قصة غضب الله الشديد

قصة غضب الله الشديد

حكاية موجعة — 12 فصلاً
آخر تحديث: 2026-05-10 22:47
← كل القصص الرئيسية ⬇ تحميل القصة كاملة 📖 اقرأ على Wattpad
🔄 يتم فحص التحديثات تلقائياً كل دقيقتين

📑 فهرس الفصول — انقر فصلاً للقراءة

الفصل 1 / 12

الفصل1,2,3

غضب الله الشديد


رواية عراقية




الفصل الأول: إن بطش ربك لشديد


لن أكذب عليكم. لن أقول إنني رجل طيّب، ولن أدّعي أن يديّ نظيفتان. قتلتُ رجالاً — وفقدتُ العدّ منذ زمن. لكنني لم أقتل أحداً لم يكن يستحق أن يموت، أو هكذا كنت أقول لنفسي في الليالي التي يضيق فيها السقف.


اسمي إلياس. لكنكم لن تجدوا هذا الاسم في أي سجل من السجلات التي أحملها — لأنني لا أحمل شيئاً. فقدتُ محفظتي وهويتي وكل ما يثبت أنني موجود في هذا العالم. وربما كان ذلك أفضل — لأن الرجل الذي لا وجود له لا يستطيع أحد أن يقتله. أو هكذا ظننت.


لكنني أسبق الأحداث.


لكي تفهموا كيف انتهى بي الأمر في غرفة ضيّقة في فندق رثّ بمدينة العمارة، في ربيع عام واحد وتسعين، وأنا أنتظر الموت أو النجاة ولا أعرف أيّهما سيصل أولاً — لا بدّ أن تعرفوا ماذا حلّ بهذا البلد.




ثماني سنوات من الحرب مع إيران. مليون شهيد ومليون معوّق وبلدٌ طُحنت عظامه طحناً. ثم احتلال الكويت في آب تسعين وانسحاب مذلّ في شباط — جيش كامل تفكّك على طريق الموت بين الكويت والبصرة والطائرات الأمريكية أحرقت كل ما تحرّك.


وصدام — الذي جثم على صدر العراق واحداً وعشرين عاماً — كان يظنّ أن الناس نسيت. لم تنسَ.


في البصرة، جنديٌّ عائد من الكويت منكسر ومحطّم ساق دبّابته من طراز تي-72 نحو ساحة سعد وأطلق قذيفة على صورة صدام المنصوبة في قلب الساحة. صفّق الجنود من حوله. وتلك القذيفة أشعلت أربع عشرة محافظة من أصل ثماني عشرة.


بل إن أربعة ألوية من الحرس الجمهوري نفسه انشقّت والتحقت بالثوار. صار حرس يقاتل حرساً في شوارع البصرة — دبابات تضرب دبابات ورفاق السلاح يتقاتلون. لم يتوقع النظام أن تنكسر أقوى مؤسسة بناها من داخلها.


لكنها لم تدم.


أرسل صدام فرقه الموالية ونصّب علي حسن المجيد — علي الكيمياوي — على رأس القمع، وأنزل ابنه عدي بنفسه إلى الجنوب ومعه فرق الموت. الألوية المنشقّة صدرت بحقها قوائم عزل واتُّهم ضبّاطها بالخيانة العظمى — رجالٌ خدموا النظام عشرين عاماً صاروا بين ليلة وضحاها خوّاناً ينتظرهم الإعدام.


وما جرى بعد ذلك رأيتُه بعينيّ. لا أحتاج أن أنقله عن أحد.


في الساحات نُصبت أعمدة الإعدام. صفوف من الشباب — أيديهم خلف ظهورهم وأعينهم معصوبة بخِرَق سود — يُوقفون أمام أهاليهم ثم يُرشّون بالرصاص. الأمهات يصرخن فيُضربن بأعقاب البنادق. وبعد الإعدام يأتي الأهل لاستلام الجثة فيُقال لهم: ليس اليوم. غداً تعالوا. تُترك الجثث ليومٍ كامل في الساحة — ليراها الناس فتخاف.


وفوق ذلك — كانوا يتقاضون ثمن الرصاص من أهالي المُعدَم. تمدّ الأمّ يدها تريد جثة ابنها فيقولون لها: ادفعي ثمن الطلقات أولاً. هذا ليس من خيال أحد — هذا وقع. على أرض العراق وقع. ورأيته.


المقابر الجماعية كانت تُحفر ليلاً. شاحنات محمّلة بالجثث تفرغها في حفر بالصحراء وتردم فوقها التراب وتمضي. بلا أسماء ولا شواهد ولا فاتحة. لن يُكشف عنها إلا بعد سنوات — لكننا كنا نعرف. الكل كان يعرف. والكل كان يسكت.


والذين نجوا هربوا إلى الأهوار — تلك المتاهة المائية التي لجأ إليها المظلومون منذ فجر التاريخ. الآلاف من المدنيين والجنود والثوار دخلوا هور الحويزة وهور الحمار واختفوا في القصب. والنظام — حين عجز عن اقتحام الماء بدبّاباته — قرر أن يقتل الهور نفسه: حوّل مجرى النهرين وجفّف الأرض ليقتل من احتمى بها.


وفوق ذلك كله — الحصار. لا دواء ولا غذاء ولا حليب أطفال. الموت يدخل من كل باب.


"إن بطش ربك لشديد إنه هو يبدئ ويعيد"*


في تلك الفوضى — في ذلك الربيع الأسود — وصلتُ إلى العمارة. وحيداً، بلا اسم ولا هوية ولا محفظة ولا مكان أعود إليه. رجلٌ لا وجود له في بلد يقتل أبناءه.




الفصل الثاني: فندق السعادة ولا سعادة


العمارة — ربيع 1991


وصلتُ إلى العمارة في شاحنة نقل خضار.


لا أعرف اسم السائق ولم أسأله ولم يسألني. دفعتُ له ما تبقّى في جيبي — أوراق نقدية قليلة مكرمشة — فأوقف الشاحنة عند مدخل المدينة وأشار بيده نحو الشارع الرئيسي وقال:


— أخوية، أنه أوصّلك لهنا بس. الجوّه نقاط تفتيش ومحد يدري شنو يصير. الله وِيّاك.


نزلتُ. كانت الشمس ترتفع والحرارة تشتدّ رغم أننا في آذار. العمارة — كما رأيتها أول مرة — مدينة منكسرة تتظاهر بالحياة. الكهرباء مقطوعة عن كل شيء — لا عمود إنارة يعمل ولا مولّدة تدور ولا حتى مصباح واحد. حرب الكويت لم تترك في العراق حجراً على حجر — قصفوا محطات الكهرباء ومصافي النفط وخزّانات الوقود بلا رحمة ولا تحفّظ، كانوا أوباشاً حاقدين أعادوا البلد إلى ما قبل الكهرباء وكأن القرن العشرين لم يمرّ من هنا. الناس يعيشون على الفوانيس والشموع والنار، يطبخون على الحطب ويشربون ماء النهر ويسهرون في العتمة كما سهر أجدادهم قبل ألف عام.


واجهات المحلات نصفها مغلق والنصف الآخر يفتح بتوجّس. الشوارع فيها حركة لكنها حركة الخائفين — الناس يمشون بسرعة ورؤوسهم منكّسة. وعلى كل تقاطع نقطة تفتيش — جنديّان أو ثلاثة بزيّ زيتوني مغبرّ، كلاشينكوف على الكتف، يوقفون السيارات ويدققون في الهويات.


مررت بنقطتين. في الأولى لم يلتفتوا إليّ — رجل بدشداشة متّسخة ويشماغ مغبرّ يشبه ألف فلاح يدخل المدينة كل يوم. في الثانية أوقفني جندي شاب — حليق الوجه ومتعب العينين، بندقيته معلّقة على كتفه بحزام جلدي مُرقّع — وقال:


— هويّتك.


— ضايعة منّي يا سيّدي. طاحت بالطريق.


نظر إليّ. كنت أنتظر الأسوأ. لكنه بصق على الأرض:


— روح. وإذا ما طلّعت هوية بأسرع وقت — المرة الجاية ما أسألك. أوديك مباشرة.


مشيت. ولم ألتفت.




وجدتُ الفندق بالصدفة — أو ربما بالغريزة. غريزة الحيوان الجريح الذي يبحث عن أي ثقب يختبئ فيه. لافتة خشبية قديمة فوق باب ضيّق كُتب عليها بخطّ متعرّج: "فندق السعادة." كدت أضحك — لولا أن الضحك يستلزم طاقة لم تكن عندي.


دخلتُ. الاستقبال مظلم — لا كهرباء، وفي زاوية الطاولة فانوس نفطي صغير يرسم ظلالاً مرتجفة على الجدران المتقشّرة. خلف الطاولة الخشبية البالية جلس رجل خمسيني، وجهه دائري أحمر كأنه طماطة ناضجة وكرشه العريض يسبقه بخطوة، يرتدي دشداشة بيضاء اصفرّت تحت الإبطين وفي يده مسبحة كهرمان يقلّبها بأصابع سميكة. أمامه إستكان شاي — ذلك الكأس الزجاجي النحيل الخصر الذي يقولون إن اسمه جاء من الإنجليزية "إيست كان" أي وعاء الشرق — يتصاعد منه بخار خفيف في ضوء الفانوس الشاحب. وبجانبه على الأرض بريمز (طبّاخ نفط) يشتعل بلهب أزرق فوقه كيتلي ماي يغلي ويصفر بصوت خافت.


رفع عينيه إليّ:


— تريد غرفة؟


— نعم. لأسبوع.


— هوية؟


— فقدتها.


نظر إليّ لحظة. رفع الإستكان وشرب رشفة بطيئة — تلك الرشفة التي يقيس بها العراقي الموقف — ثم مدّ يده نحو دفتر السجل.


— اسمك؟


— حيدر. حيدر عبد الواحد.


أدرتُ رأسي قليلاً وأنا أجيب — عادة قديمة عندي حين أكذب، أدير وجهي إلى اليسار كأنني أتجنّب أن تلتقي عيناي بعيني المقابل. أعرف أنها تفضحني لمن يعرف يقرأ الوجوه، لكنني لم أستطع التخلّص منها يوماً.


لم يرمش. كتب الاسم بقلم حبر أزرق باهت في ضوء الفانوس.


— الغرفة سبعة. الطابق الثاني. ادفع مقدّم ثلاثة أيام.


دفعت. وصعدت.




الغرفة سبعة كانت أشبه بالقبر.


سرير حديدي مقشّر الطلاء وفراش رقيق يكشف ما تحته. مروحة سقفية جامدة كقطعة خردة — لا فائدة منها بلا كهرباء. الشبّاك الصغير المفتوح هو مصدر الهواء الوحيد — يدخل منه نسيم ساخن يحمل رائحة النهر القريب ورائحة خبز يُخبز في مكان ما. على طاولة صغيرة في الزاوية وجدت شمعة نصف ذائبة وعلبة كبريت وترمزاً فارغاً وإستكاناً واحداً مكسور الحافة.


نزلت إلى الاستقبال وملأت الترمز من الكيتلي — صاحب الفندق لم يعترض، فقط أشار إلى السكّر بعينيه فهززت رأسي: لا سكّر، البطاقة التموينية تحتاج هوية — ثم صعدت وسكبت لنفسي أول إستكان في تلك الغرفة المظلمة. شاي خفيف بلا سكّر في ضوء شمعة. الإستكان مكسور الحافة يجرح الشفة إن لم تنتبه — لكنني تعلّمت أن أشرب من الجهة السليمة. صار هذا الإستكان أقرب شيء عندي إلى الأُلفة.


أخرجت من جيب دشداشتي الداخلي الشيء الآخر الوحيد: سكين مطبخ بنصل مثلّم. ليست سلاحاً حقيقياً — لكنّ الإنسان الذي فقد كل شيء يتمسّك بأي شيء فيه حدّ.


لن أخبركم كيف وصلتُ إلى هنا — ليس بعد. لكنني وعدتُ نفسي أنني سأروي كل شيء حين يحين الوقت — من أكون حقاً، ولماذا أحمل اسماً ليس اسمي، وماذا فعلتُ بيديّ هاتين قبل أن أغسلهما بماء الكحلاء. فقط اعلموا — لأن ذلك ضروري لما سيأتي — أنني رجل يعرف كيف يقتل ويعرف قليلاً عن كيف يعالج. وبين هاتين المهارتين يتأرجح كل ما تبقّى من حياتي.


أربعة أيام مرّت. لا أخرج إلا بعد الغروب. أشتري خبزاً ولبناً من دكان قريب يعمل بفانوس وأعود. الليالي طويلة بلا كهرباء — أشعل الشمعة وأجلس والإستكان بين يديّ أحدّق في الظلال التي يرسمها لهب الشمعة على الجدار. أشكال بلا معنى تتمدّد وتنكمش — كأنها أشباح كل من قتلتهم تعود لتتفرّج عليّ.


أنتظر. أنتظر ماذا — لا أعرف.




في مساء اليوم الخامس — والشمعة تلفظ آخر أنفاسها — طُرق الباب.


قفزت. في ثانية كانت السكين في يدي وظهري إلى الجدار.


— منو؟


— أنه أبو خالد. افتحلي يا ابني.


أخفيت السكين وفتحت. دخل أبو خالد — صاحب الفندق — بكرشه ومسبحته وفانوس صغير في يده ورائحة الجگارة السومر التي لا تفارقه. جلس على الكرسي الخشبي الوحيد في الغرفة — فأنّ الكرسي تحته أنين رجل مظلوم — وأشعل جگارة جديدة دون استئذان. نظر إلى الإستكان الفارغ والشمعة المحتضرة ثم إليّ.


— يا ابني حيدر... أنه ما أحب أتدخّل بشغل الناس. بس أنته صاير أربع أيام ما تنزل وما تاكل ووجهك أصفر وعيونك غايرة. وبعدين — عاد أنه أدري إنك مو حيدر ولا حيدرين.


تجمّد الدم في عروقي.


— لا تخاف يا ابني. لو أريد أسلّمك چان سلّمتك من أوّل يوم. أنه شايفك من جيت — شاب خايف وحاجز باسم مو اسمه ومحفظته ضايعة ولا دينار بجيبه. ما يحتاجلها شيرلوك هولمز يفهمها.


أرخيت قبضتي على السكين — لكنني لم أتركها.


— يا ابني اسمع. جيت أگلَّك شي ولازم تسمعني زين — الأمن صاروا يفتّشون الفنادق. واحد واحد. يجون بالليل ياخذون سجل النزلاء ويدققون بالأسامي. يدوّرون على المتورّطين. واللي ما عنده هوية — يسحبونه. ويگولون "نوديه تحقيق." بس كلنا نعرف.


جلست على حافة السرير. ساقاي لم تعودا تحملاني.


— يمته يوصلون لهنا؟


— ما أعرف. يمكن الليلة. يمكن باچر.


صمت. ثم حدّق فيّ بنظرة لم أفهمها في البداية — نظرة رجل ينظر إلى ابنه:


— يا ابني، أنته شنو قصّتك؟ لا تخاف منّي. أنه بمقام أبوك.


هل أثق به؟ لم يكن عندي ترف الاختيار.


— أنه هارب يا عمّي. من بعيد. من الأحداث. ما عندي هوية ولا مكان. وأريد أوصل لمكان الجيش ما يوصله.


لم أقل أكثر. وعدتُ نفسي أنني سأروي قصتي كاملة — لكن ليس الآن. ليس لرجل لا أعرفه منذ خمسة أيام مهما بدا طيّباً. وأبو خالد — لحكمته أو لخوفه — لم يسأل.


هزّ رأسه. أطفأ الجگارة على حافة الكرسي — وكانت الحافة مثقلة بحروق قديمة — ومسح يده بدشداشته. ثم انحنى نحوي وخفض صوته:


— اسمع يا ابني. تروح للكحلاء لواحد من ولد عمّنا اسمه أبو دعيّر.


رفعتُ رأسي.


— هذا دلّال بعلوة الكحلاء. يشتري ويبيع بالجملة — ياخذ المسواگ من هنا للي بعمق الأهوار: خضار وچاي وسكّر وطحين ومن كل شي يحتاجونه المگنطرين اللي ما يطلعون من الهور. ويجيب منهم سمچ وحليب وبيض وأحياناً مواشي حسب الصفقة. عنده مشاحيف تروح وتجي ويوصل للعزير ويرجع. مشاحيفه ما يفتّشونها — لأنه يسوّي خدمات للكل حتى الأمن ياخذون منه.


— شلون أوصله؟


— باچر گبل الفجر. الكحلاء تبعد ثلاثين كيلو تقريباً. تصعد من هنا بالگراج — يمكن تلگي سيارة حمل رايحة لهناك — لو إذا تريد تتجنّب أغلب التفتيش تاخذ أي نقل من الحلفاية. الحلفاية غرب العمارة وأغلب سيارات النقل تمر منها للكحلاء وللقرى. من أيّ نقل تنزل گبل ما توصل نقطة تفتيش الكحلاء بشوية — تنزل وتكمل مشي على ضفّة النهر لحد ما توصل العلوة. أبو دعيّر تعرفه من حجمه — رجّال ضخم طوله گد الباب، يلبس دشداشة وفوگها صديري كاكي، وصوته يسمعونه من آخر السوگ. رجّال ما يسكت.


ثم عاد جاداً:


— بس لازم تبچّر. هالأسبوع عنده شحنة رايحة للعزير وما أدري يمته يرجع. إذا فاتتك — تنطر أسبوع لو أكثر. وما أظن عدك أسبوع.


— ما عندي.


— إذن باچر الصبح.


نهض من الكرسي فارتاح الكرسي وسكت أنينه. ثم ارتجفت أصابعه وعيناه صارتا رطبتين:


— تدري ليش أساعدك يا ابني؟ أنه عندي ولدين. الكبير — محمد — رجع بتابوت من الفاو. والصغير — خالد — اللي سجّلت هالفندق باسمه — سحبوه من بيته بوگت الانتفاضة ومن يومها ما شفته. رحت أسأل عنه بكل مكان. حتى النهر مشيت على ضفّته أدوّر. والحمد لله ما لگيت — يعني يمكن لسّه حي. يمكن بالهور. يمكن بإيران. يمكن...


لم يُكمل. مسح وجهه بطرف دشداشته. ثم شدّ نفسه واستقام وعادت إلى صوته نبرة صاحب الفندق — النبرة التي يواجه بها الدنيا:


— المهم — باچر الصبح. ولو يسألك أبو دعيّر منو أرسلك — گوله أبو خالد صاحب فندق السعادة. بس لا تگله قصّتك — لأنه رجّال تاجر وما تعرف وياه. خلّيها إنك تريد توصل للعزير بشغل. والباقي — الله يدبّرها.


مشى نحو الباب. والتفت:


— والجگاير اللي بالدرج — خذلك وحدة. وخلّي عينك بعين الله.


وخرج.




لم أنم.


أشعلت شمعة جديدة — آخر شمعة — وجلست في ضوئها أفكّر. كانت تلك الساعات هي الأطول في حياتي. كل صوت من الخارج — خطوات على الدرج، سعال من غرفة مجاورة — كان ينبّه كل عصب في جسدي. عاداتي القديمة — العادات التي اكتسبتها في حياتي الأخرى، الحياة التي لم أروِها لكم بعد — تعود في لحظات الخطر: أصابعي تنقر على الركبة بإيقاع سريع منتظم، وعيني اليمنى ترتجف حين أسمع صوتاً مباغتاً، وفمي يتحرّك بكلمات صامتة — أعدّ، أحسب، أراجع خطوات الهرب في رأسي كأنني أقرأ خارطة.


في البعيد سمعت صوت إطلاق نار — طلقتان متتابعتان ثم صمت. لم أتحرّك. في تلك الأيام صار صوت الرصاص كصوت المطر — تسمعه وتعرف أن أحداً يموت في مكان ما ولا تستطيع أن تفعل شيئاً سوى أن تحمد الله أنك لستَ أنت.


قبل الفجر بساعة أطفأتُ الشمعة. غسلت وجهي بماء الحنفية البارد — وكان بارداً يُوجع — ولبست دشداشتي ولففت اليشماغ على طريقة الفلاحين. وضعت السكين في الجيب الداخلي وأخذت ما تبقّى من خبز يابس وحبّات تمر تركها لي أبو خالد بالأمس ونزلت.


في الاستقبال — في ضوء فانوسه — كان أبو خالد قد سبقني. جالساً وأمامه إستكان شاي وجگارة مشتعلة. كأنه لم ينم هو الآخر.


— يا عمّي...


— روح يا ابني. الله وِيّاك. الباب الخلفي.


— أبو خالد... إذا ما رجعت...


— لا تحچي هيچي. روح. الله ما يضيّع حد.




خرجت إلى الزقاق الخلفي. ظلام كامل — لا مصباح شارع ولا نافذة مضاءة ولا أي ضوء. العمارة كلها في عتمة مطلقة كأن المدينة ماتت ونسوا أن يدفنوها. الهواء بارد ورطب — رطوبة ميسان التي تخترق الثياب والعظام.


مشيت في الظلام أتلمّس الجدران. أزقّة ضيّقة تفوح منها رائحة مياه آسنة وروث بهائم.


وصلت إلى الحلفاية — حيّ شعبي على الأطراف الغربية للعمارة، بيوت طابوق واطئة وأزقّة ترابية — وأنا أبحث عن أي شيء يتّجه نحو الكحلاء. ثلاثون كيلومتراً على الأقل. لا أستطيع مشيها ولا أكاد أملك ما أدفعه.


عند مفرق الحلفاية كان الفجر لم يطلع بعد لكن العتمة بدأت تخفّ بدرجة واحدة — ذلك اللون الذي ليس ظلاماً ولا نوراً. وقفت أنتظر.


ثم سمعت صوت محرّك ديزل يقترب — ثقيل ومتعب يسعل ويختنق كأنه مريض بالربو. سيارة صلاح الدين فحل — سيارة حمل أربعة أطنان صنع عراقي، تلك العربة المربّعة الصلبة التي لا تموت مهما فعلت بها — حوضها مفتوح ومحمّل بأكياس خيش. توقّفت عند المفرق. خرج السائق — رجل أربعيني بدشداشة ويشماغ، وجهه منتفخ من النوم — يتبوّل على جانب الطريق.


اقتربت.


— أخوية، رايح جهة الكحلاء؟


— إي. شبيك؟


— أريد أوصل للعلوة. أوديك أجرة بس والله ما عندي غير هذا.


مددت له ورقة نقدية — آخر ما أملك. نظر إليها. نظر إليّ. هزّ كتفيه:


— اصعد بالحوض. بس إذا وصلنا نقطة تفتيش — أنته حمّال عندي ولا تحچي ولا كلمة.


صعدت بين أكياس الخيش — رائحتها رائحة طحين وتراب — ورأسي تحت مستوى جدار الحوض. تحرّكت السيارة.


الطريق مظلم — لا إنارة شوارع، فقط نخيل على الجانبين تتراءى أشباحها في الفجر المبكّر. الصلاح الدين تسير ببطء — محرّكها يئنّ ويسعل والشارع مليء بحفر وشقوق من أثر القصف الذي لم يُصلَح. ثلاثون كيلومتراً على هذا الطريق تعني ساعة كاملة من الاهتزاز والقفز فوق الحفر وأنا أتمسّك بجدار الحوض وأكياس الطحين تتراقص حولي.


توقّفنا مرة واحدة — سمعت صوت جندي يسأل السائق:


— وين رايح؟


— الكحلاء. بضاعة للعلوة.


— شنو بالحوض؟


— طحين وسكّر. مال أبو دعيّر الدلّال. تدري أبو دعيّر؟


صمت لحظة. ثم تغيّرت نبرة الجندي:


— إي أعرفه. روح روح. وسلّملي عليه.


ذلك الاسم — أبو دعيّر — يفتح الأبواب المغلقة. ما الذي يجعل تاجر سمك ومواشي بهذا النفوذ؟ تأمّلت ذلك وأنا مختبئ بين أكياس الطحين.


بعد نحو ساعة — والفجر بدأ يكشف ملامح الأرض المسطّحة والنخيل والقصب البعيد — أبطأ السائق وطرق على جدار الحوض:


— أخوية، نقطة تفتيش الكحلاء بعد كيلو. انزل هنا وكمّل مشي على الضفّة.


نزلت. مضت السيارة.


انحرفت عن الشارع ونزلت إلى ضفّة النهر. أرض طينية رطبة تغوص فيها القدم. مشيت بمحاذاة الماء — نهر الكحلاء يتحرّك ببطء عكراً بلون الطين. صوت ضفدع يغوص وسمكة تقفز.


مررت بامرأة تمشي في الاتجاه المعاكس تحمل على رأسها أواني مغطّاة — أواني القيمر والجبن، معيديّة ذاهبة لتجلس قرب أفران الصمون كما تفعل كل فجر. نظرت إليّ بعينين خاليتين ومضت. وكلب أعرج اقترب يشمّ ثم تركني.


والفجر يكبر. والسماء تتحوّل إلى لون ليس له اسم — لون فجر ميسان.


ثم أذان الفجر من مسجد قريب. صوت المؤذّن أجشّ متعَب — لكنه في ذلك الصمت الرطب بدا كأنه ينادي عليّ وحدي.


ولم أكن أعرف إن كان الله قد سمعني حين دعوته بالأمس. لكنني كنت حيّاً. ولا يزال أمامي رجل اسمه أبو دعيّر. وهذا يكفي ليُسمّى أملاً.




الفصل الثالث: أبو دعيّر


علوة الكحلاء — فجراً


وصلت والفجر لم يكتمل بعد.


علوة الكحلاء كانت نصف ميتة ذلك الصباح. دكاكين مغلقة أكثر من المفتوحة. بسطات هزيلة عليها بضع سمكات وحزم بصل وأكياس رز مفتوحة. باعة يجلسون القرفصاء بوجوه تحمل تعبير الخائف المتظاهر بالطبيعة. كل شيء بلا كهرباء — فوانيس نفطية معلّقة على أعمدة خشبية، وچولة هنا يغلي فوقها قوري چاي أسود، وتنّور طين هناك يتصاعد منه دخان ورائحة خبز.


مشيت على الضفّة نحو المشاحيف. النهر هادئ عكر. مشاحيف صغيرة مقلوبة أو نصف غارقة — ومشحوف واحد كبير يختلف عنها: طويل عريض مطليّ بالقار الأسود، مربوط بحبل غليظ، وفي جوفه صناديق وأكياس مكدّسة بنظام يعرفه صاحبه وحده.


وقبل أن أراه — سمعته.


— يا ابن الچلب وينك ساعة من تحتاجك؟ هاي البضاعة إذا بقت بالشمس ساعة كلها تخرب عليّ وأتحمّلها من چيسي أنه؟ لك شيل شيل! والچاي — وين صناديق الچاي؟ ها؟ گتلك الچاي والسكّر أول شي ينحمّل! الناس بعمگ الهور بلا چاي من شهر — تدري شنو يعني عراقي بلا چاي شهر كامل؟ يعني ثورة! ثورة ثانية بس هالمرة على أبو دعيّر!


اقتربت فرأيته.


رجل ضخم حقاً. لو وضعته في إطار باب لملأه من الجانبين. عرض منكبيه كأنه خزانة حديد وكرشه صلب مشدود — كرش من يأكل كثيراً ويعمل أكثر. وجهه مربّع أسمر محروق بالشمس وبلحية خفيفة كأنه لا يملك وقتاً للحلاقة، وعيناه صغيرتان ذكيّتان تتحرّكان بسرعة كأنهما آلتا حساب. يرتدي دشداشة رمادية فوقها صديري كاكي بجيوب محشوّة بدفاتر وأقلام وربطات نقود ومفتاح ماطور وعلبة جگاير سومر ومسبحة وكبريت. يشماغ بعقال مائل كأنه لا يكترث بمظهره. وبيده اليمنى يمسك سمكة بُنّية ضخمة من خياشيمها ويؤشّر بذراعه كلها وهو يصرخ على أحد الحمّالين — والسمكة تتأرجح في الهواء كأنها امتداد ليده:


— شلون يطبّ وياه سمچ كل بُنّية؟ شوف هاي — شوفها! وزنها من العشرة كيلو وفوگ!


كان يوجّه حمّالَين نحيلين — شابّين لا يتجاوز أي منهما العشرين، أجسادهما يابسة كالحبال وعروقهما ناتئة — يحمّلان البضاعة: أكياس طحين وصناديق شاي وأكياس سكّر وعلب زيت وحزم خضار. وهو يمدّ يده ويرفع كيس طحين بيد واحدة كأنه علبة كبريت. لاحظتُ أنه يرتّب البضاعة بعناية — الأكياس الثقيلة في القاع — وتحت كل ذلك أرضية المشحوف السميكة. شيء في طريقة نظره إلى تلك الأرضية — نظرة سريعة كأنه يطمئن — لفت انتباهي. لكنني لم أفكّر فيه حينها.


وقفت على بعد خطوات. أصابعي تنقر على فخذي بذلك الإيقاع العصبي.


التفتَ فوقعت عيناه الصغيرتان عليّ. رمى السمكة في صندوق خلفه دون أن ينظر — ووقعت في مكانها بالضبط — ونظر إليّ من فوق إلى تحت.


— ها وليدي، شتريد؟


بلعت ريقي. أدرت وجهي قليلاً إلى اليسار ثم أجبرت نفسي:


— أبو دعيّر؟


— إي أنه. شتريد؟


— أبو خالد أرسلني. صاحب فندق السعادة. يگول يعرفك.


مسح يده بدشداشته — يد لزجة برائحة السمك — وأخرج جگارة سومر وأشعلها بكبريت:


— أبو خالد، إي أعرفه. زبون قديم. شبيه بعثلي واحد هالصبح؟


— يگول... إنك تروح بمشاحيفك للعزير.


حرّك الجگارة من زاوية فمه إلى الأخرى دون أن يلمسها بيده:


— أروح وأجي. هذا شغلي. شبيك أنته بالعزير؟


— عندي شغل هناك. أهل... أهل زوجتي.


ابتسم — ابتسامة كشفت عن أسنان صفراء وسنّ ذهبية في الزاوية:


— أهل زوجتك. بالعزير. هسّه. بهالفوضى. بادي بيك ناسي حتى تتزوّج — ومتزوّج وحدة من العزير فوگها.


أحسست بالحرارة ترتفع في عنقي ثم أذنيّ.


رمى الجگارة في النهر والتفت إلى الحمّالين:


— أگعدوا استريحوا خمس دقايق. وإذا شفتكم گاعدين أكثر — أنطيكم بالگفا.


أشار لي أن أتبعه. مشينا إلى شجرة سدر عجوز على الضفة. جلس واتكأ على الجذع — والجذع أنّ تحته — وأخرج من صديريه دفتراً ملوّثاً ببقع شاي وقلماً ناشفاً يبلّله بلعابه — وبدأ يرسم خطوطاً بينما يتكلّم:


— اسمع ياوليدي. أوّل شي — شسمك؟


— حيدر.


— حيدر شنو؟


— حيدر عبد الواحد.


نظر إليّ لحظة ثم هزّ رأسه كأنه قَبِل الاسم مؤقتاً:


— زين أبو كرّار. يالله أبو كرّار اسمع — أنه ما راح أسألك عن قصّتك. مو شغلي. شغلي أبيع وأشتري وأوصّل مسواگ. بس أنته مو رايح لأهل زوجتك. أنته هارب. ومحتاج توصل لمكان الجيش ما يوصله.


صمتُّ.


— شوف يا أبو كرّار — هور الكحلاء هذا اللي گدّامك — إي يوصل لإيران. بس الماي منحسر والجيش عيونه عليه من كل جهة. هذا مثل ما تختبي بغرفة حيطانها زجاج.


— المكان اللي ينفعك — العزير. هور الحويزة. ثلثينه بالعراق وثلثه بإيران. القصب يوصل سبعة أمتار والبردي يتشابك فوگ راسك. والعشاير هناك ما ركعوا لا لصدام ولا اللي أثخن من صدام. والمعارضة مسنودة من إيران.


خفض صوته — نظر يميناً وشمالاً:


— وتدري علي الكيمياوي شسوّى؟ أمر يبنون سدّة ترابية على طول الحدود — يريد يفصل الماي ويجفّف كل شي. بس من يجي الليل — ولدنا ميقصّرون — يضربون السدّة ويخلّون الماي يدخل من إيران ويرجع الهور. كل يوم نفس الشي. حرب ما حد يشوفها.


رفع عينيه من الدفتر:


— هسّه يا أبو كرّار — أنته شنو تگدر تنفعني؟


— شلون يعني؟


— يعني أنه تاجر. ما أشتغل بالبلاش. هسّه أگلَّك شنو شغلنا بالضبط: أنه آخذ المسواگ — الچاي والسكّر والطحين والخضار — للناس اللي بعمگ الهور. المگنطرين اللي ما يطلعون ولا يشوفون السوگ من أشهر. أوصّلها لهم. وأجيب منهم سمچ وحليب وبيض وأحياناً مواشي. أنه مگنطر وياهم. هذا شغلي المعلن.


لاحظت أنه قال "المعلن." لم أسأل عن غير المعلن.


— فأنته يا أبو كرّار — شنو تعرف تسوّي؟


— أعرف شوية. و... بديت دراسة صحة بس ما كمّلت. سحبوني لحرب إيران. اشتغلت مسعف بالجبهة. أعرف أضمّد وأخيّط جروح وأعطي إبر.


توقفت يده عن الرسم. رفع رأسه ببطء. العينان الصغيرتان اتسعتا:


— تعرف تعالج؟ بعمگ الهور الناس بحاجة لكل شي — بس أكثر شي واحد يعرف يعالج. جرحى بالعشرات ومحد عدهم ولا طبيب ولا حتى بيطار.


— إذا أنته فعلاً تعرف — أوصّلك. بس تشتغل وياي بالطريق. وهناك تعالج الناس. وكل ما عالجت واحد أنه أستفاد — لأنهم أنه مگنطر وياهم وأريدهم حيّين.


مدّ يده الضخمة:


— ها؟ شنو تگول؟


مددت يدي. كانت ترتجف — لكنّ قبضته ابتلعتها.


— بسم الله. هسّه — تعال وياي.




أمضيت ذلك اليوم كله معه.


قادني إلى كوخ طيني على الضفّة — جدرانه طين وسقفه قصب، فيه طاولتان خشبيتان وكراسي بلاستيكية مخدوشة وبريمز يشتعل بلهب أزرق فوقه كيتلي ماي يغلي ويصفر. رجل عجوز نحيل أعمى عين واحدة — عينه اليمنى بيضاء كالحليب والأخرى سوداء حادّة — يدير المكان بمفرده: يسكب الچاي من قوري ألمنيوم مسوّد بالنار في إستكانات يرصّها على صينية، ويقدّم خبز التنّور مع صحن قيمر.


— أگعد هنا يا أبو كرّار. واشرب چاي والتهي. أنه عندي شغل بالعلوة. إذا أحد سألك — گله أنته حمّال مال أبو دعيّر.


جلست. العجوز — الذي عرفت لاحقاً أن اسمه أبو حسّون وأنه يدير الكوخ منذ عشرين سنة — سكب لي إستكاناً ثقيلاً حلواً بالسكّر. أول سكّر منذ أيام. الطعم كاد يُدمع عيني — ليس لأنه سكّر بل لأن شيئاً بسيطاً كالحلاوة صار يكفي ليذكّرني بأنني إنسان.


من فتحة الباب راقبت. أبو دعيّر عاد إلى مشحوفه. الحمّالان يعملان والعرق يتصبّب. البضاعة تُحمّل بنظام: الطحين والسكّر في القاع، ثم الشاي والزيت، ثم الخضار. لاحظتُ أنه يشرف بنفسه على القاع — ينزل ويرتّب الأكياس بعناية مبالغة. ظننت أنها دقّة التاجر. لم أكن أعرف أن تحت الأكياس — في أرضية المشحوف — تصميماً مخفياً: فراغ بين طبقتي خشب يتّسع لصناديق بحجم صندوق ذخيرة.




بعد ساعتين رأيت من فتحة الباب مشاحيف تقترب.


ثلاثة مشاحيف قادمة من الهور — فيها رجال تعرف من هيئتهم أنهم لم يروا مدينة منذ أشهر: وجوه أسمر ناشفة حروقها طبقات فوق طبقات، ملابس ممزّقة مرقّعة، أجساد نحيلة صلبة. سمّاچة من العمق.


لم يأتوا إلى العلوة. توقّفوا عند منعطف تحجبه أشجار السدر. أبو دعيّر ترك كل شيء ومشى نحوهم بصمت — وصمته يعني أن الأمر جدّي.


من الكوخ رأيت: السمّاچة يفرّغون مشاحيفهم — صناديق سمك وأوعية حليب وأقفاص بيض وجلود جاموس — ويحمّلونها في مشحوف أبي دعيّر. وفي المقابل نُقل جزء من المسواگ إلى مشاحيفهم. تبادل مدروس. وأبو دعيّر في الوسط يدوّن ويعدّ النقود — أحياناً يأخذ وأحياناً يعطي.


كل شيء متّفق عليه مسبقاً. هؤلاء السمّاچة حلقة في سلسلة تمتدّ من عمق الأهوار إلى هنا. أبو دعيّر هو الشريان الذي يضخّ الحياة إلى تلك المتاهة.


هذا ما كنت أراه. ما لم أكن أراه — ما كان يحدث في قاع المشحوف — سأعرفه لاحقاً. لكنني لم أكن ساذجاً. شيء في صمت العملية وطريقة إبعادي أخبرني أن ما يُنقل ليس فقط طحيناً وسمكاً. لم أسأل. الأسئلة التي لا تُسأل أحياناً أهم الأسئلة.




بعد أن اختفت مشاحيف السمّاچة عاد أبو دعيّر إلى الكوخ. جلس أمامي — والكرسي البلاستيكي اختفى تحته — وقال لأبي حسّون:


— يا أبو حسّون إستكانين! وخلّيهم ثقال!


أبو حسّون — بعينه الواحدة — سكب الچاي بدقّة عجيبة من القوري المسوّد دون أن يسكب قطرة خارج الإستكان. أبو دعيّر أشعل جگارة. بدا مرتاحاً.


— يا أبو كرّار، هسّه أگلَّك شنو شغلنا بالضبط. باچر إن شاء الله نتحرّك. الطريق بالمشحوف ياخذ ساعات — نمر بممرات ضيّقة بين القصب وبمسالك ما يعرفها غيري وغير السمّاچة. وبالطريق أوگف عند بيوت المعدان أبيع وأشتري.


شرب رشفة — وحين يشرب أبو دعيّر يحتسي بصوت عالٍ كأنه يمتصّ الحياة نفسها:


— هسّه أنته تگعد وياي بالمشحوف. تساعد بالتحميل والتفريغ. وإذا وصلنا بيت فيه مريض — تدخل وتشوفه.


— زين.


وضع الإستكان ونظر إليّ — أمال رأسه وحكّ لحيته:


— يا أبو كرّار — أنه ما راح أسألك عن قصّتك. بس أگلَّك شي واحد: أنه أشتغل بهالسوگ من ثلاثين سنة. شفت ناس من كل نوع. وأنته — بعيوني — مو فلاح ومو هارب عادي. أنته شي ثاني. شنو بالضبط — ما يهمّني هسّه. بس يوم يجي وتحسّ أكو شي ضامّك متگدر تگوله — أنه أسمعك.


لم أجب. أدرت وجهي إلى اليسار وشربت الچاي.


ضحك — ضحكة قصيرة خشنة هزّت الطاولة:


— وهاي الحركة — لفّة الوجه هاي — كل ما أسألك شي تلفّ وجهك. خوش علامة يا أبو كرّار. يعني أكو شي ضامّك. وهذا زين — لأنه بهالزمن اللي ما عنده شي ضامّه يا ميّت يا أبله.


ضحكت — أول ضحكة لي منذ أسابيع.


وقف ومسح يده بدشداشته:


— الليلة تنام هنا بالعلوة. أبو حسّون يفرشلك فراش بالخلف. وباچر گبل الفجر — نتحرّك. ولا تجيب وياك هموم — الهور ما يتحمّل أكثر.


ثم التفت وهو يخرج ورفع صوته:


— يا حمّالة! وين رحتوا؟ بعدنا ما كمّلنا شغل! لك تعالوا هسّه!




بقيت في الكوخ. أبو حسّون سكب لي إستكاناً آخر بلا ما أطلب وجلس في الزاوية يخيط شبكة سمك بأصابعه التي تعرف طريقها.


الشمس تميل. العلوة تهدأ. الفوانيس تُشعل. رائحة سمك مشوي على نار حطب ورائحة الطين والنهر.


غداً. المشحوف. الأهوار.


أمسكت الإستكان بكلتا يديّ — عادة ربما ورثتها من جدّتي التي كانت تمسك كأسها بالطريقة نفسها وتقول كلاماً لم أفهمه وأنا صغير — وشربت آخر رشفة.


كانت حلوة.




يتبع — الفصل الرابع: سيد هاشم