة من بين أسنانها المطبقة. عيناها لمعتا بأمل مرعب — أمل من اختبر الخسارة ولا يصدّق أن هذه المرة قد تختلف. — أغمضي عينيكِ يا موزة، قالت هيلة بصوت ناعم — صوت أخت حنونة لا صوت مدبّرة. ارتاحي. دعينا ننظّفها ونقطع الحبل. أغمضت موزة عينيها. الإنهاك أثقل من الفضول. وثقتها بأختيها أعمى من عينيها. --- ربيعة مدّت يدها نحو المشرط — المشرط المنقوع بالخلّ الذي أعدّته مع تجهيزات الولادة — وأمسكت الحبل السرّي. كان لا يزال ينبض — نبضاً ضعيفاً بطيئاً — ولونه أحمر داكن. — أقطعه؟ سألت ربيعة بصوت يرتجف. — لا، همست هيلة وأمسكت معصمها بلطف. لا تقطعيه الآن يا ربيعة. — لماذا؟ — انظري إلى لونه، قالت هيلة وهي تشير بإصبعها إلى الحبل. أحمر داكن — فيه دم وغذاء لم يصلا للطفلة بعد. إذا قطعتِه الآن حرمتِها من آخر ما تعطيها أمها. — ومتى أقطعه؟ سألت ربيعة. — راقبيه. حين يتحوّل لونه إلى الأبيض — اقطعيه. نظرت ربيعة إلى الحبل بعينين مبلّلتين. ثم سألت بصوت أخفض — صوت من يريد أن يفهم لماذا تهتم هيلة بصحة طفلة ستُرمى في النهر بعد ساعة: — وماذا يستفيد الطفل من هذا الانتظار؟ ردّت هيلة بصوت هادئ — صوت من يتذكر كلام أمّه ويردّده كما سمعه: — أمي كانت تقول إن المولود يخرج من عالم إلى عالم. في بطن أمه لا يتنفّس — يأخذ كل شيء من الحبل. وحين يخرج — رئتاه لم تعتادا الهواء بعد. هذه اللحظات بين العالمين — الحبل يعمل والرئتان تتعلّمان. إذا قطعتِ الحبل قبل أن تستعد الرئتان — يختنق. أو يضعف. أو يمرض طوال عمره. دعيه حتى يبيضّ — حين يبيضّ يعني أن الطفلة أخذت كل ما تحتاجه وبدأت تتنفّس وحدها. انتظرتا. دقائق ثقيلة كالحجارة — والغرفة ساكنة إلا من تنفّس موزة العميق البطيء ونبض الحبل الذي يخفت شيئاً فشيئاً. الطفلة مستلقية بين ساقي أمها — صغيرة مبلّلة ساكنة — وفمها يفتح ويُغلق ببطء كسمكة خرجت من الماء. هيلة تراقب لون الحبل بعينيها الفاحصتين — كأنها تقرأ ساعة. وربيعة تراقب وجه الطفلة — الوجه الصغير المجعّد الأحمر — وتحاول ألا تفكّر أن هذا الوجه سيكون في النهر قبل الفجر. من خلف الباب — صوت أحمد يهمس لبشير: — لماذا سكت الصوت؟ هل الطفل بخير؟ بشير طرق الباب طرقة واحدة خفيفة. ربيعة ارتجفت. لكن هيلة ردّت بصوت عالٍ هادئ — صوت القابلة المحترفة لا صوت المتآمرة: — كل شيء بخير يا مولاي. نقطع الحبل ونغسلها. صبراً. سكت أحمد. وبشير تراجع خطوة. ثم قالت هيلة — وعيناها على الحبل: — الآن. ابيضّ. نظرت ربيعة. فعلاً — الحبل تحوّل من الأحمر الداكن إلى لون شاحب مائل للبياض. كأن الحياة انسحبت منه — أعطى كل ما عنده وفرغ. أمسكت ربيعة المشرط بيدين ترتجفان. وقطعت. الطفلة أنّت — أنيناً خفيفاً قصيراً — ليس صراخاً ولا بكاءً — بل أنين من أحسّ بشيء بعيد لا يؤلم كثيراً. — هذا طبيعي، قالت هيلة بصوت واطئ وهي تنظر إلى مكان القطع. الحبل حين يبيضّ يموت — يصبح كالحبل اليابس. القطع فيه لا يؤلم كقطع ظفر ميت. ولهذا ننتظر — حتى نقطع ما مات ولا نقطع ما هو حيّ. ثم أضافت — كأنها تتذكر شيئاً في تلك اللحظة: — أمي كانت تقول أيضاً: بعد القطع يبدأ الطفل حياته الحقيقية. قبله كان يعيش من أمه. بعده يعيش من نفسه. هذه أول لحظة استقلال في حياة الإنسان — وهي لا تزال مبلّلة بالدم. ربيعة نظرت إلى الطفلة — التي بدأت تتنفس بانتظام الآن — صدرها الصغير يرتفع وينخفض ببطء — وقالت في سرّها: أول لحظة استقلال. وأنا سأرميها في النهر. --- وتحرّكت هيلة. بسرعة. بدقة. بلا صوت. لفّت الطفلة — الدامية المبلّلة — ووضعتها في سلّة المخلفات بين القماش المدمّى والمشيمة والقطن المستخدم. الطفلة حديثة الولادة لا تختلف بلونها ولا برائحتها عن بقية محتويات السلّة — كل شيء دم وقماش ولحم. لم تبكِ الطفلة — كأنها تعرف أن الصمت حياة. ثم أخرجت هيلة اللعبة من تحت الوسائد — اللعبة التي صنعتها بيديها في ليالٍ طويلة — ولفّتها بقماش ملطّخ بدم الولادة. وحملتها بين يديها كأنها تحمل جثة طفل. ربيعة وقفت ترتجف. رفعت يديها — كادت أن تصرخ — كادت أن تفعل الشيء الصحيح للمرة الأولى في حياتها. هيلة نظرت إليها. نظرة واحدة باردة صامتة. لم تقل كلمة. لكن العينين قالتا كل شيء: النهر. السلّة. وحدكِ. والقاضي يعرف وجهكِ. أنزلت ربيعة يديها. ثم وضعت هيلة اللعبة الملفوفة بجانب موزة. والجرو — الذي أعدّته — بالجانب الآخر. فتحت موزة عينيها. نظرت بعينين ضبابيتين من الإنهاك. ورأت الجرو. انهار شيء فيها بصمت. كأن آخر عمود في داخلها سقط. وجهها لم يتغيّر — لكن شيئاً خلف عينيها أُطفئ. — مرة ثانية، قالت بصوت ميت. مرة ثانية. --- فتحت هيلة الباب. وجهها حزين — حزن مصنوع بإتقان. عيناها حمراوان — فركتهما قبل أن تخرج. وفي يديها اللفّة المدمّاة. أحمد رآها فتجمّد. — الطفل... قالت هيلة بصوت مرتجف — صوت أخت مكسورة لا صوت مجرمة. وُلد ميتاً. حاولنا — لكنه لم يتنفس. مدّت اللفّة نحو أحمد. نظر إليها. نظر إلى القماش المدمّى والشكل الصغير الساكن تحته. ومدّ يده — كاد أن يفتح القماش — — لا تفتحه، قالت هيلة بسرعة. الطبيب يجب أن يراه أولاً. والشرع يقول يُدفن سريعاً. أنزل أحمد يده. لأنه لا يريد أن يرى. لأن الألم أكبر من الفضول. ووردة بكت. والخادم ركض لإبلاغ الخليفة. والطبيب جاء — لكن هيلة سلّمت اللفّة لربيعة قبل أن يصل وقالت: — خذيها. جهّزيها للدفن. أنا أبقى مع موزة. ربيعة أخذت اللفّة بيد — وسلّة المخلفات بيد أخرى. سلّة مخلفات ولادة. لا أحد ينظر إليها. لا أحد يقترب منها. رائحة الدم تسبقها وتبعد كل عين. كل العيون على اللفّة المدمّاة — "الجثة" — لا على سلّة القذارة. مشت ربيعة في الممر. والجميع يفسحون لها الطريق — لأنها تحمل "جثة طفل" — ولا أحد يريد أن يقترب. خرجت من الباب الجانبي. والحارس رآها وأشاح بوجهه — لأن حمل الموتى لا يُنظر إليه. وحين صارت في الشارع — وضعت اللفّة جانباً. وأمسكت السلّة. وأزاحت القماش المدمّى عن وجه الطفلة. الطفلة بين الدم والقماش — حيّة. عيناها مفتوحتان. هادئة. ربيعة نظرت إليها. وبكت. --- في تلك الليلة — مشت ربيعة إلى دجلة. ليلة صيف والهواء ساخن لكن الدم في عروقها تجمّد. قلبها ينازع بين ضربة وضربة — كأنه يتوقف ثم يُجبر على أن يعمل. لم تكن قد أصبحت أمّاً بعد — ولعل هذا ما ساعدها على أن تمشي. لأن الأم لا تستطيع أن تحمل طفلاً إلى نهر. لكن ربيعة — التي لم تحمل في بطنها ولم ترضع من صدرها — تحمل في يديها سلّة فيها ابنة أختها وتمشي. وصلت إلى الجرف. الماء تحتها أسود لامع يعكس نجوم الصيف. والطفلة في السلّة هادئة — لا تبكي — كأنها تعرف. وقفت. وقفت طويلاً. يداها تقبضان على السلّة وعروقها بارزة من الضغط. ورجلاها لا تتحركان كأنهما غُرستا في الأرض. كادت أن ترجع. كادت. ثم سمعت خطوات. خطوات ثقيلة على الحجر خلفها — وضوء فانوس يتأرجح — والصوت الذي تعرفه كل بغداد في الليل: — من هناك؟ العسس. ثلاثة رجال بفوانيس ورماح قصيرة يمشون على ضفة النهر. رآها أحدهم — امرأة وحدها عند الجرف في منتصف الليل — فاقترب: — ماذا تفعلين هنا يا امرأة؟ هذا ليس وقتاً ولا مكاناً. تجمّدت ربيعة. السلّة في يديها. الطفلة بداخلها. والفانوس يقترب. ثم — ولا تعرف من أين جاءتها الكلمات — قالت بصوت مبحوح: — زوجي... زوجي خبّاز حيّ الرصافة. أرسلني أجلب ماءً من النهر لعجين الفجر. تأخرت لأن... لأنني أخاف الظلام. نظر إليها العسسي. نظر إلى السلّة في يديها — سلّة خوص مغطاة بقماش — ثم نظر إلى وجهها. وجه امرأة شابة عيناها حمراوان ووجهها مبلّل. — خبّاز الرصافة؟ عامر؟ — نعم. عامر. — أعرفه. رجل طيب خبزه أحسن خبز في الحي. لكن لا يجوز لامرأة أن تخرج وحدها في الليل. ارجعي إلى بيتكِ. وقولي لزوجكِ يجلب الماء بنفسه. — سأرجع. حالاً. مشى العسس. ابتعد الفانوس. وربيعة واقفة — ساقاها ترتجفان وقلبها يكاد يخرج من صدرها. انتظرت حتى اختفى الضوء تماماً. ثم وضعت السلّة في الماء. طفت. طفت كقفّة صيّاد — لأنها مطليّة بالقير كقفّة صيّاد. والتيار أخذها. ببطء. ببطء مؤلم. والسلّة تبتعد في الظلام حتى صارت نقطة بيضاء ثم اختفت. وربيعة لم تبكِ. لأن الدموع تحتاج قلباً حيّاً — وقلبها مات عند الجرف. وربيعة لم تبكِ هذه المرة. لم تجلس على الضفة. مشت في أزقة بغداد في الليل وحدها — بلا اتجاه — حتى وجدت نفسها أمام باب ضاري. ولم تطرق. وقفت ودموعها تنزل وتذكّرت رقية: "إذا ضاقت بكنّ الدنيا صلّين ركعتين." ركعت على الحجر البارد وصلّت. ولم تطلب شيئاً. لأنها لا تعرف هل يحقّ لمن فعلت ما فعلت أن تطلب. --- ### خيزرانة بعد أيام — في ساعة الفجر — استيقظ سلمان على صوت. ليس صوتاً من النهر هذه المرة — بل من الجرف. الجرف الطيني الذي يرتفع خلف بيته بقامة رجل — حيث تنتهي أرضه ويبدأ البرّ. صوت بكاء. ضعيف. قريب. ليس من الماء — من الأعلى. خرج سلمان من بيته. الفجر لم يطلع بعد — ذلك الضوء الرمادي الذي يسبق الشمس بنصف ساعة. نظر إلى الجرف. لم يرَ شيئاً. لكن الصوت مستمر — بكاء طفل. صعد الجرف — بركبتيه المتعبتين — وأمسك بجذور القصب ورفع نفسه. ثم نظر. سلّة. سلّة خوص مطليّة بالقير مثل الأولى — مربوطة بقماش — على حافة الجرف. كأن الماء رفعها في الليل ثم انسحب وتركها. فتحها. طفلة. وجهها صغير هادئ وعيناها مغمضتان. ملفوفة بقماش ناعم فيه خيوط ذهبية — نفس القماش. في تلك اللحظة — من بيت سلمان — سُمع صوت آخر. صوت رحّال. رحّال الذي تعلّم أن يحبو منذ أيام. خرج من باب البيت المفتوح — بقميصه الصغير القصير — وحبا على الأرض الطينية باتجاه صوت البكاء. حبا حتى وصل إلى قاعدة الجرف — ونظر إلى الأعلى حيث جدّه يحمل شيئاً. ومدّ يده. مدّ يده الصغيرة نحو الأعلى — نحو السلّة — كأنه يعرف. كأن شيئاً في دمه يقول له: هذه أختكَ. سلمان نظر إلى رحّال تحته — الطفل الذي أخرجه من النهر قبل أشهر — ثم نظر إلى الطفلة في يديه — التي جاءت من نفس النهر بنفس القماش. — يا ربّ، قال بصوت مرتجف. أنا رجل عجوز أصيد السمك. وأنت ترسل لي أطفالاً واحداً بعد الآخر. لا أفهم — لكنني لا أردّ عطاءك. نزل من الجرف. جلس على الأرض. ووضع الطفلة في حجره. ورحّال حبا حتى وصل إليها. ومدّ يده ولمس وجهها. الطفلة فتحت عينيها. ونظرت إلى رحّال. ورحّال نظر إليها. ولم يبكِ أيّ منهما. — أنتِ خيزرانة، قال سلمان. لأن الخيزران ينحني ولا ينكسر. وأنتِ — يا بنت النهر — لن تنكسري. --- وفي القصر — موزة تحتضن جروين. تطعمهما وتغسلهما وتنام بينهما. وأحمد — الذي يحبّها الآن حباً حقيقياً — يراقبها ولا يملك كلاماً يقوله. يجلس بجانبها ويمسك يدها ويسكت. لأن الكلام لا يكفي أمام امرأة تحتضن ما تظنّه أبناءها ولا تتخلى. والخليفة أرسل يقول: "لا تيأسي. الله لا ينسى." وموزة — في ظلام غرفتها — تبكي بكاءً لا يسمعه أحد. تبكي لأنها تؤمن أن في جسدها شيئاً مكسوراً. أن الله يختبرها ولا تعرف لماذا. ولا تعرف أن ابنها رحّال — حيّ — يحبو في بيت صياد ويلمس وجه أخته. ولا تعرف أن من كسرها ليس الله — بل أختاها. --- *صندوقان في النهر. جروان في القصر. وعجوز على ضفة دجلة يربّي طفلين وجدهما الماء.* *وفي بيت الجزار — امرأة تحسب ولا تندم.* *وفي المخبز — امرأة تعجن بيدين ترتجفان وتصلّي في الليل على حجر الأزقة.* *ومفلح — عاد لرشيدة بأمر الخليفة. وربيعة ودّعته عند باب القصر — حضنت رأسه وبكت في عنقه وهمست: "سامحني يا مفلح. سامحيني يا خالة رشيدة." ورشيدة لم تسامح — لكنها أخذت حمارها ومشت.* *والولادة الثالثة — لم تأتِ بعد.* ‎ ============================================================ # الفصل_الرابع_عشر ============================================================ ## الفصل الرابع عشر: الصندوق الثالث --- ### الأسماء في أحد أيام الربيع — قبل أن تلد أيّ منهنّ — جلسن في جناح موزة واتفقن على الأسماء. هيلة وربيعة حاملان. موزة لا — لم تحمل بعد ولادتها الثانية. جلست على الأرض كعادتها — ظهرها على الجدار والشمس تدخل من النافذة وتقع على السجاد بقعة ذهبية — وبجانبها هيلة صامتة ويداها في حجرها. وربيعة جالسة متكئة على وسادة — لم تعد تنام على بطنها ولا تتمدد كسابق عهدها — وجهها فيه شيء لم يكن فيه قبل سنتين: ثقل. ربيعة التي كانت تملأ المكان ضحكاً ومقالب وكلاماً لا ينتهي — صارت تسكت لحظات طويلة وعيناها تنظران إلى مكان ليس في الغرفة. لم تعد تمزح كثيراً. ولم تعد تأكل بشراهة. ولم تعد تتكلم بلا توقف. شيء فيها انطفأ — شيء لا يراه أحد غير من يعرفها جيداً. قالت موزة: — يجب أن نتفق على الأسماء. إن كنّ بنات — فاطمة وثريا وزينب. وإن كانوا ذكوراً — علي وجواد وحسين. والأولوية لمن تلد أولاً. قالتها ونظرت إلى ربيعة — نظرة فيها شيء يشبه التحدّي الناعم — لأنها تعرف أن ربيعة تريد اسم الأب. ردّت هيلة بصوتها البارد: — سيكون ذلك أكثر عدلاً. ربيعة فتحت فمها لتعترض — لأنها كانت تريد أن تُسمّي ابنها جواداً بلا شرط — لكن الكلمات لم تخرج. نظرت إلى يديها في حجرها — يدين لم تعودا تمسكان التفاح بنهم ولا ترمي بالماء على أختها — ثم هزّت رأسها هزّة واحدة بطيئة. لأنها لم تعد ترغب في شيء. لم تعد ترغب في الجدال ولا في الضحك ولا في أي شيء يحتاج طاقة. الطاقة نفدت — أنفقتها على ضفة دجلة في ليلتين. — اتفقنا، قالت هيلة. --- ### جواد ربيعة ولدت أولاً. في ليلة خريف — في المخبز — جاء المخاض. وكانت موزة وهيلة هناك — لأن ربيعة أصرّت أن تكون أختاها معها. "لا أريد غريبة تلمسني. أريد أخواتي." لكن موزة — هذه المرة — لم تترك الأمر لأختيها وحدهما. أرسلت في طلب قابلة. قابلة اسمها أم حسن — امرأة من الحي سمعت عنها نساء القصر بالخير — وأمرت أن تحضر. — لماذا القابلة؟ سألت هيلة وعيناها تضيقان. — لأنني لن أترك أختي تلد بلا يدين تعرفان ما تفعلان، قالت موزة بصوت حازم. ثم أضافت في سرّها — في مكان لا يسمعه أحد: ولأنني لا أثق بيديكِ يا هيلة. يداكِ لمستا أبنائي ولم يعودوا. يداكِ ملعونتان. لم تقل ذلك بصوت عالٍ. لكن هيلة — التي تقرأ العيون — رأت شيئاً في نظرة موزة لم تره من قبل. شكّ. ليس شكّاً واضحاً — بل ظلّ شكّ. كأن موزة لا تعرف لماذا لا تثق لكنها لا تثق. --- جاءت أم حسن — امرأة في الخمسين وجهها مستدير وعيناها ذكيتان ويداها قويتان نظيفتان — ودخلت وربيعة على الفراش تصرخ. عامر خلف الباب يمشي ذهاباً وإياباً — يعرف أن زوجته ستلد ويعرف أنها اختارت اسم جواد ويعرف لماذا — لأن ربيعة حكت له كل شيء عن أبيها وعن الليلة التي رحل فيها وعن أمها التي ماتت وحيدة. الأزواج يعرفون — لأن الزوجات يتحدثن كثيراً. ساعات. وربيعة تصرخ. وأم حسن تقول: "ادفعي يا بنتي." وموزة تمسك يد ربيعة بيد وتمسح جبينها بيد. وهيلة واقفة في الزاوية تراقب بعينيها الباردتين. ثم جاء الولد. أم حسن انتظرت حتى ابيضّ الحبل — كما تفعل كل قابلة تعرف صنعتها — ثم قطعته بالمشرط المنقوع بالخلّ. والطفل أخذ نَفَسه الأول وصرخ. — ولد! قالت أم حسن. سليم معافى الحمد لله! دخل عامر. ابتسامته العريضة التي يعرفها كل الحي — ابتسامة خبّاز يعطي الخبز للناس كل صباح — لكنها اليوم أعرض. حمل ابنه بيديه الكبيرتين الخشنتين — بحذر — كأنه يحمل أهشّ عجينة في حياته. نظرت موزة إلى الطفل. ونظرت إلى ربيعة. ثم قالت بصوت ثابت: — جواد. دمعت عينا ربيعة. لأن الاسم لم يأتِ من فمها — بل من فم أختها الكبرى. كأن موزة تقول: أنا أتذكر أبانا أكثر منكِ — وأنا أعطيه لابنكِ. عامر ضمّ الطفل وقال: — جواد. يا مرحباً بك يا جواد. وهيلة في الزاوية — شاهدت كل شيء بعينيها الباردتين. ولم تقل كلمة. --- ### ثريا هيلة ولدت بعد شهرين. في بيت الجزار. بلا صراخ. أطبقت أسنانها ودفعت بصمت — كأنها تقاتل عدواً بيديها العاريتين. والقابلة أم حسن — التي أرسلتها موزة هذه المرة أيضاً — نظرت إلى هيلة بإعجاب مقلق: "هذه المرأة لا تشبه أحداً." جاءت البنت. صغيرة. هادئة. لم تصرخ — أنّت أنيناً خفيفاً ثم سكتت. كأنها بنت أمها. موزة كانت حاضرة — جالسة بجانب أختها. وربيعة أيضاً — واقفة عند الباب لا تدخل كثيراً لأنها لا تطيق رائحة الدم بعد كل ما فعلت. صابر دخل بعد أن سمع صمت ابنته — صمتاً يشبه صمت أمها. نظر إلى البنت في حضن هيلة. ثم قال: — هل مازلتِ مصرّة على تسميتها ثريا؟ لم تردّ هيلة. ردّت موزة — بصوت واثق وابتسامة فيها سخرية واستغراب: — وهل لديك اسماً أجمل؟ نظر صابر إلى موزة — ثم إلى هيلة — ثم إلى البنت. وهزّ رأسه: — ثريا. جميل. تشبه جدّتها إن شاء الله. --- وبين الأختين — استغراب نساء القصر ينمو. لأن موزة — زوجة الأمير — ترسل قابلة لأختيها من أفضل قابلات بغداد. وتحضر ولاداتهنّ بنفسها. وتسمّي أطفالهنّ. لكنها — حين ولدت هي — رفضت كل قابلة ورفضت كل أحد ولم تقبل إلا أختيها. — لماذا ترسل لهنّ قابلات ولا تقبلها لنفسها؟ همست إحدى نساء القصر لأخرى. — ربما تخاف من شيء، ردّت الأخرى. — تخاف من ماذا؟ لم تجد جواباً. لكن الشكّ بدأ — شكّ بلا دليل وبلا دافع واضح — كغيمة رقيقة تمرّ فوق القصر ولا تمطر. --- ### الكلبان والصلاة مرّت سنتان بين ولادة خيزرانة وبين أن تحمل موزة للمرة الثالثة. وفي هاتين السنتين — كبر الجروان. لم يعودا جروين. صارا كلبين — لونهما بنّي غامق وعيونهما ذهبية — من كلاب بغداد التي تحرس البيوت. الأول — الذي جاء بدل رحّال — سمّته موزة "وفيّ". والثاني — الذي جاء بدل خيزرانة — سمّته "أمل". ولم يفهم أحد في القصر. ليس فقط لماذا تربّي زوجة الأمير كلبين كأطفالها — بل لماذا تربّيهما امرأة مصلّية. امرأة تقوم قبل الفجر وتتوضّأ وتصلّي كما علّمتها رقية. امرأة تسجد وجبينها على الأرض وتدعو الله بخشوع — ثم تقوم وتحتضن كلبين ينجّسان المكان. تنام بينهما — واحد عن يمينها وواحد عن يسارها — وتطعمهما من صحنها وتتحدث إليهما كأنهما يفهمان. ووردة — التي تحبّ موزة — سألتها مرة: — يا موزة. الكلب نجس. كيف تصلّين وهما في غرفتك؟ نظرت موزة إلى وفيّ الذي يضع رأسه على ركبتها — ثم قالت بصوت هادئ فيه حزن قديم: — يا وردة. هذان الكلبان أوفى من كثير من البشر. يحزنان لحزني ويفرحان لفرحي ولا يكذبان ولا يخونان. والله الذي خلقهما يعرف لماذا أحتاجهما. وأنا أغسل مكانهما قبل كل صلاة — ولا أنجّس صلاتي. سكتت وردة. لأنها لا تملك ردّاً على أمّ تعتقد أن كلبيها أبناؤها. --- وفيّ كان يعرف مزاج موزة قبل أن تعرفه هي. حين تكون حزينة — وهي حزينة أغلب الوقت — يضع رأسه على ركبتها ولا يتحرك. ينظر إليها من تحت بعينيه الذهبيتين — نظرة فيها سؤال لا يستطيع أن ينطقه — وموزة تمسح رأسه وتقول بصوت خفيض: "لا شيء يا وفيّ. لا شيء." وهو يعرف أنها تكذب. لكنه يبقى. وأمل — الأصغر — كانت ظلّ موزة. تمشي خلفها حين تمشي وتجلس بجانبها حين تجلس وتنام ملتصقة بظهرها وأنفها في شعرها. حين تطبخ موزة — وهي تطبخ كل يوم كأنها في بيت الوادي لا في قصر — تجلس أمل عند باب المطبخ وتراقبها بعيون هادئة ذهبية. لا تدخل — كأنها تعرف الحدود — لكنها لا تبتعد. --- ذات ليلة من ليالي الصيف الثقيلة — حين لا ينام أحد في بغداد من الحرّ — جلست موزة في الساحة الصغيرة أمام جناحها. مصباح زيتي على الأرض يرمي ظلالاً مرتجفة. ووفيّ على يمينها وأمل على يسارها. وهي بينهما — تمسح رأسيهما بالتناوب — وتتحدث بصوت لا يسمعه إلا هم: — أتعلمان أنكما أوفى من كثير من البشر؟ البشر يقولون "أحبك" وهم يخططون لطعنك. أنتما لا تقولان شيئاً — لكنني أعرف. أعرف أنكما هنا. وأن أحداً لن يأخذكما مني. وفيّ رفع رأسه ولحس يدها. وأمل أنّت أنيناً خفيفاً. وموزة بكت. بكت بكاءً صامتاً طويلاً — بكاء الأم التي لا تعرف أن أبناءها أحياء يكبرون على ضفة نهر بعيد. بكاء من تعتقد أن جسدها ملعون وأن الله اختبرها فلم تنجح. وأن هذين الكلبين هما كل ما أعطاها الله بدل الأطفال. --- ### الرؤيا وفي تلك الليلة — بعد أن جفّ بكاؤها ونامت بين الكلبين على فراشها — حلمت موزة حلماً. لم يكن حلماً عادياً. كان من تلك الأحلام التي تأتي مرة في العمر — واضحة كالنهار — لا تُنسى. رأت نفسها واقفة على ضفة نهر. ليس دجلة — نهر آخر — نهر واسع صافٍ تلمع مياهه تحت شمس لا تحرق. والضفة الأخرى بعيدة — بعيدة لكنها مرئية — وعلى الضفة الأخرى ثلاثة أطفال يلعبون. ولدان وبنت. الأكبر — ولد في الثالثة تقريباً — يركض على العشب ويضحك. شعره أسود وعيناه واسعتان ووجهه — وجهه يشبه وجه أبيها جواد. يشبهه كأنه نسخة صغيرة منه. والبنت — في الثانية — تمشي خلف أخيها بخطوات مترددة وتسقط ثم تقوم ثم تسقط ثم تضحك. شعرها طويل أسود يطير في الهواء. والأصغر — ولد رضيع — جالس على العشب يلعب بيديه ويناغي بأصوات لا معنى لها. ثلاثة أطفال. أحياء. يلعبون. يضحكون. وموزة واقفة على ضفتها — تراهم — تسمع ضحكهم — والماء بينها وبينهم. مشت نحو الماء. أنزلت قدمها. بارد. مشت أكثر. الماء يرتفع — إلى ركبتيها ثم خصرها ثم صدرها — والتيار يدفعها — لكنها تمشي. تمشي نحوهم. تمدّ يديها. — أنا هنا! صرخت. أنا أمّكم! انتظروني! الولد الأكبر رفع رأسه. نظر إليها من الضفة الأخرى. وابتسم ابتسامة — ابتسامة فيها شيء لا تستطيع موزة أن تحتمله — شيء بين الحنان والوداع. ثم استدار ومشى. والبنت مشت خلفه. والرضيع — حمله أحد لا تراه وجهه — واختفوا. والماء يرتفع. والتيار يشتد. وموزة تغرق — تغرق وهي تمدّ يديها نحو ضفة فارغة — ولا أحد يمسك يدها. --- استيقظت. جالسة على الفراش. جسدها مبلّل بالعرق. وقلبها يدقّ دقّاً يكاد يكسر أضلاعها. ووفيّ واقف بجانب الفراش ينظر إليها بعينين قلقتين — وذيله لا يتحرك — وأمل تأنّ أنيناً خفيفاً عند قدميها. مدّت موزة يدها — يدها التي كانت تمتدّ في الحلم نحو أطفال لا تصل إليهم — وأمسكت رأس وفيّ وضمّته إلى صدرها. وبكت. بكت بكاءً هذه المرة ليس صامتاً. بكاءً يسمعه الجناح كله. بكاء امرأة رأت ما لا تستطيع أن تلمسه — رأت حياة لا تعرف أنها حقيقية — رأت أبناءها ولا تعرف أنهم أبناؤها. ووفيّ لم يتحرك. بقي في حضنها. ولحس دموعها عن وجهها بلسانه الخشن. لأنه لا يعرف ما يفعل غير ذلك. --- ### الأمير أحمد لم يكن في القصر تلك الليلة. أحمد لم يكن في القصر أغلب الليالي — ولا أغلب الأيام. لأن أحمد لم يعد الشاب الذي يجلس في مجالس أبيه ويستمع. صار رجلاً يخرج. منذ سقوط قلعة جبل كوسه — ومنذ أن بدأت أخبار بايجو تصل أقرب فأقرب — تغيّر أحمد. لم يعد أميراً يقرأ الكتب تحت شجرة النارنج. صار يخرج مع فرق الاستطلاع إلى حدود الولاية — يركب الخيل ويقضي أياماً خارج بغداد — يتفقد الأسوار الشمالية ونقاط المراقبة على الطرق المؤدية من الموصل. ويعود بتقارير يضعها أمام أبيه في مجلس الحرب: — الطريق من أربيل مكشوف. لا حصون بعد تكريت. إذا تحرّك بايجو جنوباً — يصل بغداد في عشرة أيام بلا مقاومة تُذكر. والخليفة يسمع ويصمت. ويأمر بتحصين ما يمكن تحصينه. وأحمد لا يكتفي بالتقارير. يرسل رسائل — بإذن أبيه وبدونه — إلى أمراء المسلمين في الشام ومصر. يحذّرهم. يطلب التنسيق. يقترح تحالفات. أغلب الرسائل لا تُجاب — لأن الأمراء مشغولون بحروبهم وخلافاتهم — لكنه يرسل. لأنه سمع قصة كادهان وفهم ما فهمه: "تفرّقنا فسقطنا." وحين يعود إلى القصر — متعباً مغبرّاً — يجد موزة جالسة مع كلبيها. يجلس بجانبها بلا كلمة. وأحياناً — في الليالي النادرة التي يكون فيها — يمسك يدها. وهي تمسك يده. ولا يتحدثان. لأن الكلام بينهما صار أقل — لكن ما بينهما صار أعمق. كلاهما يخسر شيئاً ولا يستطيع أن يُعيده. هو يخسر بلاده ببطء. وهي تخسر أطفالاً لم تعرف يوماً أنهم أحياء. --- ### كادهان وفي تلك الأيام — جاءت القصة من الشمال. لم تأتِ مع الرسل الرسميين — بل مع التجار. تجار القوافل الذين ينقلون البضائع بين الموصل وبغداد — وينقلون معها أخباراً وإشاعات. وهذه القصة انتشرت في الأسواق كالنار: قالوا إن بايجو — بعد أن أسقط إحدى قلاع الشمال — طلب أن يُحضروا إليه أكبر عالم في المدينة. أراد أن يرى ما نوع الرجال الذين يحكمهم هؤلاء المسلمون. فلم يجرؤ أحد. الكل اختبأ. الكل خاف. إلا شاب. شاب صغير السن لم تنبت لحيته. اسمه كادهان — اسم كردي أو تركماني — معلّم في مدرسة صغيرة للصبيان. ذهب — وأخذ معه جملاً وماعزاً وديكاً. حين دخل على بايجو قال له القائد المغولي ساخراً: — ألم يجدوا غيرك؟ صبيّ بلا لحية؟ فردّ كادهان: — إذا تريد كبير الحجم فالجمل بالخارج. وإذا تريد ملتحياً فالماعز. وإذا تريد صوتاً عالياً فالديك. ادعُ من تشاء. سأله بايجو: ما سبب مجيئنا إلى بلادكم؟ قال كادهان: ذنوبنا. تفرّقنا وتخاصمنا وكل أمير يحارب أخاه. فأرسلكم الله نقمة لينتزع ما لا نستحقّه. سأله: ومن يُبعدنا؟ قال: إذا اتّحدنا وشكرنا الله — لن تستطيعوا البقاء. لأن الله لا يعاقب قوماً اتّحدوا. --- القصة وصلت أحمد. سمعها في إحدى جولاته الشمالية — من فم تاجر على الطريق — وحين عاد إلى بغداد أخبر موزة. كان قد غاب أسبوعاً كاملاً. دخل الجناح متعباً — ثيابه مغبرّة ووجهه محروق بالشمس — ووجد موزة جالسة مع وفيّ وأمل كعادتها. جلس قبالتها وحكى. — ما رأيكِ؟ سأل بعد أن انتهى. نظرت موزة إلى وفيّ. ثم قالت: — أبي فعل أكثر مما فعل كادهان. كادهان ذهب بكلمات. أبي ذهب بسيف. الكلمات لا تُوقف الجيوش — السيوف تُوقفها. لكن الكلمات تبقى بعد أن يصدأ السيف. سكت أحمد. ثم قال: — كادهان قال الحقيقة. تفرّقنا. وأنا أرسل رسائل لأمراء المسلمين — ولا أحد يردّ. كل أمير في حصنه يظن أن الخطر بعيد. حتى تسقط حصونهم واحدة واحدة. --- ### الحمل الثالث ثم حملت موزة للمرة الثالثة. بعد سنتين من ولادة خيزرانة — وبعد ثلاث سنوات من ولادة رحّال — حملت موزة للمرة الثالثة. والخبر لم يُفرح أحداً. الخليفة سمع وصمت. ووردة سمعت وبكت وحدها. وأحمد — الذي صار يغيب عن القصر أغلب أيامه — وصله الخبر متأخراً. ولم يعد. لأن أحمد صار يغيب أكثر. وبغداد تحتاجه أكثر من أن يحتاجه القصر. --- والقرار نفسه — أختاها فقط. — لا قابلة. لا وردة. لا أحد. وردة توسّلت. والطبيب اقترح. لكن موزة ترفض — الرفض نفسه — الخوف نفسه — خوف أن يخرج جرو ثالث أمام غريب فتنتهي حياتها. والغريب — أن موزة التي أرسلت أم حسن لأختيها — ترفضها لنفسها. وهذا التناقض لم يفت وردة ولا نساء القصر. لكن لا أحد يجرؤ أن يسأل — لأن الحزن في عيني موزة يُسكت كل سؤال. --- ### ربيعة ربيعة كانت تعرف منذ أشهر أن موزة حامل — كلّ الأخوات يعرفن أخبار بعضهنّ. وكانت تعرف أن موزة ستطلبهما حين يأتي الوقت. وطوال هذه الأشهر — كان الخوف ينمو في صدرها كنبتة سامّة. في ذلك الصباح — وقد اقترب الموعد — جلست في ساحة المخبز وجواد ابنها في حجرها. جواد عمره سنة وشهران. وجهه مستدير كوجه أبيه عامر وعيناه واسعتان كعيني أمه. يضغط بأصابعه الصغيرة على قطعة عجين أعطاه إياها أبوه ويضحك حين تتغير أشكالها. وربيعة تنظر إليه. وتتذكر. تتذكر يديها وهما تحملان سلّة رحّال إلى دجلة. وتتذكر يديها وهما تضعان سلّة خيزرانة عند الجرف. وتنظر إلى يديها الآن — وهما تحملان ابنها — وتفكّر: هل هذه هي اليدان نفسها؟ --- ### الولادة الثالثة جاءت الليلة في شتاء ذلك العام. ليلة باردة — أبرد ليالي كانون. أحمد لم يكن في القصر. كان في جولة استطلاع شمال بغداد — على الطريق بين سامراء وتكريت — يتفقد نقاط المراقبة. ولم يعرف أن زوجته تلد. خلف الباب — وردة وبشير والخادمات. لا أحمد. ووردة جالسة على الأرض تبكي بصمت — لأنها تعرف أن المرتين السابقتين انتهتا بما انتهتا به — والثالثة قد لا تحتمله موزة. داخل الغرفة — ضوء خافت. مصباح واحد. ورائحة الخلّ والأعشاب. وسلّة المخلفات في الزاوية — سلّة الخوص المطلية بالقير. والكلبان — وفيّ وأمل — في الزاوية الأخرى ينظران إلى سيدتهما بعيون قلقة. موزة على الفراش. هيلة عن يمينها. ربيعة عن يسارها. هيلة تمسك يد موزة — وجهها لا يتغيّر — وصوتها ناعم: — تنفّسي يا موزة. ادفعي ببطء. أنا هنا. أختكِ هنا. لن يحدث شيء. وربيعة — يداها ترتجفان وهي تجهّز الكتان — تنظر إلى السلّة في الزاوية ثم تشيح. عيناها مبلّلتان ويداها تمسحان جبين موزة وصوتها مكسور: — كل شيء سيكون بخير يا موزة. كل شيء. وموزة تنظر إلى ربيعة — تنظر إلى عينيها المبلّلتين — وتقول بين أسنانها المطبقة: — لماذا تبكين؟ — من أجلكِ. — لا تبكي من أجلي. ادعي لي. ثم أغمضت موزة عينيها من شدّة الألم — وفي تلك اللحظة مالت هيلة نحو أذن ربيعة وهمست: — السلّة جاهزة. حين يخرج الطفل — نفس الخطة. ربيعة سحبت رأسها بعيداً — كأن كلمات هيلة حرقتها — وهمست بصوت مرتجف حاد: — لا. لن أفعلها. قلتُ لكِ. صرتُ أمّاً. ولن أحمل سلّة ثالثة إلى النهر. — اخفضي صوتكِ. — لا أخفضه! وإذا أصررتِ — سأصرخ الآن وأوقظ موزة وأخبرها بكل شيء أمام وردة والقصر كله. أو أرمي نفسي من شرفة هذا القصر قبل أن أفعلها مرة ثالثة. اختاري. موزة أنّت من الألم — لكنها لم تسمع. المخاض يأكل كل شيء. هيلة نظرت إلى ربيعة. نظرة طويلة. في عيني ربيعة شيء لم تره من قبل — ليست ربيعة المنقادة. هذه أمّ. والأم وحش لا يُهدَّد. سكتت هيلة لحظة. ثم همست بهدوء مرعب: — لن تفعليها أنتِ. سأفعلها أنا. أنتِ ابقي مع موزة وامسكي يدها. وأنا أتولّى الباقي. يداكِ لن تلمسا السلّة ولن تريا النهر. اتفقنا؟ لم تقل ربيعة نعم. لم تقل لا. عادت تمسح جبين موزة بيدين ترتجفان. وهذا — عند هيلة — يعني نعم. --- ساعات. صراخ يخترق الباب. ووردة تبكي. وبشير واقف. والخادمات يدخلن ويخرجن بالماء والكتان. — كل شيء بخير! صاحت هيلة من الداخل حين طُرق الباب. ثم — بعد منتصف الليل — أنين. أنين طفل. --- داخل الغرفة — ولد. ربيعة مدّت يدها نحو المشرط المنقوع بالخلّ. هيلة أمسكت معصمها بلطف: — ليس الآن. الحبل لا يزال أحمر. انتظرتا. والطفل بين ساقي أمه والحبل يخفّ ويبيضّ. وربيعة تنظر إلى وجه الطفل — ابن أختها الثالث — وتعضّ شفتها حتى تكاد تنزف. — ابيضّ، قالت هيلة. قطعت ربيعة. والطفل أنّ. ثم تنفّس. قالت هيلة وعيناها على مكان القطع: — الحبل مات. القطع فيه لا يؤلم — كقطع ظفر ميت. --- — أغمضي عينيكِ يا موزة، قالت هيلة بصوت الأخت الحنونة. ارتاحي. أغمضت موزة. الإنهاك أسقطها. وتحرّكت هيلة. هذه المرة — هيلة وحدها. بلا ربيعة. لفّت الطفل الدامي ووضعته في سلّة المخلفات بين القماش المدمّى والمشيمة. ثم أخرجت اللعبة ولفّتها بالقماش المدمّى. ثم أخرجت الجرو الثالث. ربيعة شاهدت — ويداها مضغوطتان على فمها — لكنها لم تلمس شيئاً. كما اتُّفق. --- فتحت موزة عينيها. ولم تنظر إلى ما بين يديها أولاً. نظرت إلى الزاوية — إلى وفيّ وأمل — اللذين كانا يراقبانها طوال الليل بعيون قلقة ذهبية. ثم نظرت. جرو ثالث. لم تقل شيئاً. لم تبكِ. لم ينهر شيء — لأنه لم يبقَ شيء ينهار. عيناها ميتتان. نظرت إلى الجرو بلا تعبير — كمن ينظر إلى حائط — ثم مدّت يدها وأخذته. ووفيّ نهض من الزاوية. مشى نحوها ببطء. ووضع رأسه على الفراش بجانب الجرو الصغير. وشمّه. ونظر إلى موزة. وموزة همست — بصوت ميت: — اسمه رومي. وربيعة — التي سمعت الاسم — كادت ركبتاها أن تخذلاها. لأنها تذكّرت. رومي. الكلب الأول. كلبهنّ في الوادي — الذي أكلته الذئاب ليلة العاصفة وهو يحميهنّ. موزة لم تنسه. وسمّت جروها الثالث باسمه — لأنها تعتقد أن هذا الجرو ابنها كما كان رومي ابنها — وأن الوفاء لا يحتاج أن تكون بشراً. --- فتحت هيلة الباب. وجهها الحزين المصنوع: — الطفل وُلد ميتاً يا وردة. للمرة الثالثة. ووردة بكت بكاءً لم يعد مكتوماً — بكاء امرأة عجوز رأت ما يكفي من الحزن في حياتها. وبشير أنزل رأسه ومشى ليُبلغ الخليفة. والخليفة — حين سمع — لم يصلِّ هذه المرة. جلس على وسادته ونظر إلى الجدار طويلاً. ثم قال لبشير: — لا تخبر أحمد حتى يعود. ليكمل مهمته. الحيّ أولى بالاهتمام. --- وفي تلك الليلة — لأول مرة — حملت هيلة السلّة بنفسها. خرجت من الباب الجانبي في الظلام — سلّة المخلفات في يدها — ومشت إلى دجلة. مشت بخطوات ثابتة — لا ترتجف ولا تتردد — كمن يمشي إلى عمل يعرفه. وصلت إلى الجرف. نظرت إلى الماء الأسود. ثم فتحت السلّة وأزاحت القماش المدمّى عن وجه الطفل. ولد. عيناه مفتوحتان ينظر إليها. هادئ. لا يبكي. نظرت هيلة إليه. نظرة طويلة. وقالت — بصوتها البارد الذي لا يعرف العاطفة: — أنا لا أكرهك. ولا أكره أمك. أنا أحرّرها منك. يوماً ستفهم. ثم وضعت السلّة في الماء. طفت — كقفّة صياد — لأنها مطلية بالقير. والتيار أخذها. ولم تقف هيلة تراقب. استدارت ومشت. ولم تلتفت. لأن هيلة لا تلتفت. --- *ثلاثة صناديق في النهر.* *ثلاثة كلاب في القصر — وفيّ وأمل ورومي.* *وأمّ لا تعرف أن أبناءها أحياء — تحلم بهم يلعبون على ضفة بعيدة ولا تصل إليهم.* *وأمّ أخرى — ربيعة — تعرف. وتحتضن ابنها جواد كل ليلة وتبكي على أبناء أختها الذين رمتهم يداها.* *وأخت ثالثة — هيلة — تنام بسلام. لأنها مقتنعة أنها فعلت الصواب. وأن التحرير يحتاج أحياناً يدين باردتين.* *وعلى ضفة دجلة — جنوب بغداد — عجوز اسمه سلمان يربّي طفلين وينتظر الثالث.* *لأن النهر لم يتوقف عن العطاء بعد.* ‎ ============================================================ # الفصل_الخامس_عشر ============================================================ ## الفصل الخامس عشر: الشيخ والنهر ### الصندوق الثالث في تلك الليلة — ليلة كانون الباردة التي خرجت فيها هيلة من الباب الجانبي للقصر وفي يدها سلّة، ومشت بخطوات لا ترتجف إلى دجلة — لم يكن سلمان نائماً. شيخ في الستين لا ينام كما كان في الثلاثين. ينام قليلاً ويستيقظ كثيراً، وبين النومتين وقف على عتبة بيته ينظر إلى النهر. متردد بين ان يذهب للصيد او يكمل نومه, والنهر في الليل شيء آخر — ليس ماءً وحركة وسمكاً، بل صوت. صوت خافت متصل كأنّه يتذكّر شيئاً ويرفض أن يكفّ عن تذكّره. كان سلمان يعرف صوت النهر كما يعرف المرء صوت زوجته. يعرف متى يكون متعباً ومتى يكون نشطاً، متى يمرّ به سمك كثير ومتى يمرّ قليل، متى يعكّر من مطر بعيد في الشمال ومتى يصفو كعين عذراء. وفي تلك الليلة سمع شيئاً زائداً. ليس صوت ماء — بل صوت خشب يخبط الضفة. جلس منتصباً. رحّال نائم في الغرفة الصغيرة، ابن الثالثة، وخيزرانة بجانبه بنت السنتين، ملتصقة بظهره كأنّها فرع نبت من جذعه. سلمان قام بهدوء كيلا يوقظهما. أخذ مصباحه الزيتي الصغير وخرج. كان القمر في ربعه الأخير. نور قليل. لكنّ ما على الضفة لم يكن يحتاج نوراً كثيراً. سلّة خوص مربوطة بقماش. بنفس القماش. نفس الخيوط الذهبية. نفس العقدة المزدوجة. وقف سلمان طويلاً. لم يتقدّم. لم يمدّ يده. وقف ينظر إلى السلّة كأنّه يحاول أن يفهم شيئاً أكبر منه. ثلاث مرات. ثلاث سنوات متتاليات. ثلاثة أطفال من نفس النهر بنفس القماش. — يا ربّ، قال. أنا رجل عجوز. الناس لا تلقي أطفالها في النهر إلا إذا كان عند بابها من يكرهها. ومن يكرههم ليس الطفل. ومن أرسلتَه إليّ ليس لاني رجلاً يختار — بل رجلاً وصل إليه ما يُرسَل وبحكمتك حفظتهم. فأعطني قوّة على ما أُرسلت. تقدّم. انحنى. فتح السلّة. ولد. شفتاه زرقاوان قليلاً من البرد لكنّ صدره يرتفع وينخفض. ملفوف بقماش ناعم مقلّم بذهب — نفس قماش أخيه وأخته. حمله سلمان وضمّه تحت عباءته حتى يدفأ، ومشى به إلى البيت. في الداخل كانت خيزرانة قد استيقظت. بعيون نصف مفتوحة في الظلام نظرت إلى جدّها وهو يدخل يحمل شيئاً. ولم تتكلّم. جلست في فراشها ورفعت يديها الصغيرتين كأنّها تريد أن ترى. فأنزل سلمان الطفل على الفراش بينها وبين أخيها. رحّال لم يستيقظ. لكنّ خيزرانة — بنت السنة — لمست وجه الطفل الجديد بأصابعها الصغيرة. ثم فعلت شيئاً لم يتوقّعه سلمان: مدّت ذراعها فوقه كما يفعل من يحمي شيئاً يعرفه من زمن بعيد، وأنامت رأسها بجانب رأسه. وسلمان وقف عند الباب يحمل المصباح. يداه ترتجفان قليلاً. — ثلاثة، قال بصوت لا يصل إلى أحد. ثلاثة. وماذا عساي أفعل بثلاثة وأنا شيخ والماعز واحدة والبيت غرفتان؟ ثم جلس على الأرض عند فراش الأطفال. ونظر إليهم طويلاً. وقال بصوت أهدأ: — لا أسأل. لا أفهم. لكنّ أحداً أرسلكم إليّ — ومن يرسل طفلاً ثلاث مرات يرسل معه ما يُقيمه.فسبحان الله والطفل — الذي لم يكن يعرف اسمه بعد — فتح عينيه. نظر إلى السقف الطيني الخفيض. ثم أغمضهما ونام. سمّاه سلمان في الصباح: **عليّ**. لأنّه جاء من فوق — من الضفة العلوية حيث الجرف — ولأنّ الاسم عظيم — ولأنّ الطفل رغم صغره فيه شيء واضح: عينان هادئتان لا تفزعان. --- ### ما قاله للناس في قرية المدائن — عشرين بيتاً من الطين والقصب على ضفة دجلة جنوب بغداد — سكنها صيادون فقراء ومزارعون أفقر، لا يتذكّرون وجوه بعضهم لكنّهم يتذكّرون قصص بعضهم وبطولات القرية التي حدثت فيها اروع الملاحم ولم يبقى ملك كسرى الا قصره المتروك من ايام سلمان الفارسي ع— والان فيها صارت لسلمان قصّة. قال لهم حين سألوه: "ابن أخت لي ماتت في بغداد. بعث بأولادها الثلاثة إليّ. أنا وحيد وهم يتامى — فكلنا نحن وهم سواء." لم يصدّقه أحد تماماً. لكنّ أحداً لم يسأل أيضاً. لأنّ الفقراء يعرفون متى يُسألون ومتى لا يُسألون. وسلمان كان رجلاً طيّباً لا يُعارك ولا يؤذي — فتركوه وأطفاله وشأنهم. أمّ صالح — الأرملة التي تسكن البيت المجاور — كانت الوحيدة التي سألت. دخلت عليه ذات صباح ومعها قرص خبز ساخن وقالت: — يا سلمان. أنا امرأة كبيرة. رأيت الدنيا أكثر ممّا ينبغي. الطفلة التي في حضنك ليست من دمك. لا أنفها يشبه أنفك ولا شعرها يشبه شعرك. ولا الولدان الآخران. من أين أتوا؟ نظر إليها سلمان طويلاً. ثم قال: — يا أمّ صالح. أتؤمنين بالله؟ — أؤمن. — أتؤمنين أنّه يرى ما لا نرى؟ — أؤمن. — إذاً دعيه يرى. ولا تسأليني عمّا لا أعرف. لأنّني والله لا أعرف. كلّ ما أعرفه أنّ النهر يحمل إليّ أطفالاً، وأنا لا أردّه. ولأنّ أمّ صالح رأت الدنيا أكثر ممّا ينبغي — فهمت. ولم تسأل مرّة أخرى. بل صارت تأتي كلّ صباح بقرص خبز ساخن، وتقول: — هذا لي ولك. ليس للأطفال. الأطفال لهم قوت مقسوم من السماء. ثم تضع القرص وتمشي. وبين يوم وآخر، كانت تترك عنبة أو تمرة أو لقمة مسكوف — كأنّها تنسى. وسلمان يبتسم ويأخذها للأطفال. --- ### تسع سنين مرّت تسع سنين على ضفة دجلة. تسع سنين منذ جاء عليّ — وهي مدّة تعلّم فيها الأطفال الثلاثة كلّ ما يمكن أن يعلّمه صيّاد عجوز. لم يكن فيها حدث كبير — ولا ملك يمرّ ولا جيش ينزل ولا وباء يضرب. حياة صغيرة بسيطة: الماعز سعدة ولدت خمس مرّات، وفي كلّ مرّة يكبر الجدي ويُذبح في عيد أو يُباع لشراء طحين. والسليّة رُمّمت مرّتين. والبيت زِيد عليه غرفة ثالثة من القصب والطين — بناها سلمان بيديه ورحّال في الخامسة يناوله الطين. ولم تكن تسع سنين بلا أحداث — بل بلا أحداث كبيرة. لأنّ في البيت الطيني الصغير على الضفة كانت تحدث معجزة هادئة: ثلاثة أطفال يكبرون، وكلّ واحد يخرج من جلده السابق إلى جلد جديد. --- ### رحّال رحّال — في الثانية عشرة من عمره — صار ولداً طويلاً نحيلاً ذا شعر أسود كثيف وعينين غامقتين فيهما صفاء غريب. له كتفان عريضان على طوله — كتفا من سيصير رجلاً كبيراً. ويداه كبيرتان لا تناسبان ذراعيه بعد، كأنّهما تنتظران أن يكبر الباقي. أكبر ما فيه: **السباحة**. تعلّمها قبل أن يتعلّم الكلام. في الرابعة كان يعوم في دجلة كالسمكة ولا يخاف. في السابعة كان يغطس حتى القاع ويمسك عشب النهر بين أصابعه ويصعد. في التاسعة كان يسبح عكس التيار — الشيء الذي لا يفعله إلّا الصيّادون المتمرّسون — ويخرج مبتسماً. وفي العاشرة رمى السليّة لأوّل مرّة رمية كاملة. السليّة — الشبكة المستديرة الثقيلة — ليست لعبة. وزنها يساوي وزن طفل صغير، وتحتاج حركة جسديّة كاملة: اليد اليمنى تمسك الحافّة، اليسرى تفتح القوس، الجسم كلّه يدور دورة واحدة — ثم تنفلت الشبكة في الهواء فتفتح كزهرة وتهبط على الماء دائرةً كاملة لا ثنيات فيها. أكثر الرجال البالغين لا يُتقنونها. رحّال أتقنها في العاشرة. وبركة السماء فيها وجدّه سلمان — الذي أتقنها في الخامسة عشرة — وقف يوماً على الضفة ينظر إلى حفيده يرميها، ورآه يرميها رمية دائرة لا عيب فيها، فمسح دمعة لم يجرؤ الولد أن يراها. — ماذا يا جدّي؟ سأل رحّال وهو يسحب الشبكة الممتلئة. — لا شيء. الماء في عيني. — ما نزل مطر. — الماء ليس كلّه من السماء يا ولدي. بعضه من القلب. --- رحّال يحبّ الصيد. لكنّ أكثر ما يحبّه: **السفر**. كان ينظر إلى النهر وفي عينيه ما لا يشبه بقيّة أطفال القرية. أولاد القرية ينظرون إلى دجلة ويرون ماءً ومعاشاً. رحّال ينظر ويرى طريقاً. — جدّي، قال مرّة وهو في الثامنة، من أين يأتي النهر؟ — من الشمال. — وقبل الشمال؟ — من جبال أبعد. — وقبل الجبال؟ — الله وحده يعرف. — ولماذا لا تعرف وأنت عشت ستّين سنة؟ ضحك سلمان ولم يُجِب. لأنّه لا جواب لأسئلة الأطفال الكبيرة. كان رحّال يصنع زوارق صغيرة من قشر القصب وخشب النخلبفن عميق وتصميم اتقن من بعض، ويرميها في النهر ويراقبها تمضي لمسافات بعيدة ويسجل تصرفاتها في عقله. ثم يعود يقول: — يا جدّي، اين ينتهي هذا الزورق عندما ينتهي دجلة .. ــ لا ادري يابني قال الجد وهو يسترسل بالتفكير .. ــ ياجدي اتوقع ان دجلة عنده بركة كبيرة وهو يلف بيديه ويفكر بحجمها الي تجمَّع طوال هذه السنين .. — لا بأس. الزوارق الصغيرة تصل حيث لا يصل الكبار. رد سلمان متحاشيا المزيد من الاسئلة . — أنا سأركب زورقاً أكبر يوماً ما. — إلى أين؟ — إلى حيث يبدأ النهر. أريد أن أرى أين يبدأ.واين ينتهي . سلمان كان يسمع هذا الكلام ويصمت. لأنّ اسم الولد **رحّال** — والاسم أكبر من الطفل. لكنّ الطفل كان يكبر داخل اسمه كما ينبت الشجر داخل شقّ الصخر. --- ### خيزرانة خيزرانة — في العاشرة — بنت نحيلة ذات شعر بُنّيّ طويل وعينين واسعتين بُنّيتين فيهما خضرة خفيفة تظهر في الشمس. لا تشبه أحداً في القرية — ولا أخويها. رحّال أسمر قوي، عليّ هادئ مفكّر، وخيزرانة شيء ثالث — كأنّها نبتت في المنتصف من طين مختلف. لكنّ أعجب ما فيها ليس وجهها — بل **عيناها**. خيزرانة ترى ما لا يراه غيرها. ليس رؤية ساحرة ولا كشفاً غيبيّاً — بل انتباه. انتباه غير عادي لكائن صغير بعمرها. ترى العصفور الذي انكسر جناحه قبل أن يراه سلمان. ترى القطّة التي لا تأكل منذ يومين قبل أن يلاحظ أحد. ترى أنّ الماعز سعدة متعبة اليوم بينما الجميع يرونها كعادتها. في السادسة جاءت إلى جدّها باكية: — جدّي، سعدة تبكي. — الماعز لا تبكي يا حبيبتي. — تبكي. والله تبكي. أسمعها. ذهب سلمان ليُرضيها. وحين دخل الحظيرة الصغيرة رأى أنّ سعدة وضعت جديها قبل أوانه — وأنّ الجدي يُحتضر. أنقذه سلمان في اللحظة الأخيرة. وحين عاد إلى خيزرانة قال: — كيف عرفتِ؟ — سمعتها. — من أين؟ — من البيت. — المسافة بعيدة يا خيزرانة. — ليست بعيدة على قلبها يا جدّي. نظر إليها سلمان نظرة لم ينساها. ومسح رأسها. وقال لنفسه: "هذه بنت غير البنات. هذه بنت سترى شيئاً لا يُرى." --- خيزرانة كانت أيضاً — **الرابط**. الرابط بين الثلاثة. رحّال قوي وعنيد، عليّ هادئ منعزل — ولولا خيزرانة لما اجتمعا على فراش واحد. هي التي تحمل الماء لأخيها الأكبر حين يتعب من الصيد. هي التي تُجلس أخاها الأصغر على حجرها وتضمّه حين يحزن ولا يعرف لماذا يحزن. هي التي تُصلح بين الاثنين إذا تخاصما على لعبة أو نصيب. ذات يوم — وهي في التاسعة — تخاصم رحّال وعليّ على قرص خبز. رحّال قال: "أنا أكبر منك فلي النصيب الأكبر." عليّ قال: "أنا أضعف منك فلي النصيب الأكبر." جلسا متقابلين لا يأكلان. وخيزرانة تنظر. ثم أخذت القرص ومزّقته قسمين. وأعطت كلّ واحد قسماً. وأكلا وهما ينظران لها وفهما انها اعطتهم حصتها . قالا معاً: "لماذا لم تاكلي؟" قالت: "لأنّنا لافرق بيننا." عندما اراكم تاكلون اشبع نظرا إليها ولم يتكلّما. ثم شق علي رغيفه واعطاها قسما .. ونهض رحال وقبل راسها واعطاها رغيفه وهي وضعت كل مالديها في طبق الخوص وعلي فعل مثلها وجلس رحال وفهما الدرس واشارت بسم الله. ومنذ ذلك اليوم — كلّ شيء في البيت كانوا هم فيه شركاء، حتى لو كانت القطعة صغيرة. --- ### عليّ عليّ — في التاسعة — لم يكن كأخيه ولا كأخته. كان ولداً نحيلاً أبيض البشرة ذا شعر بُنّيّ فاتح ووجه دقيق فيه شيء من ملامح الأمير أحمد وإن لم يكن أحد يعرف — حتى سلمان. عيناه هادئتان كعيني جدّه، لكنّ فيهما شيئاً آخر: **السؤال**. عليّ يسأل كلّ شيء. لا يسأل كما يسأل الأطفال — "ما اسم هذا؟" "من أين هذا؟" — بل يسأل أسئلة لا يتوقّعها سلمان من ولد في التاسعة. — جدّي، لماذا يموت الناس؟ — لأنّ الله قدّر ذلك. — ولماذا قدّر ذلك؟ — لأنّه يريد. — ولماذا يريد؟ — يا عليّ. هذه أسئلة أكبر منّي. — ومن أكبر منك يا جدّي؟ — الشيوخ والعلماء في بغداد. — ومتى سنذهب إلى بغداد؟ سكت سلمان. لأنّ سؤال عليّ هذا — لم يتوقّعه. ولم يجب عنه. --- عليّ يحبّ **القرآن**. سلمان — رغم أنّه صيّاد فقير — كان يحفظ جزأين من القرآن: جزء عمّ وجزء تبارك. تعلّمها في صغره من أبيه الذي مات وهو في العاشرة. ومنذ أن جاء الأطفال صار يقرأ عليهم في كلّ صباح ومساء. رحّال كان يسمع ويحفظ بسرعة ثم ينسى بسرعة. خيزرانة تسمع وتفهم وتتأثّر — أحياناً تبكي في آية. عليّ يسمع ويحفظ ولا ينسى، ويسأل. في الخامسة حفظ جزء عمّ كلّه. في السابعة حفظ جزء تبارك. في الثامنة قال لجدّه: — جدّي، أريد أن أحفظ القرآن كلّه. — القرآن كلّه ثلاثون جزءاً يا عليّ. وأنا أحفظ جزأين فقط. — إذاً من يعلّمني البقيّة؟ — في بغداد مدارس ومساجد. — إذاً سأذهب إلى بغداد يوماً. سلمان سمع هذا الكلام من طفل في الثامنة — ولم يعرف ماذا يقول. الأولاد الثلاثة — كلّ واحد بطريقته — كانوا يقولون له شيئاً واحداً: **هذا البيت على الضفة ليس نهاية طريقنا**. --- ### الإخوة كانوا يعرفون أنفسهم إخوة. سلمان قال لهم منذ البداية: "أمّكم ماتت في بغداد وبعثتكم إليّ." ولم يسأل أحد منهم بعد ذلك. لأنّ الأطفال لا يسألون عن أسمائهم ونسبهم — يقبلون ما يُقال حتى يكبروا. لكنّهم كانوا أحياناً ينظرون إلى بعضهم نظرة مختلفة. خيزرانة سألت مرّة — وهي في السابعة: — جدّي، لماذا شعر رحّال أسود وشعري بُنّيّ؟ — لأنّ الله لا يصنع النّاس من قالب واحد. — لكنّنا إخوة. — الإخوة يختلفون يا خيزرانة. — طيّب. ولماذا عليّ أبيض وأنا سمراء؟ — أمّكم كانت سمراء وأبوكم كان أبيض. فمنكم من أخذ من أمّه ومنكم من أخذ من أبيه. قبلت خيزرانة هذا الجواب. لكنّها لم تنسه. وفي الليل — حين نامت — مدّت يدها ولمست وجه أخيها عليّ النائم. ثم لمست وجه أخيها رحّال. ثم لمست وجهها هي في المرآة الصغيرة التي علّقها سلمان على الحائط. ولم تعرف ماذا تفكّر. لكنّ شيئاً فيها — في أعماقها — عرف. --- ### ما تعلّموه علّمهم سلمان ما يعرفه. علّمهم الصيد أوّلاً — لأنّ الصيد رزق. كيف يقرأون النهر: حيث يكون العشب كثيفاً يكون السمك قليلاً لأنّه يختبئ؛ وحيث يكون التيار بطيئاً تكون الأسماك الكبيرة لأنّها تحبّ المياه الهادئة؛ ومتى تُرمى السليّة: الفجر والمغرب — أمّا في الظهر فالأسماك نائمة في القاع. علّمهم أنواع السمك: البنّيّ الذي لحمه حلو يُكرم به الضيف، والشبّوط الذي يقفز من النهر قبل المطر، والكطّان الذي يغيب في الشتاء، والصبور الذي يأتي من البصرة في الربيع. علّمهم النسيج — أو ما يعرفه منه: كيف يُصلح الشبكة المكسورة بخيط القنّب، وكيف يربط العقدة التي لا تنحلّ، وكيف يعرف الخيط الرديء من الجيّد بلمسة واحدة. علّمهم القرآن — ما حفظه من جزأين. كلّ ليلة قبل النوم، يجلس على سجّادته الصغيرة ويقرأ، وهم يُعيدون خلفه. في ليالي الصيف يجلسون في الخارج على الحصير والنجوم فوقهم، وفي ليالي الشتاء يجلسون حول كانون الجمر الصغير. علّمهم الصلاة — خمس مرّات في اليوم. قال: "الصلاة أوّل ما يُسأل عنه العبد. إذا صحّت صحّ كلّ شيء، وإذا ذهبت ذهب كلّ شيء." وعلّمهم شيئاً آخر لم يُسمّه. علّمهم **الصمت** — الصمت الذي يرى ولا يبوح. حين يسأل جار عن نسبهم قالوا: "امنا ماتت، وجدّنا يربّينا." حين يسأل تاجر عن أمّهم قالوا: "ماتت في بغداد." حين يسأل أحد لماذا قماش قمصانهم القديم فيه خيوط ذهبيّة — قالوا: "لا نعرف." وهم فعلاً لا يعرفون. لكنّ سلمان يعرف. وهو يحمل المعرفة كما يحمل الرجل حجراً ثقيلاً في بطنه: لا يشتكي، ولا يُظهر، ولا يضعه. لأنّ وضعه يكلّفه ما لا يستطيع أن يدفعه. --- ### الأمانة الثقيلة ذات ليلة — وعليّ في السادسة والأطفال نائمون — جلس سلمان على عتبة بيته ينظر إلى النهر، والقمر شبه مكتمل. وفكّر. فكّر في الأمانة التي في حِجره. هؤلاء الأطفال — من هم؟ من أبوهم؟ من أمّهم؟ لماذا رُموا في النهر؟ ومن يرمي طفلاً ملفوفاً بقماش مقلّم بذهب؟ هذا ليس قماش صيّاد ولا فلّاح ولا حتى تاجر متوسّط. هذا قماش بيوت كبيرة. قماش قصور. وبغداد فيها قصر واحد — قصر الخليفة. سلمان ليس ساذجاً. رأى الدنيا ستّين سنة. يعرف أنّ الأطفال لا يُرمون من قصور الخلفاء إلّا إذا كان في القصر من يُخفي شيئاً — أو من يُهدّد بشيء. ويعرف أنّ البحث عن هؤلاء الأطفال — لو بحث — قد يُكلّفه وإيّاهم حياتهم. فاختار الصمت. — يا ربّ، قال في تلك الليلة. أنت تعرف ما لا أعرف. أعطِني عمراً يكفي حتى يكبر الصغير منهم. ثم إذا شئتَ فخذني — وأنا لا أعصي. ومسح لحيته التي ابيضّت كلّها منذ جاء الأطفال. لم تكن بيضاء هكذا قبلهم. لكنّ الأبوّة المتأخّرة تُبيّض ما بقي من سواد في شيخ وحيد. --- ### بغداد التي لا يعرفونها كانت بغداد — البعيدة بساعات ثلاث على الحمار — تعيش حياتها. وموزة في قصرها كانت تطعم كلابها. الكلاب الثلاثة — وفيّ وأمل ورومي — كبرت وصارت قوية جميلة مخلصة. ووفيّ خاصّة — كان إذا رأى موزة تبكي جاء ووضع رأسه على ركبتها ولم يبرح. وموزة تظنّه ابنها — وقد يكون فهم بطريقته أنّه اسمها الأخير. ورومي — الذي سمّته موزة على اسم كلب الوادي الذي أكلته الذئاب وهو يحميهنّ — كان أصغرهم وأشدّهم التصاقاً بها. لا يفارق قدميها. ينام تحت فراشها. يأكل من يدها. وموزة تنظر إليه أحياناً بنظرة طويلة غريبة — كأنّها ترى فيه شيئاً آخر — ثم تمسح رأسه وتهمس: "يا رومي، لو عرفتَ ما كان يجب أن تكون." وكانت موزة تحلم أحلاماً غريبة. تحلم بأطفال على ضفّة بعيدة يلعبون ويضحكون — ولدان وبنت. تمدّ يديها إليهم فلا يسمعون. تمشي إليهم فالماء يغرقها. وتستيقظ مبلّلة بالعرق ووفيّ ينظر إليها بعينيه القلقتين ورومي يئنّ عند قدميها. لا تفهم. تقول لنفسها: "كلّ أمّ مرت بالذي مررت به ستحلم بانها لا تستطيع فعل شيء لأبناءها وتحلم بهم. هذا طبيعي." ثم تعود إلى النوم. ولا تعرف أنّ أطفالها الذين رأتهم في الحلم — على الضفّة البعيدة — يلعبون فعلاً. على ضفّة دجلة ذاتها. جنوب بغداد بثلاث ساعات. في بيت صيّاد لا تعرف اسمه. وأحمد — الذي كبر وصار رجلاً في الأربعين — ما عاد يجلس في القصر كما كان. صار يغيب. يغيب أسابيع في جولات استطلاع شمال بغداد — يتفقّد الطرق ونقاط المراقبة بين سامرّاء وتكريت وأربيل — ويعود بتقارير ثقيلة يضعها أمام الخليفة. والخليفة المستنصر مات بعد سنوات، وجاء المستعصم ابنه — أحمد صار واحداً من كبار أمراء القصر الذين يحملون ثقل الحدود. وحين يعود أحمد — بعد أسابيع — يجلس بجانب موزة ولا يقول شيئاً. لأنّه يُحبّها حبّاً لا يعرف كيف يعبّر عنه. ولأنّها احتملت ما لا تحتمله امرأة، وبقيت قريبة منه بلا شكوى. لكنّه يغيب مرّة أخرى بعد أيّام. لأنّ بغداد تحتاجه أكثر ممّا تحتاجه امرأة تُطعم كلاباً. وموزة — لا تشكو غيابه. لأنّها اعتادت الغياب. أبوها غاب قبل أن تكبر، وأبناؤها الثلاثة "كلابا" هي واخواتها الوحيدات اللاتي يعرفن، وزوجها يغيب في الحدود. الغياب صار وطنها. --- وربيعة في المخبز — ربيعة التي كانت تضحك في كلّ شيء — ما عادت تضحك. ابنها جواد كبر، وبنتها فاطمة وُلدت بعده، ثم ولدت حسيناً — ثلاثة أطفال لها تربّيهم. وكلّما نظرت إلى جواد ابنها تذكّرت رحّالاً — ابن أختها الأوّل الذي حملت سلّته بيديها إلى دجلة. وكلّما ضمّت فاطمتها تذكّرت خيزرانة — التي وضعتها بيديها على الجرف. اثنان رمتهما بيديها. والثالث — عليّ — لم ترمه بيديها، لكنّها وقفت ساكنة تنظر وهيلة تحمله. والسكوت شريك. تعرف هذا ولا تستطيع نسيانه. ثلاثة أطفال عندها — وثلاثة ابن أختها غابوا في النهر. كلّما ضحك جواد ابنها في حجرها، تذكّرت ضحكة لم تسمعها — ضحكة رحّالاً الذي رمته قبل أن يعرف كيف يضحك. وعامر لاحظ التغيير. زوجته الثرثارة المرحة صارت صامتة. لا يعرف لماذا. سألها مرّة: — ربيعة، ما بكِ؟ — لا شيء. — أنتِ لستِ كما كنتِ. — الناس تتغيّر يا عامر. — لكنّكِ صرتِ حزينة. — ربّما الأطفال أتعبوني. وقبل عامر هذا الجواب. لأنّ الرجال يقبلون ما يُقال لهم ما داموا لا يريدون أن يعرفوا. --- وهيلة في بيت الجزّار — هيلة التي لم تبكِ يوماً — كانت تنام بسلام. بنتها ثريّا وابنها الصغير ينموان بصحّة. صابر زوجها يُحبّها. لا شيء في حياتها يؤلمها. لأنّها مقتنعة أنّها فعلت الصواب — وأنّ موزة نالت ما تستحقّ. لكنّ هيلة — في أعماقها — كانت تخاف من شيئين. تخاف من خيزرانة. رأتها يوم وُلدت. ووجه تلك الطفلة بقي في رأسها — لأنّها تشبه أمّها ثريّا الميتة. وتخاف من عليّ أكثر. لأنّها رأته. رأته عن قرب — ليس لحظة ولادة بل على ضفّة دجلة في الظلام، حين فتحت السلّة وأزاحت القماش. فتح عينيه ونظر إليها. هادئاً. لا يبكي. كأنّه يعرف. عينان صغيرتان في وجه رضيع في كانون — ومع ذلك في العينين شيء. شيء قالته هيلة لنفسها ليلتها لتسكته: "هو رضيع. لا يرى ولا يفهم." لكنّها رأته. وما رأته لا تنساه. في الليالي — أحياناً — تحلم هيلة بعينين صغيرتين ساكنتين تنظران إليها من الماء. وتستيقظ. وتشرب ماء. وتعود إلى النوم. ولا تقول لأحد. لأنّ هيلة لا تلتفت. وإذا التفتت — لا تعترف بأنّها التفتت. --- ### السنة السابعة في السنة السابعة مرض سلمان مرضة خفيفة — حمّى صيف ثم زُكام شتاء — لكنّها نبّهته. قال لنفسه: "أنا ستّون. وأيّ مرض بعد الستّين هو رسالة." فبدأ يُعلّم الأطفال ما لم يكن يُعلّمهم من قبل. بدأ يُعلّمهم كيف يعيشون بدونه. علّم رحّالاً كيف يبيع السمك في السوق بلا غشّ. كيف يزن. كيف يساوم. كيف يعرف التاجر الصادق من الكاذب. علّم خيزرانة كيف تُدير البيت. كيف تطبخ الأكلات البسيطة: سمك مشوي، خبز تنّور، ثريد. كيف تحفظ الطعام في الصيف. كيف تُصلح القميص الممزّق بخيط وإبرة. علّم عليّاً كيف يكتب. كان سلمان نفسه يقرأ بصعوبة ويكتب بصعوبة أكبر — لكنّه علّم عليّاً ما يعرفه. الأحرف الثمانية والعشرون. كيف يُربط الحرف بالحرف. كيف تُكتب كلمة "الله" — أوّل كلمة علّمه إيّاها. الأطفال لاحظوا تغيير جدّهم — لكنّهم لم يفهموا. خيزرانة سألت مرّة: — جدّي، لماذا تعلّمني كلّ هذا؟ — لأنّ البنت لا بدّ أن تعرف. — لكنّك تعلّمني بسرعة. كأنّك مستعجل. — العجوز مستعجل دائماً يا خيزرانة. عمره قصير وما يريد أن يُعلّمه كثير. نظرت إليه وفي عينيها دمعة لم تنزل. لأنّ خيزرانة ترى ما لا يراه غيرها. ورأت في وجه جدّها ما لم تُرِده أن تراه. --- ### السنة الثامنة في السنة الثامنة ضعف قلبه. أوّل مرّة وقف سلمان على الضفة ليرمي السليّة — وسقطت من يده. لم تنفتح. نزلت مكوّرة في الماء كحجر. رحّال — الذي كان بجانبه — نظر إلى جدّه مذهولاً. لأنّ السليّة تسقط من يد المبتدئ، لا من يد سلمان أبي السليّة. — جدّي! — لا بأس يا ولدي. اسحبها واربطها بأفضل ممّا كانت. — أنت متعب؟ — متعب قليلاً. امشِ أنت واصطد اليوم. أنا أستريح. جلس على الضفة. جلس مدّة طويلة. رحّال اصطاد وحده لأوّل مرّة في حياته. وعاد بشبكة نصف ممتلئة، ووضعها أمام جدّه، وقال: — خذ. اليوم أنا الصيّاد. ابتسم سلمان. وقال: — يا ولدي، حين تصبح أنت الصيّاد، يصبح أبوك راضياً. — أنت جدّي لا أبي. — أنا الاثنان يا رحّال. أنا الاثنان. --- ### السنة التاسعة في السنة التاسعة لم يعد يخرج للصيد. صار يجلس على عتبة بيته أكثر الوقت، ويأمر الأطفال من هناك: "رحّال، خذ السليّة. خيزرانة، اسقي الماعز. عليّ، اقرأ عليّ شيئاً من القرآن." وعليّ كان يقرأ. كبر وصار يحفظ عشرة أجزاء — بعد أن ذهب مرّتين إلى البيت المجاور حيث أمّ صالح تعرف شيخاً يُعلّم الأطفال في الجامع القريب. قرأ عليه يوماً: *"كلّ نفس ذائقة الموت، وإنّما تُوَفَّون أجوركم يوم القيامة..."* توقّف عليّ في منتصف الآية. لأنّه رأى عيني جدّه مغمضتين ودمعتين تنزلان على خدّيه. — جدّي؟ — أكمِل يا ولدي. كلّ نفس ذائقة الموت — هذا صحيح. فأكمل. وأكمل عليّ. وخيزرانة في الزاوية تخيط قميصاً — توقّفت يدها. ورحّال في الخارج يُصلح الشبكة — توقّفت يداه أيضاً. لأنّ البيت صار يعرف شيئاً لا يقوله أحد. --- ### المرض الكبير في أوّل الربيع — في السنة العاشرة من مجيء عليّ — ثقل على سلمان مرض لم يكن كغيره. رقد على فراشه ولم يستطع النهوض. الحمّى تأتي وتذهب كالمدّ والجزر. ويداه تبرد ثم تسخن ثم تبرد. وعيناه تتعبان من النور. أمّ صالح جاءت ورأته. قالت في سرّها: "هذا رجل لن يرى رمضان." ثم قالت بصوتها: "سلمان، هل أنادي لك طبيباً من بغداد؟" ضحك سلمان ضحكة خافتة — الأولى منذ أسبوع. — طبيب من بغداد يا أمّ صالح؟ وبأيّ ثمن؟ بسليّة قديمة وماعز عرجاء؟ — أبيع لك عقدي الذهبيّ. — عقد ليس لكِ غيره؟ لا يا أمّ صالح. الله يطبّب من يشاء. وأنا سلّمت أمري له. ثم نظر إليها نظرة طويلة — نظرة تعرف أمّ صالح ما فيها. نظرة الرجل الذي له طلب لا يستطيع الكلام به. — يا سلمان، قالت. ماذا تريد؟ — أمانة. — قلها. — حين أموت — وأنا ميّت قريباً فلا تقولي لي لستُ ميّتاً — أريدكِ أن ترعي الأطفال حتى يعرفوا ماذا يفعلون. لن يبقوا هنا طويلاً. سيذهبون إلى بغداد. لكن حتى يرحلوا — كوني أنت لهم ما كنتُه. — أنا امرأة عجوز يا سلمان. — والله أكبر منكِ ومنّي. وهو يقوم بكلّ شيء. بكت أمّ صالح. وأقسمت. --- ### الوصيّة مرّت أسبوعان. سلمان يضعف يوماً بعد يوم. والأطفال يعرفون. خيزرانة لا تنام إلّا قليلاً — تبقى بجانبه تبلّل جبينه بقماشة مبلّلة. ورحّال يصطاد في الصباح ويجلس بجانب جدّه في المساء ولا يقول شيئاً. وعليّ يقرأ القرآن. في إحدى ليالي شعبان — ليلة كان فيها القمر شبه كامل والنسيم دافئاً من الجنوب — نادى سلمان الأطفال الثلاثة. — اجلسوا. جلسوا حول فراشه. رحّال عن يمينه، خيزرانة عند قدميه، عليّ عن يساره. والمصباح الزيتي في الزاوية يرتجف ضوؤه. قال سلمان بصوت خافت: — يا أولادي. أريد أن أتكلّم. أصغوا لأنّي سأقولها مرّة واحدة. نظر إلى كلّ واحد منهم. ثم قال: — أنتم لستم من صلبي. سكت ثلاثتهم. خيزرانة لم تفاجأ. رحّال فاجأه الأمر قليلاً لكنّه لم يتحرّك. عليّ نظر إلى جدّه نظرة طويلة هادئة. — أنا صيّاد. امرأتي ماتت قبل أن ترزقني ولداً. وعشت وحيداً سنوات. ثم في ليلة كانون قبل ثلاث عشرة سنة — وجدت سلة تطفو في احد ليالي الشتاء طفل. ذلك الطفل — يا رحّال — أنت. لمس سلمان يد رحّال. رحّال لم يحرّك يده. — وبعدها سنتين — وجدتُ طفلة في سلّة على الجرف. ذلك الطفلة — يا خيزرانة — أنت. خيزرانة نظرت إلى جدّها وفي عينيها ما لم يكن واضحاً — ليس صدمة، بل شيء أشبه بالقبول. كأنّ شيئاً فيها كان يعرف منذ زمن. — وبعدها بسنة — وجدتُ طفلاً ثالثاً في سلّة مشابهة. ذلك الطفل — يا عليّ — أنت. عليّ أغمض عينيه لحظة. ثم فتحهما. ثم قال بصوت هادئ: — ومن أمّنا يا جدّي؟ — لا أعرف. — ومن أبونا؟ — لا أعرف. — من رمانا؟ — لا أعرف. — كيف لا تعرف يا جدّي؟ وهنا نظر سلمان إلى عليّ نظرة طويلة. ثم قال: — يا عليّ. أنا لا أعرف تفصيلاً. لكنّني أعرف إشارات. الإشارات تقول لي شيئاً — والشيء الذي تقوله أكبر من أن يحمله صيّاد. لهذا صمتُّ طوال السنين. لأنّني لم أرد أن أوصل إليكم خطراً لا أستطيع حمايتكم منه. — ما الإشارات يا جدّي؟ سألت خيزرانة. قام سلمان بجهد — وأشار إلى صندوق خشبيّ صغير تحت فراشه. — افتحوا الصندوق. فتحه رحّال. في الصندوق: ثلاث قطع قماش. كلّ قطعة مقلّمة بذهب. كلّ قطعة تحمل في زاويتها الرمز نفسه — رمز دقيق مطرّز بخيط دقيق لا يُرى إلّا إذا قُرّبت القطعة من العين. — هذا القماش الذي لُففتم به. كلّ واحد منكم. وهذا الرمز — لا أعرف ما هو. لكنّي أعرف شيئاً: هذا ليس قماش صيّاد ولا فلّاح ولا حتى تاجر متوسّط. هذا قماش بيوت كبيرة. قماش قصور. نظر الأطفال إلى القماش. خيزرانة لمست قطعتها. قالت: — أحسّها. أحسّ أنّها لي. — هي لكِ يا حبيبتي. جاءت معكِ من النهر. رفع سلمان عينيه إلى عليّ: — وأنتَ يا عليّ — أصغر الثلاثة — جاء سلّتكَ مختلفة قليلاً. كانت أعجل من سابقتيها. كأنّ من رماكِ كان في ضيق شديد. أو كأنّ من رماكِ لم يكن يرمي فعلاً — بل يتركك. سكت عليّ. ثم قال: — جدّي — ما تريد منّا أن نفعل؟ هنا سلمان نفسه أرخى أنفاسه. قال: — يا أولادي. أنا صيّاد. ربّيتكم بما عندي. لم أعطكم دماً ولا نسباً — لكنّي أعطيتكم بيتاً وطعاماً وصلاة وشيئاً من حرف. لا أطلب منكم وفاء — لأنّ ما فعلتُه لم أفعله لأجلي، فعلتُه لأجل الله. وهو يُوفي. — جدّي! — أصغوا. حين أموت — وأنا ميّت قريباً — ستكونون أحراراً. ثلاثة شباب وبنت واحدة أحراراً. البيت لكم. الماعز لكم. السليّة لكم. والقماش الذي لُففتم به لكم — إن شئتم أن تبحثوا فيه عن أصلكم، فابحثوا. وإن شئتم أن تدفنوه وتعيشوا حياتكم كما بدأتم — فافعلوا. ثم قال كلمة لم ينسها الأطفال: — لكنّ الله لا يخفي شيئاً للأبد. ما خُفي عنكم سيُكشف في وقته. فاذهبوا إذا ذهبتم مع الحنان لا مع الانتقام. لأنّ من ذهب بالانتقام لايصل، ومن ذهب بالحنان وصل ومعه أجره. --- ### قبل الفجر مرّت ساعات. الأطفال لا يبرحون. جالسون حول فراش جدّهم ولا يتكلّمون. القمر نزل وغاب. والمصباح الزيتيّ خفت ضوؤه — لم يجرؤ أحد على النهوض ليضع فيه زيتاً. قبل الفجر بساعة — فتح سلمان عينيه مرّة أخرى. — خيزرانة. — نعم جدّي. — ادنُ منّي. دنت منه. مسح بيده على رأسها. يد نحيفة بيضاء فيها بقع الشيخوخة. — أنتِ — يا خيزرانة — الأعجب فيكم. ترين ما لا يُرى. ولا تدعي ما ترين يصيرُ عذاباً لكِ. اجعلي ما ترين رحمة — ترحمين بها أخويكِ والخلق. هذه هي الأمانة الأصعب. القوّة سهلة — كلّ قويّ يفعل ما يريد. لكن الحنان — الحنان يحتاج قوّة أكبر. افهمي؟ — أفهم. — والسيف لا يفتح كلّ قفل. أحياناً الباب لا يُفتح إلّا بالدمعة. إذا جاء اليوم الذي يقف فيه أخواكِ عاجزين — قدّمي أنتِ. حتى لو خافا عليكِ. لأنّ ما لا يفعله الرجل بقوّته تفعله المرأة بقلبها. — نعم جدّي. نظر إلى رحّال. — رحّال. — نعم جدّي. — أنت الأكبر. والأكبر هو السقف. إذا سقط السقف سقط البيت. لا تسقط. — لن أسقط. — وإذا أردتَ أن تسافر — سافِر. لكن عُد. المسافر الحقّ لا ينسى الضفّة التي رماه عليها النهر. — سأعود. نظر إلى عليّ. — عليّ. — نعم جدّي. — أنت الأصغر. والأصغر غالباً هو الأعقل — لأنّه يرى أخويه يخطئان فلا يُعيد أخطاءهما. حافظ على القرآن يا عليّ. القرآن في القلب لا يسرقه أحد، والدنيا كلّها سارقة. — نعم جدّي. — وأنتم ثلاثتكم — تذكّروا هذا: قد لا تكونون إخوة بالدم. لكنّكم إخوة بشيء أعظم من الدم — إخوة بالضفّة. ضفّة دجلة جمعتكم، وصيّاد وحيد ربّاكم، وقماش واحد لفّ كلّ واحد منكم. لا يوجد دم أقوى من هذا. ثم قال — وصوته يخفت: — ادفنوني قرب الماعز. هي كانت أمّ لكم يوم كنتُ لكم أباً. وضحك ضحكة خفيفة — آخر ضحكة ضحكها في الدنيا. ثم شهد الشهادتين. ثم أغمض عينيه ولم يفتحهما. --- كان الفجر قد طلع. وخيزرانة — بنت العاشرة — فهمت أوّلاً. لأنّها ترى ما لا يُرى. وضعت يدها على جبين جدّها. ثم رفعتها. ثم نظرت إلى أخويها وعيناها تمتلئان ولا تُفرغان. — راح. رحّال لم يصدّق. لمس يد جدّه. كانت باردة. ثم لمس وجهه. لم يستيقظ. ثم قال بصوت أشبه بصوت الولد في الخامسة: — جدّي؟ جدّي قُم. ولم يقم. وعليّ — هادئاً كعادته — بدأ يقرأ. فتح بجانب الفراش وبدأ: *"قل هو الله أحد. الله الصمد..."* حتى ختم. ثم بدأ الفاتحة. ثم بدأ البقرة. وبقي يقرأ. وخيزرانة صمتت. وخرجت إلى الضفّة. ووقفت عند الماء. ولم تبكِ. لأنّ بعض الأحزان أكبر من البكاء. نظرت إلى دجلة — النهر الذي جاءت منه. النهر الذي أخذ جدّها. النهر الذي ما زال يمضي. وقالت بصوت لا يسمعه إلّا الماء: — خذه يا دجلة. كما أخذتني وأخذت أخويّ. لكن لا تنسى. نحن لن ننساه. والنهر — النهر الذي لا يردّ ولا يُفسّر — جرى ومضى. --- ### الدفن دفنه أهل القرية ظهر ذلك اليوم. غسَّله شيخ الجامع وصلّى عليه. وحمله الرجال — رحّال في أحدهم. وحُفر له قبر قرب حظيرة الماعز — كما أوصى. سعدة الماعز — التي صارت عجوزاً هي الأخرى — كانت تنظر من خلف السياج. ولم تتحرّك. كأنّها تعرف. حين انصرف الناس بعد الدفن، بقي الثلاثة وحدهم عند القبر وام صالح معهم.تركتهم ساحظر لكم شيئا اشارت نحو بيتها وذهبت مسرعة قال رحّال: — والآن؟ قالت خيزرانة: — الآن نفكّر. قال عليّ: — نُكمل ما بدأه. نصلّي. نقرأ. نعيش. — وبعد ذلك؟ سكتت خيزرانة. ثم قالت: — وبعد ذلك نذهب. قال رحّال: — إلى بغداد؟ — نعم. — ولماذا بغداد؟ أخرجت خيزرانة من جيبها قطعة القماش التي أعطاها جدّها. نشرتها في الشمس. الخيوط الذهبيّة لمعت. — لأنّ هذا القماش ليس من قريتنا. ولا من القرى المجاورة. هذا قماش مدينة. ومدينة تُنتج مثل هذا القماش واحدة في العراق — بغداد. نظر إليها أخواها. قال رحّال: — وماذا سنفعل هناك؟ — نسأل. نسأل حتى نعرف. — ونسأل من؟ — كلّ من لا يسأل. عادت بصندوق .. نظر اليها ثلاثتهم ,ام صالح هذه الامانة تركها لكم جدكم فيها كل ما استطاع ان يدخره لكم ارجوكم ارفعوا هذا الكاهل عني فقد تعبت , الكل يبكي لحظات وداع كبيرة تحتاج فهم عميق لماذا الدمعة اكبر من حجمها --- ### الرحيل مكثوا في البيت أربعين يوماً — كما أوصى الشيخ أبو نعيم كبير القرية: "أربعون يوماً يكفي الحزن. بعدها الحياة تمر." في الأربعين جمعوا ما يستطيعون حمله: السليّة، قليلاً من الطحين، ماعزاً صغيراً ورثوه من سعدة قبل أن تموت هي الأخرى بعد أسبوع من وفاة سلمان — كأنّها تلحق به. وقماشاً مطرّزاً — ثلاث قطع — ملفوفاً في رزمة واحدة. باعوا البيت والارض وكل مافيها لأمّ صالح بسعر زهيد — ليس لأنّها ساومتهم، بل لأنّها قالت: "هذا بيت سلمان. ومن أخذه بلا ثمن سلبه من الموتى." قالت لهم: — وإلى أين؟ — إلى بغداد. — وأين تسكنون في بغداد؟ — لا ندري. — اسكنوا عند السور. الأسوار تسع من لا يسعه بيت. قرب الباب الشرقيّ — هناك بيوت متهالكة يسكنها الفقراء بلا إيجار. ولا أحد يسألكم. ومن هناك ترون المدينة كلّها. — كيف تعرفين يا أمّ صالح؟ — عشتُ في بغداد قبل أن أتزوّج. كلّ امرأة فقيرة تعرف أبواب بغداد كما تعرف أصابعها. قرب الباب الشرقيّ — بين السور والنهر — بيوت طين يسكنها من لا بيت له. هناك مأواكم حتى يهديكم الله. أعطتهم خبزاً وتمراً وماءً وعباءةً لخيزرانة. ثم بكت. ثم ودّعتهم. ومشى الثلاثة. رحّال في المقدّمة — طويل نحيل يحمل السليّة. خيزرانة في المنتصف — تقود الماعز الصغيرة بحبل قصير. عليّ في المؤخّرة — يحمل الرزمة فيها القماش المقلّم والقرآن. ومضوا — شمالاً على ضفّة دجلة — نحو المدينة التي لا يعرفونها. --- ### قرب السور وصلوا بعد خمس ساعات. وصلوا في عصر يوم ربيعيّ دافئ. ورأوا سور بغداد — أوّل مرّة في حياتهم. سور مرتفع عظيم من الآجرّ. عليه الحرس. وعلى رأس السور رايات عبّاسيّة سوداء. وقفوا — الثلاثة — ينظرون. قال رحّال بصوت خافت: — يا الله. قالت خيزرانة: — هذه بغداد. قال عليّ: — هذه المدينة التي جئنا منها. لم يدخلوا المدينة من الباب. كما قالت أمّ صالح — ذهبوا إلى ما بين السور والنهر. هناك وجدوا ما قالته: بيوت طينية متهالكة يسكنها الفقراء. حصير قديم. نار في وعاء حديديّ. أطفال عراة في التراب. امرأة عجوز رأتهم. نظرت إلى الثلاثة. إلى ثياب رحّال المتّسخة، وشعر خيزرانة الطويل، وهدوء عليّ. — أنتم من؟ — أولاد من الجنوب. جدّنا مات. لا أحد لنا. — تبحثون عن شغل؟ — نبحث عن مأوى. أشارت إلى كوخ مهجور بين كوخين آخرين — نصف سقفه ساقط. — هذا كان لرجل مات الشهر الماضي. لا أحد له. اسكنوه إن شئتم. الأجرة ليست لكم — هي للسور. والسور لا يأكل. نظر الثلاثة إلى الكوخ. ثم إلى بعضهم. ثم دخلوه. في الداخل: أرض طينيّة. ثلاثة جدران. وسقف نصف ساقط. وفي الزاوية: جرّة مكسورة. قال رحّال: — ليس سيّئاً. أسوأ من بيت جدّنا — لكن ليس سيّئاً. قالت خيزرانة: — سنُصلح السقف غداً. قال عليّ — وهو ينظر إلى السور العظيم الذي يطلّ عليهم: — جدّي قال: "المدينة كبيرة والسؤال كثير." من أين نبدأ؟ ردّت خيزرانة — وفي عينيها ذلك الصفاء الذي لا يعرف متى يأتي ومتى يذهب: — من هنا. من السور. سنسأل كلّ من يمرّ بنا. سنقول: هذا قماشنا — أتعرفه؟ وسنرى من يعرفه. قال رحّال: — قد يطول السؤال. — قد يطول. لكنّه لن يدوم إلى الأبد. لأنّ لا شيء يدوم إلى الأبد — حتى الصمت. --- *في كوخ قرب السور — ثلاثة أطفال يعيدون بناء سقف لم يبنوه.* *في قصر قريب — امرأة تُطعم كلابها وتظنّها أولادها.* *في مخبز قريب — امرأة تنظر إلى النهر في الليل ولا تنام.* *في بيت جزّار — امرأة تنام بسلام لا تستحقّه.* *وثلاث قطع قماش مقلّمة بذهب — في رزمة بين ثلاثة أطفال — تنتظر أن يعرفها من نسجها.* *والسؤال يبدأ غداً.* ============================================================ # الفصل_السادس_عشر ============================================================ ## الفصل السادس عشر ـــ العرافتان ### ثلاث سنين عند السور مرّت ثلاث سنين عند السور. ثلاث سنين من غبار بغداد الذي لا ينقطع، ومن صياح الباعة قبل الفجر، ومن مرور القوافل في الطريق الذي يُحاذي السور. ثلاث سنين تعلّم فيها الأولاد الثلاثة كيف تعيش المدينة: كيف يأكل الفقير وكيف ينام الغنيّ، أين يكون الخبز رخيصاً وأين يكون غالياً، متى يمرّ الأمير فيُفرَّغ الطريق، ومتى يُغلق باب السور فلا يدخل أحد حتى الفجر. وكبروا. --- رحّال صار شابّاً في السابعة عشرة. طويلاً عريضاً ذا لحية خفيفة بدأت تنبت على ذقنه. يخرج في الفجر إلى دجلة، يصطاد بالسليّة كما علّمه جدّه، ويعود بعد ساعات بسمكة كبيرة أو سمكتين متوسّطتين، فيحملهما إلى سوق السمك عند الباب الشرقيّ ويبيعهما. صار الباعة يعرفونه: "ولد الكوخ"، "صبيّ السور"، "ابن الصيّاد الذي مات"، "الولد الذي يسأل عن أهله." له أسماء كثيرة، وحقيقته عندهم واحدة: شابّ فقير يحمل سمكاً ويسأل أسئلة غريبة. لأنّه — رغم الفقر ورغم العمل الشاقّ — لم ينسَ لماذا جاء إلى بغداد. كلّما باع سمكة، أخرج قطعة القماش المقلّم بذهب من تحت قميصه، ومدّها للتاجر وقال: — يا سيّدي، أتعرف هذا القماش؟ من نسجه؟ أوّل مرّة سأل — ضحك التاجر. "ابن الصيّاد يسأل عن قماش القصور؟"عشرون مرّة سأل — بدأ التجّار يُشيحون بوجوههم.مئة مرّة سأل — صار بعضهم يسأله: "لماذا تسأل يا ولد؟"وكان رحّال يُجيب دائماً نفس الجواب: "لأنّي أبحث عن أمّي."-خيزرانة في الخامسة عشرة صارت امرأة — على قدّها الصغير النحيل. شعرها البُنّيّ الطويل الذي ورثته من أمّ لا تعرفها، وعيناها الواسعتان فيهما خضرة خفيفة — كانا يلفتان الأنظار في السوق حين تخرج لتشتري طحيناً. النساء الكبار يتفرّسن فيها ويقلن: "هذه البنت ليست من قماش السور. هذه من قماش آخر." والشبّان يلتفتون لكنّهم لا يجرؤون — لأنّ أخاها رحّال طويل وعريض ولا يُهزل معه. خيزرانة تدير الكوخ.الذي بنوه واثثوه من الاموال التي فاضت من مدخرات جدهم وثمن االارض .. تطبخ وتنسج وتُصلح ثياب أخويها. وفي المساء — حين يعود رحّال من الصيد وعليّ من المسجد — تجلس بينهما على الحصير وتفصل بينهما الخصام كما كانت تفصل قرص الخبز منذ كانوا أطفالاً. ولها عين ترى أكثر. ترى متى يكون أخوها رحّال قلقاً قبل أن يعترف. ترى متى يكون عليّ خائفاً ولا يعرف من ماذا. ترى متى تُطلّ على كوخهم امرأة في السوق وتنظر إليهم نظرة غير عاديّة ثم تمضي. ترى كلّ شيء — لكنّها تحتفظ بأغلب ما ترى لنفسها. لأنّ جدّها قال لها قبل أن يموت: "اجعلي ما ترين رحمة — لا عذاباً." --- عليّ في الرابعة عشرة. كبر ولم يكبر — جسمه ضعيف نحيل ووجهه طفولي ما زال، لكنّ عقله كبر أكثر من جسمه. لأنّه منذ أن جاء إلى بغداد — قبل ثلاث سنين — وجد في حيّ السور مسجداً صغيراً فيه شيخ عجوز اسمه **أبو إسحاق** يُعلّم الأطفال القرآن. ذهب إليه عليّ في أوّل أسبوع ولم يغب عنه يوماً. أبو إسحاق — حين سمع الصبي يقرأ في المرّة الأولى — بكى. — من علّمك يا ولدي؟ — جدّي. — أين جدّك؟ — مات. — ومن أبوك؟ — لا أعرف. سكت الشيخ طويلاً. ثم قال: — اجلس. من اليوم أنا أبوك في الله. وحفظ عليّ — في ثلاث سنين — خمسة عشر جزءاً زيادة على ما حفظه عند جدّه. فصار يحفظ خمسة وعشرين جزءاً. وكان إذا قرأ في صلاة المغرب — يبقى بعض المصلّين بعد الصلاة ليسمعوا صوته: صوت دقيق صافٍ فيه شيء لا يُشرح. وصار أهل الحيّ يُشيرون إليه: "هذا عليّ، ولد الكوخ، حافظ القرآن الذي لا أحد يعرف من أبوه." --- ### صيت الأسئلة ثلاث سنين — والأسئلة لم تكفّ. رحّال يسأل في سوق السمك. خيزرانة تسأل النساء في سوق الطحين. عليّ يسأل الشيوخ في المسجد. كلّهم يسألون نفس السؤال بطرق مختلفة: **من نحن؟ من أين جئنا؟ من نسج هذا القماش المقلّم بذهب؟** والأسئلة — كما تعرف كلّ مدينة — لا تبقى في مكانها. تمشي. تنتقل من لسان إلى لسان، من سوق إلى سوق، من بيت إلى بيت. حتى تصل إلى آذان لا تتوقّعها.وسط اجواء الاستعدادات للحرب وخوف الاهالي من جبروت المغول واحتلالهم اغلب البلدان المحيطة ذات مساء — في سوق الجزّارين — سمعت امرأة عجوز جارية شابّة تقول لأخرى: — سمعتِ عن أولاد الكوخ عند السور؟ — أيّ كوخ؟ — عند الباب الشرقيّ. ثلاثة أولاد — اثنان وبنت — جدّهم صيّاد مات قبل ثلاث سنين. يسألون عن قماش مطرّز بالذهب يقولون إنّه قماش أمّهم. ويقولون إنّهم أُلقوا في دجلة صغاراً. العجوز التي تبيع الملح قرب الدكّان رفعت رأسها. لم تقل شيئاً. لكنّها حملت ملحها وخرجت من السوق. ومشت. ومشت حتى وصلت بيت الجزّار **صابر** — زوج هيلة. وهي تصيح الملح .. اشتروا الملح النظيف المصفى. --- ### هيلة تسمع فتحت هيلة الباب بنفسها. في الثانية والثلاثين من عمرها — ولا يزال وجهها هادئاً بارداً كما كان في الخامسة عشرة — لكنّ شيئاً في عينيها صار أكثر حدّة. كأنّها عيون من كثرت أسرارها فلا يعود شيء يُفاجئها. رأت العجوز. صاحتها — تعالي يا اماه اقتربي. بكم تبيعين الصاع من الملح ؟ قالت ام نجم وهي امراة في اربعينيات العمر انا ابيع زوجك الثلاث مكيال بدرهم وهو يكرمني واستغرب انك اليوم تشترين مني بنفسك ؟! — أمّ نجم؟ ساكون صريحة معك لم اعتقد ان الملح الذي كان يجلبه زوجي منك لان فيه روائح الان عرفت مصدرها بعد ان احطت بكل شيء علما .. هزت ام نجم راسها وكانها فهمت لكنا لم تفهم اي شيء وقالت — ابنتي هيلة. أدخليني. لاني متعبة دخلت العجوز. جلست. طلبت قليلاً من الماء. شربته.وسالتها هيلة وهل زوجي ايضا من اخبرك باسمي ؟! ــ لم يقله لانه لايتكلم كثيرا انا عرفته بطريقتي فانا احب جمع الاخبار . ــ عظيم ردت هيلة وما الاخبار .. تكلمن عن اخر المستجدات وهي تكيل لها واتفقن نها تزورها كل اسبوع وعندما وصلت لان تذهب قالت ــ اه وخبر اخر ... — سمعت شيئاً اليوم. لستُ أعرف إذا كان يعنيكِ. لكنّ قلبي قال لي: ارويه لها — قولي. — ثلاثة أولاد في كوخ عند السور. يسألون عن قماش مطرّز بالذهب. يقولون إنّهم أُلقوا في دجلة ثلاثتهم صغاراً. صمتت هيلة. لم يتغيّر وجهها. لكنّ يدها التي كانت تمسك جرة الماء — التي اخذتها لتعيدها الى مكانها ــ توقّفت لحظة عن الحركة. واحدة. ثم عادت. — متى؟ — منذ ثلاث سنوات على الأقلّ. الناس لا يعرفون من أين جاؤوا. — وأعمارهم؟ — الأكبر حوالي السابعة عشرة. والأوسط بنت في الخامسة عشرة. والأصغر صبيّ في الرابعة عشرة. هزّت هيلة رأسها هزّة واحدة بطيئة. كأنّها تحسب شيئاً في داخلها. 1238، 1240، 1241. ثلاث صناديق. ثلاث سنوات. الأعمار مضبوطة. المكان — عند السور حيث يأتي النهر من الشمال. هم. — يا أمّ نجم، قالت بصوتها الهادئ. هذا خبر ثمين. كم يساوي عندكِ؟ — لا يساوي مالاً يا ابنتي. وماذا تعرفين أكثر؟ قالت هيلة — لا شيء. لكنّي أعرف امرأة تعيش قرب كوخهم. جارتهم. يمكنني أن أرسلها لتنظر. — افعلي. ولكن بلا كلام. أريدها أن ترى وتعود وتقول لي. بلا أن تسأل أحداً. بلا أن يعرف أحد من أرسلها. — فهمت. وهي تشك وتطلب بلا كلام اتعابا أعطتها هيلة قطعة فضّة. قبلتها العجوز وخرجت. وهيلة — بعد أن أغلقت الباب — جلست على الأرض. لا على الوسادة. على الأرض الحجريّة الباردة. ووضعت يدها على جبينها. ولم تبكِ — لأنّها لا تبكي — لكنّها لم تتحرّك طويلاً. أوّل مرّة في حياتها — تخاف. --- ### الجارية الكاشفة بعد يومين — عادت أمّ نجم. ومعها امرأة في الخمسين اسمها **نجاة** — من جيران الأولاد. نجاة دخلت وأحنت رأسها أمام هيلة كما يُحنى أمام زوجات الأمراء. هيلة لم تكن زوجة أمير — لكنّها كانت أخت زوجة أمير، وهذا يكفي عند من هم في قاع المدينة. — يا سيّدتي. رأيتهم. قرّبتُ منهم. طلبتُ منهم سمكة من الأكبر — رحّال — فأعطاني ولم يأخذ ثمناً. ثم دخلتُ بيتهم بحجّة أنّي جارة. رأيتهم ثلاثتهم. — صفيهم. — الأكبر — طويل نحيل عريض الكتف. شعر أسود. لحية خفيفة. بشرة سمراء. عيناه غامقتان. وجهه... وجهه يا سيّدتي لم أعرف من يشبه في البداية. لكنّي التفتُّ حين كان يبتسم — وهو نادراً ما يبتسم .. سكتت هيلة. — أكملي. — البنت الوسطى — خيزرانة — نحيلة. شعر بُنّيّ طويل. عيناها واسعتان بُنّيتان فيهما خضرة. لا تشبه أخويها. تشبه... يا سيّدتي، لا أعرف كيف أقول. لم تتحرّك هيلة. لكنّ الدم نزل من وجهها. صار أبيض كورقة. — والأصغر؟ قاطعتها — عليّ. نحيل أبيض البشرة. شعره بُنّيّ فاتح. وجه دقيق جداً. عيناه هادئتان. وفيه شيء — والله يا سيّدتي — يُذكّرني بالأمير أحمد حين كان شابّاً. أطرقت هيلة. رفعت رأسها ببطء.وضحكت ضحكة باهتة عينيك الاجمل اذ تصفين طفلا فقيرا وتشبهيه بامير هذا سخيف , زبلعت ريقها وسلتها هيلة — هل سألوكِ شيئاً؟ — أرتني البنت قطعة قماش. مقلّم بالذهب. قالت لي: "أتعرفين هذا يا خالة؟" قلتُ: "لا." قالت: "إذا رأيتِه يوماً — قولي لنا." قلتُ: "إن شاء الله." — القماش. صِفيه بدقّة. — حرير. أبيض من الأصل لكن اصفرّ قليلاً مع الزمن. خطوط ذهبيّة طويلة. وفي الزاوية... في الزاوية رمز دقيق مطرّز بخيط أرفع. لم أتمكّن من تمييزه. هيلة تعرف الرمز. رأته مرّات قبل أن ترميه. ثلاث مرّات. رمز قماش قصر أحمد — عرفته حين أعطت موزة من قماش غرفتها لصنع قماط للأوّل. نفس القماش. نفس الرمز. — يا نجاة. خذي هذه. ولا تقولي لأحد أنّكِ جئتِ هنا. أبداً. لا لزوجكِ ولا لابنتكِ ولا لجارة. أفهمت؟ واعطتها دينارين — فهمت. — وأمّ نجم. أنتِ أيضاً. — أنا عجوز لا أتكلّم إلّا مع القبر. خرجتا. هيلة أغلقت الباب. ثم فعلت شيئاً لم تفعله منذ أربع عشرة سنة. جلست على الأرض. ووضعت جبهتها على الحجر. ولم تبكِ — لا تزال لا تبكي — لكنّها بقيت هناك ساعة. تفكّر. --- ### الأخت الثانية في اليوم التالي — ذهبت هيلة إلى المخبز. دخلت بلا استئذان كعادتها. وجدت ربيعة تعجن عجيناً في المطبخ الخلفي. يداها في الطحين حتى مرفقَيها. ابنها جواد — بعمر الرابعة عشرة الآن — يساعدها. وبنتها فاطمة — باثنتي عشرة — تُرتّب الأرغفة على اللوح. وحسين الصغير بالسابعة يركض. — ربيعة. أريدكِ. رفعت ربيعة عينيها. ورأت شيئاً في عينَي أختها لم ترَه منذ زمن. شيء — لم تفهمه لكنّها فهمت أنّه مهمّ. — عامر أين؟ — في التنور. — أخرجي. سنمشي. أرسلت ربيعة ابنها الأكبر ليبقى مع أخويه الصغيرين — "لا تخرجوا من المخبز" — ثم غسلت يديها وخرجت خلف أختها. مشتا شارعاً. شارعَين. في الشارع الثالث — حيث لا أحد يسمع — وقفت هيلة والتفتت: — هم أحياء. — من؟ — أبناء موزة. الثلاثة. قبلت ربيعة أن لا تفهم أوّل لحظة. لأنّ الفهم سيسحقها. لكنّ الفهم جاء — كالماء الذي لا يُوقَف. وجهها سقط. ركبتاها ارتعشتا. أسندت ظهرها على جدار طيني.وهي فرحة تتنطط وصفقت بشغف وعادت واقتربت من هيله ويداها متوسلة ووجهها قريب من وجه هيلة — ...أحياء؟ والفرحة انعشت بؤسها لاول مرة — أحياء. كبروا. يعيشون في كوخ عند السور. وهم يسألون عنّا. عن قماشهم. عن أهلهم. — يا الله. يا الله بحق رسولك الكريم هتفت ربيعة — اسكتي. هيلة وهي تتلفت ستفضحينا — هيلة، إذاً... إذاً الطفل الذي رميتُه في دجلة ابن موزة الاكبر ... لم يمت. وخويه ايضا هل عرفتي اسمائهم مازالت تتنطط ــ رحال الكبير وخيزرانة الوسطى الذين رميتيهما انت . وعليّ. انا — لم يموتوا. أحدٌ ما أخرجهم من النهر. صيّاد على ما يبدو. ربّاهم. ثم مات. فجاؤوا إلى بغداد يبحثون عنّا. ربيعة وضعت يديها على وجهها. وبكت بكاءً غريباً — ليس بكاء الحزن ولا بكاء الفرح — بل بكاء شيء ثالث لا اسم له. لأنّها لأربع عشرة سنة عذّبت نفسها بأنّها قاتلة. والآن — تكتشف أنّها ليست قاتلة. لكنّها لا تستطيع أن تفرح. لأنّ ما فعلته كان نيّة قتل — حتى لو لم يقع القتل. ولأنّ ما فعلته سُرق من أختها أربعة عشر عاماً. كلّ هذا لا يُمحى لأنّ الأطفال لم يموتوا. هيلة أمسكت ذراعها بقوّة: — اسمعي يا ربيعة. لا وقت للبكاء. أمامنا مشكلة. إذا وصلت هذه الأخبار إلى موزة — انتهينا. إذا وصلت إلى أحمد — مُتنا. إذا وصلت إلى الخليفة — ذبحنا أمام الخلق. هل تفهمين؟ — هيلة... هم أبناء أختنا. أحياء. يسألون عنّا. لماذا لا نذهب إلى موزة ونقول: "سامحينا. هم هناك." هيلة نظرت إلى أختها نظرة فيها شيء يُشبه الشفقة: — لأنّ الغفران لا يصل إلى ما فعلناه. أربعة عشر سنة يا ربيعة. موزة تُطعم كلاباً وتظنّها أبناءها. وأحمد صار يغيب أسابيع لأنّ بيته مسكون بالحزن. وأنتِ وأنا — لو قلنا الحقيقة — يُلقى بنا في الزيت المغليّ حتى نتفحّم. ولا يبقى أولادنا إلّا كعار في بغداد كلّها. جواد وفاطمة وحسين — ابنك ابن الخبّاز — يصيرون أبناء القاتلة. هل تريدين ذلك؟ — لا.اطرقت ربيعة راسها ارضا — إذاً هؤلاء الأولاد — رحّال وخيزرانة وعليّ — يجب أن يختفوا. ليس القتل. القتل يُحقّق فيه. الجيران رأوهم. الباعة يعرفونهم. الشيخ في المسجد يعرف عليّاً. لو قُتلوا في كوخهم — يبحث الناس ويصل البحث إلى بيتنا. بل هم يجب أن يختفوا بأنفسهم. يخرجون من بغداد ولا يعودون. — كيف؟ وهي تنظر الى الشر الذي لدى هيلة ابتسمت هيلة ابتسامة باردة. — نُعطيهم ما يريدون. يريدون أن يعرفوا من أهلهم؟ سنُرشدهم إلى أهلهم. في مكان لا يعودون منه. --- ### الخطّة جلستا في زقاق خلفيّ على حجارة. وربيعة ما زالت تمسح وجهها بخمارها. — اسمعي. سنتنكّر. أنا وأنتِ. عرّافتان من الشمال. نتكلّم بلكنة غريبة. نلبس ثياباً غير ثيابنا. نضع خرقة على الوجه تُغطّي الأنف والفم. ولا يرون إلّا أعيننا. — عرّافات؟ — نعم. عرّافتان من بلاد الربيعين . نصل إلى بغداد. نُقيم خيمة عند السور. وننشر خبراً: "كاهنتان من الشمال تقرآن الأصل والنسب. تعرفان أسماء الآباء." — ولماذا نفعل ذلك؟ — لأنّ ثلاثة أيتام في كوخ قرب السور يبحثون عن أبويهم. سيسمعون. سيأتون. وسنخدعهم. — نخدعهم بماذا؟ هنا — هيلة تحدّثت بصوت أهدأ. كأنّها تقرأ خطّة بنتها بالتفصيل في رأسها: — نقول لهم: "أنتم أبناء أمير عظيم من الشمال. أبوكم الأمير **ماردين** وأمّكم الأميرة **روشنك**. وُلدتم في قلعة على جبل بعيد. لكنّ شعباً من المغول اختطفهم قبل أن تولدوا... لا، قبل أن تكبروا... وقتلوهم. ورموكم في دجلة لينقذكم التيّار." — ولماذا يصدّقوننا؟ — لأنّنا سنريهم قطعة قماش. قطعة تُشبه قماشهم. سأنسجها بنفسي — بنفس الخيوط الذهبيّة. وسأضع في الزاوية رمزاً مشابهاً. ليس نفس الرمز. لكن مشابه. وسنقول: "هذا قماش أبيكم ماردين. قماش بيته. جئنا به لنثبت لكم أنّ كلامنا صحيح." — وبعد أن يصدّقوا؟ — نقول لهم: "لكنّ هؤلاء المغول لم يقتلوا أبويكم حقّاً. بل أسروهما. وحتى اليوم هما أسيران. عند شعب غامض يعيش في جبال بعيدة. شعب لا يُحارَب بالسيف. شعب لديه عقبان عملاقة." — عقبان؟ — نعم. سبعة عقبان. حرّاس بوابات الشعب. من يريد الوصول إلى أبويكم — عليه أن يتجاوز العقبان السبعة. في كلّ بوّابة عقاب. في كلّ بوّابة اختبار. إن فشل في الاختبار — يأكله العقاب. نظرت ربيعة إلى أختها ولم تتحرّك. لأنّ الخطّة في غاية الظلم — وفي غاية الذكاء. — فيذهب رحّال أوّلاً فيفشل فيؤكل... — نعم. — ثم عليّ يتبعه ويؤكل... — نعم. — ثم خيزرانة وحدها تذهب... وتؤكل. — نعم. — ثلاثتهم يموتون في الشمال. بعيداً. لا جثث. لا شهود. لا حتى قبور. — نعم. — وموزة تبقى في القصر لا تعرف أنّ أولادها كانوا أحياء. وتظلّ تُطعم كلابها. وتظلّ تبكي ليلاً. وتظلّ لنا. سكتت ربيعة طويلاً. ثم قالت — بصوت ميت: — يا هيلة. أنا أبغضكِ. — أعرف. — وأبغض نفسي لأنّي سأفعل هذا معكِ. — أعرف. — لكن إذا لم أفعل — ابني جواد سيصير ابن قاتلة. وفاطمة ابنة قاتلة. وحسين... — إذاً سنفعل. وقفتا. وعادتا إلى المدينة. ربيعة إلى مخبزها. وهيلة إلى بيت جزّارها. كأنّ شيئاً لم يحدث. لكنّ في الليلة التالية — بدأت هيلة بالنسج. --- ### التنكّر هيلة كانت تعرف النسج. علّمتها أمّها ثريّا قبل أن تموت — ليلاً على ضوء المصباح في بيت الوادي. وإن كانت ربيعة قد نسيت وتعلّمت الخبز، وموزة صارت تنسج ثياب القصر الفاخرة، فإنّ هيلة احتفظت بالأسلوب القديم — النسج البسيط الذي كانت تفعله أمّها في اللحاف والقماط. في ثلاث ليالٍ — بعد أن نام صابر وابنتها ثريّا وابنها — جلست هيلة عند نول صغير اشترته ذلك الأسبوع من سوق الغزل. غزلت خيطاً ذهبيّاً — اشترته من يهوديّ يصنع خيوط الذهب للملوك — ونسجته مع الحرير الأبيض. حتى صنعت قطعة قماش بحجم كفّين — مخطّطة بالذهب — تشبه قماش موزة دون أن تكون نفسه. وفي الزاوية — طرّزت رمزاً: طائر ذو جناحين مفتوحين. رمزاً لم يسبق أن رأته عين. لكنّه يبدو كرمز قديم. نظرت إليه في الفجر. ابتسمت ابتسامة باردة. — هذا يكفي. ثم ذهبت إلى السوق في ثياب عاديّة. واشترت ثوبين قديمين — ثوب أسود طويل مطرّز بأشكال تركية، وثوب أحمر داكن. وخماراً طويلاً أسود يُغطّي الرأس والكتف. وخرقتين من قماش سميك لتغطية الوجه إلى ما تحت العينين. ولثامين مذهّبين للجبهة. وعدداً من القطع الغريبة: حجارة ملوّنة، ودفّاً صغيراً، وحُلّة جلديّة، وطاسة نحاسيّة فيها رسوم شمس وقمر ونجوم. أخذت كلّ هذا وخبّأته في صندوق عند امرأة في بيتها القديم في حيّ بعيد — امرأة تبيع البخور ولا تسأل عن شيء.بعدما اشترت منها بعض اللوازم ثم قالت لربيعة في السرّ: — بعد أسبوع. نلتقي عند تلك المرأة. نلبس ثيابنا. ونذهب إلى السور. --- ### الخيمة في اليوم الموعود — غادرت هيلة بيتها في الفجر. قالت لصابر: "أذهب إلى ضريح أمّي." قال: "رحمك الله." ولم يسأل. وربيعة قالت لعامر: "أذهب مع هيلة إلى الضريح." قال: "اذهبي." ولم يسأل. التقتا عند بيت المرأة القديم. لبستا الثياب. غطَّت هيلة عينيها بكحل ثقيل حتى صار لون عينيها مختلفاً. وخطّت على جبهتها بالسواد خطّين. ولبست اللثام الذهبيّ وغطّت الخرقة من أنفها إلى ذقنها. فلم يبقَ ظاهراً إلّا عيناها. وفعلت ربيعة مثلها. نظرتا إلى بعضهما. وما كانتا تعرفان وجهي بعضهما. — أنا لا أعرفكِ، قالت ربيعة. — ولا أنا. هذا ما نريده. استأجرتا حمّالاً ليحمل لهما صندوقاً فيه خيمة صغيرة سوداء. مشيتا إلى السور — إلى ذلك الطرف الشرقيّ قرب الكوخ حيث يسكن الأولاد. لكن ليس قريباً جدّاً. بل على بُعد نصف ميل — في ساحة تُراب حيث يتوقّف القوافل أحياناً ويُقيم فيها الغرباء خيامهم. نصبتا الخيمة. الرمادية الصغيرة المزيّنة بأشرطة حمراء. وضعتا أمامها سجّادة صغيرة. ووضعتا داخلها الطاسة النحاسيّة وحجارة الزينة وعُوداً من البخور. ثم بدأتا. --- ربيعة — التي كانت مرحة في الماضي وصارت حزينة اليوم وصارت في هذه اللحظة **عرّافة** — وقفت أمام الخيمة وبدأت تنادي بصوت تصنّعته حتى صار غليظاً عجيباً: — يا أهل بغداد. جئنا من جبال الشمال. من بلاد الربيع من أرض لا تعرفونها.من جبال سنجار نقرأ الأصل. نقرأ النسب. من لا يعرف أباه نخبره. من لا يعرف أمّه نكشف له. من ضاع منه ولد نبصّره بطريقه.من سرق ندله ... في السوق — التفت الناس. امرأة أوّلاً. ثم أخرى. ثم رجل فقير يحمل ابنه المريض. ثم آخر. بدأت الحركة حول الخيمة. ودخل الأوّل — رجل فقد أباه قبل عشرين سنة. دفع درهماً. دخل. قالت له هيلة — بلهجة مصطنعة كرديّة-تركمانيّة غريبة — كلاماً غامضاً عن أبيه. "كان طويلاً. يُحبّ الشاي. مات عند غروب." كلاماً يصحّ على كلّ أب في بغداد. الرجل خرج مبتهجاً. الحيلة بدأت تنجح. --- بقيتا يومين كاملين. الناس يأتون. يدفعون. يخرجون. والحركة تنمو. والخبر ينتشر في السوق: — عرّافتان من الشمال عند السور. يقولون إنّهما يعرفان الغيب. — صدق؟ — لستُ متأكّداً. لكنّ أحمد جارنا قال إنّها أخبرته بأشياء لا يعرفها أحد. — هل رأيتهما؟ — لا. يُغطّين وجوههما. وفي اليوم الثالث — مرّ عليّ. كان عائداً من المسجد. في يده كتاب صغير. ورأى الخيمة. ووقف قليلاً. سمع الناس يتحدّثون. ثم رأى رجلاً يخرج باكياً: "عرفتْ أبي. عرفتْ بالتمام." عاد عليّ إلى الكوخ. قال لأخيه: — رحّال. هناك عرّافة عند السور. يقولون إنّها تعرف الأصل. رفع رحّال رأسه من السليّة التي يُصلحها. — عرّافة؟ — نعم. من الشمال. قالوا إنّ رجلاً دفع لها درهماً فأخبرته عن أبيه الذي مات قبل عشرين سنة. نظرت خيزرانة من زاوية المطبخ:قالت ساخرة من علي تنبهه — الشيوخ في المسجد يقولون إنّ العرّافة كذب. إنّ لا أحد يعرف الغيب إلّا الله. — أعرف يا أختي. لكنّ الناس يقولون إنّها لا تعرف الغيب بل تقرأ الأشياء. القماش، الوجه، الاسم. سكتت خيزرانة. نظرت إلى أخويها. قال رحّال — بصوت فيه لهفة لم يستطع إخفاءها: — سأذهب غداً. قالت خيزرانة: — سأذهب معك. قال عليّ: — وأنا. --- ### اللقاء في الصباح التالي — ذهب الثلاثة. رحّال يحمل القماش المقلّم بذهب — ملفوفاً في رزمة صغيرة — خيزرانة تمشي بجانبه وعليّ خلفه. الشمس في وسط السماء. الطريق مكتظّ. وصلوا الخيمة. كانت أمامها طابور قصير — امرأتان وشيخ. انتظروا دورهم. وحين جاء دورهم — توقّفت هيلة وربيعة داخل الخيمة عن التحرّك لحظة كاملة. لأنّهما رأتا — من خلال الفتحة — ثلاثة أشباح. أشباح رحّال وخيزرانة وعليّ مجتمعين أمام خيمتهما. لم يكن أيّ منهما قد رآهم من قبل — رأت هيلة رحّالاً وخيزرانة وهما رضيعان، ورأت عليّاً مرّة واحدة على الضفة في ليلة كانون. لكنّ هؤلاء الشباب الثلاثة — طوال نحيلين جمال مختلف — لم يروهم كشباب. نظرت هيلة في وجه رحّال. **ذلك الجبين**. وجهها هي. وجه أختها موزة. عيناه — عينا أبيهما أحمد الأمير. لكنّ جبينه... جبين العائلة. نظرت في وجه خيزرانة. **أمّي**. ثريّا. حرفياً ثريّا في الخامسة عشرة كما تذكّرها هيلة حين كانت طفلة. نفس العينين. نفس الحزن الهادئ في الوجه. نظرت في وجه عليّ. **الأمير**. أحمد. بعينيه الهادئتين ونحولته. يدها — التي لم ترتعش حين حملت السلّة في ليلة كانون — ارتعشت الآن. لكنّها ثبّتت صوتها. ابتسمت تحت اللثام — ابتسامة لا يراها أحد. وقالت بلهجتها المصطنعة: — ادخلوا يا أولاد. بلا ريب. ادخلوا الثلاثة. --- ### داخل الخيمة دخل الثلاثة. جلسوا على الحصير. الخيمة صغيرة — لا تتّسع إلّا لخمسة. والبخور يملأ الهواء. والضوء خافت. وراءهم — ربيعة تحرس الباب. تفتح الفتحة قليلاً كي تشاهد ابناء اختها. وأمامهم — هيلة في ثياب عرّافة جالسة على وسادة. بين أصابعها مسبحة من خرز ملوّن تلعب بها. — أنا **كاهنة البوّابات السبع**، قالت. هذه — وأشارت إلى ربيعة — أختي الصامتة. هي لا تتحدّث. تسمع فقط. — نحن جئنا نسألكِ، قال رحّال. — أعرف. أنت تسأل عن أمّكَ. عن أبيكَ. عن قماش لا تعرف من نسجه. سكت رحّال. نظر إلى أختيه. ثم إلى العرّافة. — كيف عرفتِ؟ — الجبال تعلّمنا ما لا يعلّمه أحد غيرها. أخرج قماشك. أخرج رحّال القماش. ونشره أمام هيلة. نظرت هيلة إلى القماش كأنّها لم تره من قبل. تفحّصته ببطء. قلبته. شمّته. وضعت يدها على الرمز المطرّز في الزاوية. — يا بنيّ، قالت بصوت غليظ مصطنع. هذا القماش — ليس قماش فقير. — نعرف. — وليس قماش تاجر. — نعرف. — وليس قماش قصر الخليفة. نظر رحّال إليها بدهشة. — ليس قماش القصر؟ جدّي كان يقول إنّه قماش قصور. — جدّك كان صادقاً. لكنّه لم يكن عالماً. القصور كثيرة يا بنيّ. قصر الخليفة قصر واحد — لكن هناك قصور أخرى. في الشمال. في الجبال. قصور أمراء الكرد والتركمان. قصور أمراء ماردين وديار بكر وأرمينيا. — ماردين؟ — نعم. هذا الرمز — وأشارت إلى الزاوية — هذا رمز بيت **ماردين**. أمير كبير كان يحكم قلعة في الجبال. وامرأته الأميرة **روشنك** — من بنات ملوك الأكراد. خيزرانة — التي كانت صامتة حتى الآن — تدخّلت فجأة: — كيف عرفتِ الرمز؟ هيلة نظرت إليها. وشعرت — للمرّة الأولى — أنّ هذه البنت ليست كأخويها. هذه البنت لها عين. عين ليست طبيعيّة. لا تُخدع بسهولة. أمسكت هيلة نفسها. قالت ببطء: — يا بنيّتي. أنا من الشمال. كلّ أمراء الشمال يعرفون رموز بعضهم. ورمز بيت ماردين — مشهور بين أهل الجبال. سكتت خيزرانة. لم تقتنع تماماً. لكنّها لم تعترض. — أكملي يا كاهنة، قال رحّال. --- ### القصّة الكاذبة — قبل أربعة عشر سنة — بدأت هيلة — أميرتكم روشنك كانت تحمل بكم. ثلاثة أطفال — أنت يا رحّال،وبينك وبين اختك سنتان وأنتِ يا خيزرانة،بينك وبيم علي سنة وأنت يا عليّ. جاءت طلائع المغول إلى جبل قلعة أبيكم. حاصروها. وليلة سقوطها — كانت أمّكم تلد طفلها وتضعه في دجلة وتدخوا ان ينجو كما نجى موسى ع كي لايضيع الملك وتترك معه دليل هما متخفيان وقبل ان يجدهما المغول ويحبسوهما وها انتم عدتم لتنقذوا ابويكم كما خططوا نظرت خيزرانة إلى أخويها. ؟انتي تعرفين اكثر من كونك عرافة — وهذا صحيح، قال رحّال. جدّي وجدنا في النهر. ثلاثتنا.وهو يشير ليسكت خيزرانة (والجدير بالذكر أنّ هيلة لم تعرف عن الصيّاد — لكنّ الحظّ خدمها. فالصيّاد جزء من السردية الكاذبة.) — تمام يا بنيّ. والصيّاد الذي ربّاكم — رحمه الله — كان وسيلة من الله لحفظكم. لكنّه لم يكن يعرف من أنتم. — وأبي وأمّي؟ قال عليّ — أوّل مرّة يتكلّم. — هل قتلهما المغول؟ هيلة سكتت سكتة درامية. ثم قالت بصوت أخفض: — لم يقتلوهم.كما قلت لكم — فأين هم؟ — أسرى. عند شعب لا يُشبه المغول. شعب أقدم. شعب لا يعرفه إلّا قليل. — من هم؟ — شعب الجبل الأسود. قوم يعيشون في جبل في أقصى الشمال على قمة جبل (شيلميرا)— لا أحد يصل إليهم إلّا إذا عرف الطريق. وهم يحرسون أسراهم بحرّاس خاصّين. — حرّاس؟ — عقبان. --- ### العقبان السبعة شهقت خيزرانة.وهي لم تمرق كلمة واحدة مما ادعت هيلة ونظرت الى رحال المصدق بكل كلامها ومال إلى الأمام. عليّ لم يتحرّك. — عقبان؟ قال رحّال. — نعم. سبعة عقبان عملاقة. كلّ عقاب يحرس بوّابة. وكلّ بوّابة فيها اختبار. الأمير ماردين وزوجته روشنك — محبوسان في غرفة وراء البوّابة السابعة — في قصر ملكة العقبان **الأمّ العنقاء**. — ونستطيع أن نذهب إليهم؟سال رحال — تستطيعون. لكنّ الطريق ليس سهلاً. كلّ بوّابة لها اختبار. من يفشل في اختبار — يأكله العقاب الذي يحرسها. لا يعود. لا جثّة. لا قبر. سكت رحّال طويلاً. ثم قال بصوت فيه شيء لم يسمعه أخواه قبلاً: — سأذهب. — أعرف.قالت هيلة مبتهجة — وأنا، قال عليّ. — أعرف. — وأنا، قالت خيزرانة. — وأعرف. الثلاثة سيذهبون. لكنّ النصيحة الأولى: لا تذهبوا معاً. البوّابة لا تُفتح لأكثر من واحد. الأمّ العنقاء لا تستقبل إلّا واحداً في وقت واحد. — ومن يذهب أوّلاً؟ — الأكبر. نظر رحّال إلى أخويه. بدا في عينيه شيء يُشبه الاعتزاز. الأكبر — كما أوصاه جدّه قبل أن يموت: "أنت الأكبر. والأكبر هو السقف." — سأذهب. --- ### الطقوس أخرجت هيلة من ثنايا ثوبها طوماراً صغيراً من الجلد. نشرته أمامهم. وبدات تخط عليه خطوط ورسوم. — هذه خريطة الطريق. اذهبوا شمالاً حتى تصلوا جبال **سنجار**. ثم إلى قمّة جبل شيلميرا عند معبد جرمايرا ثم شمالاً من جديد — إلى جبل يقال له **الأسود**. في سفحه الغربي، وقت الفجر، سترى بوّابة من حجر. على البوّابة علامة. — ما العلامة؟ — ريشة عقاب حمراء. — وماذا أفعل؟ — ترفع يدك اليمنى. تقول: "جئتُ لأعرف." تضع الريشة — التي ستُعطَى لك هنا — على عتبة البوّابة. ثم تدخل. — وفي الداخل؟ — عقاب. يسألك سؤالاً. إن أجبتَ صحيحاً — فُتحت لك البوّابة الثانية. إن أخطأتَ — أكلك. — ما الأسئلة؟ — لا أعرف. تتغيّر. كلّ عقاب يسأل ما يُريد. لكنّ الحكمة قاعدتها: **القوّة لا تُفيد هناك**. السيف لا ينفعك. القدرة لا تنفعك. الصبر والحكمة والعقل — هذه ما ينفع. أخرجت هيلة ثلاث ريشات حمراء — ملوّنة بدم دجاج ليبدو اللون عتيقاً — ووضعتها أمامهم. — واحدة لكلّ واحد. وحين تنتهي — رموها في النار. الريشة لا تُحفظ. — وبعد العقاب الأخير؟ — الأمّ العنقاء. هي وحدها تعرف أين أبوكم وأمّكم. هي وحدها تستطيع أن تدلّكم عليهما. — وإذا نجحنا — سنرى أبوينا؟ — إن شاء الله. قال رحّال: — متى أنطلق؟ — غداً في الفجر. لا تتأخّر — الرحلة طويلة والخريف قريب. إذا فاتك الخريف — فُقدت البوّابات تحت الثلج. --- ### خيزرانة مازالت تشكّ خرج الثلاثة من الخيمة. في الشمس. حيث يراهم الناس. رحّال يحمل خريطة الجلد ورائش حمراء — وعليه وجه فيه عزم. وعليّ يمشي خلفه صامتاً يفكّر. خيزرانة — وحدها — توقّفت. والتفتت. ونظرت إلى الخيمة من بعيد. ثم إلى أخويها. — تعالا. أخذتهما جانباً. بعيداً عن السور. — لن أقول إنّ العرّافة تكذب. لأنّي لا أعرف. لكن — أشعر بشيء لا يصحّ. — ماذا؟ قال رحّال. — صوتها. حين سكتت لحظة قبل أن تذكر المغول — أحسستُها كأنّها... لا أدري. كأنّها تتذكّر شيئاً لم ترَه أبداً. — ربّما هي قلقة من القصّة. — ربّما. ولكنّ شيئاً آخر. حين نظرت إليّ أوّل مرّة — نظرت إليّ نظرة لم تكن نظرة غريبة إلى غريبة. كأنّها تعرفني. سكت رحّال. ثم قال: — يا خيزرانة. أحبّ أن تشكّي. هذه قوّتك. لكنّ — ما البديل؟ هل لدينا جواب آخر عن أبوينا؟ هل حصلنا منذ ثلاث سنين على خبر واحد عن أهلنا؟ لا. هذه أوّل مرّة. ولو كذبت — فلا شيء أخسره سوى وقتي. ولو صدقت — أجد أبي وأمّي.ولاتنسي انها غرفت اسمائنا واعمارنا وكل شيء — وهذا مايقلقني ردت خيزرانه ثم التفتت اليه ,وإذا أكلكَ عقاب؟ سكت رحّال. ثم قال: — جدّي قال: "المسافر الحقّ لا ينسى الضفّة التي رماه عليها النهر." وأنا ابن هذه الضفّة. ولا أستطيع أن أعيش دون أن أعرف الضفّة الأخرى. إن أكلني عقاب — إذاً ماتت بي غريزتي. لا بأس. نظرت إليه خيزرانة طويلاً. ثم قالت: — إذاً اذهب. ولكن خذ كلمة جدّي معك: "اذهبوا بالحنان لا بالانتقام." — سآخذها. — وحين تواجه عقاباً — لا تُقاتله. أنصت إليه. — سأنصت. ضمّته. ضمّته ضمّة طويلة — أطول من ضمّة أخت لأخيها. ضمّة من تعرف أنّها قد لا ترى. --- ### هيلة وربيعة — الليل في تلك الليلة — بعد أن فكّت العرّافتان الخيمة ورجعت كلّ واحدة إلى بيتها — جلست هيلة في مطبخها وحدها. كانت يداها باردتين. وعلى الرغم من أنّها خطّطت كلّ شيء وتحقّق كلّ شيء كما أرادت — كان في داخلها شيء لا اسم له. لأنّها رأت عيني خيزرانة. تلك البنت — بنت الخامسة عشرة — التي تحمل وجه أمّها ثريّا — نظرت إليها نظرة لم تنسها. نظرة عرفت فيها هيلة — لأوّل مرّة في حياتها — أنّ العين الأخرى رأت. لم تعرف خيزرانة الحقيقة. لكنّها رأت الكذب. وربيعة — في مخبزها — كانت مختبئة في زاوية المطبخ الخلفيّ. ابنها جواد سألها: — أمّي لماذا تبكين؟ — لا أبكي يا ابني. — بلى. عيناكِ بكتا. — الدخان من التنّور يا ابني. — ليس هناك تنّور مشتعل. نظرت إلى ابنها. جواد. في الرابعة عشرة. شابّ وسيم يشبه أباه عامر. يحمل اسم جدّه الذي لم يرَه. وربيعة في عينيها فرح غريب: **لم أقتلهم. لم أكن قاتلة.** وحزن أغرب: **لكنّي أرسلتهم الآن إلى الموت بخدعة مع أختي.** فرح وحزن في صدر واحد — لا يُسمّى. قالت: — اذهب يا ابني. أنا بخير. اذهب ونم. قال لن اذهب.فانتي حزينة وربيعة جلست وضمته. ولم تُطلق بكاءها. لأنّ البكاء الآن خطر. لو سمعها عامر وسأل — ستكسر. ولو كسرت — سيعرف. ولو عرف — انتهى كلّ شيء. فعضّت شفتها. وسكتت. --- ### رحّال ينطلق في الفجر — فجر اليوم التالي — خرج رحّال من الكوخ. حمل زاداً لعشرة أيّام — خبزاً وتمراً وقطعة جبن — صنعتها له خيزرانة بنفسها. وحمل عصا غليظة من خشب السدر. والريشة الحمراء في جيبه. وخريطة الجلد في قميصه. وقطعة القماش المقلّم بذهب حول معصمه كالعصابة — كي لا ينساه. وخيزرانة — التي لم تنم كلّ الليل — كانت عند باب الكوخ. وعليّ بجانبها. — يا أخي، قالت. إذا لم تعد — سأعرف. وسأتبعك. — لا تتبعني يا خيزرانة. — أتبعك. لأنّنا ثلاثة. وإذا نقص واحد — لا يبقى اثنان. يجب أن نبقى ثلاثة — أو لا أحد. ضمّه عليّ: — يا أخي. أنا لست قويّاً. لكنّي أدعو. وسأدعو لك كلّ ليلة. — ادعُ لي يا عليّ. ومشى. مشى في شارع الصباح الفارغ. ووقفت خيزرانة تنظر. وعليّ بجانبها. وفي السور فوقهما — طلع الفجر الأوّل — خطّ من ضوء وردي على الحجر القديم. ورحّال يمشي. ويمشي. حتى اختفى. --- ### المدينة تنام في القصر — موزة نائمة بين وفيّ ورومي. أمل على قدميها. تحلم بأطفال على ضفّة بعيدة. لا تعرف أنّ ابنها الأكبر يمشي تلك اللحظة شمالاً عن باب بغداد — يبحث عن أبوين وهميّين خلقتهما خالتاه. في بيت الجزّار — هيلة نائمة بجانب صابر. وعلى وجهها ابتسامة لا يعرف أحد تفسيرها. أوّل ابتسامة نام بها منذ ثلاث ليال. في المخبز — ربيعة مستيقظة. واقفة عند النافذة. تنظر إلى الشمال — من فتحة في السور — حيث الطريق يبدأ. لا ترى شيئاً. لكنّها تعرف أنّ ابن أختها يمشي الآن هناك. وفي كوخ قرب السور — خيزرانة جالسة على الحصير. عليّ بجانبها يقرأ سراً من القرآن. وخيزرانة تستمع — لا إليه — بل إلى شيء بعيد في الهواء. إلى خطوات أخيها. --- *العرّافتان طُويتا. الفخ نُصِب. والشابّ الأوّل مشى.* *لكنّ عند كلّ فخ — ثقب لم يُلاحظه ناصبُه.* *وعند كلّ حيلة — عين ترى ما لم يُكتب في الحيلة.* *وعند كلّ موت مرسوم — ضفّة أخرى لا تُرى.* *وفي الشمال — في جبال لم يعرفها رحّال قطّ — سبعة عقبان ينتظرون.* *لا يعرف أحد إن كانوا حقيقة — أم كذبة.* *وربّما — لا يُهمّ. لأنّ النهر حين يُلقي بك، يُلقي في أيّ ضفّة يشاء.* ============================================================ # المعمارية الكاملة ============================================================ # أخوات موزة — المعمارية الكاملة ## الشجرة المرجعية للمشروع الأدبي (النسخة المحدّثة) --- ## ١. الجذر — الفكرة المركزية **القصة في جملة واحدة:** ثلاث يتيمات عراقيات يخسرن كل شيء في ليلة واحدة، فيشققن طريقهن إلى قصر الملك في بغداد العباسية، لتتحول حياتهن من بؤس إلى مُلك — لكن الحسد يمزق ما بنته المحبة، ولا يرممه إلا الحنان. **الفلسفة العميقة:** - القوة الحقيقية في الرحمة لا في القسوة - الحسد يهدم ما لا تهدمه الكوارث الطبيعية - الحنان يرى ما لا يراه العقل وحده - الخيال العلمي وعاء لنظريات تستحق البحث **المستويات الثلاثة للقراءة:** - **القارئ الصغير:** مغامرة مشوّقة عن ثلاث بنات شجاعات وأبناء يواجهون عقباناً أسطورية - **القارئ الأعمق:** نماذج فيزيائية مغلفة بالحكاية (الوسط المشحون، الانتقال عبر الوسط، الرنين التوافقي) - **القارئ المؤمن:** آيات كونية — "وإن من شيء إلا يسبح بحمده" --- ## ٢. الخط الزمني الدقيق والأعمار ### الحدث المؤسِّس: أسر الأب (~1247م) | الشخصية | العمر عند أسر الأب | |---|---| | موزة | 8 سنوات | | هيلة | 6 سنوات | | ربيعة | 5 سنوات | ### الأحداث الرئيسية: بعد 10 سنوات (~1257م) | الشخصية | العمر في الأحداث الحالية | |---|---| | موزة | 18 سنة — شابة راشدة، تتحمل مسؤولية كاملة | | هيلة | 16 سنة — مراهقة ذكية، بدأت ملامح شخصيتها تتبلور | | ربيعة | 15 سنة — مراهقة مرحة، ثرثارة، ما زالت تصنع المقالب | | ثريا (الأم) | ~38 سنة عند وفاتها | | ضاري | ~40 سنة — بداية الأربعين | ### بعد الزواج والإنجاب: (~1258-1261م) | الحدث | التوقيت التقريبي | |---|---| | زواج البنات الثلاث | ~1257م | | ولادة رحّال (الأول) وسرقته | ~1258م | | ولادة خيزرانة (الثانية) وسرقتها | ~1259م | | ولادة علي (الثالث) وسرقته | ~1260م | | الشيخ يربي الأطفال الثلاثة | 1258-1275م تقريباً | | وفاة الشيخ وكشف السر | ~1275م | | رحلة العقبان | ~1275-1276م | ### الجزء الثاني: معركة بغداد | الحدث | التوقيت | |---|---| | حصار بغداد التاريخي | يناير-فبراير 1258م | | **ملاحظة:** التواريخ تحتاج مطابقة — انظر القسم ٨ | --- ## ٣. الجذع — شجرة الشخصيات ### الجيل الأول (الجذور) #### جواد (الأب) ⚔️ - **الصفة الجوهرية:** الشجاعة المخططة — بطولة مدروسة لا تهور - **المظهر:** جسم عظيم، محارب مدرع بالكامل (4 سيوف، درعان، جعبتا سهام، قوس) - **ما حدث فعلاً:** تطوع مع خمسة أبطال للهجوم الليلي على معسكر المغول — اكتُشفوا — قاتلوا ببسالة — يُظن أنهم استُشهدوا جميعاً - **السر الكبير:** جواد حي في سجن المغول (لم يستشهد — أُسر) - **إرثه في بناته:** موزة ورثت شجاعته وقيادته، هيلة ورثت دهاءه التخطيطي، ربيعة ورثت حيلته وخفته - **البذور المزروعة في الجزء الأول:** - ذكريات البنات عنه وهو يلاعبهن ويعلمهن أعمال المزرعة - جلسة التنفس (الفصل 8): إحداهن تقول "ليته حي" — تمنٍّ يتحول إلى حقيقة في الجزء الثاني - ذكر أن المغول يخططون لأسلوب جديد (الحصار) — خلفية تاريخية تمهد للجزء الثاني #### ثريا (الأم) 🌙 - **العمر عند الوفاة:** ~38 سنة - **الصفة الجوهرية:** الصبر الفعّال — بناء صامت لا استسلام - **المهارات:** تزرع، تصطاد، تنسج الشباك والملابس من صوف الغنم والماعز، تطبخ - **علاقتها بضاري:** علاقة تجارية حصرية (تبيع له فقط، تنتظره إن لم تجده) — تحولت إلى مشاعر من طرفه دون أن تعلم أو تتجاهل - **موتها:** ضربة قطعة سقف متطايرة في رأسها من الخلف أثناء عودتها للمنزل — موت مفاجئ وعبثي - **إرثها:** الطبخ التقليدي (الشليكين، الخميعة، المسكوف، الدبس والراشي في الشتاء)، نسج الملابس، حكايات عن الأب، الثقة بين الأخوات - **تفصيل الأكلات:** - **الشليكين:** خبز حار يُخبز في تنور طيني قليل التحميص، يُدهن بالسمن الحيواني والعسل - **الخميعة:** خبز محمص منقوع بالحليب مع الدهن الحر (السمن المذاب) - **المسكوف:** سمك يُشق ظهره ويُعلق بعود خشبي فوق نار الحطب - **الدبس والراشي:** أكلة الشتاء --- ### الجيل الثاني (الجذع) — البنات الثلاث #### 🌴 موزة — الكبرى **العمر:** 8 سنوات عند أسر الأب ← 18 سنة في الأحداث الحالية **النموذج الأصلي:** القائدة — صورة أبيها | الصفة | التجلي في القصة | |---|---| | الشجاعة | تواجه الذئاب وحدها لتغطي هروب أخواتها | | القيادة | تتخذ القرارات في كل أزمة — حمل جثة الأم، الهروب للماء، القرار بالذهاب للملك | | التعلق بالأب | تتحدث عنه، تستلهم منه، تستخدم تضحيته كحجة عند الملك — "نحن بنات القائد جواد" | | الشك الذكي | لا تثق بضاري بسهولة رغم كرمه — تسأل وتحقق وتشتبه بنواياه | | الكبرياء | تكره أن يُشفق عليها — "نحن سنتدبر أمرنا" | | الجمال | وجه ساحر — يلفت الانتباه دون أن تسعى لذلك | | **النقطة العمياء** | ثقتها المطلقة بأخواتها — هذا ما يمزقها لاحقاً | **مسارها الكامل:** يتيمة ← قائدة هاربة ← زوجة الأمير ← ملكة ← أم مخدوعة (تصدق أنها تلد كلاباً) ← تربي الكلاب كأولادها ← تُكشف الحقيقة بعد سنوات **حلمها عند سياج القصر:** يعكس طموحها القيادي وعظمة روحها — يبرر زواجها من الأمير [يُفصّل عند كتابة الفصل 9] --- #### 🔥 هيلة — الوسطى **العمر:** 6 سنوات عند أسر الأب ← 16 سنة في الأحداث الحالية **النموذج الأصلي:** الداهية — عقل بلا قلب | الصفة | التجلي في القصة | |---|---| | الذكاء الحاد | تفهم المواقف بسرعة — "يجب أن نرحل، المكان غير آمن" | | الدهاء | تعرف كيف تتلاعب بالكلام — "ربما لن يسمحوا لنا بمقابلته" (تحبط المعنويات بذكاء) | | غياب العطف | لا تتأثر عاطفياً — تحلل بدل أن تشعر | | العملية الباردة | عندما اشتعل البيت، لم تحاول إنقاذ جسد أمها بل أرادت الهروب | | الغيرة المكبوتة | تحسد موزة على قيادتها منذ الطفولة | | **البذرة المظلمة** | غياب العطف + الذكاء = قدرة على التآمر بلا ندم | **التحول الدرامي:** 1. **الجزء الأول (قبل الزواج):** أخت مخلصة تساعد — ذكاؤها ينقذ المواقف 2. **بعد الزواج:** الحسد يشتعل — هي زوجة القصاب بينما أختها ملكة 3. **المؤامرة:** العقل المدبر — تخطط لسرقة أطفال موزة ثلاث مرات 4. **انتحال صفة عرافة:** ترسل أبناء موزة للعقبان لتتخلص منهم نهائياً 5. **دافعها:** تريد أن يطلق الملك موزة + تحمي نفسها من الانكشاف **حلمها عند سياج القصر:** يعكس حبها للطعام الفاخر واللحم — فتتزوج القصاب [يُفصّل] --- #### 🎭 ربيعة — الصغرى **العمر:** 5 سنوات عند أسر الأب ← 15 سنة في الأحداث الحالية **النموذج الأصلي:** الخليط المتناقض — مملة وعميقة، ثرثارة وفطنة | الصفة | التجلي في القصة | |---|---| | الثرثرة المزمنة | تتكلم بلا توقف — تقاطع، تعلّق على كل شيء، تقول ما لا يجب قوله | | حب المقالب والمرح | تفتعل المواقف المضحكة حتى في أحلك اللحظات — نفض الطعام، أكل بشراهة، تعليقات ساخرة | | صناعة الكوميديا | هي مصدر الضحك في القصة — حتى وهي كبيرة لا تتوقف عن المزاح | | الملل من الصمت | لا تطيق اللحظات الهادئة — تملأها بكلام أو فعل | | الفطنة المخفية | تكتشف الشباك بالظلام، تشعل النار وحدها، تقود القارب | | الانجراف العاطفي | تنجذب للكلام المعسول — مشهد الشاب في السوق | | **البذرة المظلمة** | تتبع هيلة بسهولة — قابلة للانقياد لا بشر أصيل بل بضعف | **التحول الدرامي:** 1. **الجزء الأول:** الشخصية المحبوبة — تخفف حدة المآسي بمزاحها (وتستمر هكذا حتى وهي كبيرة) 2. **بعد الزواج:** تتبع هيلة في الحسد — ليس بدافع شرير بل بالانقياد 3. **التنفيذ:** تحمل الأطفال وتلقيهم في دجلة — يداها تفعل ما خطط عقل هيلة 4. **مأساتها الخاصة:** الأقدر على الندم لكنها لا تجرؤ على مواجهة هيلة **مرح ربيعة — قاعدة سردية ثابتة:** > ربيعة مصدر الكوميديا في كل فصل تظهر فيه — سواء كانت طفلة بعمر 5 أو شابة بعمر 15 أو امرأة متزوجة. تعليقاتها، مقالبها، طريقة أكلها، ردودها غير المتوقعة — كلها تخفف على القارئ وتجعله يحبها. وهذا ما يجعل خيانتها مؤلمة أكثر. **حلمها عند سياج القصر:** يعكس حبها للخبز والمعجنات — فتتزوج الخباز [يُفصّل] --- ### شخصيات مساندة — الجيل الثاني #### ضاري — بائع السمك واللحوم وصاحب المطعم 🐟 - **العمر:** بداية الأربعين - **الصفة الجوهرية:** الوفاء الصامت — يحب ثريا ولم يبُح لها - **معرفته بثريا:** علاقة تجارية حصرية تحولت لحب من طرف واحد — يعرف العربة من مشيتها - **خبرته:** يخمّن وزن البضاعة من مشي الحمار وتمايل العربة - **السر:** كان يخطط لأمر ما مع ثريا (خطبتها؟) — صدمه خبر موتها وحطم آماله - **صراعه:** يريد مساعدة البنات وفاءً لأمهن ← زوجته الغيورة تشعل بيته - **ابنه شدّاد:** 13 سنة، يعمل في الدكان، جميل المظهر، ينادي أباه "يا أبتي" - **الحمار ورائحة السمك:** لا يطيق ضاري — عنصر كوميدي متكرر - **عماله:** يفرزون السمك ويبيعونه بالتفاوض مع الباعة #### زوجة ضاري (تُسمى لاحقاً) - **الدافع:** غيرة طبيعية — ثلاث شابات جميلات (18، 16، 15) في بيت زوجها الذي في الأربعين - **ليست شريرة بالمطلق:** امرأة تحمي عشها — القارئ يجب أن يتفهمها - **نتيجة الصراع:** شجار عنيف يسمعه البنات ← يهربن ليلاً #### رشيدة — المرأة النبيلة 🫀 - **الدور:** أول لمسة إنسانية بعد الكارثة — تعطيهن خبزاً وتمراً ولبناً وحماراً مُعاراً - **ابنها المراهق:** غير راضٍ عن كرم أمه — يبدو مستاءً (بذرة صغيرة) - **راضي:** طفل يلعب مع مجموعة أطفال — تعطيه موزة سمكتين مقابل جلب خبز #### رومي — الكلب 🐕 - **الأدوار الدرامية:** - ينبح ليحذر من العاصفة - يسحب جسد ثريا تحت النخيل قرب التنور - يحرس البنات على التل - يقاتل الذئاب ببسالة — "الكثرة غلبت الشجاعة" - **مصيره:** يُفقد في معركة الذئاب — مصيره مجهول - **بذرة للجزء الثاني:** هل يعود؟ --- ### الجيل الثالث (الفروع) — أبناء موزة **ترتيب الولادة:** رحّال (الأكبر) ← خيزرانة (الوسطى) ← علي (الأصغر) #### رحّال — الابن الأكبر 🧭 - **الاسم ودلالته:** من الرحيل والترحال — اسمه صار قدره عندما نُفي - **ترتيب سرقته:** أول من سُرق من أمه — أول صندوق في دجلة - **مكان نفيه عند العقبان:** الأبعد — نُفي بضربة جناح (انتقال عبر الوسط) - **في مواجهة العقبان:** يتحدى ويفوز في العقبان السبعة ← يخسر عند الأم العنقاء لأن اختبارها يحتاج حناناً لا قوة - **شخصيته:** [تُبنى بالتفصيل عند كتابة فصول الجيل الثالث] #### 🕊️ خيزرانة — البنت الوسطى - **الاسم ودلالته:** الخيزرانة — لينة لكن لا تُكسر (كالخيزران) - **ترتيب سرقتها:** ثاني من سُرقت — ثاني صندوق في دجلة - **الصفة الجوهرية:** الحنان اللبق — ترى ما لا يراه غيرها، وتعرف بلباقة كل الحيل - **ورثت من جدتها ثريا:** الصبر والرعاية - **ورثت من أمها موزة:** الإصرار والشجاعة - **قدرتها الخاصة:** ترى الألم والحاجة خلف غدر العقبان — تساعد المجروح قبل التحدي - **المعادلة:** الحنان يكسر ما لا تكسره القوة ولا يفك شفرته الدهاء - **لماذا نجحت:** لأن الأم العنقاء كسرت المنهاج من أجلها — بدل الريشات الثلاث قالت لها مباشرة "ما طلباتك الثلاث وأنا أساعدك" — لأن فشلها بالطريقة العادية مؤكد - **أمنياتها الثلاث:** 1. جلب أخيها رحّال من المنفى 2. جلب أخيها علي من المنفى 3. معرفة الحقيقة عن أصلهم - **دورها في الجزء الثاني:** تذهب لجلب العقبان السبعة للمشاركة في معركة بغداد #### علي — الابن الأصغر (الثالث) ⚡ - **الاسم ودلالته:** العلو والقوة - **ترتيب سرقته:** آخر من سُرق — ثالث صندوق في دجلة - **مكان نفيه:** نُفي أيضاً بعد فوزه بالعقبان وخسارته عند الأم - **شخصيته:** [تُبنى لاحقاً] --- ### شخصيات الجيل الثالث المساندة #### الشيخ الحكيم 📿 - **الصفة الجوهرية:** الصمت الحامي — يعرف المؤامرة ولا يبوح حماية للأطفال - **كيف وجدهم:** ثلاثة صناديق خشبية ملكية في دجلة — واحداً تلو الآخر على مدى سنوات - **مكانه:** يعيش وحده - **صفاته:** حكيم ومجاهد عظيم — علّمهم كل شيء - **لماذا صمت:** يعرف المؤامرة لكنه لم يسأل ولم يتحرك كي لا يحيطهم بالخطر - **الكشف:** على فراش الموت يخبرهم بما يخمّنه — أنهم إخوة — يعطيهم المهمة - **إرثه:** يتركهم أغنياء جداً ومتعلمين لكن بلا هوية - **خيزرانة والأخوة:** البنت عطوفة ومحبة، جمعت أخويها حولها حتى لو لم يكونوا إخوة بالفعل — توافقوا على ذلك قبل أن يعرفوا الحقيقة #### تمركز الأبناء بعد وفاة الشيخ: - بيت قرب سور المدينة بين السور ونهر دجلة - في المكان المشكوه أنهم رُميوا منه - كثرة سؤالهم أذاعت صيتهم — القاصي والداني يعرف قصتهم --- ## ٤. عالم العقبان — النظام الكامل ### الدخول إلى عالم العقبان 🌀 - **ليس على الأرض:** عالم آخر — حقبة مختلفة، كأنك تدخل بُعداً موازياً - **إيجاده صعب:** يحتاج اتباع علامات محددة وأداء طقوس محددة - **الرابط العلمي:** الدخول = عبور حاجز في الوسط المشحون — يحتاج تردداً محدداً وظروفاً خاصة ### العقبان السبعة 🦅×7 - **طبيعتهم:** متحدون، غادرون — لا يُعرف ما يخططون له - **المهمة:** انتحارية — لم ينجُ منها أحد قبل أبناء موزة - **الامتحان:** تصاعدي — كل عقاب أصعب من سابقه - **آلية النفي:** بضربة جناح واحدة — انتقال عبر الوسط (ليس مسافة جغرافية) — الاتجاه معروف لكن الآلية غامضة ### نظام المكافأة 🪶 - **من يجتاز العقبان السبعة جميعاً:** يُمنح ثلاث ريشات - **كل ريشة:** عند حرقها يطلب صاحبها أمنية فتتحقق - **المجموع:** ثلاث ريشات = ثلاث أمنيات ### مواجهات الأبناء الثلاثة: #### رحّال (الأكبر) — المحارب - يتحدى العقبان السبعة ← **يفوز** ✓ - يصل للأم العنقاء ← **يخسر** ✗ - **سبب الخسارة:** اختبار الأم يحتاج حناناً لا قوة — رحّال محارب لكنه لا يملك مفتاح الرحمة - **النتيجة:** يُنفى بضربة جناح #### علي (الأصغر) — القوي - يتحدى العقبان السبعة ← **يفوز** ✓ - يصل للأم العنقاء ← **يخسر** ✗ - **سبب الخسارة:** نفس السبب — القوة وحدها لا تكفي - **النتيجة:** يُنفى بضربة جناح #### خيزرانة (الوسطى) — الحنونة اللبقة - تصل لعالم العقبان ← تجد عقاباً مصاباً قبل بدء التحدي - **اللحظة الفارقة:** رغم ألمها وفقدان أخويها — لا تتوقف عن الحنان والمساعدة - ترى في العقبان ما لا يراه غيرها — الألم خلف الغدر - تتقدم: كلما ساعدت أحدهم كشفوا لها جزءاً من الحقيقة — على مراحل - تصل للأم العنقاء ← **الأم تكسر المنهاج** - **بدل نظام الريشات:** تقول لها الأم العنقاء مباشرة "ما طلباتك الثلاث وأنا أساعدك" - **لماذا كسرت المنهاج:** لأن فشل خيزرانة بالطريقة العادية مؤكد — الحنان لا يحرق ريشات - **الأمنيات الثلاث:** رحّال ← علي ← الحقيقة ### الرابط العلمي لعالم العقبان: | العنصر | المفهوم الفيزيائي | |---|---| | عالم العقبان (بُعد آخر) | حقبة/طبقة في الوسط المشحون — ليست على سطح الأرض | | الطقوس والعلامات للدخول | ضبط التردد الصحيح لعبور حاجز الوسط | | ضربة جناح العقاب (النفي) | اضطراب في الوسط ينقل الكائن عبره | | سبع مراحل تصاعدية | سبع طبقات/ترددات في الوسط — كل طبقة بتردد مختلف | | الحنان يكسر الغدر | الرنين التوافقي يخترق حاجزاً لا تخترقه القوة الغاشمة | | الأم العنقاء تكسر المنهاج | حالة استثنائية في النظام — كالحالة الكمية التي تكسر القواعد الكلاسيكية | | ضربة جناح العنقاء (النقل) | موجة في الوسط المشحون تفتح ممراً للانتقال | --- ## ٥. هيكل الفصول — الجزء الأول ### القوس الأول: الجذور (فصول 1-3) — الخسارة | الفصل | العنوان المقترح | المحتوى | ملاحظات سردية | |---|---|---|---| | 1 | أبطال خلف الجبل | هجوم جواد الليلي — الاكتشاف — المعركة — الأسر (يُظن استشهاداً) | أعمار البنات: 8، 6، 5 | | 2 | وادي النخيل | حياة الأسرة بعد 10 سنوات — الطبخ، الصيد، الزراعة، النسيج — شخصيات البنات وهن شابات | الأعمار: 18، 16، 15. إبراز مرح ربيعة ودهاء هيلة وقيادة موزة | | 3 | ليلة كل شيء | العاصفة — موت ثريا — رومي يسحب الجثة — الحريق — الذئاب — الفيضان — ضياع رومي — المبيت فوق التل | لحظات تنفس بين الكوارث | ### القوس الثاني: الساق (فصول 4-7) — الطريق إلى بغداد | الفصل | العنوان المقترح | المحتوى | ملاحظات سردية | |---|---|---|---| | 4 | الصباح الأول | الاستيقاظ — حلم موزة المزعج — ربيعة تشعل النار وتصطاد — قرار المغادرة | ربيعة تصنع كوميديا حتى في المأساة | | 5 | رشيدة والحمار | رشيدة تعطيهن الطعام والحمار — الطريق — لقاء الأطفال — راضي | المراهق المستاء — بذرة | | 6 | سوق السمك | دخول بغداد — أبواب المدينة — التجار — الحارس المبتز — ضاري يدفع 80 درهم — الدكان — حوض السمك | عالم السوق بكل تفاصيله | | 7 | بيت الغيرة | ضاري يكشف عن مشاعره لثريا — ضيافته — الزوجة الغيورة — الشجار — هروب البنات ليلاً | ربيعة تخفف المواقف بمزاحها حتى في الهروب | ### القوس الثالث: التاج (فصول 8-10) — القصر | الفصل | العنوان المقترح | المحتوى | ملاحظات سردية | |---|---|---|---| | 8 | شوارع بغداد المدورة | التجوال — السوق يغلق — يسرعن لشراء خبز — شاب يتغزل بربيعة فتسبل لكلامه — هيلة تقاطع بالخبز — موزة تسأل عن طريق القصر — وصف بغداد المزدهرة — العسس ومواقف مضحكة — **جلسة التنفس:** يتذكرن الأب — "ليته حي" — ذكر المغول وخططهم الجديدة | مرح ربيعة مستمر. التحرش في السوق. جلسة التنفس = بذرة الجزء الثاني | | 9 | ثلاثة أحلام عند السياج | المبيت قرب سور القصر — الجوع — كل أخت تحلم حلمها — الملك يسمع | اللحظة الذهبية — كل حلم يكشف الشخصية | | 10 | الملك وبنات جواد | الملك يستدعيهن — موزة تحكي تضحية أبيها — الملك يتعرف على القصة — الزواج الثلاثي | موزة/الأمير — هيلة/القصاب — ربيعة/الخباز | ### القوس الرابع: الثمار المُرّة (فصول 11-14) — الحسد والمؤامرة | الفصل | العنوان المقترح | المحتوى | ملاحظات سردية | |---|---|---|---| | 11 | قصر وكوخ | حياة موزة ملكة مقابل حياة أختيها — بداية الحسد والتذمر | ربيعة ما زالت تمزح لكن المرارة تتسلل | | 12 | الصندوق الأول | ولادة رحّال — هيلة تخطط وربيعة تنفذ — يُلقى في دجلة بصندوق ملكي — يُخبرن موزة أنها ولدت كلباً | موزة تصدق أخواتها — نقطتها العمياء | | 13 | الصندوق الثاني والثالث | تكرار المؤامرة مع خيزرانة ثم علي — موزة تربي ثلاثة كلاب — الملك يحبها رغم كل شيء | هيلة وربيعة يائستان: خططهن فشلت في فصل الملك عنها | | 14 | الشيخ والنهر | الشيخ يجد الصناديق — يربي الأطفال — يعلمهم — يصمت سنوات — فراش الموت — الكشف | خيزرانة تجمع أخويها — يتمركزون قرب السور | ### القوس الخامس: الأجنحة (فصول 15-20) — رحلة العقبان | الفصل | العنوان المقترح | المحتوى | ملاحظات سردية | |---|---|---|---| | 15 | العرافتان | هيلة وربيعة ينتحلن صفة عرافات — يرسلن الأبناء للعقبان: "إن تجاوزتموهم ستخبركم الأم بالحقيقة وإلا يأكلكم أي عقاب أخطأتم عنده" | هيلة العقل المدبر — ربيعة المنفذة | | 16 | سبعة أجنحة | رحّال يجد العلامات — يؤدي الطقوس — يدخل عالم العقبان — يتحدى السبعة ويفوز — يخسر عند الأم — يُنفى | وصف عالم العقبان: حقبة أخرى، ليست الأرض | | 17 | سبعة ظلال | علي يتبع خطى أخيه — يفوز بالعقبان — يخسر عند الأم — يُنفى | كلا الأخوين قويان لكنهما يفتقدان مفتاح الحنان | | 18 | العقاب المجروح | خيزرانة تصل — تجد عقاباً مصاباً — تساعده قبل أن يبدأ التحدي — رغم فقدانها أخويها لا تتوقف عن الحنان | اللحظة الفارقة — "ترى ما لا يراه غيرها" | | 19 | على مراحل | خيزرانة تتقدم — كل عقاب تساعده يكشف لها جزءاً من الحقيقة | بناء تصاعدي — الحقيقة تتكشف قطعة قطعة | | 20 | ثلاث أمنيات | تصل للأم العنقاء — الأم تكسر المنهاج — "ما طلباتك الثلاث" — رحّال ← علي ← الحقيقة | ذروة الجزء الأول | ### القوس السادس: الجذور تعود (فصول 21-23) — الحقيقة | الفصل | العنوان المقترح | المحتوى | ملاحظات سردية | |---|---|---|---| | 21 | على ظهر العنقاء | العنقاء تحمل خيزرانة — البحث عن رحّال ثم علي — الانتقال عبر الوسط المشحون | الرابط العلمي في ذروته | | 22 | لمّ الشمل | الأبناء الثلاثة يعودون — يواجهون الملك — صيتهم يسبقهم — الناس تعرف قصتهم | التمهيد لكشف الحقيقة | | 23 | ميزان العدل | الحقيقة تُكشف — مصير هيلة وربيعة — موزة تعرف — مصير الكلاب — تمهيد للجزء الثاني: الأب حي والمغول قادمون | الختام المفتوح | --- ## ٦. الروابط العلمية — الخيال كوعاء للنظرية | العنصر الخيالي | المفهوم العلمي المغلف | التفصيل | |---|---|---| | عالم العقبان (بُعد آخر) | حقبة/طبقة في الوسط المشحون | ليس على الأرض — حقبة مختلفة يُدخل إليها بطقوس وعلامات | | الطقوس والعلامات للدخول | ضبط التردد الصحيح لعبور حاجز الوسط | كالتردد الذي يفتح قفلاً — ليس أي تردد يعمل | | ضربة جناح العقاب (النفي) | اضطراب موجي في الوسط | ينقل الكائن عبر الوسط — الاتجاه معروف والآلية غامضة | | سبع مراحل تصاعدية | سبع طبقات ترددية | كل طبقة بتردد مختلف وصعوبة أعلى | | حنان خيزرانة يكسر الغدر | الرنين التوافقي | التردد الصحيح (الحنان) يخترق حاجزاً لا تخترقه القوة الغاشمة | | الأم العنقاء تكسر المنهاج | الحالة الاستثنائية في النظام | كالحالة الكمية التي تكسر القواعد الكلاسيكية | | ضربة جناح العنقاء (النقل) | موجة في الوسط المشحون | تفتح ممراً للانتقال — ليس طيراناً عادياً | | صناديق الأطفال في دجلة | النهر كوسط ناقل | الماء يحمل لا يُغرق — الوسط يحفظ لا يدمر | | تولد العنقاء من رمادها | حفظ الطاقة | الطاقة لا تفنى — تتحول | --- ## ٧. قواعد السرد — دستور الكتابة 1. **كل مشهد خيالي يحمل نواة علمية قابلة للبحث** 2. **كل شخصية تتصرف وفق صفاتها الجوهرية — لا استثناء بدون تبرير درامي** 3. **التفاصيل الحسية أولاً:** اللباس، الطعام، الرائحة، الصوت — يُشرح كل شيء في وقته المناسب 4. **الحوار يكشف الشخصية:** موزة تقود، هيلة تحلل بلا عاطفة، ربيعة تعلّق وتمزح وتقاطع 5. **مرح ربيعة ثابت في كل فصل:** حتى وهي كبيرة — مقالب، تعليقات، مواقف مضحكة — هذا دستور 6. **لحظات التنفس إلزامية:** بعد كل أزمة مشهد هدوء — ذكريات، مزاح، تأمل 7. **البذور المبكرة:** كل حدث في الجزء الثاني يُزرع في الأول (الأب، المغول، رومي) 8. **مشاهد بغداد:** وصف المدينة المدورة المزدهرة قبل السقوط — الشوارع، الأسواق، التحصينات، الحياة 9. **اللغة:** عربية فصحى سلسة + مفردات عراقية أصيلة 10. **التصحيح اللغوي:** تاء التأنيث الساكنة (تْ) لا المضمومة (تُ)، إملاء صحيح، حفاظ على نَفَس الراوي الشعبي --- ## ٨. معضلة الجزء الثاني — مطابقة التاريخ ⚖️ ### المشكلة: خيزرانة تذهب لجلب العقبان السبعة للمشاركة في معركة بغداد (حصار 1258م) السؤال: هل نطابق التاريخ (بغداد تسقط) أم نغيّره (بغداد تنتصر بمساعدة العقبان)؟ ### الخيار الأول: مطابقة التاريخ — بغداد تسقط **المزايا:** - مصداقية تاريخية - مأساة حقيقية تهز القارئ - رسالة: حتى العقبان لا تمنع القدر - يمكن أن يكون الأب هو من يُنقذ (لا المدينة) **التحديات:** - القارئ قد يشعر بخيبة أمل — كل هذا الجهد ولم تُنقذ بغداد؟ - يحتاج معالجة ذكية جداً — الهزيمة يجب أن تحمل معنى لا يأساً ### الخيار الثاني: تغيير التاريخ — بغداد تنتصر **المزايا:** - مُرضٍ درامياً - رسالة أمل: الحنان ينقذ حتى المدن - يفتح باباً لعالم بديل **التحديات:** - يكسر المصداقية التاريخية - قد يُعتبر تزييفاً أو تمنياً ### الخيار الثالث (المقترح): بين بين - العقبان تشارك في المعركة — تصنع فرقاً حقيقياً — لكن بغداد تسقط رغم ذلك - البطولة ليست في الانتصار بل في المقاومة — كما فعل جواد في البداية - الأب يُحرر من السجن أثناء الفوضى - الرسالة: الحنان لا يمنع الخسارة دائماً — لكنه يحفظ ما يستحق الحفظ (العائلة) - **الدائرة تكتمل:** القصة بدأت بأب ضحى لتتأجل المعركة — وتنتهي بمعركة لم تُمنع لكن العائلة نجت ### القرار: **لك يا فاضل** — أي خيار تختار؟ --- ## ٩. الجزء الثاني — بذور مزروعة (ملاحظات أولية) - **الأب جواد حي في سجن المغول** — بذرة في الفصل 8 (جلسة التنفس) - **المغول يعيدون التخطيط بأسلوب الحصار** — بذرة في الفصل 8 (خلفية) - **خيزرانة تجلب العقبان السبعة** — امتداد لعلاقتها معهم من الجزء الأول - **حصار بغداد يناير-فبراير 1258م** — الإطار التاريخي - **إنقاذ الأب** — المهمة المركزية - **مصير رومي** — بذرة مفتوحة من الفصل 3 --- *هذه الوثيقة حية — تتطور مع كل فصل نكتبه* *النسخة: ٢ — محدّثة بتصحيحات فاضل* *آخر تحديث: مارس ٢٠٢٦*