لن أكذب عليكم. لن أقول إنني رجل طيّب، ولن أدّعي أن يديّ نظيفتان. قتلتُ رجالاً — وفقدتُ العدّ منذ زمن. لكنني لم أقتل أحداً لم يكن يستحق أن يموت، أو هكذا كنت أقول لنفسي في الليالي التي يضيق فيها السقف.
اسمي إلياس. لكنكم لن تجدوا هذا الاسم في أي سجل من السجلات التي أحملها — لأنني لا أحمل شيئاً. فقدتُ محفظتي وهويتي وكل ما يثبت أنني موجود في هذا العالم. وربما كان ذلك أفضل — لأن الرجل الذي لا وجود له لا يستطيع أحد أن يقتله. أو هكذا ظننت.
لكنني أسبق الأحداث.
لكي تفهموا كيف انتهى بي الأمر في غرفة ضيّقة في فندق رثّ بمدينة العمارة، في ربيع عام واحد وتسعين، وأنا أنتظر الموت أو النجاة ولا أعرف أيّهما سيصل أولاً — لا بدّ أن تعرفوا ماذا حلّ بهذا البلد.
ثماني سنوات من الحرب مع إيران. مليون شهيد ومليون معوّق وبلدٌ طُحنت عظامه طحناً. ثم احتلال الكويت في آب تسعين وانسحاب مذلّ في شباط — جيش كامل تفكّك على طريق الموت بين الكويت والبصرة والطائرات الأمريكية أحرقت كل ما تحرّك.
وصدام — الذي جثم على صدر العراق واحداً وعشرين عاماً — كان يظنّ أن الناس نسيت. لم تنسَ.
في البصرة، جنديٌّ عائد من الكويت منكسر ومحطّم ساق دبّابته من طراز تي-72 نحو ساحة سعد وأطلق قذيفة على صورة صدام المنصوبة في قلب الساحة. صفّق الجنود من حوله. وتلك القذيفة أشعلت أربع عشرة محافظة من أصل ثماني عشرة.
بل إن أربعة ألوية من الحرس الجمهوري نفسه انشقّت والتحقت بالثوار. صار حرس يقاتل حرساً في شوارع البصرة — دبابات تضرب دبابات ورفاق السلاح يتقاتلون. لم يتوقع النظام أن تنكسر أقوى مؤسسة بناها من داخلها.
لكنها لم تدم.
أرسل صدام فرقه الموالية ونصّب علي حسن المجيد — علي الكيمياوي — على رأس القمع، وأنزل ابنه عدي بنفسه إلى الجنوب ومعه فرق الموت. الألوية المنشقّة صدرت بحقها قوائم عزل واتُّهم ضبّاطها بالخيانة العظمى — رجالٌ خدموا النظام عشرين عاماً صاروا بين ليلة وضحاها خوّاناً ينتظرهم الإعدام.
وما جرى بعد ذلك رأيتُه بعينيّ. لا أحتاج أن أنقله عن أحد.
في الساحات نُصبت أعمدة الإعدام. صفوف من الشباب — أيديهم خلف ظهورهم وأعينهم معصوبة بخِرَق سود — يُوقفون أمام أهاليهم ثم يُرشّون بالرصاص. الأمهات يصرخن فيُضربن بأعقاب البنادق. وبعد الإعدام يأتي الأهل لاستلام الجثة فيُقال لهم: ليس اليوم. غداً تعالوا. تُترك الجثث ليومٍ كامل في الساحة — ليراها الناس فتخاف.
وفوق ذلك — كانوا يتقاضون ثمن الرصاص من أهالي المُعدَم. تمدّ الأمّ يدها تريد جثة ابنها فيقولون لها: ادفعي ثمن الطلقات أولاً. هذا ليس من خيال أحد — هذا وقع. على أرض العراق وقع. ورأيته.
المقابر الجماعية كانت تُحفر ليلاً. شاحنات محمّلة بالجثث تفرغها في حفر بالصحراء وتردم فوقها التراب وتمضي. بلا أسماء ولا شواهد ولا فاتحة. لن يُكشف عنها إلا بعد سنوات — لكننا كنا نعرف. الكل كان يعرف. والكل كان يسكت.
والذين نجوا هربوا إلى الأهوار — تلك المتاهة المائية التي لجأ إليها المظلومون منذ فجر التاريخ. الآلاف من المدنيين والجنود والثوار دخلوا هور الحويزة وهور الحمار واختفوا في القصب. والنظام — حين عجز عن اقتحام الماء بدبّاباته — قرر أن يقتل الهور نفسه: حوّل مجرى النهرين وجفّف الأرض ليقتل من احتمى بها.
وفوق ذلك كله — الحصار. لا دواء ولا غذاء ولا حليب أطفال. الموت يدخل من كل باب.
"إن بطش ربك لشديد إنه هو يبدئ ويعيد"*
في تلك الفوضى — في ذلك الربيع الأسود — وصلتُ إلى العمارة. وحيداً، بلا اسم ولا هوية ولا محفظة ولا مكان أعود إليه. رجلٌ لا وجود له في بلد يقتل أبناءه.
وصلتُ إلى العمارة في شاحنة نقل خضار.
لا أعرف اسم السائق ولم أسأله ولم يسألني. دفعتُ له ما تبقّى في جيبي — أوراق نقدية قليلة مكرمشة — فأوقف الشاحنة عند مدخل المدينة وأشار بيده نحو الشارع الرئيسي وقال:
— أخوية، أنه أوصّلك لهنا بس. الجوّه نقاط تفتيش ومحد يدري شنو يصير. الله وِيّاك.
نزلتُ. كانت الشمس ترتفع والحرارة تشتدّ رغم أننا في آذار. العمارة — كما رأيتها أول مرة — مدينة منكسرة تتظاهر بالحياة. الكهرباء مقطوعة عن كل شيء — لا عمود إنارة يعمل ولا مولّدة تدور ولا حتى مصباح واحد. حرب الكويت لم تترك في العراق حجراً على حجر — قصفوا محطات الكهرباء ومصافي النفط وخزّانات الوقود بلا رحمة ولا تحفّظ، كانوا أوباشاً حاقدين أعادوا البلد إلى ما قبل الكهرباء وكأن القرن العشرين لم يمرّ من هنا. الناس يعيشون على الفوانيس والشموع والنار، يطبخون على الحطب ويشربون ماء النهر ويسهرون في العتمة كما سهر أجدادهم قبل ألف عام.
واجهات المحلات نصفها مغلق والنصف الآخر يفتح بتوجّس. الشوارع فيها حركة لكنها حركة الخائفين — الناس يمشون بسرعة ورؤوسهم منكّسة. وعلى كل تقاطع نقطة تفتيش — جنديّان أو ثلاثة بزيّ زيتوني مغبرّ، كلاشينكوف على الكتف، يوقفون السيارات ويدققون في الهويات.
مررت بنقطتين. في الأولى لم يلتفتوا إليّ — رجل بدشداشة متّسخة ويشماغ مغبرّ يشبه ألف فلاح يدخل المدينة كل يوم. في الثانية أوقفني جندي شاب — حليق الوجه ومتعب العينين، بندقيته معلّقة على كتفه بحزام جلدي مُرقّع — وقال:
— هويّتك.
— ضايعة منّي يا سيّدي. طاحت بالطريق.
نظر إليّ. كنت أنتظر الأسوأ. لكنه بصق على الأرض:
— روح. وإذا ما طلّعت هوية بأسرع وقت — المرة الجاية ما أسألك. أوديك مباشرة.
مشيت. ولم ألتفت.
وجدتُ الفندق بالصدفة — أو ربما بالغريزة. غريزة الحيوان الجريح الذي يبحث عن أي ثقب يختبئ فيه. لافتة خشبية قديمة فوق باب ضيّق كُتب عليها بخطّ متعرّج: "فندق السعادة." كدت أضحك — لولا أن الضحك يستلزم طاقة لم تكن عندي.
دخلتُ. الاستقبال مظلم — لا كهرباء، وفي زاوية الطاولة فانوس نفطي صغير يرسم ظلالاً مرتجفة على الجدران المتقشّرة. خلف الطاولة الخشبية البالية جلس رجل خمسيني، وجهه دائري أحمر كأنه طماطة ناضجة وكرشه العريض يسبقه بخطوة، يرتدي دشداشة بيضاء اصفرّت تحت الإبطين وفي يده مسبحة كهرمان يقلّبها بأصابع سميكة. أمامه إستكان شاي — ذلك الكأس الزجاجي النحيل الخصر الذي يقولون إن اسمه جاء من الإنجليزية "إيست كان" أي وعاء الشرق — يتصاعد منه بخار خفيف في ضوء الفانوس الشاحب. وبجانبه على الأرض بريمز (طبّاخ نفط) يشتعل بلهب أزرق فوقه كيتلي ماي يغلي ويصفر بصوت خافت.
رفع عينيه إليّ:
— تريد غرفة؟
— نعم. لأسبوع.
— هوية؟
— فقدتها.
نظر إليّ لحظة. رفع الإستكان وشرب رشفة بطيئة — تلك الرشفة التي يقيس بها العراقي الموقف — ثم مدّ يده نحو دفتر السجل.
— اسمك؟
— حيدر. حيدر عبد الواحد.
أدرتُ رأسي قليلاً وأنا أجيب — عادة قديمة عندي حين أكذب، أدير وجهي إلى اليسار كأنني أتجنّب أن تلتقي عيناي بعيني المقابل. أعرف أنها تفضحني لمن يعرف يقرأ الوجوه، لكنني لم أستطع التخلّص منها يوماً.
لم يرمش. كتب الاسم بقلم حبر أزرق باهت في ضوء الفانوس.
— الغرفة سبعة. الطابق الثاني. ادفع مقدّم ثلاثة أيام.
دفعت. وصعدت.
الغرفة سبعة كانت أشبه بالقبر.
سرير حديدي مقشّر الطلاء وفراش رقيق يكشف ما تحته. مروحة سقفية جامدة كقطعة خردة — لا فائدة منها بلا كهرباء. الشبّاك الصغير المفتوح هو مصدر الهواء الوحيد — يدخل منه نسيم ساخن يحمل رائحة النهر القريب ورائحة خبز يُخبز في مكان ما. على طاولة صغيرة في الزاوية وجدت شمعة نصف ذائبة وعلبة كبريت وترمزاً فارغاً وإستكاناً واحداً مكسور الحافة.
نزلت إلى الاستقبال وملأت الترمز من الكيتلي — صاحب الفندق لم يعترض، فقط أشار إلى السكّر بعينيه فهززت رأسي: لا سكّر، البطاقة التموينية تحتاج هوية — ثم صعدت وسكبت لنفسي أول إستكان في تلك الغرفة المظلمة. شاي خفيف بلا سكّر في ضوء شمعة. الإستكان مكسور الحافة يجرح الشفة إن لم تنتبه — لكنني تعلّمت أن أشرب من الجهة السليمة. صار هذا الإستكان أقرب شيء عندي إلى الأُلفة.
أخرجت من جيب دشداشتي الداخلي الشيء الآخر الوحيد: سكين مطبخ بنصل مثلّم. ليست سلاحاً حقيقياً — لكنّ الإنسان الذي فقد كل شيء يتمسّك بأي شيء فيه حدّ.
لن أخبركم كيف وصلتُ إلى هنا — ليس بعد. لكنني وعدتُ نفسي أنني سأروي كل شيء حين يحين الوقت — من أكون حقاً، ولماذا أحمل اسماً ليس اسمي، وماذا فعلتُ بيديّ هاتين قبل أن أغسلهما بماء الكحلاء. فقط اعلموا — لأن ذلك ضروري لما سيأتي — أنني رجل يعرف كيف يقتل ويعرف قليلاً عن كيف يعالج. وبين هاتين المهارتين يتأرجح كل ما تبقّى من حياتي.
أربعة أيام مرّت. لا أخرج إلا بعد الغروب. أشتري خبزاً ولبناً من دكان قريب يعمل بفانوس وأعود. الليالي طويلة بلا كهرباء — أشعل الشمعة وأجلس والإستكان بين يديّ أحدّق في الظلال التي يرسمها لهب الشمعة على الجدار. أشكال بلا معنى تتمدّد وتنكمش — كأنها أشباح كل من قتلتهم تعود لتتفرّج عليّ.
أنتظر. أنتظر ماذا — لا أعرف.
في مساء اليوم الخامس — والشمعة تلفظ آخر أنفاسها — طُرق الباب.
قفزت. في ثانية كانت السكين في يدي وظهري إلى الجدار.
— منو؟
— أنه أبو خالد. افتحلي يا ابني.
أخفيت السكين وفتحت. دخل أبو خالد — صاحب الفندق — بكرشه ومسبحته وفانوس صغير في يده ورائحة الجگارة السومر التي لا تفارقه. جلس على الكرسي الخشبي الوحيد في الغرفة — فأنّ الكرسي تحته أنين رجل مظلوم — وأشعل جگارة جديدة دون استئذان. نظر إلى الإستكان الفارغ والشمعة المحتضرة ثم إليّ.
— يا ابني حيدر... أنه ما أحب أتدخّل بشغل الناس. بس أنته صاير أربع أيام ما تنزل وما تاكل ووجهك أصفر وعيونك غايرة. وبعدين — عاد أنه أدري إنك مو حيدر ولا حيدرين.
تجمّد الدم في عروقي.
— لا تخاف يا ابني. لو أريد أسلّمك چان سلّمتك من أوّل يوم. أنه شايفك من جيت — شاب خايف وحاجز باسم مو اسمه ومحفظته ضايعة ولا دينار بجيبه. ما يحتاجلها شيرلوك هولمز يفهمها.
أرخيت قبضتي على السكين — لكنني لم أتركها.
— يا ابني اسمع. جيت أگلَّك شي ولازم تسمعني زين — الأمن صاروا يفتّشون الفنادق. واحد واحد. يجون بالليل ياخذون سجل النزلاء ويدققون بالأسامي. يدوّرون على المتورّطين. واللي ما عنده هوية — يسحبونه. ويگولون "نوديه تحقيق." بس كلنا نعرف.
جلست على حافة السرير. ساقاي لم تعودا تحملاني.
— يمته يوصلون لهنا؟
— ما أعرف. يمكن الليلة. يمكن باچر.
صمت. ثم حدّق فيّ بنظرة لم أفهمها في البداية — نظرة رجل ينظر إلى ابنه:
— يا ابني، أنته شنو قصّتك؟ لا تخاف منّي. أنه بمقام أبوك.
هل أثق به؟ لم يكن عندي ترف الاختيار.
— أنه هارب يا عمّي. من بعيد. من الأحداث. ما عندي هوية ولا مكان. وأريد أوصل لمكان الجيش ما يوصله.
لم أقل أكثر. وعدتُ نفسي أنني سأروي قصتي كاملة — لكن ليس الآن. ليس لرجل لا أعرفه منذ خمسة أيام مهما بدا طيّباً. وأبو خالد — لحكمته أو لخوفه — لم يسأل.
هزّ رأسه. أطفأ الجگارة على حافة الكرسي — وكانت الحافة مثقلة بحروق قديمة — ومسح يده بدشداشته. ثم انحنى نحوي وخفض صوته:
— اسمع يا ابني. تروح للكحلاء لواحد من ولد عمّنا اسمه أبو دعيّر.
رفعتُ رأسي.
— هذا دلّال بعلوة الكحلاء. يشتري ويبيع بالجملة — ياخذ المسواگ من هنا للي بعمق الأهوار: خضار وچاي وسكّر وطحين ومن كل شي يحتاجونه المگنطرين اللي ما يطلعون من الهور. ويجيب منهم سمچ وحليب وبيض وأحياناً مواشي حسب الصفقة. عنده مشاحيف تروح وتجي ويوصل للعزير ويرجع. مشاحيفه ما يفتّشونها — لأنه يسوّي خدمات للكل حتى الأمن ياخذون منه.
— شلون أوصله؟
— باچر گبل الفجر. الكحلاء تبعد ثلاثين كيلو تقريباً. تصعد من هنا بالگراج — يمكن تلگي سيارة حمل رايحة لهناك — لو إذا تريد تتجنّب أغلب التفتيش تاخذ أي نقل من الحلفاية. الحلفاية غرب العمارة وأغلب سيارات النقل تمر منها للكحلاء وللقرى. من أيّ نقل تنزل گبل ما توصل نقطة تفتيش الكحلاء بشوية — تنزل وتكمل مشي على ضفّة النهر لحد ما توصل العلوة. أبو دعيّر تعرفه من حجمه — رجّال ضخم طوله گد الباب، يلبس دشداشة وفوگها صديري كاكي، وصوته يسمعونه من آخر السوگ. رجّال ما يسكت.
ثم عاد جاداً:
— بس لازم تبچّر. هالأسبوع عنده شحنة رايحة للعزير وما أدري يمته يرجع. إذا فاتتك — تنطر أسبوع لو أكثر. وما أظن عدك أسبوع.
— ما عندي.
— إذن باچر الصبح.
نهض من الكرسي فارتاح الكرسي وسكت أنينه. ثم ارتجفت أصابعه وعيناه صارتا رطبتين:
— تدري ليش أساعدك يا ابني؟ أنه عندي ولدين. الكبير — محمد — رجع بتابوت من الفاو. والصغير — خالد — اللي سجّلت هالفندق باسمه — سحبوه من بيته بوگت الانتفاضة ومن يومها ما شفته. رحت أسأل عنه بكل مكان. حتى النهر مشيت على ضفّته أدوّر. والحمد لله ما لگيت — يعني يمكن لسّه حي. يمكن بالهور. يمكن بإيران. يمكن...
لم يُكمل. مسح وجهه بطرف دشداشته. ثم شدّ نفسه واستقام وعادت إلى صوته نبرة صاحب الفندق — النبرة التي يواجه بها الدنيا:
— المهم — باچر الصبح. ولو يسألك أبو دعيّر منو أرسلك — گوله أبو خالد صاحب فندق السعادة. بس لا تگله قصّتك — لأنه رجّال تاجر وما تعرف وياه. خلّيها إنك تريد توصل للعزير بشغل. والباقي — الله يدبّرها.
مشى نحو الباب. والتفت:
— والجگاير اللي بالدرج — خذلك وحدة. وخلّي عينك بعين الله.
وخرج.
لم أنم.
أشعلت شمعة جديدة — آخر شمعة — وجلست في ضوئها أفكّر. كانت تلك الساعات هي الأطول في حياتي. كل صوت من الخارج — خطوات على الدرج، سعال من غرفة مجاورة — كان ينبّه كل عصب في جسدي. عاداتي القديمة — العادات التي اكتسبتها في حياتي الأخرى، الحياة التي لم أروِها لكم بعد — تعود في لحظات الخطر: أصابعي تنقر على الركبة بإيقاع سريع منتظم، وعيني اليمنى ترتجف حين أسمع صوتاً مباغتاً، وفمي يتحرّك بكلمات صامتة — أعدّ، أحسب، أراجع خطوات الهرب في رأسي كأنني أقرأ خارطة.
في البعيد سمعت صوت إطلاق نار — طلقتان متتابعتان ثم صمت. لم أتحرّك. في تلك الأيام صار صوت الرصاص كصوت المطر — تسمعه وتعرف أن أحداً يموت في مكان ما ولا تستطيع أن تفعل شيئاً سوى أن تحمد الله أنك لستَ أنت.
قبل الفجر بساعة أطفأتُ الشمعة. غسلت وجهي بماء الحنفية البارد — وكان بارداً يُوجع — ولبست دشداشتي ولففت اليشماغ على طريقة الفلاحين. وضعت السكين في الجيب الداخلي وأخذت ما تبقّى من خبز يابس وحبّات تمر تركها لي أبو خالد بالأمس ونزلت.
في الاستقبال — في ضوء فانوسه — كان أبو خالد قد سبقني. جالساً وأمامه إستكان شاي وجگارة مشتعلة. كأنه لم ينم هو الآخر.
— يا عمّي...
— روح يا ابني. الله وِيّاك. الباب الخلفي.
— أبو خالد... إذا ما رجعت...
— لا تحچي هيچي. روح. الله ما يضيّع حد.
خرجت إلى الزقاق الخلفي. ظلام كامل — لا مصباح شارع ولا نافذة مضاءة ولا أي ضوء. العمارة كلها في عتمة مطلقة كأن المدينة ماتت ونسوا أن يدفنوها. الهواء بارد ورطب — رطوبة ميسان التي تخترق الثياب والعظام.
مشيت في الظلام أتلمّس الجدران. أزقّة ضيّقة تفوح منها رائحة مياه آسنة وروث بهائم.
وصلت إلى الحلفاية — حيّ شعبي على الأطراف الغربية للعمارة، بيوت طابوق واطئة وأزقّة ترابية — وأنا أبحث عن أي شيء يتّجه نحو الكحلاء. ثلاثون كيلومتراً على الأقل. لا أستطيع مشيها ولا أكاد أملك ما أدفعه.
عند مفرق الحلفاية كان الفجر لم يطلع بعد لكن العتمة بدأت تخفّ بدرجة واحدة — ذلك اللون الذي ليس ظلاماً ولا نوراً. وقفت أنتظر.
ثم سمعت صوت محرّك ديزل يقترب — ثقيل ومتعب يسعل ويختنق كأنه مريض بالربو. سيارة صلاح الدين فحل — سيارة حمل أربعة أطنان صنع عراقي، تلك العربة المربّعة الصلبة التي لا تموت مهما فعلت بها — حوضها مفتوح ومحمّل بأكياس خيش. توقّفت عند المفرق. خرج السائق — رجل أربعيني بدشداشة ويشماغ، وجهه منتفخ من النوم — يتبوّل على جانب الطريق.
اقتربت.
— أخوية، رايح جهة الكحلاء؟
— إي. شبيك؟
— أريد أوصل للعلوة. أوديك أجرة بس والله ما عندي غير هذا.
مددت له ورقة نقدية — آخر ما أملك. نظر إليها. نظر إليّ. هزّ كتفيه:
— اصعد بالحوض. بس إذا وصلنا نقطة تفتيش — أنته حمّال عندي ولا تحچي ولا كلمة.
صعدت بين أكياس الخيش — رائحتها رائحة طحين وتراب — ورأسي تحت مستوى جدار الحوض. تحرّكت السيارة.
الطريق مظلم — لا إنارة شوارع، فقط نخيل على الجانبين تتراءى أشباحها في الفجر المبكّر. الصلاح الدين تسير ببطء — محرّكها يئنّ ويسعل والشارع مليء بحفر وشقوق من أثر القصف الذي لم يُصلَح. ثلاثون كيلومتراً على هذا الطريق تعني ساعة كاملة من الاهتزاز والقفز فوق الحفر وأنا أتمسّك بجدار الحوض وأكياس الطحين تتراقص حولي.
توقّفنا مرة واحدة — سمعت صوت جندي يسأل السائق:
— وين رايح؟
— الكحلاء. بضاعة للعلوة.
— شنو بالحوض؟
— طحين وسكّر. مال أبو دعيّر الدلّال. تدري أبو دعيّر؟
صمت لحظة. ثم تغيّرت نبرة الجندي:
— إي أعرفه. روح روح. وسلّملي عليه.
ذلك الاسم — أبو دعيّر — يفتح الأبواب المغلقة. ما الذي يجعل تاجر سمك ومواشي بهذا النفوذ؟ تأمّلت ذلك وأنا مختبئ بين أكياس الطحين.
بعد نحو ساعة — والفجر بدأ يكشف ملامح الأرض المسطّحة والنخيل والقصب البعيد — أبطأ السائق وطرق على جدار الحوض:
— أخوية، نقطة تفتيش الكحلاء بعد كيلو. انزل هنا وكمّل مشي على الضفّة.
نزلت. مضت السيارة.
انحرفت عن الشارع ونزلت إلى ضفّة النهر. أرض طينية رطبة تغوص فيها القدم. مشيت بمحاذاة الماء — نهر الكحلاء يتحرّك ببطء عكراً بلون الطين. صوت ضفدع يغوص وسمكة تقفز.
مررت بامرأة تمشي في الاتجاه المعاكس تحمل على رأسها أواني مغطّاة — أواني القيمر والجبن، معيديّة ذاهبة لتجلس قرب أفران الصمون كما تفعل كل فجر. نظرت إليّ بعينين خاليتين ومضت. وكلب أعرج اقترب يشمّ ثم تركني.
والفجر يكبر. والسماء تتحوّل إلى لون ليس له اسم — لون فجر ميسان.
ثم أذان الفجر من مسجد قريب. صوت المؤذّن أجشّ متعَب — لكنه في ذلك الصمت الرطب بدا كأنه ينادي عليّ وحدي.
ولم أكن أعرف إن كان الله قد سمعني حين دعوته بالأمس. لكنني كنت حيّاً. ولا يزال أمامي رجل اسمه أبو دعيّر. وهذا يكفي ليُسمّى أملاً.
وصلت والفجر لم يكتمل بعد.
علوة الكحلاء كانت نصف ميتة ذلك الصباح. دكاكين مغلقة أكثر من المفتوحة. بسطات هزيلة عليها بضع سمكات وحزم بصل وأكياس رز مفتوحة. باعة يجلسون القرفصاء بوجوه تحمل تعبير الخائف المتظاهر بالطبيعة. كل شيء بلا كهرباء — فوانيس نفطية معلّقة على أعمدة خشبية، وچولة هنا يغلي فوقها قوري چاي أسود، وتنّور طين هناك يتصاعد منه دخان ورائحة خبز.
مشيت على الضفّة نحو المشاحيف. النهر هادئ عكر. مشاحيف صغيرة مقلوبة أو نصف غارقة — ومشحوف واحد كبير يختلف عنها: طويل عريض مطليّ بالقار الأسود، مربوط بحبل غليظ، وفي جوفه صناديق وأكياس مكدّسة بنظام يعرفه صاحبه وحده.
وقبل أن أراه — سمعته.
— يا ابن الچلب وينك ساعة من تحتاجك؟ هاي البضاعة إذا بقت بالشمس ساعة كلها تخرب عليّ وأتحمّلها من چيسي أنه؟ لك شيل شيل! والچاي — وين صناديق الچاي؟ ها؟ گتلك الچاي والسكّر أول شي ينحمّل! الناس بعمگ الهور بلا چاي من شهر — تدري شنو يعني عراقي بلا چاي شهر كامل؟ يعني ثورة! ثورة ثانية بس هالمرة على أبو دعيّر!
اقتربت فرأيته.
رجل ضخم حقاً. لو وضعته في إطار باب لملأه من الجانبين. عرض منكبيه كأنه خزانة حديد وكرشه صلب مشدود — كرش من يأكل كثيراً ويعمل أكثر. وجهه مربّع أسمر محروق بالشمس وبلحية خفيفة كأنه لا يملك وقتاً للحلاقة، وعيناه صغيرتان ذكيّتان تتحرّكان بسرعة كأنهما آلتا حساب. يرتدي دشداشة رمادية فوقها صديري كاكي بجيوب محشوّة بدفاتر وأقلام وربطات نقود ومفتاح ماطور وعلبة جگاير سومر ومسبحة وكبريت. يشماغ بعقال مائل كأنه لا يكترث بمظهره. وبيده اليمنى يمسك سمكة بُنّية ضخمة من خياشيمها ويؤشّر بذراعه كلها وهو يصرخ على أحد الحمّالين — والسمكة تتأرجح في الهواء كأنها امتداد ليده:
— شلون يطبّ وياه سمچ كل بُنّية؟ شوف هاي — شوفها! وزنها من العشرة كيلو وفوگ!
كان يوجّه حمّالَين نحيلين — شابّين لا يتجاوز أي منهما العشرين، أجسادهما يابسة كالحبال وعروقهما ناتئة — يحمّلان البضاعة: أكياس طحين وصناديق شاي وأكياس سكّر وعلب زيت وحزم خضار. وهو يمدّ يده ويرفع كيس طحين بيد واحدة كأنه علبة كبريت. لاحظتُ أنه يرتّب البضاعة بعناية — الأكياس الثقيلة في القاع — وتحت كل ذلك أرضية المشحوف السميكة. شيء في طريقة نظره إلى تلك الأرضية — نظرة سريعة كأنه يطمئن — لفت انتباهي. لكنني لم أفكّر فيه حينها.
وقفت على بعد خطوات. أصابعي تنقر على فخذي بذلك الإيقاع العصبي.
التفتَ فوقعت عيناه الصغيرتان عليّ. رمى السمكة في صندوق خلفه دون أن ينظر — ووقعت في مكانها بالضبط — ونظر إليّ من فوق إلى تحت.
— ها وليدي، شتريد؟
بلعت ريقي. أدرت وجهي قليلاً إلى اليسار ثم أجبرت نفسي:
— أبو دعيّر؟
— إي أنه. شتريد؟
— أبو خالد أرسلني. صاحب فندق السعادة. يگول يعرفك.
مسح يده بدشداشته — يد لزجة برائحة السمك — وأخرج جگارة سومر وأشعلها بكبريت:
— أبو خالد، إي أعرفه. زبون قديم. شبيه بعثلي واحد هالصبح؟
— يگول... إنك تروح بمشاحيفك للعزير.
حرّك الجگارة من زاوية فمه إلى الأخرى دون أن يلمسها بيده:
— أروح وأجي. هذا شغلي. شبيك أنته بالعزير؟
— عندي شغل هناك. أهل... أهل زوجتي.
ابتسم — ابتسامة كشفت عن أسنان صفراء وسنّ ذهبية في الزاوية:
— أهل زوجتك. بالعزير. هسّه. بهالفوضى. بادي بيك ناسي حتى تتزوّج — ومتزوّج وحدة من العزير فوگها.
أحسست بالحرارة ترتفع في عنقي ثم أذنيّ.
رمى الجگارة في النهر والتفت إلى الحمّالين:
— أگعدوا استريحوا خمس دقايق. وإذا شفتكم گاعدين أكثر — أنطيكم بالگفا.
أشار لي أن أتبعه. مشينا إلى شجرة سدر عجوز على الضفة. جلس واتكأ على الجذع — والجذع أنّ تحته — وأخرج من صديريه دفتراً ملوّثاً ببقع شاي وقلماً ناشفاً يبلّله بلعابه — وبدأ يرسم خطوطاً بينما يتكلّم:
— اسمع ياوليدي. أوّل شي — شسمك؟
— حيدر.
— حيدر شنو؟
— حيدر عبد الواحد.
نظر إليّ لحظة ثم هزّ رأسه كأنه قَبِل الاسم مؤقتاً:
— زين أبو كرّار. يالله أبو كرّار اسمع — أنه ما راح أسألك عن قصّتك. مو شغلي. شغلي أبيع وأشتري وأوصّل مسواگ. بس أنته مو رايح لأهل زوجتك. أنته هارب. ومحتاج توصل لمكان الجيش ما يوصله.
صمتُّ.
— شوف يا أبو كرّار — هور الكحلاء هذا اللي گدّامك — إي يوصل لإيران. بس الماي منحسر والجيش عيونه عليه من كل جهة. هذا مثل ما تختبي بغرفة حيطانها زجاج.
— المكان اللي ينفعك — العزير. هور الحويزة. ثلثينه بالعراق وثلثه بإيران. القصب يوصل سبعة أمتار والبردي يتشابك فوگ راسك. والعشاير هناك ما ركعوا لا لصدام ولا اللي أثخن من صدام. والمعارضة مسنودة من إيران.
خفض صوته — نظر يميناً وشمالاً:
— وتدري علي الكيمياوي شسوّى؟ أمر يبنون سدّة ترابية على طول الحدود — يريد يفصل الماي ويجفّف كل شي. بس من يجي الليل — ولدنا ميقصّرون — يضربون السدّة ويخلّون الماي يدخل من إيران ويرجع الهور. كل يوم نفس الشي. حرب ما حد يشوفها.
رفع عينيه من الدفتر:
— هسّه يا أبو كرّار — أنته شنو تگدر تنفعني؟
— شلون يعني؟
— يعني أنه تاجر. ما أشتغل بالبلاش. هسّه أگلَّك شنو شغلنا بالضبط: أنه آخذ المسواگ — الچاي والسكّر والطحين والخضار — للناس اللي بعمگ الهور. المگنطرين اللي ما يطلعون ولا يشوفون السوگ من أشهر. أوصّلها لهم. وأجيب منهم سمچ وحليب وبيض وأحياناً مواشي. أنه مگنطر وياهم. هذا شغلي المعلن.
لاحظت أنه قال "المعلن." لم أسأل عن غير المعلن.
— فأنته يا أبو كرّار — شنو تعرف تسوّي؟
— أعرف شوية. و... بديت دراسة صحة بس ما كمّلت. سحبوني لحرب إيران. اشتغلت مسعف بالجبهة. أعرف أضمّد وأخيّط جروح وأعطي إبر.
توقفت يده عن الرسم. رفع رأسه ببطء. العينان الصغيرتان اتسعتا:
— تعرف تعالج؟ بعمگ الهور الناس بحاجة لكل شي — بس أكثر شي واحد يعرف يعالج. جرحى بالعشرات ومحد عدهم ولا طبيب ولا حتى بيطار.
— إذا أنته فعلاً تعرف — أوصّلك. بس تشتغل وياي بالطريق. وهناك تعالج الناس. وكل ما عالجت واحد أنه أستفاد — لأنهم أنه مگنطر وياهم وأريدهم حيّين.
مدّ يده الضخمة:
— ها؟ شنو تگول؟
مددت يدي. كانت ترتجف — لكنّ قبضته ابتلعتها.
— بسم الله. هسّه — تعال وياي.
أمضيت ذلك اليوم كله معه.
قادني إلى كوخ طيني على الضفّة — جدرانه طين وسقفه قصب، فيه طاولتان خشبيتان وكراسي بلاستيكية مخدوشة وبريمز يشتعل بلهب أزرق فوقه كيتلي ماي يغلي ويصفر. رجل عجوز نحيل أعمى عين واحدة — عينه اليمنى بيضاء كالحليب والأخرى سوداء حادّة — يدير المكان بمفرده: يسكب الچاي من قوري ألمنيوم مسوّد بالنار في إستكانات يرصّها على صينية، ويقدّم خبز التنّور مع صحن قيمر.
— أگعد هنا يا أبو كرّار. واشرب چاي والتهي. أنه عندي شغل بالعلوة. إذا أحد سألك — گله أنته حمّال مال أبو دعيّر.
جلست. العجوز — الذي عرفت لاحقاً أن اسمه أبو حسّون وأنه يدير الكوخ منذ عشرين سنة — سكب لي إستكاناً ثقيلاً حلواً بالسكّر. أول سكّر منذ أيام. الطعم كاد يُدمع عيني — ليس لأنه سكّر بل لأن شيئاً بسيطاً كالحلاوة صار يكفي ليذكّرني بأنني إنسان.
من فتحة الباب راقبت. أبو دعيّر عاد إلى مشحوفه. الحمّالان يعملان والعرق يتصبّب. البضاعة تُحمّل بنظام: الطحين والسكّر في القاع، ثم الشاي والزيت، ثم الخضار. لاحظتُ أنه يشرف بنفسه على القاع — ينزل ويرتّب الأكياس بعناية مبالغة. ظننت أنها دقّة التاجر. لم أكن أعرف أن تحت الأكياس — في أرضية المشحوف — تصميماً مخفياً: فراغ بين طبقتي خشب يتّسع لصناديق بحجم صندوق ذخيرة.
بعد ساعتين رأيت من فتحة الباب مشاحيف تقترب.
ثلاثة مشاحيف قادمة من الهور — فيها رجال تعرف من هيئتهم أنهم لم يروا مدينة منذ أشهر: وجوه أسمر ناشفة حروقها طبقات فوق طبقات، ملابس ممزّقة مرقّعة، أجساد نحيلة صلبة. سمّاچة من العمق.
لم يأتوا إلى العلوة. توقّفوا عند منعطف تحجبه أشجار السدر. أبو دعيّر ترك كل شيء ومشى نحوهم بصمت — وصمته يعني أن الأمر جدّي.
من الكوخ رأيت: السمّاچة يفرّغون مشاحيفهم — صناديق سمك وأوعية حليب وأقفاص بيض وجلود جاموس — ويحمّلونها في مشحوف أبي دعيّر. وفي المقابل نُقل جزء من المسواگ إلى مشاحيفهم. تبادل مدروس. وأبو دعيّر في الوسط يدوّن ويعدّ النقود — أحياناً يأخذ وأحياناً يعطي.
كل شيء متّفق عليه مسبقاً. هؤلاء السمّاچة حلقة في سلسلة تمتدّ من عمق الأهوار إلى هنا. أبو دعيّر هو الشريان الذي يضخّ الحياة إلى تلك المتاهة.
هذا ما كنت أراه. ما لم أكن أراه — ما كان يحدث في قاع المشحوف — سأعرفه لاحقاً. لكنني لم أكن ساذجاً. شيء في صمت العملية وطريقة إبعادي أخبرني أن ما يُنقل ليس فقط طحيناً وسمكاً. لم أسأل. الأسئلة التي لا تُسأل أحياناً أهم الأسئلة.
بعد أن اختفت مشاحيف السمّاچة عاد أبو دعيّر إلى الكوخ. جلس أمامي — والكرسي البلاستيكي اختفى تحته — وقال لأبي حسّون:
— يا أبو حسّون إستكانين! وخلّيهم ثقال!
أبو حسّون — بعينه الواحدة — سكب الچاي بدقّة عجيبة من القوري المسوّد دون أن يسكب قطرة خارج الإستكان. أبو دعيّر أشعل جگارة. بدا مرتاحاً.
— يا أبو كرّار، هسّه أگلَّك شنو شغلنا بالضبط. باچر إن شاء الله نتحرّك. الطريق بالمشحوف ياخذ ساعات — نمر بممرات ضيّقة بين القصب وبمسالك ما يعرفها غيري وغير السمّاچة. وبالطريق أوگف عند بيوت المعدان أبيع وأشتري.
شرب رشفة — وحين يشرب أبو دعيّر يحتسي بصوت عالٍ كأنه يمتصّ الحياة نفسها:
— هسّه أنته تگعد وياي بالمشحوف. تساعد بالتحميل والتفريغ. وإذا وصلنا بيت فيه مريض — تدخل وتشوفه.
— زين.
وضع الإستكان ونظر إليّ — أمال رأسه وحكّ لحيته:
— يا أبو كرّار — أنه ما راح أسألك عن قصّتك. بس أگلَّك شي واحد: أنه أشتغل بهالسوگ من ثلاثين سنة. شفت ناس من كل نوع. وأنته — بعيوني — مو فلاح ومو هارب عادي. أنته شي ثاني. شنو بالضبط — ما يهمّني هسّه. بس يوم يجي وتحسّ أكو شي ضامّك متگدر تگوله — أنه أسمعك.
لم أجب. أدرت وجهي إلى اليسار وشربت الچاي.
ضحك — ضحكة قصيرة خشنة هزّت الطاولة:
— وهاي الحركة — لفّة الوجه هاي — كل ما أسألك شي تلفّ وجهك. خوش علامة يا أبو كرّار. يعني أكو شي ضامّك. وهذا زين — لأنه بهالزمن اللي ما عنده شي ضامّه يا ميّت يا أبله.
ضحكت — أول ضحكة لي منذ أسابيع.
وقف ومسح يده بدشداشته:
— الليلة تنام هنا بالعلوة. أبو حسّون يفرشلك فراش بالخلف. وباچر گبل الفجر — نتحرّك. ولا تجيب وياك هموم — الهور ما يتحمّل أكثر.
ثم التفت وهو يخرج ورفع صوته:
— يا حمّالة! وين رحتوا؟ بعدنا ما كمّلنا شغل! لك تعالوا هسّه!
بقيت في الكوخ. أبو حسّون سكب لي إستكاناً آخر بلا ما أطلب وجلس في الزاوية يخيط شبكة سمك بأصابعه التي تعرف طريقها.
الشمس تميل. العلوة تهدأ. الفوانيس تُشعل. رائحة سمك مشوي على نار حطب ورائحة الطين والنهر.
غداً. المشحوف. الأهوار.
أمسكت الإستكان بكلتا يديّ — عادة ربما ورثتها من جدّتي التي كانت تمسك كأسها بالطريقة نفسها وتقول كلاماً لم أفهمه وأنا صغير — وشربت آخر رشفة.
كانت حلوة.
يتبع — الفصل الرابع: سيد هاشم
أيقظني أبو دعيّر بركلة خفيفة على قدمي.
كنت نائماً على فراش رقيق في الجزء الخلفي من كوخ أبي حسّون. لم أكن قد نمت أكثر من ساعتين — لكنها كانت أعمق ساعتي نوم منذ أسابيع. ربما لأن جسدي قرر أنه إذا كان سيموت غداً فليأخذ قسطه الأخير الليلة.
— يالله أبو كرّار. گوم. الچاي جاهز. عدنا نص ساعة ونتحرّك.
قمت وغسلت وجهي بماء النهر — أبو حسّون وضع لي دلواً بجانب الباب — وجلست وشربت إستكانين. الچاي أسود ثقيل — أبو حسّون يعرف أن من يسافر مع أبي دعيّر يحتاج چاياً يُوقظ الميّت.
وأنا أشرب، جاءني أبو دعيّر حاملاً شيئاً بيده — صدرية بيضاء مطوية. رماها في حضني:
— البس هاي يا أبو كرّار.
فتحتها. صدرية بيضاء قماشها سميك نظيف نسبياً — عليها جيوب وموضع لتعليق سمّاعة طبية.
— من وين هاي؟
— لا تسأل. البسها. إذا بتعالج ناس لازم تشبه طبيب مو فلاح ضايع. الناس بعمگ الهور إذا شافوا واحد بصدرية بيضه يثقون بيه. وإذا شافوا واحد بدشداشة وسخة يگولون هذا شنو يعرف.
لبستها فوق دشداشتي. نظرت إلى نفسي — في انعكاس الماء الساكن عند الضفّة رأيت شبح رجل بيشماغ فلاحي وصدرية بيضاء. لا أشبه طبيباً ولا فلاحاً — أشبه شيئاً بينهما. لكنها أفضل من لا شيء.
قبل الفجر بدقائق تحرّكنا.
كانت تلك أول مرة أركب فيها مشحوفاً في حياتي. المشحوف الكبير محمّل حتى حافّته بالبضاعة: أكياس الطحين والسكّر في القاع، فوقها صناديق الچاي والزيت، ثم الخضار والبيض مغطّاة بقماش مشمّع. وأنا جالس في المقدّمة — المكان الوحيد الذي فيه مساحة — وأبو دعيّر خلفي عند الماطور.
الماطور — ياماها خمسة وسبعين حصاناً — أسود مثبّت على المؤخّرة بمسامير صدئة وسلك حديد. حين شغّله أبو دعيّر بسحبة واحدة — سحبة رجل يتعامل مع المحرّكات كما يتعامل مع البشر: بقوة وبلا مفاوضة — اهتزّ المشحوف وارتفع مؤخّره من الماء وانطلقنا.
انطلقنا على نهر الكحلاء جنوباً.
لم أكن مستعدّاً لما رأيت.
النهر في البداية عريض ومكشوف — ضفّتاه منبسطتان عليهما نخيل — لكنّ كلما توغّلنا بدأ العالم يتغيّر. الضفّتان تضيقان والقصب يظهر — أولاً كخصلات متفرّقة ثم كجدران. القصب الأخضر المصفرّ يرتفع على الجانبين حتى يحجب السماء. والبردي يتشابك فوق رؤوسنا في بعض الممرّات حتى يصير المشحوف يمرّ في نفق أخضر. رائحة الماء والطين والأعشاب — كلها ممزوجة في رائحة لم أشمّها من قبل. رائحة عالم آخر.
وفي كل مكان — الماء. بلا نهاية. وبين الحين والآخر يظهر جاموس — ثور أسود ضخم يقف في الماء حتى بطنه وقرناه المقوّسان يلمعان — ينظر إلينا بعينين هادئتين كأنه يقول: هذا مكاني وأنتم الغرباء.
وكنت فعلاً غريباً. أنا — ابن شمال بغداد، ابن الطابوق والإسفلت — جالس في مشحوف في قلب عالم مائي. أصابعي تنقر على ركبتي — ليس خوفاً بل إحساساً بأنني خرجت من كل ما أعرفه.
أبو دعيّر كان يقود بيد واحدة على ذراع الماطور — الأخرى تمسك جگارة — ويعرف كل منعطف كأنه يقرأ شوارع مدينته. بين الحين والآخر يصرخ:
— أبو كرّار! شوف يمينك! عود لليسار شوية!
أغصان مغمورة تحت السطح تكاد تمزّق القار. في الهور الخطر ليس ما تراه — بل ما تحت الماء.
بعد ساعتين — والشمس ارتفعت وصار الحرّ يلسع — مررنا ببيتين من بيوت القصب على جزر صغيرة: بناء قصبي مقوّس كأنه ضلع حوت مقلوب، وعند كل بيت مشحوف صغير مربوط وجاموسة أو اثنتان في الماء وأطفال حفاة ينظرون بعيون واسعة.
عند البيت الأول أوقف أبو دعيّر المشحوف:
— يا خضير! عدك بضاعة اليوم! چاي وسكّر وطحين!
خرج رجل مسنّ نحيل هزيل — جسده كأنه من حبال وعظام فقط — من عشيرة بو العيطه، ووراءه امرأتان تحملان أوعية. التبادل سريع ومعتاد: أبو دعيّر أنزل لهم كيس طحين صغيراً وعلبة شاي وكيس سكّر، وأخذ منهم أوعية حليب وسلّة بيض.
عند البيت الثاني — بيت فيه طفل مريض — قال أبو دعيّر:
— أبو كرّار، انزل شوف الجاهل. حرارته عالية من يومين.
نزلت. الصدرية البيضاء أحدثت أثرها فوراً — أمّ الطفل حين رأتني نظرت إلى الصدرية وارتاحت ملامحها كأنها رأت طبيباً حقيقياً. الطفل — ولد لا يتجاوز الخامسة اسمه فلاح — مستلقٍ على حصيرة، وجهه محمرّ وعيناه نصف مغمضتين وأمّه جالسة تمسح جبهته بخرقة مبلّلة. إسهال وحمّى والتهاب — ماء ملوّث على الأرجح.
فتّشت ما عندي — كان أبو دعيّر قد وضع في المشحوف علبة أدوية بسيطة: خافض حرارة أطفال ومسحوق التهابات وشريط لاصق. أعطيت الأم خافض الحرارة وشرحت لها كيف تذيب مسحوق الالتهابات بالماء المغلي — المغلي لا النهري — وأن تسقيه كل ساعة.
أكملنا الطريق. بعد نصف ساعة أخرى — والممرّات صارت أضيق والقصب أكثف — سمعنا صوتاً.
صوت ماطور يسعل ويختنق ثم يصمت ثم يعود — كصوت رجل يحتضر ويرفض أن يموت. قادم من ممرّ جانبي عن يميننا.
أبطأ أبو دعيّر. مال برأسه يسمع:
— أكو واحد مكينته عاطلة. ياماها خمسة وسبعين — أعرف صوتها.
وجّه المشحوف نحو الممرّ. القصب كثيف اضطررت أن أنحني لأمرّ.
ثم رأيناه.
مشحوف متوسّط واقف في الممرّ. ماطوره — ياماها خمسة وسبعين أقدم وأبؤس — رأسه مرفوع والدخان الأبيض يتصاعد. والمشحوف محمّل بحقائب وصناديق مغطّاة بقماش أسود.
وعند الماطور وقف رجل.
ظهره إلينا — منحنياً على الماطور يحاول شيئاً بيديه. حين سمعنا استقام ببطء والتفت.
أول ما رأيته — العمامة. عمامة سوداء ملفوفة بإحكام على طريقة السادة. تحتها وجه طويل نحيل حادّ — أنف معقوف وعينان رماديّتان ضيّقتان وذقن مدبّبة بلحية سوداء مشذّبة بعناية. وجه رجل ذكي — ذكاء بارد — لا وجه رجل دين. هذا خطر لي في اللحظة الأولى.
كان يرتدي عباءة سوداء فوق دشداشة بيضاء — ثقيلة رغم الحرّ. لم أفهم وقتها لماذا. في يده مسبحة طويلة ذات حبّات سوداء لامعة — خيطها سميك بشكل غير عادي، أسمك من أي خيط مسبحة رأيته، ويلمع كأنه معدني.
حين رآنا رفع يده بالمسبحة ببطء:
— السلام عليكم.
صوته — كوجهه — مرتّب. كل كلمة في مكانها. ليس صوت خطيب — بل صوت رجل يتكلّم قليلاً ويعمل كثيراً.
أبو دعيّر أوقف المشحوف بجانبه:
— وعليكم السلام سيّدنا. شبيها المكينة؟
— تعطّلت من ساعة. أحاول أشغّلها بس ما أعرف شبيها.
أبو دعيّر نظر إليّ:
— أبو كرّار — تعرف شي بالمكاين؟
كنت أعرف. في حياتي السابقة تعلّمت أشياء كثيرة — ومنها المحرّكات. لأن الرجل الذي يعتمد على الهرب يحتاج أن يُصلح ما يتعطّل.
انتقلت إلى مشحوفه — المشحوف اهتزّ والماء تراشش. حين مررت بجانب السيد شممت رائحة غريبة — ليست عرق رجل دين ولا بخور. رائحة معدن وزيت سلاح. رائحة أعرفها جيداً. كل حواسي انتبهت.
انحنيت على الماطور. الدخان الأبيض والسعال — المشكلة واضحة: البلك — شمعة القدح — محترقة بالكامل. والبنزين — فحصت الخليط — فيه دهن أكثر من اللازم. من خلط الزيت بالبنزين بنسبة خاطئة أغرق المحرّك. واضح أن هذا الرجل لا يعرف شيئاً عن المكائن — وهذا بحدّ ذاته معلومة. رجل يملك مشحوفاً بماطور خمسة وسبعين حصان ولا يعرف كيف يخلط الوقود — يعني أنه لم يشترِ هذا المشحوف بالطريقة العادية.
— المكينة مو خربانة. البلك محترگ والبنزين مغروگ بالدهن. خليت دهن أكثر من اللازم — النسبة لازم واحد لخمسة وعشرين مو واحد لعشرة. إذا عدك بلك بديل وصفّيت البنزين — تشتغل.
أبو دعيّر رمى لي شمعة جديدة من صندوق العدّة. فرّغت البنزين الزائد الدهن وأعدت تعبئته بنسبة صحيحة من جرّة كانت عند أبي دعيّر. غيّرت البلك. سحبت حبل التشغيل — الأولى لم تفلح. الثانية اختنق. الثالثة — اشتعل ودار وهدر.
السيد أومأ ببطء — إيماءة مَن يسجّل:
— الله يحفظك وينطيك الصحة والعافية. شسمك يا ابني؟
— حيدر.
— وين رايح أبو كرّار بهالهور؟
سمع اللقب من أبي دعيّر إذن. لاحظت أنه يجمع المعلومات كما يجمع حبّات المسبحة — بصمت وانتظام.
— وأنته سيّدنا؟ وحدك بهيچ وقت؟
— اسمي سيد هاشم. رايح لفصل بيت بزون — يحتاجون سيد عندهم. كل فصل عشائري لازم يكون حاضره رجل دين — وهم من فترة بلا أحد.
قالها بهدوء مرتّب — كل كلمة في مكانها. والكذب المحترف — كما تعلّمت في حياتي السابقة — يختلف عن الكذب العادي: العادي فيه ارتباك، والمحترف فيه هدوء مصنوع كأن صاحبه تمرّن مئة مرة. وسيد هاشم كان يكذب باحتراف يفوق أي شيء رأيته.
أبو دعيّر من مشحوفه نظر إلى حقائب السيد المغطّاة ثم إليه:
— سيّدنا، الدرب من هنا صعب لحالك. الممرات تتشعّب وإذا ما تعرف تضيع. لو تريد — أدلّك على الدرب. بيت بزون أعرف مكانهم — تاخذ يمين من عند خور الصفصاف وبعدها على طول.
وصفَ له الطريق بدقّة — منعطفاً منعطفاً. سيد هاشم يسمع بصمت ويومئ.
— الله يحفظكم. هذا فضل ما أنساه.
أومأ لنا إيماءة وداع. شغّل الماطور — ودار هذه المرة بسلاسة — ووجّه مشحوفه نحو الممرّ الذي وصفه أبو دعيّر. اختفى في القصب. وبقي في الهواء — لثانية واحدة — أثر تلك الرائحة. رائحة زيت السلاح.
أبو دعيّر شغّل ماطوره وأكملنا. لم يعلّق. وأنا لم أعلّق. لكنني — وأنا أجلس في المقدّمة وأسمع هدير الماطور — كنت أفكّر: من أنت يا سيد هاشم؟ وما الذي في تلك الحقائب؟ ولماذا تلبس عباءة ثقيلة في هذا الحرّ؟
وصلنا إلى نقطة أخرى من نقاط التبادل — مكان في منعطف عريض بين القصب، على ضفّته كوخ طيني أكبر من كوخ أبي حسّون. كوخ يعمل كمقهى ونقطة تجمّع — فيه طاولات خشبية وكراسي وبريمز يغلي فوقه كيتلي وتنّور يخبز. يديره رجل اسمه محسن — رجل أربعيني ساكت قليل الكلام بوجه أسمر ناشف.
أبو دعيّر ربط المشحوف وقال لي:
— أبو كرّار، انزل أگعد عند محسن. أنه عندي شغل.
فهمت. نفس النظام — يبعدني عن مشهد التبادل. نزلت وجلست داخل الكوخ. محسن سكب لي إستكان چاي من القوري بلا ما أطلب. جلست أشرب.
لكنّ هذه المرة لم يكن التبادل مع سمّاچة.
سمعت أصواتاً من الخارج — أصوات لم تكن أصوات صيّادين. أصوات خشنة آمرة. لهجة مدينية لا لهجة هور. نظرت من فتحة الباب.
ثلاثة رجال نزلوا من زورق عسكري صغير — يرتدون ثياباً مدنية لكنّ في هيئتهم ما لا يُخطئه من رأى عناصر أمن في حياته: الأكتاف المستقيمة والنظرات الفوقية والمسدّسات المطبوعة تحت الثياب. بعثيون. أمن. أزلام النظام.
أبو دعيّر كان واقفاً عند مشحوفه. حين رآهم لم يتغيّر وجهه — ظلّ هو هو، أبو دعيّر الدلّال الذي لا يعنيه شيء إلا البيع والشراء. هذا ذكاؤه: أن يبدو غير مبالٍ حتى لا يلفت الانتباه وتتمّ الصفقة.
لكنني — بالصدرية البيضاء — لفتُّ انتباههم.
دخل أحدهم الكوخ — رجل قصير عريض بشارب كث ووجه مربّع وعينين صغيرتين قاسيتين. من النوع الذي يضرب أولاً ويسأل ثانياً. نظر إليّ ثم إلى الصدرية ثم إلى وجهي:
— أنته منو؟ وشنو هاي الصدرية؟
وقفت. قلبي يدقّ — لكنّ يديّ لم ترتجفا. عاداتي القديمة تعود في لحظات الخطر: الهدوء المصطنع والعينان الثابتتان والصوت المنخفض.
— أنه معاون طبي. أشتغل وِيّه أبو دعيّر. أعالج الناس بالهور.
— معاون طبي؟ وين هويّتك؟
— ضايعة.
— ضايعة. وشنو تسوّي هنا بالضبط؟
دخل الثاني — أطول وأنحل، وجهه حليق وعيناه واسعتان لكنّ فيهما برود — وقال للأول:
— خضير، هذا من وين طالع؟ ما شفته من قبل.
الثالث بقي بالخارج يراقب. أبو دعيّر — الذكي — ظلّ عند مشحوفه يرتّب بضاعته كأن الأمر لا يعنيه. يعرف أنه لو تدخّل الآن ستنكشف صفقته.
خضير — القصير بالشارب — اقترب منّي خطوة:
— اسمع. أنه ما أحب اللف والدوران. أنته بمنطقة عسكرية ومحد يدخل هنا بلا إذن. هويّتك ضايعة. قصّتك ما تمشي. فإمّا تحچي الصدق — لو أوديك لمكان يخلّونك تحچي.
— يا أخي أنه گتلك معاون طبي...
— خلّي عنّك المعاون الطبي!
سحب المسدّس من تحت ثوبه. لم يصوّبه عليّ — فقط أخرجه وأبقاه بجانبه. لكنّ الرسالة واضحة. الثاني سحب مسدّسه هو الآخر.
أبو دعيّر عند مشحوفه — نظر بطرف عينه ولم يتحرّك. وجهه لا يزال وجه الدلّال غير المبالي. لكنني رأيت أصابعه تشدّ على حافة المشحوف حتى ابيضّت مفاصلها.
محسن — صاحب الكوخ — تراجع إلى الزاوية بصمت. رجل تعلّم متى يختفي.
كنت أفكّر بسرعة. السكين في جيبي الداخلي. المسافة بيني وبين خضير ذراع واحد. أستطيع — بحركة واحدة من حياتي السابقة — أن أخطف المسدّس من يده قبل أن يرفعه. لكنّ الثاني خلفه. والثالث بالخارج. ثلاثة ضد واحد — والرياضيات لا تكذب.
في تلك اللحظة بالذات — فُتح باب الكوخ.
لا — لم يُفتح. دُفع. ببطء وبثقة. كأن الداخل يملك المكان.
التفت الجميع.
في الباب وقف رجل بعمامة سوداء وعباءة سوداء ومسبحة في يده.
سيد هاشم.
وقف في عتبة الباب — لحظة واحدة فقط — وعيناه الرماديّتان الباردتان تجولان في المكان بنظرة سريعة فاحصة: خضير بالمسدّس، الثاني خلفه، أنا واقفاً بالصدرية البيضاء، أبو دعيّر عند المشحوف بالخارج، محسن في الزاوية. في ثانية واحدة — ثانية واحدة فقط — قرأ المشهد بالكامل. رأيت ذلك في عينيه. قرأ كل شيء.
ثم فعل شيئاً لم يتوقّعه أحد.
تجاهل الجميع.
مشى — بعمامته وعباءته ومسبحته — متجاوزاً خضير بالمسدّس كأنه غير موجود، ومتجاوزاً الثاني كأنه قطعة أثاث، ومتجاوزاً إيّاي كأنه لا يعرفني — ومشى مباشرة إلى الطاولة الخلفية. جلس. وضع المسبحة على الطاولة بهدوء — تِك — ورفع رأسه نحو محسن الذي تجمّد في الزاوية وقال بصوته العميق الهادئ كأنه في مضيف وليس في كوخ فيه مسدّسات مسحوبة:
— يا ولدي، شعدكم؟ عندكم سمچ مسگوف لو تشريب؟ أنه ياكلني الجوع من الصبح ما حطّيت لگمة بحلگي.
صمت مطلق.
خضير — الذي كان قبل ثانية يهدّدني بالمسدّس — وقف بفمه نصف مفتوح ينظر إلى السيد. عنصر الأمن الثاني التفت بالكامل نحو الباب وعيناه تقولان: ما هذا؟ رجل دين — هنا — في نقطة تبادل بعمق الهور — يدخل ويطلب أكل؟
الثالث الذي كان بالخارج دخل هو الآخر — نظر إلى السيد بذهول.
سيد هاشم لم يلتفت إلى أيّ منهم. فقط نظر إلى محسن بعينيه الرماديتين:
— ها يا ولدي؟ عدكم أكل لو لا؟ لأنه إذا ما عدكم أروح لمكان ثاني.
محسن — الذي استعاد شيئاً من تماسكه — قال بتلعثم:
— إي سيّدنا... عدنا... عدنا خبز وسمچ مشوي و...
— زين. جيبلي سمچ وخبز وگلاص لبن إذا عدكم. والچاي — خلّيه ثقيل. أحب الچاي إذا الملعقة توگف بيه.
جلس كأنه في بيته. المسبحة على الطاولة. يداه مطويّتان أمامه. وجهه هادئ كسطح ماء ساكن.
خضير نظر إلى رفيقه. رفيقه نظر إلى خضير. لم يقل أحدهما شيئاً — لكنني قرأت في عيونهما الحيرة. رجل الدين المفاجئ أربك حسابهم بالكامل. هم يتعاملون مع مهرّبين وهاربين وثوار — يعرفون كيف يتعاملون مع هؤلاء. لكنّ سيداً بعمامة يجلس بينهم ويطلب سمكاً — هذا خارج كل سيناريو.
خضير أعاد المسدّس ببطء تحت ثوبه. ليس لأنه خاف — بل لأن المسدّس المسحوب أمام رجل دين ينقل المشكلة إلى مستوى آخر لا يريده. الثاني فعل مثله.
نظر إليّ خضير بعينيه القاسيتين:
— بعدين نكمل حديثنا أنه وأنته يا صدرية بيضة.
وخرج مع رفيقيه. سمعت صوت زورقهم يبتعد.
بقيتُ واقفاً. قلبي لا يزال يدقّ. نظرت إلى سيد هاشم. كان يجلس بنفس الوضعية — يداه مطويّتان والمسبحة على الطاولة — كأن ما حدث قبل ثلاثين ثانية لم يحدث. محسن وضع أمامه صحن سمك مشوي وخبز وطاسة لبن. سيد هاشم رفع الخبز وكسره بهدوء وبدأ يأكل.
ثم — دون أن يرفع عينيه عن الطعام — قال:
— إن شاء الله الصحة والسلامة لكل أمة محمد. اطّاني إن شاء الله خير.
لم أردّ فوراً. ثم وجدت صوتي:
— واشر.
رفع عينيه الرماديتين إليّ. وللمرة الأولى — ابتسم ابتسامة حقيقية. ابتسامة ضيّقة لكنها وصلت إلى عينيه.
— أگعد يا أبو كرّار. تعال اكل وياي. السمچ ما ينوكل لوحده.
جلست أمامه. يداي ترتجفان قليلاً — من الأدرينالين لا من الخوف. أبو دعيّر دخل هو الآخر — ساكتاً — وجلس على الطاولة الثانية كأنه زبون عادي. لكنّ عينيه كانتا تنظران إلى السيد بنظرة جديدة — نظرة رجل يعيد حساباته.
أكلنا بصمت. السمك ساخن والخبز طازج من التنّور. وسيد هاشم يأكل بأصابع رجل يعرف الجوع — أصابع لا تهدر لقمة — ويشرب اللبن بين اللقمات.
والمسبحة على الطاولة بجانب صحن السمك — حبّاتها السوداء تلمع وخيطها السميك يلمع أكثر.
وأنا — للمرة الثانية في يوم واحد — أسأل نفسي: من أنت يا سيد هاشم؟
والسؤال الأصعب: لماذا ظهرت هنا — في هذا المكان بالذات — في هذه اللحظة بالذات — وأنا أحتاج أن يظهر أحد؟
هل هو صدفة؟
في حياتي السابقة — تعلّمت شيئاً واحداً عن الصدف: لا وجود لها.
يتبع — الفصل الخامس: زينة
أكملنا بعد الأكل.
سيد هاشم — الذي ظهر من لا مكان وأنقذ الموقف بصحن سمك وإستكان چاي — لم يذهب هذه المرة. جلس في مشحوفنا معنا — في الوسط بين البضاعة — بعباءته ومسبحته وحقائبه السوداء التي نقلها من مشحوفه. لم يطلب أن يرافقنا ولم يُطلب منه. فقط جلس — كأن الأمر محسوم. وأبو دعيّر لم يعترض. نظر إليه لحظة ثم أدار الماطور وانطلقنا.
مشحوف سيد هاشم تركه مربوطاً عند الكوخ. سألته بعيني — لم أسأل بلساني — ورأيته يهزّ كتفيه هزّة خفيفة كأنه يقول: مشحوف يجي ومشحوف يروح.
رجل يترك مشحوفه بلا اكتراث — إمّا لأنه يملك عشرة غيره، أو لأنه لم يكن مشحوفه أصلاً.
كلما توغّلنا في الهور تغيّر العالم أكثر.
الممرّات صارت أضيق والقصب أطول — سبعة أمتار أو أكثر، جدران خضراء تحجب كل شيء. والبردي يتشابك فوق رؤوسنا حتى يصير الضوء مرقّطاً كأننا نسير تحت سقف مثقوب. الماء أعمق وأغمق — أخضر معتم يعكس القصب والسماء. وكل بضع دقائق تطير من بين القصب طيور — مالك الحزين بريشه الرمادي الطويل يرتفع ببطء ورقبته ملتوية كأنه حرف سؤال يطير، أو سرب دجاج ماء يفرّ على سطح الماء بأرجله قبل أن يرتفع بأجنحة قصيرة سوداء تصفع السطح.
والصمت. صمت الهور — ليس غياباً للصوت بل نوع آخر من الكلام. صوت الماء يتحرّك وصوت القصب يتمايل وصوت حشرة تطنّ وصوت ضفدع بعيد — أصوات كثيرة تصبّ في صمت واحد عميق.
سيد هاشم جالس بلا حراك كأنه جزء من البضاعة. عباءته ملفوفة حوله والمسبحة تدور — تِك... تِك... تِك. لم يتكلّم. لكنّ عينيه لا تتوقفان — تسجّلان كل منعطف وكل ممرّ. عينا رجل يرسم خارطة في ذهنه.
وأنا — في المقدّمة — أفكّر: صرنا ثلاثة في مشحوف. كل واحد يخبّئ شيئاً. أبو دعيّر وأسلحته في القاع. سيد هاشم وما تحت عباءته. وأنا — إلياس المتنكّر — وسكّيني الخائبة وماضيّ الذي لم أروِه.
ثلاثة كذّابين في مشحوف واحد. والماء يأخذنا نحو العمق.
بعد ساعة ونصف — والشمس مالت وصار الضوء برتقالياً بين القصب — قال أبو دعيّر:
— بعد شوية نوصل. عندي واحد هناك — اسمه ربيع — ينطرني ببضاعة. هذي النقطة الأخيرة لهاليوم.
لاحظت توتّراً في نبرته لم أسمعه من قبل. أبو دعيّر — الذي لا يتوتّر — متوتّر. ربما لأن هذه ليست نقطة تبادل عادية. ربما لأن ما في قاع المشحوف مخصّص لهذا المكان بالذات.
دخلنا ممرّاً أعرض يفتح على بركة بين القصب — مساحة مفتوحة بحجم غرفة كبيرة، الماء ساكن والقصب يحيط بها كأنها غرفة بلا سقف. على ضفّتها رقعة طين يابس عليها كوخ قصبي ومشحوفان مربوطان.
المكان هادئ جداً. أهدأ ممّا ينبغي.
أبو دعيّر أطفأ الماطور. المشحوف انزلق بصمت. نظر حوله — عيناه تضيقان — وقال بصوت خافت:
— شي مو طبيعي. ربيع المفروض ينطرني. مشحوفه موجود بس هو وينه؟
صمت. ثم سمعنا الذباب. ذلك الطنين الكثيف الذي لا يعني إلا شيئاً واحداً.
نزل أبو دعيّر — الماء وصل ركبتيه — ومشى نحو الكوخ. تبعته. سيد هاشم بقي في المشحوف — بنفس الوضعية — لكنّ يده اليمنى انتقلت من المسبحة إلى ما تحت العباءة.
خلف الكوخ — وجدناه.
ربيع.
رجل أربعيني ملقى على وجهه في الطين. رصاصتان في ظهره — ثقبان أسودان والدم جفّ حولهما بلون بنّي. الذباب يغطّي الجرحين كغيمة. يداه ممدودتان كأنه كان يزحف نحو الماء قبل أن يموت.
أبو دعيّر وقف ينظر. وجهه تغيّر — فكّه انقبض وعيناه اتّسعتا ثم ضاقتا إلى شقّين:
— ربيع... يا ربيع...
يعرفه إذن. ليس مجرّد "واحد ينطره ببضاعة."
ثم سمعنا صوتاً آخر — من اتجاه المشحوفين المربوطين. أنين خافت مخنوق — كصوت حيوان جريح يحاول ألا يُسمع.
ركضت نحو الصوت. خلف أحد المشحوفين المقلوبين — وجدتها.
بنت.
ملتفّة على نفسها — ركبتاها إلى صدرها ويداها تغطّيان رأسها وجسدها يرتجف. ملابسها — دشداشة سوداء بسيطة — ممزّقة عند الكتف والذراع. وعلى رأسها شيلة — تلك الشيلة التي تتميّز بها بنات الأهوار: قماشة سوداء تلتفّ حول الرأس والوجه بطريقة تجعل الوجه يبدو كأنه يطلّ من وسط وردة — لأن أطرافها متعرّجة كأوراق الورد — ونهاية اللفّة مشبوكة بمشبك ذهبي صغير على شكل يد: بدايتها تشبك طرف القماش وأصابعها المفتوحة تشبك الطرف الآخر. الشيلة انزاحت عن مكانها من العراك لكنها لم تسقط — لا تزال على رأسها معوجّة. وجهها مختبئ خلف ذراعيها.
— لا تخافين. ما راح أسويلچ شي. أنه مو منهم.
لم تتحرّك. ازداد ارتجافها.
جلست القرفصاء على بعد ذراعين — لم أقترب أكثر. الإنسان الخائف يحتاج مسافة أكثر من كلمات.
— اسمعيني. أنه وياي ناس. أبو دعيّر الدلّال — تعرفينه؟
عند اسم أبي دعيّر — رفعت رأسها.
وجهها — حين رأيته لأول مرة — أحدث فيّ شيئاً لم أكن مستعدّاً له. وجه بيضوي أسمر ناعم يطلّ من الشيلة المعوجّة كأنه وردة فعلاً — عينان سوداوان واسعتان مكحّلتان كحلاً عراقياً ثقيلاً بدأ يسيل مع الدموع فرسم خطّين أسودين على خدّيها. على خدّها الأيسر كدمة حمراء بحجم قبضة. وعلى يديها — حين أنزلتهما عن وجهها — حنّاء بنقوش دقيقة بدأت تبهت. ومن ثيابها — رغم الطين ورغم الرعب — تسرّبت رائحة خافتة: قرنفل ومسك. رائحة بنت اعتنت بنفسها قبل أن ينقلب عليها العالم.
فتحت فمها. حرّكت شفتيها. لم يخرج صوت.
خرساء. بُكم. هكذا خُلقت أو هكذا صارت.
أبو دعيّر جاء:
— هاي زينة. بنت حسين جواد من بو العيطة — من قبايل بو بزون. أبوها مات بالانتفاضة. ربيع كان ياخذ خاطرها.
ربيع — الملقى خلف الكوخ — كان يحميها. والآن ربيع ميّت.
— شنو صار هنا يا أبو دعيّر؟
— اللي صار واضح يا أبو كرّار. ازلام المقدم ناظم وصلوا لهنا. گتلوا ربيع. وزينة...
نظر إلى ثوبها الممزّق والشيلة المنزاحة. فهمنا كلانا.
لم يكن عندنا وقت.
صوت ماطورات يقترب من الممرّ الذي دخلنا منه. ليس مشاحيف سمّاچة — بل زوارق أقوى. صوت أعرفه.
أبو دعيّر التفت:
— رجعوا. ازلام خضير — لحگوا أثرنا.
أربعة رجال ظهروا عند مدخل الممرّ. زورق عسكري — خضير القصير بالشارب في المقدّمة. مسلّحون بشكل مكشوف — كلاشينكوف.
خضير رآنا. رأى المشحوف. رآني بالصدرية. وعيناه ضاقتا حين رأى زينة خلفي بثوبها الممزّق والشيلة المعوجّة:
— هاه! الصدرية البيضة! گتلك بعدين نكمل — هسّه جينا نكمل.
نزلوا. الماء إلى ركبهم. اثنان تقدّما — أحدهما أمسك زينة من ذراعها فصرخت صرخة خرساء — صوت بلا كلمات، هواء يخرج من حلق مرعوب — وسحبها. المشبك الذهبي انفتح وسقط في الطين.
لم أفكّر. لم أحسب. تحرّكت بحركة من حياتي السابقة: خطفت السكين وطعنت ذراع الرجل. ليست طعنة قاتلة — عميقة بما يكفي ليطلق يدها. زينة سقطت في الماء.
لكنّ خضير كان أسرع. أخمص الكلاشينكوف ضرب مؤخّرة رأسي. سقطت على ركبتيّ. العالم دار.
— يا ابن الكلب! تسحب سچّين على عناصر أمن الدولة؟
ركلة في الضلوع. ثم أخرى. سحبوني من شعري. وجه خضير أمامي مقلوباً:
— هسّه نشوف. أنته منو ومن وين. وهذاك الدلّال — بنشوف شنو بقاع مشحوفه. من زمان عيني عليه.
أبو دعيّر — رأيته بطرف عيني المتورّمة — تراجع ببطء نحو مشحوفه. ليس هرباً — بل كمن يأخذ موضعاً. انزلق خلف جدار المشحوف المحمّل بالأكياس حتى صار محتمياً بالبضاعة المكدّسة كأنها ساتر. وجه الدلّال غير المبالي — لكنّ عينيه كانتا تتحرّكان بين خضير وسيد هاشم والمسافات بينهم، يحسب كما يحسب صفقاته — بس هالمرة الصفقة بالرصاص.
ربطوا يديّ خلف ظهري بحبل. سحبوني إلى جذع سدرة يابسة وربطوا الحبل بغصن عالٍ. رفع خضير الحبل ببطء — حتى صرت على أطراف أصابعي والحبل يشدّ ذراعيّ إلى الخلف والأعلى. كتفاي — كأنهما ينفصلان عن جسدي.
— هسّه. من الأول. أنته منو؟
الألم يأكلني. الدم يقطر من رأسي. زينة ملقاة بجانب الكوخ وأحد الرجال واقف فوقها — يده على حزامه ونظرته نظرة حيوان. والذي طعنته يمسك ذراعه وينظر إليّ بعينين تريدان قتلي.
فكّرت: هكذا ينتهي إلياس. معلّقاً على شجرة في هور لم يسمع به أحد.
ثم — سمعت صوتاً.
ليس ماطوراً ولا رصاصاً.
صوت المسبحة.
تِك.
واحدة فقط.
التفتُّ بقدر ما يسمح الحبل.
سيد هاشم.
لا يزال في المشحوف. لكنّ شيئاً تغيّر. المسبحة ملفوفة حول معصمه الأيسر. ويده اليمنى — الحرّة — تحت العباءة.
وعيناه — صارتا شيئاً آخر. ليستا عيني رجل دين. عينا مخلوق حسم أمره.
نهض ببطء. ببطء شديد. كأن الزمن يتحرّك بإيقاعه هو.
خضير والثلاثة — المنشغلون بي وبزينة — لم ينتبهوا إلا حين صار واقفاً على حافة المشحوف. والحين كان قد فات.
العباءة انفتحت.
وفهمتُ أخيراً لماذا كانت ثقيلة في هذا الحرّ.
رشّاش بي كي سي مثبّت بحمّالة تحت العباءة. ومسدّس على الخصر. وسكاكين في الحزام.
لم يصرخ. لم يقل شيئاً.
أطلق النار.
الأول — الواقف فوق زينة — سقط قبل أن يسمع الصوت. رصاصة في الصدر. أبو دعيّر — في اللحظة نفسها — رمى نفسه داخل المشحوف خلف أكياس الطحين ومدّ ذراعه وسحب زينة من الماء إلى جوف المشحوف — دسّها بين الأكياس وانبطح فوقها كساتر بشري، وجهه في القاع ويداه تضغطان رأسها للأسفل.
الثاني — الذي طعنته — دار نحو الصوت فأصابته الرصاصة الثانية في الكتف وسقط في الماء. خضير — الأسرع بينهم — رمى نفسه خلف الزورق العسكري وأمسك كلاشينكوفه وأطلق رشقة عمياء. الرصاص مزّق القصب وخرّق كيسين من الطحين فوق أبي دعيّر — انسكب الطحين الأبيض على ظهره وعلى زينة المختبئة تحته حتى صارا كأنهما تمثالان من جصّ. لكنّ سيد هاشم كان قد قفز من المشحوف إلى الماء وصار خلف الكوخ القصبي في ثانيتين — يتحرّك بصمت لا يُصدّق لرجل بعمامة وعباءة مبلّلة ورشّاش.
الرابع — ركض نحو الزورق وقفز وشغّل الماطور وانطلق في الممرّ. لم يلتفت.
خضير — وحده خلف الزورق — أطلق رشقة أخرى نحو الكوخ. سيد هاشم ردّ برشقة قصيرة حسبها بدقّة — ثلاث رصاصات فقط — مزّقت حافة الزورق المعدنية على بعد شبر من رأس خضير. رسالة واضحة: الرشقة التالية لن تُخطئ.
خضير فهم. نظر حوله: الأول ميّت. الثاني ينزف ويئنّ في الماء. الرابع هرب. وهو وحده ضد رجل يعرف كيف يستخدم الرشّاش أحسن ممّا يعرف هو.
حسب. قرر. قفز في الماء من الجهة الأخرى واختفى في القصب. صوت ركضه يبتعد — ثم ابتلعه الهور.
صمت.
صمت مطلق — إلا صوت الماء يعود إلى سكونه وأنين الرجل المصاب في كتفه ونفَس أبي دعيّر الثقيل وهو يرفع نفسه عن زينة. كلاهما أبيضان بالطحين — أبو دعيّر بصديريه الكاكي الذي صار أبيض وزينة بشيلتها وثوبها الأسود الذي صار رمادياً. لحظة أخرى لكانت مضحكة — لكنّ أحداً لم يضحك.
سيد هاشم خرج من خلف الكوخ. العباءة مبلّلة حتى الخصر والرشّاش في يده والعمامة — العمامة لا تزال في مكانها. كأنها مثبّتة بمسامير. هذا التفصيل أرعبني أكثر من الرصاص. رجل يقتل وعمامته لا تتزحزح.
مشى نحوي بخطوات ثابتة. أخرج من حزامه سكيناً — نصل يلمع — وقطع الحبل. سقطت في الطين. ذراعاي — حين عادتا — أحسست بهما كأنهما ليستا لي.
أبو دعيّر نهض من المشحوف ينفض الطحين عن ثيابه. ساعد زينة على النهوض — البنت ترتجف وتنفض الطحين الأبيض عن شيلتها السوداء بحركة آلية كأن عقلها في مكان آخر. انحنت والتقطت من الطين شيئاً صغيراً لامعاً — المشبك الذهبي على شكل يد — ومسحته بطرف ثوبها وأعادت تثبيت الشيلة على رأسها بأصابع ترتجف. حتى في الرعب — حتى بعد كل ما حدث — غريزة البنت أن تعيد حجابها إلى مكانه قبل أي شيء آخر.
أبو دعيّر نظر إلى سيد هاشم — وجهه لا يزال أبيض من الطحين والصدمة:
— سيّدنا... أنته شنو بالضبط؟
سيد هاشم لم يبتسم:
— الواحد اللي هرب — وصل للمقدم ناظم. وخضير هم. عدنا ساعة لو ساعتين. لازم نتحرّك.
التفت إليّ:
— أبو كرّار. گوم. ما عدنا وقت.
قمت. ركبنا المشحوف — أبو دعيّر عند الماطور ينفض الطحين عن وجهه بيد ويشغّل المحرّك بالأخرى، وزينة ملتفّة بين الأكياس المخرّقة بالرصاص وشيلتها مغبّرة بالطحين ورائحة القرنفل والمسك اختلطت برائحة البارود، وسيد هاشم يجلس والرشّاش على ركبتيه والمسبحة عادت إلى يده اليمنى كأن شيئاً لم يحدث، وأنا في المقدّمة والدم يقطر على الصدرية البيضاء التي لم تعد بيضاء.
انطلقنا. والماء يبتلعنا.
وأنا أحسّ بشيء نسيته: الخوف الحقيقي. ليس من الموت — ذلك تعوّدت عليه — بل ممّن حولي. رجل يخبّئ أسلحة في القاع. ورجل يخبّئ رشّاشاً تحت عباءته. وبنت خرساء من بو العيطة بمشبك ذهبي وكحل سائل تعرف ما حدث لربيع ولا تستطيع أن تنطق. وأنا — بسكّين مطبخ واسم مستعار.
والواحد اللي هرب — وصل. أنا متأكّد. وخضير وصل.
المقدم ناظم يعرف الآن.
والعدّ التنازلي بدأ.
يتبع — الفصل السادس: المقدم ناظم
لم نبتعد كثيراً حين سمعنا أصوات ماطورات من عمق الهور.
أبو دعيّر أطفأ الماطور وسحب المشحوف نحو حائط من القصب. سيد هاشم أمسك الرشّاش. وأنا أمسكت حافة المشحوف.
لكنّ زينة رفعت رأسها وأصغت. ثم ضربت بيدها على الخشب — ضربتين — وأشارت نحو الصوت وهي تهزّ رأسها. لا — ليسوا أعداء.
ظهرت أربعة مشاحيف يقودها رجال مسلّحون — كلاشينكوف وآر بي كي. السلاح بعد عودة الجيش من الكويت أسهل شي بالعراق — الجندي المنهزم كان يبيع بندقيته بلقمة عيش أو توصيلة، وإيران تمدّ كل معارض بما يحتاج. في المقدّمة رجل كبير — وجهه محفور كأرض يابسة — خلفه شابّان.
زينة انتفضت ورفعت يديها نحو العجوز.
— زينة! يمّه! حسبناچ متّي!
أبو دعيّر وقف:
— عمّي أبو محسن! هاي زينة سالمة. لگيناها عند كوخ ربيع.
— وربيع؟
هزّ أبو دعيّر رأسه. فهم العجوز. ثم نادى:
— خلف! فلاح! تعالوا ساعدوا زينة.
زينة وقفت واستعدّت للانتقال. لكنها توقّفت. التفتت نحوي.
رفعت يدها إلى رقبتها وأخرجت قلادة — خيط قماشي أسود فيه شيء بحجم ثلاثة أصابع ملتصقة. قماش أخضر مطرّز. فتحته — مصحف صغير.
مدّت يدها نحوي.
أنا — إلياس. يهودي. ويد بنت هورانية تمدّ لي قرآناً.
أول ما تبادر إلى ذهني: هذا القرآن في رقبة رجل على حدود إيران يساوي جواز سفر. يساوي فيزا. يساوي گرين كارد. لا أحد يسأل حامل مصحف عن دينه.
هذا ما فكّرت به. قبل أن أنظر إلى وجهها.
لكنّ يدها ظلّت ممدودة. وعيناها تنتظران.
ولم أفعل شيئاً.
وقفت — أنا الذي لم يتجمّد أمام فوّهة مسدّس — وقفت أمام بنت خرساء تمدّ لي قلادة ولم أستطع أن أحرّك يدي. شيء ليس له اسم شلّ كل عضلة.
وفي رأسي — من لا مكان:
حسبالي تذبح نوگ عندك جسارة
ديچ وتحرّم بي عمرك خسارة
وصوت يردّ من داخلي — من مكان لم أكن أعرف وجوده:
اذبح زلم ماخاف واجَّسَّر سباع
لكن شدهني الشوگ وعيونچ وساع
انتظرتْ. ثم فهمتْ. ابتسمتْ ابتسامة صغيرة حزينة ووضعت القلادة على حافة المشحوف وأومأت بيدها وداعاً. وانتقلت.
وأنا — بعد فوات الأوان — رفعت يدي ولوّحت. خجلاً.
أبو دعيّر التفت إلى أبي محسن:
— عمّي، خلّوا عيونكم بعين الله. وضمّوا زينة عندكم واخفوها عن الأنظار. خضير عايش. راح يرجعون أكيد.
— ولدنا ميقصّرون. خل يرجعون.
مضت مشاحيفهم في دهاليز القصب. وزينة — ظهرها إلينا — لم تلتفت. لكنّ يدها ارتفعت لحظة ثم نزلت. واختفت.
التقطتُ القلادة. وضعتها في جيب الصدرية فوق القلب.
ليس إيماناً. بل حساباً. أو هكذا أقنعت نفسي.
بعد ساعة — البنزين نفد ولم يبقَ إلا الكراكة (المجاذيف) — قال أبو دعيّر وهو ينزل المجذاف:
— نستخدم الكراكة ونوصل إن شاء الله. بس هسّه لازم نبات.
السماء غائمة — ثقيلة رمادية. آذار في ميسان — أبو الهزائز. بعد دقائق بدأ المطر — رذاذ ثم قطرات أثقل تطرق الماء فتصنع دوائر. رائحة المطر على الطين — رائحة الأرض وهي تتنفّس.
سيد هاشم نصب قماش المشمّع كسقف. وأبو دعيّر أشعل الچولة تحته — لهبها الأزرق مخفيّ بالقصب الكثيف.
ثم أخرج أبو دعيّر مقلاعاً بسيطاً وأصغى لحظة وأطلق حصاة نحو القصب. رفرفة قصيرة ثم سقوط. عاد بدجاجة ماء ميّتة — نتفها بسرعة مذهلة وشقّها وشواها على الچولة.
أكلنا — الثلاثة — دجاجة واحدة وخبز يابس وچاي من الكيتلي. المطر يطرق القماش فوقنا بإيقاع رتيب. والقصب يتمايل. وللحظة — لحظة فقط — شيء يشبه السلام. ثلاثة غرباء تحت قماش مشمّع في جزيرة طين والمطر ينهمر يأكلون من دجاجة واحدة.
ثم أطفأ أبو دعيّر الچولة. والظلام ابتلع كل شيء.
تمدّدت في المقدّمة. أبو دعيّر عند الماطور الميّت. وسيد هاشم — منتصباً، الرشّاش على ركبتيه. لم يتمدّد.
المطر يخفّ. ويتوقّف. وينام الهور.
تِك... تِك... تِك...
أيقظني صوت ماطورات. أكثر من ثلاثة. وأضواء كشّافات تخترق القصب.
قفزت. أبو دعيّر مستيقظ. سيد هاشم بنفس وضعيته — الرشّاش على ركبتيه.
— لا تتحرّك. أكثر من ثلاث زوارق. إذا طلقنا نار نكشف مكاننا وهم أكثر.
الكشّافات تقترب وتبتعد. ثم — وقعت علينا.
— هنا! لگيناهم!
ثلاث زوارق أحاطت بنا. أكثر من عشرة رجال.
سيد هاشم حسب. المسافات. عدد البنادق. الزوايا. ثم — رفع يده عن الزناد.
رفعنا أيدينا. الثلاثة.
نقلونا بالزوارق إلى الشارع حيث تنتظر سيارة إيڤا روسية مكشوفة وسيارتا واز. ربطوا أيدينا وعصبوا عيوننا وحشرونا في حوض الإيڤا.
حين رفعوا العصابة — كنت واقفاً في ساحة مديرية أمن العمارة.
ورأيت.
في الساحة — أعمدة خشبية. ثلاثة. عند كل عمود رجل مربوط — يداه خلف ظهره. شباب لا يتجاوز أكبرهم الخامسة والعشرين.
وأمام كل عمود — أهلهم. واقفون.
لكنّ ما لم أكن أعرفه — ما لم أتخيّله حتى في أحلك كوابيسي — هو ما حدث قبل الرصاص.
فكّوا العصابة عن عيني المحكوم.
فكّوها ليرى. ويسمع.
ثم بدأوا.
واحداً واحداً — أحبّته يأتون إليه. واحداً واحداً.
جاء أبوه. رجل في الستين يمشي بخطوات ثقيلة كأن قدميه مسمّرتان بالأرض. وقف أمام ابنه المربوط — ابنه الذي يراه بعينين مفتوحتين للمرة الأخيرة — وقال بصوت ميّت — صوت رجل انتُزعت منه الحياة قبل أن يموت:
— أنته... خنت... خنت وطنك... وأنه... أنه أتبرّأ منك.
والابن — مربوط بالعمود وعيناه مفتوحتان — ينظر إلى أبيه. والدمع يسيل على وجهه بصمت. لا يصرخ. لا يتوسّل. فقط ينظر — ينظر إلى الرجل الذي علّمه المشي وهو يقول له إنه يتبرّأ منه.
ثم جاءت أمّه.
أمّه.
امرأة — ملفوفة بعباءة سوداء ووجهها وجه من بكى حتى جفّ الدمع وبقي الملح. وقفت أمامه. وفمها — فمها يتحرّك ولا يخرج صوت. مثل زينة — أصبحت خرساء في تلك اللحظة. ثم بلعت ريقها وقالت — بصوت لم يبقَ منه إلا العظم:
— ابني... أنته... مو ابني.
والابن — حين سمع أمّه تقول "مو ابني" — أطلق صوتاً. ليس صراخاً ولا بكاءً — بل شيئاً ليس له اسم في أي لغة. صوت حيوان يُذبح من الداخل. صوت كسر شيء لا ينكسر عادة — شيء أعمق من العظم.
ثم جاء أخوه. ثم عمّه. ثم ابن عمّه. واحداً واحداً. كلهم يقولون الكلمة نفسها: نتبرّأ. نتبرّأ. نتبرّأ. وهو يسمع. ويرى. وعيناه مفتوحتان.
ثم قال الضابط:
— العشيرة؟
وتقدّم رجل — وجهه أصفر ويداه خلف ظهره ترتجفان:
— العشيرة تتبرّأ.
ثم أُعيدت العصابة على عيني المحكوم.
ثم الرصاص.
والجسد يرتجف ويتدلّى. والأهل يقفون. لا يبكون — لأن من يبكي يُعدم بعده. فيقفون كأعمدة من حجر ووجوههم ميّتة وأعينهم جافّة.
ثم يأتي أحدهم إلى الأب:
— ثمن الطلقات.
ويدفع الأب. ثمن الرصاص الذي قتل ابنه. ويأخذ إيصالاً.
والجثة لا تُسلّم. تبقى معلّقة.
هذا ما رأيته بعيني. أما ما سمعته — وتأكّدت منه لاحقاً — فهو أن بيت المُعدَم يُهدم بالجرّافة بما فيه. عائلته تخرج إلى الشارع. وتُقطع حصّتهم التموينية — الخيط الوحيد بين العائلة والبقاء. وتبقى العائلة ملاحَقة مراقَبة — عليها مؤشّر أمني. أي تهمة تُلصق بهم بلا تحقيق. لا تعيين بوظيفة ولا تسجيل بجامعة. العائلة تصبح منبوذة — إذلال كامل مدروس لا يقتل الجسد فقط بل يقتل كل ما حوله.
لم يأخذونا إلى مكتب المقدم فوراً. فرّقونا.
زنزانتي — ليست غرفة. قبر. قبر بباب حديدي. لا تستطيع أن تقف فيها منتصباً — السقف واطئ حتى أنني لم أستطع إلا القرفصاء أو التمدّد. ولا نافذة ولا مصباح ولا أي شيء. ظلام مطلق. سواد كامل كأنني دُفنت حيّاً.
دخلت. أُغلق الباب الحديدي خلفي بصوت ارتجّ في عظامي. وبقيت في الظلام.
الظلام — في البداية — لا يُرى فيه شيء. عيناك مفتوحتان وتنظران ولا تريان. كأنك أعمى. وقلبك يدقّ لأنك تحسّ أنك لست وحدك — لكنك لا تعرف لماذا تحسّ ذلك.
ثم — ببطء — بعد دقائق أو ساعات لا أعرف — بدأت عيناي تتأقلمان. والظلام لم يعد سواداً مطلقاً بل صار درجات من الرمادي الداكن.
ورأيته.
في الزاوية المقابلة — شكل. شكل إنسان. جالس. يرتدي ثوباً أبيض — والأبيض في ذلك السواد يبدو كأنه يتوهّج. وجهه لم أتبيّنه — فقط بياض الثوب وشكل جسم جالس.
تجمّد كل شيء فيّ.
ظننته روحاً. شبحاً. ميّتاً يجلس في قبره. كل ما في رأسي من قصص وخرافات سمعتها في طفولتي عادت دفعة واحدة — وأنا الذي لا أخاف الأحياء، ارتعبت من الأموات.
ثم تحرّك الشكل. وسمعت صوتاً — صوت بشري ضعيف مبحوح:
— لا تخاف يا ابني. أنه حي مثلك. اسمي محمد. الشيخ محمد.
صمتُّ. قلبي لا يزال يدقّ كأنه يريد أن يخرج من صدري.
— من يمته أنته هنا يا ابني؟
— اليوم جابوني. وأنته يا شيخ؟
صمت طويل. ثم:
— أنه هنا من عشرين سنة.
عشرين سنة. عشرين سنة في قبر. فكّرت أنه يهذي — أن العزل والظلام أفقداه عقله. لكنّ صوته — رغم ضعفه — كان صوت رجل عاقل. عاقل أكثر ممّا ينبغي لرجل قضى عشرين سنة في قبر.
— شنو قصّتك يا شيخ محمد؟
— قصّتي طويلة يا ابني. بس أنته — شنو قصّتك؟ شنو جابك لهنا؟
لم أخبره الحقيقة. أخبرته ما أخبرت الآخرين — معاون طبي، هارب، بلا هوية. والشيخ محمد — في ظلامه — سمع بصمت. وأحسست أنه لم يصدّق — لكنه لم يسأل أكثر. في القبور لا أحد يُجبر أحداً على الصدق.
لم أنم.
ليس بسبب الخوف — رغم أنني خائف. وليس بسبب الألم — رغم أن ضلوعي تؤلمني من الركل ورأسي يؤلمني من ضربة الكلاشينكوف. بل بسبب شيء أبسط وأشدّ قسوة: الجگارة.
لم أدخّن منذ يوم كامل. يوم كامل بلا نَفَس دخان واحد. وأنا — رجل يدخّن منذ أن كان عمره خمس عشرة سنة — جسدي يصرخ. يصرخ بصمت — لأن الصراخ الحقيقي ممنوع في القبور — لكنّ كل عصب فيّ يرتجف ويطلب. النيكوتين. نَفَس واحد. رشفة دخان. أي شيء.
الشيخ محمد نام — أو بدا أنه نام. سمعت تنفّسه المنتظم البطيء. وأنا جالس في الزاوية أتلوّى.
ثم — في ساعة لم أعرف هل هي منتصف الليل أم قبل الفجر — لاحظت شيئاً: من تحت باب الزنزانة الحديدي يتسرّب شريط ضوء خافت. ضوء الممرّ. نيون أبيض باهت يدخل كخيط من تحت الباب — والخيط يكفي ليكون أوّل ضوء أراه منذ ساعات.
اقتربت من الباب. استلقيت على بطني ووضعت وجهي عند الفتحة — الفجوة بين أسفل الباب والأرض لا تتجاوز ثلاثة سنتيمترات — ونظرت.
الممرّ. أرضية إسمنتية رمادية. جدران. صمت.
ثم — عند الفجر تقريباً — سمعت صوتاً.
صوت زحف نعال على الإسمنت. خطوات بطيئة ثقيلة — ليست خطوات جندي بل خطوات شخص يمشي ببطء شديد كأنه يجرّ نفسه.
بقيت عند الفتحة. عيني ملتصقة بالشريط الضوئي. والصوت يقترب.
ثم رأيت — نعلين. نعلين عسكريّين — نفس النعال الذي يُصدر ذلك الشحط — يتحرّكان ببطء على الإسمنت نحو نهاية الممرّ — نحو صنبور الماء الذي سمعت صوته يقطر منذ دخلت.
النعلان ابتعدا. والجسم — كلما ابتعد — بدأ يتكشّف أكثر من زاوية نظري المحدودة تحت الباب: ساقان. ثوب أبيض ملطّخ. جذع. ظهر. كل ما رأيته — القفا. ظهر رجل يمشي مبتعداً. لم أرَ وجهه ولا صدره — فقط الظهر والنعلان.
وفوق الرقبة — فوق الرقبة حيث يجب أن يكون الرأس — لا شيء. فراغ. ورقبة مقطوعة تنتهي بلا شيء.
الجسم بلا رأس مشى نحو الصنبور. ثم وقف.
ثم بدأ يلتفت. يلتفت عائداً.
بقيت مسمّراً. عيني ملتصقة بالفتحة. أنتظر أن يلتفت — أنتظر وأنا أعرف أنه بلا رأس — أنتظر أن أرى ما لا يُرى. جسدي يقشعرّ قشعريرة تنبت من أسفل ظهري وتصعد نحو رقبتي حتى يقف شعر رأسي. والخوف — خوف ليس من هذا العالم — خوف لم أعرفه حتى حين كنت أواجه الموت — يملأني من الداخل كماء بارد يتصاعد.
التفت.
وكان فعلاً بلا رأس. والآن — الآن رأيت ما لم أرَه من الخلف. الصدر — مشقوق بشكل إكس. قطعان متقاطعان كأنهما من سيفين — والأثر أحمر طازج كأنه حدث للتوّ.
لا أعرف كم مرّ من الوقت.
لا أعرف إن مرّت ساعة أو اثنتا عشرة ساعة. كل ما أعرفه أنني وجدت نفسي في زاوية الزنزانة — الزاوية الأبعد عن الباب — ملتفّاً على نفسي وعيناي مفتوحتان على الظلام وجسدي يرتجف ارتجافاً لا أستطيع إيقافه. لم أنم ولم أصحُ — كنت في مكان بينهما. مكان لا اسم له.
وسمعت صوت الشيخ محمد. من بعيد — كأنه يأتي من آخر نفق. يقرأ. يقرأ قرآناً عند رأسي. كلمات لم أفهمها — لأنني لم أكن أفهم أي شيء في تلك اللحظات — لكنّ صوتها كان كحبل ممدود من سقف هذا القبر نحو شيء فوقه.
ببطء — ببطء شديد — بدأ الوعي يعود. كأن ضباباً ينقشع. سمعت صوت الشيخ محمد أوضح:
— بسم الله الرحمن الرحيم... أعوذ بالله من الشيطان الرجيم...
ثم شعرت بيده — يد عجوز جافّة خشنة — تربت على كتفي:
— يا ابني... الحمد لله على السلامة... الحمد لله.
فتحت فمي. صوتي — حين خرج — كان صوت رجل آخر:
— شفت... شي... بلا راس...
الشيخ محمد سكت لحظة. ثم قال بصوت من يعرف ما يتكلّم عنه — صوت من رأى نفس الشيء مئة مرة:
— شفت قاسم الطيّار.
— قاسم...
— إي. قاسم الطيّار. البطل. أرسله صدام يقصف أهداف بإيران — گالوله أهداف عسكرية. بس قاسم لمّن وصل فوگها وشاف — ما عسكرية ولا شي. مدنيّين. بيوت وعوائل وأطفال. فرجع بحمولته كاملة. ما رمى شي. رجع وأخبرهم — ظنّ إنهم بيفهمون. ظنّ إنّ المعلومات خاطئة ويمكن تصحيحها. بس يا ابني — تدري شنو شعار النظام؟
— نفّذ ثم ناقش.
— إي. نفّذ ثم ناقش. وقاسم ما نفّذ. ما يهم إنّ الأهداف مدنيّين ولا عسكريّين — المطلوب تنفيذ الأوامر مهما كانت. فحكموا عليه بالخيانة العظمى.
سكت. ثم أكمل:
— حكموا عليه بالخيانة العظمى. وقطعوا راسه بسيفين متقاطعين. سيفين — مثل إكس — مما ترك أثر التقاطع على صدره. وهو نزيل هنا وِيّانا يا ابني. من يومها وهو يمشي بالممرّات. لا تخاف. هو ما يضرّ حد. هو بس يمشي. يمشي ويدوّر على راسه.
أحسست بشيء — ليس خوفاً بعد الآن بل شيئاً آخر. شيئاً أثقل. حزناً ربما. أو غضباً. رجل رفض أن يقتل أبرياء — فقتلوه وقطعوا رأسه — وروحه لا تزال تمشي في ممرّات المكان الذي قتلوه فيه.
— لا تخاف يا ابني. وأنه وِيّاك.
والشيخ محمد — هذا الرجل الذي قضى عشرين سنة في قبر — عاد إلى قراءته. وصوته في الظلام كان الشيء الوحيد الذي منعني من الجنون.
فُتح الباب.
الضوء — حتى ضوء النيون الباهت — كان كسكين في عيني بعد كل تلك الساعات في الظلام. غمّضت عيني وأمسكني جنديّان من ذراعيّ وسحباني.
كنت آخر من حُقّق معه. بعد أبي دعيّر وبعد سيد هاشم. كل واحد منّا وحده مع إجاباته.
غرفة التحقيق: طاولة معدنية وكرسي وضابط يجلس خلف الطاولة بملف وقلم.
بدأ هادئاً:
— اسمك.
— حيدر عبد الواحد.
— أصدقائك الاثنين — أبو دعيّر والسيد — كلهم اعترفوا. كلهم. گالولنا كل شي. فلا تخبّي شي — لأنه كل شي نعرفه.
هذه أقدم خدعة في كتاب التحقيق. أعرفها. لكنني لا أعرف ماذا قالوا فعلاً.
— شنو گالوا؟
— هم اللي يگولون. أنته گول قصّتك.
أعطيته نفس القصة: معاون طبي. هارب. بلا هوية. أبو دعيّر شغّلني. السلاح لا أعرف عنه.
لم يقتنع. لم أتوقّع أن يقتنع. ثم تغيّرت نبرته — من الهدوء إلى شيء أبرد:
— اسمع. اللي لگيناه بقاع المشحوف — بنادق وذخيرة — وحدها حكمها إعدام. وأنته كنت على نفس المشحوف. يعني شريك.
سكتُّ.
— وعدك خيار ثاني: تحچيلنا كل شي. كل شي. بالضبط. من البداية. وإذا ما حچيت...
وقف. مشى حول الطاولة حتى صار خلفي. وانحنى نحو أذني وهمس — والهمس كان أسوأ من الصراخ:
— إذا ما حچيت — نحوّلك للشعبة الخامسة.
الشعبة الخامسة.
اسمها وحده تعذيب. اسمها وحده يكفي ليفتح فم أي إنسان. الشعبة الخامسة — حيث حوض التيزاب الذي يذيب اللحم عن العظم وأنت حيّ. حيث مثرامة اللحم — ولا يضعونك من رأسك لتموت بسرعة بل من رجليك لتموت ببطء. حيث غرفة الكلاب الوحشية التي ربّوها على لحم البشر. حيث...
— ما تحتاج أكمل. أنته تعرف.
أعرف. نعم أعرف. لا يحتاج أن يكمل.
والخوف — رغم كل ما قلته لكم عن أنني ميّت ولا أخاف — عاد. عاد لأن الخوف من الموت شيء والخوف من التيزاب شيء آخر. الموت رحمة مقارنة بما يحدث في الشعبة الخامسة.
ثم — فعلت شيئاً لم أخطّط له. شيئاً خرج منّي كما تخرج الرصاصة — بلا تفكير ولا حساب ولا مراجعة:
— أنه مو حيدر.
توقّف المحقق. عاد إلى أمامي. نظر إليّ.
— أنه اسمي إلياس. يهودي. من شمال بغداد.
صمت. صمت طويل. المحقق وقف أمامي وفمه نصف مفتوح. ثم — ببطء — جلس على الكرسي خلف الطاولة. جلس بهدوء. وطوى يديه أمامه. واستمع.
وأنا — تكلّمت. لأول مرة منذ فقدت محفظتي واسمي — تكلّمت. رويت. ليس كل شيء — لكنّ ما يكفي. من أنا. من أين. ولماذا أحمل اسماً ليس اسمي. وماذا أفعل في أهوار ميسان.
والمحقق يسمع. لا يقاطع. لا يكتب. فقط يسمع. وعلى وجهه — تعبير لم أتوقّعه: ليس غضباً ولا استهزاءً. بل شيئاً يشبه — وقد لا تصدّقونني — شيئاً يشبه الرضا. كأنه وجد ما كان يبحث عنه. كأن قطعة من أحجية سقطت في مكانها.
حين انتهيت، أومأ برأسه ببطء. ثم قال — بنبرة جديدة:
— إذاً أنته... إليااااس.
قالها بمدّ طويل. كأنه يتذوّق الاسم. كأنه يزنه.
لم أردّ. لا يوجد ما أضيفه.
ثم قال:
— خذوه للزنزانة الجماعية.
جمعونا — الثلاثة — في زنزانة واحدة أوسع.
أبو دعيّر في الزاوية — صامت، عينه اليسرى متورّمة. ضربوه. سيد هاشم بظهره إلى الجدار — العمامة في مكانها والعباءة أخذوها ومعها كل ما تحتها. بقي بدشداشة بيضاء وعمامة ومسبحة — المسبحة تركوها. لم يفهموا ما في خيطها.
وأنا بينهما. بصدريتي الملطّخة وقلادة القرآن في جيبي.
عرفت — دون أن يخبرني أحد — أن الثلاثة اعترفوا. ليس لأنهم ضعفاء — بل لأن اسم الشعبة الخامسة وحده يكفي. وحوض التيزاب ومثرامة اللحم وغرفة الكلاب — مجرّد أسمائها تفتح أي فم.
ثلاثة رجال في زنزانة. ميّتون ينتظرون أن يُعلن موتهم.
ثم — فُتح الباب:
— گوموا. المقدم يريدكم.
الطابق الثاني. ممرّ فيه صورتان لصدام. باب حديدي أخضر.
خلف المكتب — المقدم ناظم.
رجل في الخمسين. صلابة الحديد القديم — ليست من العضلات بل من الاعتقاد الكامل بأنه على حقّ. وجه مربّع حليق بشارب بعثي مشذّب. عينان بنّيّتان خلف نظّارة سميكة. بزّة مكويّة وأوسمة.
تكريتي. عرفته قبل أن يتكلّم. وحين تكلّم — تأكّدت:
— عَجَل، يعني هسّه عندي ثلاثة: واحد مهرّب سلاح وحده، وواحد مجهول الهوية — لو هو يهودي كما يدّعي ما أدري بعد — وواحد سيّد مزيّف گتل اثنين من عناصر الأمن وجرح ثالث. اللي لگيناه بقاع مشحوف ابو دعيّر وحدو يكفي إعدام الثلاثة. بالساحة. مع اللي شفتوهم.
صمت. أشعل سيجارة أجنبية وسحب نفساً طويلاً:
— بس أنه — مو دائماً أمشي بالقانون.
يتبع — الفصل السابع: الصفقة
جمعونا — الثلاثة — في زنزانة واحدة. أوسع من القبور المنفردة لكنها زنزانة — أربعة جدران وباب حديدي وفتحة شبّاك صغيرة في الأعلى يدخل منها ضوء رمادي وهواء ساخن.
أبو دعيّر في الزاوية — صامت، عينه اليسرى متورّمة. سيد هاشم بظهره إلى الجدار — بدشداشة بيضاء وعمامة ومسبحة. وأنا بينهما.
لم نتكلّم. كل واحد يعرف أن الآخرَين اعترفا — لأن اسم الشعبة الخامسة وحده يكفي لفتح أي فم.
في الليل — بعد العشاء الذي لم يأتِ ولم نتوقّعه — فُتح الباب.
دخل ضابط برتبة نقيب ومعه جنديّان. بيده ورقة. وقف أمامنا وقرأ بصوت رسمي كأنه يقرأ نشرة أخبار:
— بأمر مديرية أمن محافظة ميسان — المحكومون التالية أسماؤهم صدر بحقّهم حكم الإعدام رمياً بالرصاص بتهمة تهريب أسلحة ومقاومة قوات أمن الدولة وقتل عناصرها:
— أولاً: حيدر عبد الواحد — الساعة الثامنة صباحاً.
— ثانياً: السيد هاشم — الساعة العاشرة صباحاً.
— ثالثاً: المدعو أبو دعيّر — الساعة الثانية عشرة ظهراً.
— يُنفَّذ الحكم في ساحة المديرية.
طوى الورقة ومشى. أُغلق الباب.
صمت.
الصمت الذي يلي حكم الإعدام ليس كأي صمت آخر. ليس غياب الكلام — بل حضور شيء أثقل. كأن الهواء نفسه صار أكثف. كأن الجدران اقتربت. كأن الزمن — الذي كان يتحرّك ببطء — توقّف.
أبو دعيّر — الرجل الذي صوته يسمعونه من آخر السوگ — لم يقل كلمة. جلس ورأسه بين ركبتيه. للمرة الأولى رأيته صغيراً. الرجل الضخم الذي يملأ المكان بحضوره — صار صغيراً في زاوية زنزانة.
سيد هاشم — أغمض عينيه. ليس نوماً — بل شيئاً آخر. المسبحة تتحرّك بين أصابعه — تِك... تِك... تِك — بنفس الإيقاع. كأن الحكم لم يُقرأ. كأن الصباح ليس صباح موته. ثم — فتح عينيه ونظر إلى المسبحة في يده. وللحظة واحدة — لحظة فقط — رأيت شيئاً في عينيه الرماديّتين لم أرَه من قبل: ليس خوفاً — بل أسفاً. أسف رجل يعرف أنه عاش حياته كلها بالطريقة الخطأ ولم يبقَ وقت لتصحيحها.
وأنا — إلياس — جالس وظهري إلى الجدار أنظر إلى السقف. الساعة الثامنة. أنا الأول. بعد ساعات — سأقف عند العمود. وستُربط يداي. وستُعصب عيناي. ولن يأتي أحد ليتبرّأ منّي — لأنه ليس لي أحد هنا. لا أب ولا أم ولا عشيرة. سأموت وحدي كما عشت وحدي.
والقلادة — قلادة القرآن — في جيب صدريتي. أمسكتها من خلال القماش وشددت عليها. ولم أعرف لماذا.
فُتح الباب.
— حيدر عبد الواحد.
قمت. ساقاي تحملاني — لأنني لم أعطهما خيار ألا تحملاني. نظرت إلى أبي دعيّر — نظرة. ونظرت إلى سيد هاشم — نظرة. لم أقل شيئاً ولم يقولا شيئاً. ماذا يقول رجل لرجلين سيموتون بعده بساعتين وأربع ساعات؟
أخرجوني. الممرّ. الدرج. ساحة المديرية.
ربطوا يديّ خلف ظهري. وقّفوني عند العمود الخشبي — نفس الأعمدة التي رأيت عليها شباباً بالأمس. الخشب تحت ظهري خشن ورطب. عصبوا عيني بخرقة سوداء.
الظلام مرة أخرى. لكنّ هذا الظلام مختلف عن ظلام الزنزانة — هذا ظلام فيه شمس وهواء ورائحة تراب وبارود. ظلام الأعمى الذي يعرف أن العالم موجود حوله لكنه لا يراه.
سمعت خطوات. أصوات تهامس. صوت ضابط يأمر. ثم — صوت أسلحة تُحشى. ذلك الصوت المعدني الذي لا يشبه أي صوت آخر — كلاك كلاك كلاك — صوت الحياة وهي تستعدّ لتنتهي.
ثم سمعت:
— فرقة! جاهز! صوّب!
هذه هي. هذه هي اللحظة.
والغريب — الغريب حقاً — أنني في تلك اللحظة لم أفكّر بالموت. لم أفكّر بحياتي ولا بذنوبي ولا بالله ولا بأي شيء ممّا يُفترض أن يفكّر فيه الإنسان قبل أن يموت. فكّرت بزينة. بوجهها الذي يطلّ من الشيلة كوردة. بعينيها المكحّلتين. بيدها وهي تمدّ لي القلادة. بابتسامتها الصغيرة الحزينة.
وفكّرت: لم أردّ عليها. لم أقل لها شيئاً. ولن أستطيع أبداً.
— نار!
الرصاص.
صوت طلقات — رشقة كاملة — يخترق الهواء فوق رأسي. فوق رأسي. لا في صدري. الرصاص مرّ فوقي — سمعته يشقّ الهواء بصفير ويضرب الجدار خلفي. ثم صمت.
لم أمت.
ركبتاي انكسرتا تحتي وسقطت — ليس من رصاصة بل من شيء أعمق. شيء انكسر في الداخل. سقطت على الأرض وأنا أرتجف ارتجافاً لا أستطيع إيقافه — كل عضلة في جسدي ترتجف وحدها بلا إذني. والعصابة لا تزال على عيني والحبل لا يزال على يديّ.
ثم أيدٍ ترفعني. تسحبني. تعيدني — ليس إلى الزنزانة بل إلى غرفة أخرى. غرفة فيها كرسي وطاولة ولا شيء آخر. أُلقيتُ على الكرسي. نُزعت العصابة.
الضوء — ضوء النيون الأبيض — ضربني كصفعة.
وأنا — حيّ. والعرق يبلّل كل ذرّة من جسدي. ورائحة البول — لأنني تبوّلت على نفسي دون أن أشعر. هذا ما يفعله الإعدام الوهمي — يُخرج منك ما لا تستطيع التحكّم به.
لم يُعيدوني إلى الزنزانة. أبقوني هنا. وحدي. لا أعرف إن كان أبو دعيّر وسيد هاشم سمعا الرصاص من شبّاك الزنزانة وظنّا أنني أُعدمت — لكنني أعرف أنهما سمعا. لأنّ هذا هو المقصود. هذا هو التصميم.
من الغرفة التي أنا فيها — سمعت.
رشقة رصاص من الساحة. الصوت دخل من الشبّاك الصغير كأنه دخل في صدري.
سيد هاشم.
أغمضت عيني. أمسكت القلادة في جيبي وشددت عليها. هل رأى وهم يسحبونه نحو الساحة — هل رأى جثة ملقاة على وجهها عند الأعمدة بصدرية بيضاء ملطّخة بالدم؟ صدريتي. هل ظنّها أنا؟ هل مشى نحو العمود وهو يعرف — يوقن — أنني ميّت؟
رشقة أخرى.
أبو دعيّر.
وأنا أعرف — أعرف بالضبط — ماذا رأى أبو دعيّر وهم يسحبونه. رأى جثّتين ملقاتين على وجهيهما. واحدة بصدرية بيضاء — أنا. وواحدة بدشداشة بيضاء وقماش أسود — سيد هاشم. رآهما ومشى نحو العمود وهو يعرف أنه الأخير. أنّ الاثنين اللذين أكل معهما دجاجة ماء بالأمس وشرب معهما الچاي تحت المطر — ميّتان.
بعد الرشقة — صمت. صمت مطلق.
أنا وحدي في غرفة فارغة. والاثنان — ميّتان. أنا الوحيد الباقي. أو هكذا ظننت.
فُتح الباب.
— حيدر عبد الواحد. المقدم يريدك.
قمت. مشيت خلف الجنديّين. الممرّ. الدرج. وأنا أمشي مررت بالساحة — ونظرت.
عند الأعمدة — جثّتان ملقاتان على وجهيهما بالأرض. ملابسهما — رأيت الملابس. دشداشة رمادية وفوقها صديري كاكي ممزّق. ودشداشة بيضاء وقماش أسود يشبه العباءة مرمي فوقها.
ملابس أبي دعيّر. وملابس سيد هاشم.
ملابسهم على جثث ليست جثثهم — لكنني لم أكن أعرف ذلك. كل ما رأيته: ملابس أصدقائي على أجساد ملقاة في التراب. وبلعت شيئاً في حلقي وأكملت المشي.
هذا آخر ما رأيته قبل أن يدفعوني إلى الداخل.
دخلت المكتب. ركبتاي ترتجفان وثيابي لا تزال مبلّلة ورائحتي رائحة رجل ميّت يمشي. جلست على الكرسي المعدني — ليس لأنني أردت بل لأن ساقيّ لم تحملاني.
المقدم ناظم خلف مكتبه. سيجارته مشتعلة والدخان يتصاعد. نظّارته السميكة ووجهه التكريتي الهادئ.
كنت أنتظر أن يقول شيئاً — أن يُعلن حكمي النهائي — حين سمعت الباب خلفي يُفتح.
والتفتّ.
سيد هاشم.
حيّ.
واقف في الباب بدشداشة بيضاء مختلفة عن التي رأيتها على الجثة — لكنّ العمامة نفسها والمسبحة نفسها. ووجهه — وجهه يحمل نفس التعبير الذي أعرف أنه على وجهي: تعبير رجل لا يعرف إن كان حيّاً أو ميّتاً. تعبير من عبر إلى الجانب الآخر وعاد ولا يعرف في أيّهما يقف.
رآني. وتجمّد.
وأنا رأيته. وتجمّدت.
لحظة — لحظة كاملة — وقفنا ننظر إلى بعضنا كأننا نرى أشباحاً. هل أنت حيّ؟ هل أنا حيّ؟ هل هذا مكتب ضابط أمن أم غرفة في الآخرة؟
ثم — الباب مرة أخرى.
أبو دعيّر.
حيّ.
واقف خلف سيد هاشم بدشداشة جديدة بلا صديري — لكنّ الكرش نفسه والعينين الصغيرتين نفسيهما. وعلى وجهه — وجه أبي دعيّر الذي لم أرَه يوماً بهذا اللون — بياض الموت. بياض رجل رأى ملابس صاحبيه على جثث ومشى إلى العمود وهو يعرف أنه التالي. ثم لم يمت. ثم لا يعرف لماذا لم يمت. ثم يدخل غرفة ويرى الميّتَين أحياءً أمامه.
دخلا. جلسا. واحد عن يميني والآخر عن يساري.
ثلاثة رجال كانوا ميّتين — كل واحد منهم رأى ملابس الآخرَين على جثث وسمع الرصاص وأيقن — يجلسون أحياءً أمام الرجل الذي أماتهم وأحياهم. ولا واحد منّا يعرف بعد إن كان حيّاً حقاً.
المقدم ناظم نظر إلينا. واحداً واحداً. ببطء. ثم أطفأ سيجارته في المنفضة ببطء — بطء مدروس — وتكلّم.
وحين تكلّم — لم يتكلّم كضابط أمن. تكلّم كرجل يعرف تاريخه — أو يظنّ أنه يعرفه. تكلّم بنبرة مَن يُلقي درساً:
— تعرفون قصّة النمرود مع إبراهيم عليه السلام؟
لم يردّ أحد.
— النمرود گال: أنا أحيي وأميت. أخذ اثنين من السجن — أعدم واحد وعفا عن واحد — وگال لإبراهيم: شفت؟ أنه أحيي وأميت مثل ربّك.
صمت. ثم ابتسم — ابتسامة لم تصل إلى عينيه:
— هسّه أنتو — كنتو أموات. ثلاثتكم. حكم إعدام مُنفَّذ. الأوراق عندي تگول إنكم أُعدمتوا. الجثث بالساحة — وهم مو أنتو بس ثيابكم عليهم — والعالم كلها تحسبكم متّوا.
طفّى الابتسامة ونظر إلينا بعينيه البنّيّتين الباردتين من خلف النظّارة:
— أنه أمتّكم — وأحييتكم. عَجَل — شنو جزاء اللي يسوّي هيچ شي؟
صمت طويل. الساعة على الجدار تدقّ.
ثم تكلّم سيد هاشم.
لكنّ الصوت الذي خرج — لم يكن صوت سيد هاشم. لم يكن الصوت الهادئ المرتّب الذي سمعته عند الماطور المعطّل أو في الكوخ الطيني أو حين قال "إن شاء الله الصحة والسلامة لكل أمة محمد." كان صوتاً آخر — أقسى وأبرد وأكثر مباشرة. صوت رجل خلع القناع:
— شنو المطلوب. نحن قادرين وجاهزين.
قالها بلا "سيّدنا" ولا "إن شاء الله" ولا أي شيء من مفردات رجل الدين. قالها كرجل يفاوض — رجل يعرف أن لديه شيئاً يريده الطرف الآخر، وأن الطرف الآخر لديه شيء يريده هو: الحياة.
ونظرت إليه — نظرت إليه وأنا أدرك أنني أرى سيد هاشم الحقيقي للمرة الأولى. ليس السيد. ليس رجل الدين. ليس الرجل الهادئ ذو العبارات المرتّبة. بل الرجل الذي تحت كل ذلك — الرجل الذي يحمل رشّاشاً تحت عباءته ويقتل بدم بارد ويسرق مراقد وحسينيات ومصارف وتفوح من ثيابه رائحة زيت السلاح. هذا هو. بلا عباءة وبلا قناع.
والمقدم ناظم — حين سمع تلك الجملة — ابتسم. ابتسامة حقيقية هذه المرة وصلت إلى عينيه.
— هذا اللي يعجبني بيكم. مباشرين. بلا لف ودوران.
فتح درج المكتب وأخرج ملفّاً سميكاً. فتحه. وبدأ يتكلّم:
— أكو واحد — اسمو أبو ياسر. دخل من إيران بعد أحداث الكويت. إيران تدعمو — مو لأنها تحبّو بل لأنها تريد أي واحد يزعج النظام. هذا أبو ياسر سيطر على فصل بيت بزون بعمگ الهور — قرية ما نگدر نوصلها بالبرّ ولا بالجو. بالبرّ لأنها وسط ماي وقصب ما تنتهي. وبالجو — الطيران ممنوع باتفاقية وقف إطلاق النار ولحد ما يسمحون بالمروحيات — والمروحيات بالهور لقمة سهلة لأي آر بي جي.
قلّب صفحة:
— أبو ياسر هذا — ظاهرو رجل دين ومناضل. بس حقيقتو شي ثاني. هسّه ما بدخل بالتفاصيل — بس أگلّكم شي واحد: هو يسيطر على منطقة فيها شي ثمين. ثمين جداً. وأنه أريد هالشي.
نظر إلى أبي دعيّر:
— أنته تعرف الدرب ومعروف عند الناس.
نظر إليّ:
— أنته — سواء حيدر لو إلياس لو أي اسم — معاون طبي والناس بالهور يحتاجون طبيب.
ونظر إلى سيد هاشم:
— وأنته — أيّاً كان اسمك الحقيقي — عدك مهارات واضح ما يملكها أي سيّد. والناس هناك يحتاجون سيّد لأنه بيت بزون من فترة بلا رجل دين.
صمت. ثم:
— المطلوب بسيط: أبو ياسر. حيّ لو ميّت — والميّت أسهل. توصلون لعندو — كل واحد بدورو — وتنهون الموضوع. ومگابل — حياتكم. تمشون. لا حكم ولا ملاحقة. وفوگها — مكافأة مالية كل واحد حسب شغلو.
نظر إلينا بعينيه التكريتيّتين الهادئتين:
— عَجَل — شنو تگولون؟
نظرتُ إلى أبي دعيّر. أبو دعيّر نظر إلى سيد هاشم. سيد هاشم نظر إلى المقدم ناظم.
ثم نظر إليّ. وإلى أبي دعيّر. وقال — بالصوت الجديد، الصوت الحقيقي:
— نوافق.
المقدم ناظم أومأ. كأنه لم يتوقّع إجابة أخرى.
— زين. باچر تتحرّكون. أبو دعيّر يروح بمشحوفو بالبضاعة — مثل العادة — ومحد يشك. حيدر يروح وياه كمعاون طبي. والسيّد — يدخل كسيّد. بيت بزون يحتاجون واحد والسيّد هنا جاهز.
وقف من خلف المكتب. مشى نحو النافذة ونظر إلى الساحة — حيث الجثث بثيابنا لا تزال ملقاة.
— وشي آخر — أنتو هسّه رسمياً أموات. أوراقكم تگول أُعدمتو. يعني محد يدوّر عليكم ومحد يعرف إنكم أحياء. وهذا أحسن شي — لأنكم تتحرّكون بحرية. بس — إذا فكّرتوا تهربون لو ما تكمّلون المهمة...
التفت إلينا:
— أموات ما يگدرون يهربون. لأنهم غير موجودين أصلاً. وأنه — أگدر أرجّعكم أموات بأي لحظة. مثل ما أحييتكم — أميّتكم. النمرود كان يگدر يسوّيها. وأنه هم أگدر.
خرجنا من مكتب المقدم ناظم — ثلاثة أموات يمشون.
في الممرّ — مررنا بصورة صدام. سيد هاشم لم ينظر إليها. أبو دعيّر لم ينظر إليها. وأنا — نظرت. نظرت إلى الابتسامة المرسومة في الصورة ثم نظرت إلى يدي التي ترتجف ثم نظرت أمامي.
أمامنا — مهمّة. ورجل اسمه أبو ياسر. وقرية في عمق الهور.
وخلفنا — ثلاث جثث بثيابنا في ساحة المديرية.
ونحن — ثلاثة رجال كل واحد يعرف عن الآخر أكثر ممّا كان يعرف بالأمس. أبو دعيّر — تاجر السلاح الذي لا يخاف إلا حين يُسحب سلاحه. سيد هاشم — أيّاً كان اسمه الحقيقي — الرجل الذي خلع قناع السيد وكشف ما تحته: رجل قاتل يعرف كيف يفاوض ومتى يقتل ومتى يتكلّم. وأنا — إلياس اليهودي من شمال بغداد — الذي كشف اسمه لمحقّق أمن وحمل قرآناً في جيب صدريته ووقف أمام فرقة إعدام ولم يمت.
والقلادة في جيبي. والمسبحة في يد سيد هاشم. والأسلحة — ستعود إلى قاع المشحوف.
والأهوار تنتظر.
يتبع — الفصل الثامن: الطريق إلى بيت بزون
خرجنا من الباب الخلفي للمديرية — ليس من الباب الأمامي الذي يُطلّ على الساحة حيث الجثث بثيابنا لا تزال ملقاة — بل من باب ضيّق يفتح على زقاق خلفي. ثلاثة أموات يمشون تحت شمس الظهيرة.
كانت تنتظرنا سيارة مدنية — نيسان بيك أب موديل 1988 دبل قمارة بيضاء متّسخة من النوع الذي يستخدمه نصف العراق — لا تلفت الانتباه. سائقها رجل بدشداشة ويشماغ لا ملامح مميّزة فيه — وجه مصمَّم ليُنسى.
ركبنا. أنا في الأمام بجانب السائق. أبو دعيّر وسيد هاشم في المقعد الخلفي. لم يقل أحد كلمة. انطلقنا.
لم يأخذنا إلى الكحلاء — ذلك كان سيلفت الانتباه. أبو دعيّر معروف هناك وغيابه ثم عودته المفاجئة بسيارة أمن ستُثير الأسئلة. بدلاً من ذلك قادنا السائق إلى شريعة بعيدة — نقطة وصول على النهر جنوب الكحلاء بمسافة — نفس الشريعة التي سحبونا منها حين قبضوا علينا. هناك كان المشحوف ينتظر.
مررنا بنقاط تفتيش — ثلاث نقاط — ولم يوقفنا أحد. السيارة تمرّ كأنها شبح. فهمت أن المقدم ناظم رتّب كل شيء — السيارة معروفة والسائق معروف والطريق مفتوح.
لم يتكلّم أحد طوال الطريق. كل واحد منّا في عالمه — عالم الرجل الذي عاد من الموت ولا يزال يشمّ رائحة البارود في أنفه. أنا أنظر من النافذة إلى شوارع العمارة — نفس الشوارع التي مشيت فيها قبل أيام وأنا أبحث عن فندق — وأحسّ أنني أنظر إليها من الجانب الآخر. من عيني ميّت.
توقّفت النيسان عند الشريعة — بقعة ترابية منحدرة نحو الماء بين أشجار السدر الكثيفة، بعيدة عن أي بيت أو دكان أو عين. نزلنا.
المشحوف كان هناك. مشحوف أبي دعيّر الكبير — نفسه — مربوط بحبل غليظ إلى جذع شجرة. لكنه لم يكن كما تركناه. رجال المقدم ناظم هيّأوه. البضاعة الجديدة محمّلة بنظام: أكياس الطحين والسكّر والچاي والخضار — مسواگ كامل كأن أبا دعيّر جهّزه بنفسه. والماطور معبّأ بالبنزين وجرّتان إضافيّتان مربوطتان بالخلف.
لكنّ الإضافة الأهم كانت في صندوق خشبي صغير مثبّت تحت مقعد الماطور: جهاز لاسلكي عسكري — من النوع الذي يستخدمه الجيش للاتصال الميداني. هوائي قصير وسمّاعة ومفتاح إرسال. وبجانبه ورقة مطوية فيها تردّد واحد وأوقات اتصال محدّدة: كل أربع وعشرين ساعة عند منتصف الليل.
أبو دعيّر نظر إلى اللاسلكي وحكّ لحيته:
— يريدون تقارير. كل يوم. يعني عيونهم علينا حتى بعمگ الهور.
سيد هاشم نظر إلى اللاسلكي هو الآخر — بعينيه الرماديّتين الباردتين اللتين تحسبان كل شيء — ولم يعلّق. لكنني رأيت إصبعه يمرّ على الهوائي كأنه يقيس طوله ونوعه ومداه. يُقيّم.
وفي قاع المشحوف — تحت الأكياس — أعادوا ما صادروه. أو بالأحرى أعادوا أكثر ممّا صادروه. فتح أبو دعيّر الأرضية المزدوجة — تلك الأرضية التي لم أرَها من قبل إلا في نظرات أبي دعيّر الحذرة — وأراني: بنادق كلاشينكوف. ومسدّسات. وذخيرة. وقنابل يدوية. أكثر ممّا كان في المشحوف قبل أن يُقبض علينا.
— المقدم ناظم كريم بالسلاح. يريد يتأكّد إنّا نوصل ونكمّل المهمة.
ورُدّت لسيد هاشم عباءته — لا، ليست عباءته القديمة بل عباءة جديدة سوداء ثقيلة من نفس النوع. وتحتها — رشّاش بي كي سي جديد ومسدّس وسكاكين. ارتداها بصمت ببطء — كأنه يرتدي جلده — وحين استقرّت على كتفيه أحسست أن الرجل الذي وقف قبل ساعة في مكتب المقدم ناظم بدشداشة بيضاء بلا سلاح — ذلك الرجل اختفى. وعاد سيد هاشم الذي أعرفه. العمامة والعباءة والرشّاش والمسبحة.
وأنا — أُعطيتُ صدرية بيضاء جديدة نظيفة. وحقيبة طبّية صغيرة فيها أدوية ومعدّات أساسية — أفضل بكثير من علبة الأدوية البائسة التي كانت معنا. والقلادة — قلادة القرآن — لا تزال في جيبي. نقلتها إلى جيب الصدرية الجديدة. فوق القلب.
شغّل أبو دعيّر الماطور — دار من أول سحبة، بنزين نظيف ومحرّك معبّأ — وانطلقنا من الشريعة نحو عمق الهور.
الطريق نفسه الذي سلكناه قبل يومين — لكنّ البداية من نقطة مختلفة كي لا يلفت أحد الانتباه. وكل شيء مختلف. قبل يومين كنت رجلاً هارباً يركب مشحوفاً لأول مرة ولا يعرف ماذا ينتظره. الآن — أنا رجل ميّت رسمياً يركب المشحوف ذاته بمهمّة اغتيال وجهاز لاسلكي تحت مقعده وقلادة قرآن في جيبه وهو يهودي.
الصمت بيننا استمرّ حتى دخلنا الممرّات الضيّقة — حيث القصب يرتفع ويحجب كل شيء وكأننا دخلنا عالماً آخر لا يراه أحد. هناك — في تلك العزلة — بدأ الكلام.
أبو دعيّر هو من كسر الصمت. بصوت خفيض — ليس صراخه المعتاد — قال وهو ينظر أمامه:
— يعني هسّه — لا حول ولا قوة إلا بالله — ثلاثة ميّتين رايحين يگتلون واحد.
لم يردّ أحد. لكنّ الجملة كسرت شيئاً — كسرت الجدار. وبعدها — بدأنا نتكلّم.
بدأ أبو دعيّر. ربما لأنه الأقل تعقيداً بيننا — أو الأكثر صدقاً.
— أنه من الكحلاء. وُلدت بالعلوة وأموت بالعلوة. أبوي دلّال وجدّي دلّال. بس أبوي كان يبيع سمچ بالحلال — أنه... أنه ضفت عليها شوية.
"ضفت عليها شوية." يعني تهريب الأسلحة. قالها كأنه يتكلّم عن إضافة سكّر للچاي.
— بديت بعد حرب الكويت. الجيش لمّن رجع منهزم — كل جندي وياه سلاح ما يدري شيسوّي بيه. يبيعه بلقمة عيش لو بتوصيلة لو حتى بپاكيت جگاير. والأسلحة اللي جايه من إيران للمعارضة — تحتاج طريق توصل بيه. وأنه — لگيت الطريق. من السوگ للهور. ومن الهور للمعارضة. والعكس.
نظر إليّ من فوق كتفه:
— ما أتاجر لأنه أحب السلاح يا أبو كرّار. أتاجر لأنه فلوس. والفلوس — بهالبلد — هي اللي تخلّيك حيّ. وأنه أريد أعيش.
بسيط. صادق. مخيف في بساطته.
ثم تكلّم سيد هاشم.
لم أتوقّع أن يتكلّم — هو الذي لا يقول إلا ما يريد وحين يريد. لكنّ شيئاً تغيّر فيه بعد الإعدام الوهمي. كأن الموت الذي مرّ به — حتى لو كان وهميّاً — حرّك شيئاً في قاعه.
جلس في وسط المشحوف — عباءته الجديدة ملفوفة حوله والمسبحة بين أصابعه — ونظر إلى الماء المتحرّك تحتنا. ثم تكلّم — بالصوت الجديد. الصوت الحقيقي. ليس صوت السيد ولا صوت رجل الدين:
— تذكرون لمّن التقينا؟ المكينة العاطلة. گتلكم إني رايح لقرية البو بزون — يحتاجون سيّد.
نظر إليّ. وابتسم — ابتسامة لم أرَها منه من قبل. ابتسامة فيها شيء يشبه المرارة الممزوجة بالسخرية:
— كذب طبعاً. ما أكو فصل ولا بطّيخ. كنت رايح لعمگ الهور بشغل خاص — بس احتجت حجّة لو أحد سألني. وأنته يا أبو كرّار — لمّن سألتني "وحدك بهيچ وقت" — احتجت جواب سريع يبعد الشبهة. فصل عشائري يحتاج سيّد — منو يشك بهيچ حچي؟
ضحك — ضحكة قصيرة جافّة:
— بس شوف القدر — الكذبة صارت حقيقة. هسّه فعلاً رايح لبيت بزون. فعلاً سيّد عندهم. بس المهمة مختلفة شوية عن الصلاة والفاتحة.
ثم سكت لحظة. والمسبحة تدور — تِك... تِك... تِك. ثم أكمل:
— اسمي مو هاشم. ما راح أگلّكم اسمي الحقيقي — مو لأنه ما أثق بيكم بل لأنه الاسم الحقيقي خطر على اللي يعرفه. خلّوني سيد هاشم — أحسن للجميع.
نظر إليّ:
— وأنته يا أبو كرّار — لو إلياس لو أي اسم ثاني — أنته هم ما گتلنا كلشي. وما أطلب منك تگول. كلنا عدنا أشياء نخبّيها — وهذا زين. المهم — اللي بيننا هسّه مو ثقة. اللي بيننا هسّه مهمّة. والمهمّة تنجح إذا كل واحد سوّى شغله. بعد ما تنتهي — إذا بقينا أحياء — يمكن نحچي. يمكن لا. بس هسّه — نشتغل.
أبو دعيّر من عند الماطور — قال بصوته الخافت:
— سيّدنا — لو شنو ما يكون اسمك — السيّد اللي شلته بوجه ازلام خضير ما ينسى. واللي نزل عليهم بالبي كي سي ما ينسى. وهسّه — أنته سيد هاشم. والباقي ما يهم.
سيد هاشم نظر إلى أبي دعيّر لحظة. ثم أومأ — إيماءة صغيرة. شبه ابتسامة.
والمسبحة عادت — تِك... تِك... تِك.
ثم التفت أبو دعيّر إليّ:
— وأنته يا أبو كرّار؟ هسّه الواحد ميّت رسمي وما عنده شي يخسره — ما تحچيلنا شي عن حالك؟
نظرت إليه. ثم إلى سيد هاشم. ثم إلى الماء الأخضر المعتم تحتنا.
— بعدين.
— بعدين يمته؟
— بعد ما أعرف إذا نعيش لو لا. ما فائدة قصّة ميّت يحچيها لميّتين؟
سكتُّ لحظة. ثم قلت — ولم أكن أنوي أن أقول:
— بس أگلّكم شي واحد ببلاش: أنه متّ مرّتين ذاك اليوم. مو مرّة وحدة. المرة الأولى — بالزنزانة — شفت شي ما أگدر أحچيه هسّه. والمرة الثانية — عند العمود.
أبو دعيّر نظر إليّ. سيد هاشم فتح عينيه من خلف المسبحة. لكنّ أيّاً منهما لم يسأل. في عالمنا — عالم الميّتين — لا أحد يسأل عن تفاصيل الموت.
أبو دعيّر ضحك — ضحكة حقيقية هزّت المشحوف:
— والله عندك حق يا أبو كرّار! ميّت يحچي لميّتين — هاي مو حچاية هاي مجلس عزاء!
وضحك سيد هاشم — ضحكة قصيرة هادئة من خلف المسبحة.
وضحكت أنا — رغم كل شيء.
ثلاثة ميّتين يضحكون في مشحوف وسط الأهوار. والماء يأخذهم نحو مهمّة لا يعرفون إن كانوا سيعودون منها. والسماء فوقهم تتحوّل من الأزرق إلى البرتقالي — شمس الغروب تلوّن القصب بلون الذهب.
لم نصل تلك الليلة. المسافة أبعد ممّا ظننت — قرية البو بزون في عمق الهور حيث الممرّات تتشعّب والقصب يصير غابة لا نهاية لها.
باتنا في بقعة اختارها أبو دعيّر — جزيرة طين بين القصب لا يصلها إلا من يعرف الممرّ. أشعل الچولة وغلى الكيتلي وشربنا الچاي.
والهور في الليل ليس المكان الشاعري الذي يتخيّله من لم يعش فيه. البگ — البعوض — ينزل علينا بسحب كثيفة كأنه جيش له طنين لا ينقطع. يلسع كل شبر مكشوف من الجلد حتى تحسّ أن وجهك ويديك اشتعلت ناراً. وأبو دعيّر يقول وهو يصفع رقبته: "هذا البگ مال الهور — مو مثل بگ المدينة. هذا ياخذ گطعة من لحمك وِيّاه." والأسوأ من البگ — الحيّات. الأفاعي التي تسبح في الماء بصمت وتتسلّق إلى جزر الطين بالليل بحثاً عن دفء. أبو دعيّر حذّرنا: "لا تنزلون من المشحوف بالليل. لا لأي سبب. الحيّات بهالوقت تطلع تتشمّس على الطين. وهاي مو حيّات زغار — هاي حيّات هور تگتل جاموسة." فبقينا في المشحوف — نتلوّى من البگ ونراقب الظلام خوفاً من الحيّات — والحياة في عمق الهور ليست شعراً ولا رومانسية. الحياة هنا حرب يومية مع الماء والحشرات والزواحف والحرّ والرطوبة — قبل أن تبدأ حربك مع البشر.
عند منتصف الليل — الموعد المحدّد — شغّل أبو دعيّر اللاسلكي. ضغط مفتاح الإرسال وقال بصوت خافت:
— قاعدة، قاعدة — هنا عين. متحرّكين. وصلنا منتصف الطريق. لا جديد.
صوت ستاتيكي. ثم ردّ — صوت مكتوم مشوّش:
— عين — مفهوم. واصلوا. التقرير القادم غداً نفس الوقت.
أطفأ اللاسلكي. والصمت عاد.
سيد هاشم كان يستمع بعينين مغمضتين — لكنني أعرف أنه يسمع كل حرف. وحين أطفأ أبو دعيّر الجهاز — فتح عينيه وقال:
— "عين." حلو الاسم. يناسبنا. ثلاثة عيون يشوفون بس ما حد يشوفهم.
ثم أغمض عينيه مرة أخرى. والمسبحة تدور.
تمدّدت. القصب يتمايل حولنا بريح ليلية خفيفة والماء يتحرّك ببطء والضفادع تنقّ نقيقها الأبدي.
غداً نصل.
غداً نرى أبا ياسر.
غداً — تبدأ المهمّة.
والقلادة في جيبي. والمسبحة خلفي. والأسلحة تحتنا.
ثلاثة ميّتون يقتربون من رجل حيّ لا يعرف أنهم قادمون.
يتبع — الفصل التاسع: بيت بزون
وصلنا ضحىً.
لم أرَ القرية قبل أن نصل إليها — ولم أكن لأراها لو لم يأخذني أبو دعيّر من يدي. هذه ليست قرية بالمعنى الذي يفهمه من عاش في المدن — ليست بيوتاً متراصّة على شارع ولا حيّاً له بداية ونهاية. قرية البو بزون مبعثرة في الماء كأن يداً رمت حفنة من البيوت فسقطت حيث شاءت — بيت هنا على جزيرة طين وبيت هناك على جزيرة أخرى بينهما ممرّ مائي ضيّق، وبعض البيوت لا تراه حتى تكاد تصطدم به لأن القصب والبردي يغطّيانه من كل جهة. بيوت قصبية مقوّسة السقف — أقواس من حزم القصب المربوط بإحكام تشبه أضلاع حوت مقلوب — جدرانها حصران مجدولة والأرضية حصران فوق طين مدكوك.
وهذا بالذات ما يجعلها حصناً. من الجوّ — لو كان الطيران مسموحاً — ستبدو كقطع من القصب بين القصب. لا شكل واضح ولا سقوف ظاهرة ولا شيء يقول لطيّار فوقها: هنا بشر. ومن البرّ — لا برّ أصلاً. كل شيء ماء. والممرّات المائية التي تؤدي إليها لا يعرفها إلا أهلها ومن يثقون به. والنظام — بدبّاباته وطائراته — يعجز عن الوصول. الماء والقصب يحميان ما عجزت عنه الجيوش.
عشيرة البو بزون — كما أخبرني أبو دعيّر ونحن نقترب — ليست عشيرة عادية.
— هؤلاء يا أبو كرّار — هؤلاء ناس ما ركعوا لحد بتاريخهم. لا للعثمانيّين ولا للإنجليز ولا لصدام ولا اللي أثخن من صدام. عشيرة قديمة من أقدم عشاير ميسان — يرجعون بنسبهم لربيعة العدنانية — ونزلوا الأهوار من زمن وصاروا جزء من الماي والقصب. ومنهم تتفرّع عشاير ثانية — بو العيطة وغيرهم — كلهم ينضوون تحت مظلّة البو بزون. هؤلاء اللي بقوا هنا — رفضوا يطلعون. قعدوا بالماي ومسكوا سلاحهم وگالوا: تعالوا. وصدام ما گدر عليهم. لأنه الهور أقوى من الجيش.
دخلنا القرية من ممرّ عرفه أبو دعيّر — ممرّ ملتوٍ بين جدران القصب لا يعرفه غريب — وقبل أن يوقف الماطور سمعنا صوت رجل ينادي من بعيد:
— أبو دعيّر! يا أبو دعيّر! الحمد لله على السلامة!
رجل قادم نحونا بمشحوف صغير — نحيل طويل أسمر بلحية بيضاء كثّة ووجه صارم فيه شيء من الصقر — أنف معقوف وعينان حادّتان تنظران من تحت حاجبين كثيفين. يرتدي دشداشة بيضاء نظيفة ويشماغاً مشدوداً بعقال أسود. وعلى كتفه — بندقية كلاشينكوف كأنها جزء من جسده.
— هذا الشيخ ضياء رشد — همس لي أبو دعيّر — شيخ البو بزون. كلامه الأول والأخير. ما يتحرّك ورقة بدون إذنه.
اقترب الشيخ ضياء بمشحوفه. ربط حبله بمشحوفنا وصعد إلينا بخفّة لا تتوقّعها من رجل في عمره. سلّم على أبي دعيّر بحرارة — قبّله على كتفيه — ثم نظر إليّ وإلى سيد هاشم بعينيه الحادّتين.
— يا أبو دعيّر — هؤلاء منو؟
— يا شيخ ضياء — تذكر من زمان طلبت منّي أدبّرلك واحد يعرف بالطب وسيّد يقرأ عند الناس ويصلّي بيهم؟
عينا الشيخ ضياء اتّسعتا:
— لگيتلنا؟
— لگيت. هذا أبو كرّار — معاون طبي. وهذا سيّد هاشم.
نظر إليّ — نظرة الشيخ العشائري التي تقرأ الرجل من قدميه إلى عمامته — ثم إلى سيد هاشم بعمامته وعباءته. ثم عاد إلى أبي دعيّر:
— الله يجازيك خير يا أبو دعيّر. بس تدري — التوقيت...
لم يكمل. نظر حوله نظرة سريعة — نظرة رجل يعرف أن الجدران لها آذان حتى لو كانت من قصب — ثم خفض صوته:
— المهم — تعالوا للمضيف. ونحچي هناك.
المضيف — ذلك البناء القصبي الكبير الذي يشبه ضلع حوت عملاق — كان في وسط القرية تقريباً، على جزيرة طين أكبر من غيرها. أمامه ساحة صغيرة وبضعة مشاحيف مربوطة. ودخلنا.
الداخل أبرد من الخارج — سقف القصب المقوّس يحبس الظلّ — والأرضية حصران مجدولة فوق طين مدكوك ووسائد قماشية ملوّنة على الجوانب. في الزاوية چولة يشتعل فوقها قوري ومن جلس فيه — رجال، ستة أو سبعة — عرفت من هيئتهم أنهم كبار القرية: وجوه قاسية محروقة وأجساد صلبة وأسلحة بجانبهم كأنها جزء من أثاث المكان.
دخلنا وسلّمنا. جلسنا. ثم وقف الشيخ ضياء ونظر إلينا ورفع صوته:
— الله بو الخير!
ووقف الرجل الجالس بجانبه — شيخ كبير بلحية بيضاء — وقال:
— الله بو الخير!
ثم الثالث والرابع — واحداً بعد واحد — كل واحد يقف بدوره ويقول: "الله بو الخير!" حتى أتمّوها جميعاً. ترحيب عشائري بالضيف — كل رجل في المضيف يقف ويرحّب بنفسه. هذه عادتهم ولا يخلّون بها حتى لو كان الضيف مجهولاً.
الشاي جاء فوراً — إستكانات على صينية مع خبز تنّور وقيمر. أبو دعيّر شرب وبدأ يحدّث الشيخ ضياء عن البضاعة — المسواگ اللي جابه، الأسعار، ماذا يحتاجون هالمرة — وكأن لا شيء آخر يحدث. حديث تاجر مع زبون. وسيد هاشم جلس بصمت يشرب الچاي ويقلّب مسبحته ولا يتكلّم — بعينيه يمسح المكان كعادته.
وأنا جالس بصدريتي البيضاء أراقب وأفكّر: هذا هو المكان. هنا سنفعل ما أُمرنا بفعله. هنا سنبحث عن أبي ياسر. لكن أبا ياسر لم يكن في المضيف. لم يحضر الاستقبال. ولم يذكره أحد.
ثم — في منتصف الحديث — دخل شابّ بسرعة. وجهه ممتقع اللون ويتنفّس بصعوبة:
— أبوي! أبوي الجدّة تگول ما تگدر! مرت رشد — يگولون الولادة متعسّرة والطفل مقلوب!
الشيخ ضياء وقف. وجهه تغيّر — صرامة الشيخ اختفت وحلّ محلّها وجه أب خائف على ابنه وزوجة ابنه. رشد — ابنه — نائب رئيس العشيرة — وزوجته في ولادة متعسّرة.
نظر حوله. نظر إليّ — إلى الصدرية البيضاء. وفي عينيه سؤال لا يحتاج كلمات.
ارتبكت. لأنني أعرف — أعرف تماماً — ماذا تعني هذه النظرة. تعني: أنت طبيب. ساعد.
لكنني لست طبيباً. بدأت دراسة ولم أكمل. وما أعرفه عن التوليد لا يتجاوز فصلاً واحداً في كتاب قرأته قبل سنوات — فصل قرأته بسرعة وأنا أظنّ أنني لن أحتاجه يوماً. والآن — يمكن أن يموت طفل وأمّه بسبب ذلك الفصل.
— لا... لا ليس من اختصاصي. أنه معاون طبي مو طبيب نسائية. هذا شي ثاني.
أبو دعيّر — الذي كان يراقب — نظر إليّ بعينيه الصغيرتين ثم قال بهدوء:
— يا أبو كرّار — روح تكلّم وِيّه الجدّة. بلكي تگدر تساعد. ما يريدونك تدخل — بس حچي وِيّه الجدّة وشوف شتگدر تسوّي.
مشينا — أنا والشاب الذي دخل — على ممرّ طيني ضيّق بين البيوت حتى وصلنا بيتاً قصبياً أكبر من غيره — بيت رشد ابن الشيخ ضياء. من الداخل سمعت صوت امرأة تصرخ — ليس صراخ ألم عادي بل صراخ جسد يقاتل نفسه. وأصوات نساء يتهامسن.
وقفت عند الباب. لم أدخل. لا أستطيع أن أدخل — ليس فقط لأن التقاليد تمنعني بل لأنني لا أملك الحقّ. هذا مكان نساء.
خرجت الجدّة (الداية) — امرأة عجوز في السبعين ربما، ظهرها محنيّ ويداها ترتجفان لكنّ عينيها صافيتان ذكيّتان. وجهها يقول كل شيء: مرعوبة.
— يمّه — شنو الوضع؟
نظرت إليّ — إلى الصدرية البيضاء — وفي عينيها أمل يائس:
— ابني الجاهل مقلوب. مچعوص. رجليه طالعة بدل راسه. وأنه حاولت بس إيدي ما تطاوعني. أنه مره چبيرة ما بيه حيل — ما عاد عندي قوّة بأصابعي مثل أول.
ولادة مقعدية. الطفل بوضع عكسي — رجلاه أولاً بدل رأسه. هذا ما قرأته في ذلك الفصل الوحيد. وأعرف — نظرياً — ما يجب أن يحدث.
دقّة قلبي ارتفعت. أصابعي تنقر على فخذي. أدرت وجهي إلى اليسار — عادتي — ثم أعدته. ليس وقت العادات.
— يمّه اسمعيني زين. ما راح أدخل. أنتِ تسوّين كل شي بإيدچ. بس أگلّچ شنو تسوّين وأنتِ تنفّذين. زين؟
أومأت. ومسحت يديها بثوبها وعادت إلى الداخل وأنا واقف عند الباب — أسمع ولا أرى.
— أوّل شي — اغسلي إيدچ بالماي المغلي. نظيفة.
سمعت صوت ماء.
— هسّه — مرّري إصبعينچ جوّه... بهدوء... تلمّسي جسم الجاهل بأطراف أصابعچ... ما تدفعين بقوّة... بس تتلمّسين.
صمت. ثم صوت الداية من الداخل:
— لگيته... لگيت رجليه... رجليه أول شي.
— زين. هسّه — بأطراف أصابعچ — اضغطي على جسمه بلطف وديريه... ديريه ببطء... كأنّچ تفتحين قفل... لا تدفعين بقوّة بس استمرّي بالضغط والدوران...
صراخ المرأة ارتفع. ثم خفّ. ثم ارتفع مرة أخرى.
— استمرّي يمّه. استمرّي. ديريه لحد ما تحسّين الراس...
دقيقة. دقيقتان. خمس دقائق. أطول خمس دقائق في حياتي — وأنا عشت دقائق طويلة.
ثم صوت الداية — وفيه شيء تغيّر:
— لگيت الراس! حسّيته!
— زين! هسّه — ضعي خنصر كل إيد بزرف الأذن — واسحبي على كيف. على كيف يمّه — بلا قوّة.
صمت.
ثم — صوت.
ليس صراخ المرأة ولا صوت الداية. صوت آخر. صوت صغير حادّ مبحوح — صوت رئتين تتنفّسان للمرة الأولى.
بكاء طفل.
سمعته وأنا واقف عند الباب وظهري إلى جدار القصب وركبتاي ترتجفان — ليس من الخوف هذه المرة بل من شيء آخر. شيء لم أعرفه من قبل ولا أملك له اسماً. فرح ربما — لو أن الفرح يرتجف.
خرجت الجدّة — وجهها مبلّل بالعرق والدموع وفي عينيها ضوء:
— ولد! ولد والله ولد! والأم سالمة!
حين عدت إلى المضيف — كان الخبر قد سبقني.
الشيخ ضياء واقف عند باب المضيف ووجهه وجه آخر — وجه جدّ عرف أن حفيده وصل سالماً. حين رآني — مشى نحوي بخطوات سريعة وأمسك كتفيّ بيديه وقال:
— يا ابني... يا ابني الله يخلّيك. الله يحفظك. جبتلنا حياة.
ثم التفت إلى مَن حوله ورفع صوته:
— هذا أبو كرّار! هذا طبيبنا! اللي الله أرسله لنا!
وفي دقائق — صرت "طبيب القرية." أنا — إلياس اليهودي من شمال بغداد الذي لم يُكمل دراسته ولم يلمس المرأة ولم يرَ الطفل — صرت الرجل الذي أنقذ زوجة ابن الشيخ وحفيد الشيخ. وفي عالم العشائر — هذا دَين لا يُنسى.
أبو دعيّر نظر إليّ من زاويته بابتسامة الدلّال الذي يعرف أن صفقته نجحت.
وسيد هاشم — الذي كان جالساً طوال الوقت بصمته ومسبحته — أومأ لي إيماءة صغيرة. لم يقل شيئاً. لكنّ الإيماءة قالت: أحسنت.
لم يطل الأمر حتى دخل سيد هاشم إلى قلب القرية هو الآخر — لكن من باب مختلف.
حين انتشر خبر أن "سيّداً" وصل — وقرية البو بزون بلا رجل دين منذ أشهر طويلة: لا من يصلّي بهم الجماعة ولا من يقرأ على موتاهم ولا من يزوّج شبابهم ولا من يفتيهم بأمور دينهم — حين انتشر هذا الخبر جاءت النساء.
جاءت أم ياسر أولاً.
امرأة في الستين — وجهها حادّ الملامح كوجه ابنها لكنّ فيه شيئاً ليس في وجهه: دفئاً. عينان سوداوان واسعتان فيهما حزن قديم — حزن ليس من هذا العام ولا من الذي قبله بل حزن يمتدّ إلى ما قبل الانتفاضة وما قبل الحرب. تلتفّ بعباءة سوداء وعلى رأسها شيلة ملفوفة بإحكام. يداها — حين مدّتهما لتقبّل يد سيد هاشم — كانتا يدي امرأة عملت طوال حياتها: خشنتان متشقّقتان لكنّ أصابعها رفيعة.
— سيّدنا... سيّدنا الحمد لله أجيت. من زمان ننطر. من زمان.
ودموعها سقطت — دموع امرأة متديّنة عميقة وجدت أخيراً رجل دين بعد أشهر من الفراغ.
وسيد هاشم — هذا الرجل الذي أعرف أنه ليس سيداً ولا رجل دين بل سارق مراقد ومصارف وقاتل يخبّئ رشّاشاً تحت عباءته — وقف أمامها بعمامته السوداء وأخذ يدها بيده (لم يمسّ إلا يدها المدودة هي) وقال بصوته الهادئ المرتّب — صوت السيّد لا صوت الرجل الحقيقي:
— إن شاء الله خير يمّه. إن شاء الله خير. أنه هسّه وِيّاكم.
ونظرت إلى عينيه وأنا أراقب من بعيد — ورأيت فيهما شيئاً لم أتوقّعه. ليس تمثيلاً — أو ليس تمثيلاً فقط. شيء تحرّك فيه حين أمسكت يده تلك المرأة العجوز. شيء قديم ربما — من حياته الأولى قبل أن يصبح ما أصبح.
وأم ياسر — التي لا تعرف ماذا يختبئ تحت العباءة — ابتسمت لأول مرة منذ الله يعلم متى.
لم أرَ أبا ياسر ذلك اليوم.
لكنني أحسست بوجوده. شيء في القرية — شيء لا أستطيع تسميته — يقول إن هناك رجلاً آخر غير الشيخ ضياء يُحرّك الأمور من الظلّ. رأيت شباباً مسلّحين يتحرّكون بنظام لا يشبه نظام العشائر — نظام عسكري فيه أوامر وطاعة. ورأيت مشحوفاً يأتي ويذهب من ممرّ لم يدخله أحد من أهل القرية. ولاحظت أن الشيخ ضياء — حين مرّ ذلك المشحوف — نظر نحوه وتغيّر شيء في وجهه. شيء بعينيه تغيّر. ليس خوفاً بالضبط — بل شيء أكبر من الخوف وأعقد منه. كأنه يعرف ما في ذلك المشحوف وما خلف ذلك الممرّ — ويتمنّى لو لا يعرف.
سألت أبا دعيّر:
— شنو هالحركة؟ المشحوف اللي يروح ويجي؟
نظر إليّ نظرة قصيرة ثم عاد ينظر أمامه:
— أبو كرّار — أكو أشياء بهالقرية أحسن ما تسأل عنها هسّه. خلّي عيونك مفتوحة وبس. واللي لازم تعرفه — بتعرفه بوقته.
هذا كل ما قاله. لكنه كان كافياً.
ذلك المساء — بعد صلاة المغرب التي أقامها سيد هاشم في المضيف وحضرها أغلب رجال القرية — جلسنا الثلاثة وحدنا في الركن الخلفي.
الچولة تغلي والكيتلي يصفر والبگ ينزل علينا بسحبه. أبو دعيّر يصفع رقبته كل ثلاثين ثانية وسيد هاشم يحرّك مسبحته وأنا أحكّ ذراعي.
أبو دعيّر خفض صوته:
— خلّوا عيونكم مفتوحة وأذانكم صاحية هالأيام. ولا تتحرّشون بأحد — خلّوا الناس هي اللي تجي لعندكم.
سيد هاشم فتح عينيه:
— وزينة؟
نظرت إليه. كيف يعرف أنني أفكّر بها؟
لكنه لم يكن يتكلّم عنّي. كان يسأل سؤال استراتيجية:
— بو العيطة — عشيرة زينة — من قبايل البو بزون. يعني زينة هنا. بهالقرية. صح؟
أبو دعيّر أومأ:
— إي. بو العيطة بيوتهم على الطرف الشرقي. وزينة عند عمّها أبو محسن.
— زين. يعني عدنا عيون إضافية بالقرية بلا ما ندري.
لم أفهم ما قصده في تلك اللحظة. لكنني فهمت لاحقاً — أن سيد هاشم يفكّر دائماً بالشطرنج لا بالحياة. كل إنسان عنده قطعة. وزينة — الخرساء التي لا تنطق — قطعة لا يتوقّعها أحد.
والقلادة في جيبي تحسّ بدفء صدري.
وغداً — أرى أبا ياسر.
يتبع — الفصل العاشر: أبو ياسر
رأيته قبل أن أعرف أنه هو.
كنت جالساً في المضيف أشرب الچاي وأنتظر — أنتظر ماذا لا أدري — حين دخل رجل من الباب بلا سلام ولا إعلان. لم يقل "الله بو الخير" ولم ينتظر أحداً يقولها له. دخل كمن يدخل بيته — بهدوء وثقة وبلا استئذان.
رجل في الأربعين. متوسّط الطول نحيل الجسم لكنّ فيه صلابة الحبل المشدود — لا عضلات ظاهرة لكنّ كل شيء فيه مشدود: فكّه ورقبته وكتفاه وطريقة مشيه. وجهه — وجه حادّ الملامح بعينين سوداوين واسعتين لا ترمشان إلا نادراً. عينان تنظران إليك وتنظران خلفك في آن — عينا رجل اعتاد أن يراقب أبوابه حتى وهو جالس. لحية قصيرة مهذّبة وشارب رفيع. يرتدي دشداشة نظيفة وفوقها سترة عسكرية بلا شارات — سترة من النوع الذي يرتديه قادة الميليشيات لا الضبّاط النظاميون. وعلى خصره — مسدّس بحمّالة جلدية.
دخل ومشى مباشرة نحو صدر المضيف — المكان الذي يجلس فيه الشيخ ضياء عادةً — وجلس. ليس بجانب الشيخ ولا مقابله — بل في المكان نفسه. كأنه يقول بجلسته ما لا يقوله بلسانه.
الرجال الجالسون في المضيف — كبار القرية — تغيّرت وضعياتهم حين دخل. ليس خوفاً ظاهراً — بل ذلك التغيّر الدقيق الذي يحدث حين يدخل رجل معيّن إلى غرفة: الظهور تستقيم والأصوات تنخفض والعيون تتجنّب التقاء مباشراً. رأيت ذلك كله في ثانيتين — لأنني في حياتي السابقة تعلّمت أن أقرأ الغرف كما يقرأ الجندي خارطة.
ثم دخل الشيخ ضياء. ورأيت شيئاً لم أنسَه: الشيخ ضياء — الرجل الذي كلامه الأول والأخير في العشيرة والذي استقبلنا بالأمس كمن يملك المكان — حين رأى الرجل جالساً في صدر المضيف لم يعلّق. لم يقل شيئاً. فقط غيّر اتجاهه وجلس في المكان الثاني. كأن ترتيب الجلوس متّفق عليه بلا كلام — ترتيب قوّة لا ترتيب عرف.
هذا هو إذن. أبو ياسر.
لم يتكلّم معنا فوراً. جلس يشرب الچاي ويستمع إلى حديث الشيخ ضياء مع أبي دعيّر عن البضاعة والأسعار — يستمع بصمت وعيناه السوداوان تتنقّلان بين الوجوه. بين الحين والآخر تستقرّ على وجهي — لحظة — ثم تنتقل إلى سيد هاشم — لحظة — ثم تعود إلى الشيخ ضياء. كرجل يجمع معلومات بعينيه قبل أن يجمعها بأسئلته.
بعد ربع ساعة — حين انتهى حديث البضاعة — التفت نحوي مباشرة وقال بصوت هادئ منخفض:
— أنته الطبيب.
ليس سؤالاً — بل تأكيداً. يعرف. وصله الخبر قبل أن يدخل المضيف.
— معاون طبي. مو طبيب.
— بس ولّدت مرت رشد.
— ساعدت الجدّة. هي اللي ولّدتها.
نظر إليّ نظرة طويلة. عيناه اللتان لا ترمشان ثبّتتا عليّ — وأحسست كأنه يقشّر طبقات. الصدرية البيضاء. الوجه الشاحب. الأصابع التي تنقر على الركبة. العينان اللتان تدوران في المكان وتحسبان المسافات. هو يقرأني كما أقرأه — ويعرف أنني أقرأه. رجلان من عالم واحد — عالم الحذر والشكّ والبقاء — يتفرّسان في بعضهما.
— من وين أنته؟
— من الجنوب. هارب من الأحداث.
— أي جنوب بالضبط؟
— البصرة.
— ما تشبه بصراوي.
لم أردّ. أدرتُ وجهي إلى اليسار — تلك العادة — ثم أعدته. الحرارة صعدت في عنقي.
أبو ياسر لاحظ. لاحظ كل شيء — لفّة الوجه واحمرار العنق والأصابع التي تنقر. لكنه لم يعلّق. فقط سجّل — كدفتر أبي دعيّر الذي يدوّن فيه الأرقام بصمت.
ثم التفت إلى سيد هاشم.
وهنا — حدث شيء.
لم يسأله "من وين أنته" ولم يقل "أنته السيّد." فقط نظر إليه — نظر إلى العمامة والعباءة والمسبحة — نظرة طويلة باردة. وفي تلك النظرة — كل شيء. كل تاريخ بين هذا الرجل ورجال الدين. كل ما حدث له في صغره وجعله ما هو. لم أكن أعرف التفاصيل بعد — لكنني قرأت في تلك النظرة الباردة شيئاً يشبه الجرح القديم الذي لم يندمل.
سيد هاشم — الذي يقرأ الناس كما يقرأ خارطة — ردّ النظرة بهدوء. لم يبتسم ولم يتكلّم. فقط نظر إلى أبي ياسر بعينيه الرماديّتين كأنه يقول: نعم. أنا هنا. وأنا أعرف أنك لا تحبّ أمثالي. فماذا ستفعل؟
دامت النظرة ثوانيَ. ثم قطعها أبو ياسر — وقطعها بطريقة تقول إنه هو من يقرّر متى تنتهي وليس الآخر — والتفت إلى الشيخ ضياء وقال بنبرة عملية كأن ما حدث لم يحدث:
— شيخ ضياء — عندي شغل وِيّاك. نحچي بعدين لحالنا.
ونهض. ومشى نحو الباب بنفس الطريقة التي دخل بها — بلا سلام ولا وداع. واختفى.
والمضيف — حين خرج — تنفّس. تنفّس بالمعنى الحرفي: الرجال الجالسون أرخوا أكتافهم وعادت الأصوات إلى مستواها والشيخ ضياء مسح وجهه بيده كمن يمسح عرقاً لا يراه أحد.
مرّت أيام.
لم يعد أبو ياسر إلى المضيف في اليومين التاليين — كأنه يريد أن يراقب من بعيد قبل أن يقرّر. وفي غيابه — بدأنا نستقرّ.
سيد هاشم أخذ المضيف.
ليس بالمعنى الحرفي — لكنّ القرية التي بلا رجل دين منذ أشهر ابتلعته كما يبتلع العطشان الماء. وفي اليوم الثاني — كما فعلوا معي — أمر الشيخ ضياء ببناء حسينية. ليست حسينية كبيرة — كوخ قصبي واسع بسقف مقوّس عالٍ وأرضية حصران نظيفة ومحراب صغير من طين مشكّل باتجاه القبلة. الرجال بنوها في يوم واحد — القصب والبردي متوفّران والأيدي العاملة لا تنقص حين يكون الأمر ديناً. وسيد هاشم وقف يشرف على البناء — بعمامته وعباءته — ويشير هنا وهناك كأنه يبني مسجداً لا كوخاً. واليتيم حسين بجانبه لا يفارقه.
في اليوم الأول أقام صلاة الجماعة — المغرب — وحضر أغلب رجال القرية. صلّى بهم بصوت عميق هادئ — وحين قرأ الفاتحة بعد الصلاة لأرواح الشهداء والموتى الذين تراكمت أسماؤهم منذ أشهر بلا من يقرأ عليهم — بكى رجال. رجال أشدّاء حملوا السلاح وقاتلوا الجيش — بكوا كالأطفال حين سمعوا اسم ابنهم أو أبيهم أو أخيهم يُقرأ عليه.
في اليوم الثاني جاءه يتيم — صبيّ في العاشرة اسمه حسين، وجهه نحيل وعيناه واسعتان، أبوه استشهد بالانتفاضة وأمّه ماتت بالحمّى بعده بأسابيع — جاءه وجلس بجانبه بلا كلمة. وسيد هاشم — لم يطرده ولم يسأله. فقط تركه يجلس. وحسين بقي — صار ظلّه. يساعده بترتيب المضيف وتنظيف مكان الصلاة وتحضير الچاي. ورأيت سيد هاشم ينظر إلى الصبيّ أحياناً بنظرة لم أفهمها — نظرة فيها شيء مكسور. كأنه يرى في الصبيّ شيئاً يذكّره بشيء فقده.
وأم ياسر — كانت تأتي كل يوم. تجلس عند باب المضيف — لا تدخل لأن الرجال بالداخل — وتنتظر حتى يخرج سيد هاشم فتسأله: "سيّدنا — عندي سؤال بالدين." وسيد هاشم يجلس معها دقائق ويجيب — بصوت السيّد الهادئ المرتّب — وهي تسمع بعينين تلمعان بالدموع.
رأيت ذلك وأنا أعرف ما أعرفه عن سيد هاشم — أنه ليس سيداً ولا عالم دين بل سارق مراقد وقاتل. ومع ذلك — ومع ذلك — شيء في طريقة كلامه مع أم ياسر كان حقيقياً. ليس تمثيلاً كله. شيء يخرج من مكان عميق فيه — ربما من حياته الأولى قبل أن يصبح ما أصبح — شيء لم يمت بالكامل.
وأنا — "طبيب القرية."
في اليوم الثالث — أمر الشيخ ضياء ببناء عيادة لي. لم يسألني ولم ينتظر إذني — أمر وانتهى. هكذا يعمل الشيخ. فجاء رجال القرية وبنوا كوخاً قصبياً بجانب المضيف — كوخ بغرفتين: غرفة للعلاج فيها طاولة خشبية ورفّ لوضع الأدوية، وغرفة للنوم فيها فراش وحصيرة ووسادة. بيتي الأول منذ فقدت كل شيء — بيت من قصب وطين في قرية وسط الماء. ليس قصراً — لكنّ للرجل الذي نام في مشاحيف وزنزانات وعلى أرصفة يبدو كقصر.
كل يوم يأتيني مرضى. أطفال بإسهال وحمّى — ماء الهور ملوّث والأمراض لا تنتهي. جرحى — رصاص قديم لم يُستخرج وشظايا تتعفّن تحت الجلد. نساء — لا أراهنّ طبعاً لكنّ الجدّة (الداية) تأتي وتصف لي الأعراض وأعطيها التعليمات والأدوية. والحقيبة الطبية التي جهّزها رجال المقدم ناظم — فيها ما يكفي للحالات البسيطة. لكنّ الحالات ليست كلها بسيطة.
في اليوم الرابع مات طفل بين يديّ — طفلة في الثالثة اسمها نور. حمّى وإسهال تحوّل إلى جفاف لم أستطع إيقافه. ماتت وأمّها تنظر إليّ بعينين تقولان: أنت الطبيب. لماذا لم تنقذها؟ ولم أستطع أن أقول لها: أنا لست طبيباً. أنا رجل قاتل يلبس صدرية بيضاء.
تلك الليلة — لم أنم. جلست خلف المضيف وحدي والقلادة بين أصابعي — المصحف الصغير — وفكّرت بما لم أفكّر فيه منذ زمن: بالموت. ليس موتي أنا — فأنا ميّت رسمياً وما يحدث لي لا يهمّ — بل بموت الآخرين. بموت نور. بموت ربيع. بموت الشباب على الأعمدة. وفكّرت: أنا قتلتُ رجالاً كثيرين ولم أشعر بشيء. فلماذا تموت طفلة بين يديّ فأحسّ أن صدري يُسحق؟
في اليوم الخامس — رأيتها.
لم أبحث عنها — أو هكذا أقنعت نفسي. كنت أمشي على ممرّ طيني بين البيوت في الطرف الشرقي من القرية — منطقة بيوت بو العيطة — أزور مريضاً. وحين رفعت رأسي — كانت واقفة أمامي.
زينة.
واقفة عند باب بيت قصبي — بيت عمّها أبي محسن — بدشداشة سوداء نظيفة وشيلة سوداء بأطرافها المتعرّجة كأوراق الوردة والمشبك الذهبي على شكل يد يلمع في الشمس. وعلى يديها حنّاء جديدة — نقوش دقيقة بلون بنّي غامق. ورائحة القرنفل والمسك.
رأتني. وتوقّفت.
ورأيتها. وتوقّفت.
وتلك اللحظة — لحظة التوقّف المتبادل — أخبرتني أن القلادة التي في جيبي ليست مجرّد گرين كارد.
لم تتكلّم — لأنها لا تستطيع. لكنّ عينيها تكلّمتا. نظرت إلى الصدرية البيضاء — الجديدة النظيفة — ثم إلى وجهي. وابتسمت. ابتسامة صغيرة — نفس الابتسامة الحزينة التي ابتسمتها حين وضعت القلادة على حافة المشحوف — لكنّ فيها هذه المرة شيئاً جديداً. ليس حزناً فقط — بل شيئاً يشبه الارتياح. ارتياح من يرى وجهاً يعرفه في مكان لم يتوقّعه فيه.
رفعت يدي ولوّحت. هذه المرة — لم أتأخّر.
وهي — رفعت يدها ولوّحت. ثم أدارت ظهرها ودخلت البيت. وبقيت رائحة القرنفل في الهواء لحظة بعدها.
في اليوم السادس — اكتشفنا الزئبق.
لم نكتشفه نحن — بل أخبرنا الشيخ ضياء. جلسنا معه في المضيف — الثلاثة — وجاء بجرّة فخّارية صغيرة مغلقة بقماش. فتحها.
في الداخل — سائل أحمر غامق ثقيل يلمع كأنه دم معدني. يتحرّك في الجرّة كأنه حيّ — ينزلق ويتجمّع ويتفرّق بطريقة لا تشبه أي سائل رأيته. زئبق أحمر.
— هذا يطلع من تحت الهور. من زمان نعرف بيه — بس ما ندري شنو فائدته بالضبط. الإيرانيين يريدونه — يدفعون بيه ذهب. يگولون يدخل بصناعات كبيرة — ما أدري شنو بالضبط. بس شي غالي. غالي جداً. وأبو ياسر هو اللي ينظّم الشغل.
نظرت إلى أبي دعيّر. أبو دعيّر نظر إلى سيد هاشم. وسيد هاشم نظر إلى الزئبق — وفي عينيه الرماديّتين لمعة لم أرَها من قبل. لمعة ليست طمعاً بالضبط — بل حساباً. يحسب كم يساوي هذا السائل الأحمر ومن يدفع أكثر ومن يستطيع أن يأخذه.
بعد أن خرجنا من المضيف — جلسنا الثلاثة في ركننا المعتاد.
أبو دعيّر قال بصوت لا يكاد يُسمع:
— شفتوا الزئبق الأحمر.
— شفنا.
— هذا اللي يريده المقدم ناظم. "الشي الثمين" اللي حچى عنه.
سيد هاشم حرّك مسبحته — تِك — واحدة:
— والسؤال هسّه — هل ننفّذ المهمة ونعطيه الزئبق الأحمر... لو نشتغل لحسابنا؟
الكلمات بقيت معلّقة في الهواء — ثقيلة كالزئبق الأحمر نفسه.
أبو دعيّر وأنا نظرنا إلى سيد هاشم. وسيد هاشم نظر إلينا. وبيننا — سؤال لم يُجَب: هل نخون المقدم ناظم الذي يملك أوراق إعدامنا؟ أم نخون أنفسنا ونسلّمه ما يريد؟
لم يُجِب أحد تلك الليلة. لكنّ السؤال — بمجرّد أن طُرح — غيّر كل شيء.
عند منتصف الليل شغّل أبو دعيّر اللاسلكي:
— قاعدة — هنا عين. وصلنا. مستقرّين. الوضع هادئ.
صوت ستاتيكي. ثم:
— عين — مفهوم. شنو أخبار الهدف؟
— الهدف موجود. شفناه. لسّه ندرس الوضع.
— عين — عجّلوا. الوقت محدود. التقرير القادم نريد تفاصيل. قاعدة — تمام.
أطفأ اللاسلكي. والصمت عاد.
سيد هاشم — بعينيه المغمضتين — قال:
— "عجّلوا." الوقت محدود.
ثم فتح عينيه ونظر إلى الظلام:
— والسؤال: محدود بشنو؟ شنو ينتظرنا إذا ما عجّلنا؟
لم يكن سؤالاً ينتظر جواباً. كان تحذيراً.
والبگ يطنّ حولنا. والماء يتحرّك تحتنا. والقرية نائمة.
وأنا — بين القلادة في جيبي والمسدّس الذي لا أملكه والمهمّة التي لا أريدها — أحسّ أن الحبل يضيق حول رقابنا الثلاثة. حبل المقدم ناظم من جهة. وحبل أبي ياسر من جهة. وحبل الزئبق الأحمر من تحتنا.
والسؤال — سؤال سيد هاشم — لا يزال معلّقاً في الهواء: هل ننفّذ أم نسرق أم نهرب؟
وأنا — لأول مرة منذ وصلت هذا الهور — لم أكن متأكّداً من الجواب.
يتبع — الفصل الحادي عشر: الحقيقة
في الأسبوع الأول — تعلّمت أشياء.
تعلّمت أن الهور ليس مكاناً واحداً بل ألف مكان. وأن القرية ليست قرية واحدة بل عالم كامل فيه من يولد ومن يموت ومن يتزوّج ومن يقاتل ومن يصطاد ومن يصلّي — كل ذلك على جزر من الطين بين جدران القصب. وتعلّمت أن أهل الهور — البو بزون وبو العيطة ومن ينضوي معهم — ليسوا ما ظننتهم. ليسوا بسطاء ولا جهّالاً — بل ناس يعيشون بقوانين فهموها من الماء والطين والقصب قبل أن يفهمها أحد من الكتب. يعرفون متى يرتفع الماء ومتى ينخفض ومن أين تأتي السمكة ومن أين يأتي الخطر — وهذه المعرفة تساوي كل شهادات العالم.
وتعلّمت شيئاً آخر: كيف يُستخرج الزئبق الأحمر.
لم يُرِني أحد المكان — اكتشفته بالصدفة. أو بما يشبه الصدفة.
كنت أعالج رجلاً اسمه حسن — رجل أربعيني من بو العيطة، يده اليمنى ملتهبة ومتورّمة — وحين سألته شنو صار بإيده قال:
— من الشغل. الحفر. نحفر بالطين تحت الماي ونطلّع الحجر الأحمر.
— شنو الحجر الأحمر؟
نظر إليّ كأنني سألت سؤالاً غبياً:
— الحجر اللي يريده أبو ياسر. اللي يجون ناس ياخذونه.
ضمّدت يده وسألت أكثر — بحذر، بلا إلحاح — وشيئاً فشيئاً فهمت:
الزئبق الأحمر لا يُستخرج سائلاً كما رأيته في الجرّة. يُستخرج من تحت طبقات الطين على شكل حجارة — صخور صغيرة حمراء غامقة ثقيلة بشكل غير طبيعي لحجمها. رجال القرية — شباب بو العيطة والبو بزون — يغوصون في مواضع محدّدة يعرفها أبو ياسر وحده ويحفرون بأيديهم في الطين تحت الماء ويستخرجون الحجارة. عمل شاقّ وخطير — الغوص في ماء معتم والحفر بالأصابع في طين ثقيل والعودة بالحجر قبل أن ينفد النَّفَس. وبعض الرجال يعودون بأيدٍ ملتهبة أو عيون محمرّة — المادة نفسها سامّة.
ثم تُجمع الحجارة في مكان لا يعرفه إلا أبو ياسر وبضعة رجال من حرسه الخاص. وهناك — بطريقة لم يشرحها لي حسن لأنه لا يعرفها — تُعالج الحجارة وتتحوّل إلى ذلك السائل الأحمر الثقيل الذي رأيته في الجرّة. والسائل يُعبّأ في قوارير صغيرة محكمة الإغلاق ويُسلّم لجهات عبر الحدود المائية — منو بالضبط ما أحد يعرف. مهرّبون. عصابات. جهات مجهولة تدفع وتأخذ ولا تسأل ولا تُسأل — مقابل سلاح ومال وحماية.
هذا هو اقتصاد أبي ياسر. هذا هو سبب وجوده. ليس المقاومة وحدها ولا الإيمان — بل الزئبق الأحمر. مادة تحت الطين تساوي أكثر من كل سمك الهور وكل جاموسه وكل قصبه مجتمعة.
والمقدم ناظم يعرف. ويريد.
في صباح اليوم الثامن — حين كنت أعالج المرضى في عيادتي القصبية — لاحظت أن سيد هاشم ليس في الحسينية.
سألت حسين اليتيم:
— وين السيد؟
— اخذ شباچ بگونية وطلبله بلم وراح يريد يصيد سمچ.
سيد هاشم. يصطاد سمكاً. هذا الرجل الذي لا يعرف الفرق بين البنّية والشبّوط ولا يمسك الشبكة إلا كمن يمسك سلاحاً — يصطاد.
فهمت. فهمت فوراً.
لم أقل شيئاً لحسين. لكنني خرجت من العيادة ومشيت إلى حافة الماء ونظرت في اتجاه الممرّات الشرقية — الممرّات التي لاحظت منذ وصولنا أن مشاحيف مسلّحة تخرج منها وتعود إليها. الممرّات التي ينظر إليها الشيخ ضياء بذلك التعبير الذي يشبه الخوف ولا يكونه. الممرّات التي يسيطر عليها أبو ياسر.
سيد هاشم — بحجّة صيد السمك — توغّل نحو تلك الممرّات. يبحث عن مواقع القوات المعارضة. يرسم خارطته الخاصة — يعرف أين يتمركّز رجال أبي ياسر وكم عددهم وما سلاحهم. يجمع المعلومات التي يحتاجها لتنفيذ المهمة — أو لحساباته الخاصة.
عاد عند الظهر. معه سمكتان صغيرتان في الشبكة — دليل تمويهي بائس. وضعهما أمام حسين اليتيم وقال:
— حسين — تعرف تطبخ سمچ؟
حسين — بعينيه الواسعتين — أومأ بحماس. أخذ السمكتين وركض نحو الچولة كأنه كُلّف بمهمّة عسكرية.
ونظر إليّ — نظرة سريعة — وأنا نظرت إليه. وكلانا عرف أن الآخر يعرف. لكنّ أيّاً منّا لم يقل شيئاً. لغة الصمت بيننا صارت أبلغ من أي كلام.
تلك الليلة — ذهبت إلى الحسينية بحجّة أنني أريد أسأل سيد هاشم عن دعاء لشفاء أحد المرضى. وجدته جالساً وحده — حسين اليتيم نام في الزاوية — والچولة أمامه والكيتلي يصفر. جلست وسكب لي إستكاناً. وحين تأكّدنا أن لا أحد يسمع — تكلّم بصوت خافت:
— الممرّ الشرقي. بعد ثلاث لفّات بالقصب — يفتح على خليج كبير. بالخليج جزيرتين عليهن خيم وأسلحة ثقيلة. عشرين رجل — ربما أكثر. آر بي جي ورشّاشات ثقيلة وهاونات. وأكو ممرّ ثاني من الخليج يوصل للحدود مباشرة — طريق التهريب. الزئبق يطلع من هناك.
أبو دعيّر لم يكن معنا — كان قد سلّم المسواگ للقرية وأخذ بالمقابل سمكاً وحليباً وبيضاً يحتاج يصرّفها بالعلوة قبل أن تتلف. ذهب من الصباح. فبقينا أنا وسيد هاشم — وحدنا بالحسينية.
سيد هاشم حرّك المسبحة — تِك — وقال:
في اليوم التاسع — عرفت.
لم يخبرني أبو ياسر بنفسه. ولم يخبرني أبو دعيّر. أخبرتني أم ياسر.
جاءت كعادتها إلى باب الحسينية تسأل سيد هاشم سؤالاً بالدين. لكنّ سيد هاشم كان غائباً — ذهب "للصيد" مرة أخرى. فجلستْ تنتظر. وأنا كنت قريباً — أمام عيادتي — فنظرتْ إليّ وقالت:
— يا ابني أبو كرّار... أگعد وِيّاي شوية. أريد أحچيلك شي.
جلست. على بعد ذراعين — المسافة المحترمة. وهي — بعباءتها السوداء ووجهها الحادّ الحزين — بدأت تحكي.
لم تحكِ عن الدين ولا عن الصلاة. حكت عن ابنها.
— زوجي — أبو ياسر — ما كان هيچي من الأول. كان إنسان ثاني. بس اللي صارله وهو صغير غيّره.
سكتت لحظة. ثم أكملت:
— أبو زوجي — جدّ ياسر ولدنا الله يرحمه — كان رجل طيّب. فلاح. ما عنده خصومة وِيّه حد. بس النظام — تعرف النظام — أي واحد ما يمشي بالخط يصير خاين. وأبو زوجي — من سألوه عن جاره اللي هرب من الجيش أصرّ إنه ما يعرف شي. وهو لا ساعده ولا ضامّه — بس ما عرف عنه شي. فجوه بالليل. أمن. سحبوه من بيته. وگدّام عياله — گدّام زوجي وهو جاهل عمره عشر سنين...
سكتت. ابتلعت ريقها. ثم أكملت بصوت كأنه يخرج من قبر:
— ضربوه. ضربوه لحد ما ما بقى يشبه آدمي. وزوجي — جاهل — يشوف أبوه ينضرب ويبچي ويصرخ ومحد يگدر يسوّي شي. وأكو واحد — واقف — سيّد بعمامة — كان جارهم. جارهم. يعرفهم ويعرفونه. يجي يقرأ عندهم بالمناسبات. واقف يشوف كل شي. يشوف الأمن يضربون الرجل ويشوف الجاهل يبچي — وما حرّك ساكن. ولا كلمة. ولا نظرة حتى.
بعدها — طلع هو المخبر. هو اللي وشى بيهم. وجاي يشوف المشهد بالكامل كأنه يتأكّد من شي. شاف اللي شاف — والتفت ومشى. وكأن شيئاً لم يكن.
سكتت مرة أخرى. يداها ترتجفان.
— وأبو زوجي — مات بعدها بأسبوع. بالمستشفى گالوا سكتة قلبية. بس الكل يعرف — مات من الضرب. وزوجي — من ذاك اليوم تغيّر. ما بقى يحچي وِيّه حد. ما بقى يلعب مثل الجهّال. يگعد لوحده يباوع. وكبر بيناتنا هنا وهو بس يباوع. ما يشارك أي أحد بأي شي. وصار اللي صار — شارك بحرب إيران وراح أسير وأنه بعدني حامل بياسر ولدنا. وأنه تزوّجته وأنه أعرف شبيه. ومن رجع أبو ياسر — مو هو. ما عرفته. شبيه بصفحة وتصرّفاته بصفحة. ما يثق بأحد. ويسأل هواي. ويتلفّت. وكل وقته حرب. وكتوم — كتوم حتى وِيّاي. أعرف الجرح اللي بداخله — بس حسبت أگدر أساعده. حسبت الزواج والجهّال يشفونه. بس الجرح أكبر من أي شي.
نظرتْ إليّ:
— يا ابني — زوجي مو إنسان شرّير. زوجي إنسان مجروح. الجرح اللي ما يندمل يصير حقد. والحقد يصير قوّة. والقوّة — بلا إيمان — تصير خطر. وأنه — زوجته — أشوفه يتحوّل يوم بعد يوم ولا أگدر أسوّي شي. لأنه الجرح مو عندي — الجرح عنده. وأنه ما أگدر أوصله.
فهمت. فهمت لماذا تأتي كل يوم لسيد هاشم. ليس فقط لأنها متديّنة — بل لأنها تبحث عن شيء يُعيد لزوجها ما فقده. رجل دين لم يخذل — بعد رجل دين خذل.
وفهمت شيئاً آخر — شيئاً أثقل: أن الرجل الذي أُمرنا بقتله ليس وحشاً. إنه طفل عمره عشر سنوات رأى أباه يُضرب حتى الموت ورجل الدين يقف يتفرّج. طفل كبر بالحقد — حقد على كل ما يمثّله رجال الدين وكل جندي وكل شرطي وكل عنصر أمن وكل من يرتدي زيّاً رسمياً أو يحمل سلطة. حقد على النظام بكل أشكاله. وهذا الحقد — هو ما يخفيه خلف تلبّسه بالدين ظاهرياً.
وأم ياسر — زوجته — المرأة التي تعرف كل هذا وتعيش معه وتراه يتحوّل — تأتي كل يوم لرجل دين مزيّف تظنّه حقيقياً وتبحث عنده عن أمل لزوجها.
وأنا — إلياس — الذي أُرسل ليقتله — ماذا أنا؟ ألست أنا أيضاً نتيجة ما فعلته بي الحياة؟
وسط كل هذا — كانت زينة.
لم أبحث عنها — لكنّ الممرّات الطينية تتقاطع عند نقاط محدّدة: عند تنّور العشيرة الذي يخبزون فيه للمحتاجين — لأن البطاقة التموينية لا تُمنح للمنشقّين عن النظام فتضطرّ العشيرة أن توفّر الخبز لمن لا طحين عنده من شعير أو حنطة غير مطحونة يطحنونها بالرحى — وعند مربط المشاحيف، وعند مصدر الماء العذب. وأنا — لأن عيادتي بالقرب من المضيف الذي يتوسّط القرية — أمرّ بهذه النقاط كل يوم وأنا ذاهب لعلاج مريض أو عائد منه. وزينة — لأن بيوت بو العيطة على الطرف الشرقي — تأتي لنفس النقاط لقضاء حوائجها. فكنت أراها بين الحين والآخر — عند التنّور أو عند الماء أو عابرة في مشحوف. وكل مرة أراها — تنظر إليّ. وأنظر إليها. ولا أحد يتكلّم — لأنها لا تستطيع وأنا لا أجرؤ.
في اليوم العاشر — وقع شيء.
كنت أمشي على الممرّ الطيني الضيّق عائداً من بيت مريض — والممرّ يمرّ بمحاذاة الماء — حين سمعت صوت ماء يتحرّك قريباً. التفتّ. مشحوف صغير يقترب ببطء — وفيه شخص يدفعه بالمردي المشدود بحبل إلى المشحوف. شخص بشيلة سوداء.
زينة.
تقترب بمشحوفها — تدفع المردي بيديها بمهارة بنت ولدت على الماء. وأنا — بدل أن أنظر إلى الممرّ تحت قدمي — أنظر إليها.
والطين المبلّل لا يرحم.
زلّت قدمي — زلّت بقوّة إلى الأمام — وسقطت على مؤخّرتي بصفعة أحسستها في عمودي الفقري. ويدي — في محاولة يائسة للتوازن — رمت الحقيبة الطبية إلى الأعلى. طارت. طارت في قوس عالٍ فوق رأسي نحو الماء — عشرين متراً على الأقلّ — وسقطت بصوت طرطشة ثقيل في الماء بين الممرّ والمشحوف.
الأدوية!
قفزت أحاول النزول نحو الماء — لكنّ زينة كانت أسرع. رأيتها — في لحظة واحدة — ترمي المردي من يدها (وهو مشدود بحبله إلى المشحوف فتأرجح ورجع) وتركض إلى مؤخّرة المشحوف — ركض بنت اعتادت على التوازن فوق الخشب المبلّل — ومدّت جسمها نحو الماء وأمسكت الحقيبة بأطراف أصابعها قبل أن تغرق. لكنّ وزن الحقيبة المبلّلة سحبها — وكادت تقع في الماء هي الأخرى لولا أن يدها الأخرى تشبّثت بحافة المشحوف الخلفية وشدّت نفسها إلى الوراء.
استقامت وهي تلهث — والماء يقطر من ذراعها وشيلتها مبلّلة الطرف والمشبك الذهبي يلمع ورائحة القرنفل اختلطت برائحة ماء الهور — ومدّت لي الحقيبة من المشحوف إلى حافة الممرّ.
ومددت يدي لأستلمها — ويداها مسّتا يديّ.
لمسة. ثانية واحدة. بشرة على بشرة.
وكلّ شيء — كلّ شيء بنيته في حياتي من جدران وحصون ومسافات بيني وبين الناس — كل الحساب البارد والتخطيط الدقيق والقدرة على القتل بلا مشاعر — كل ذلك تصدّع في ثانية واحدة.
نظرتُ إلى وجهها — قريب للمرة الأولى، قريب بما يكفي لأرى نقطة الكحل في زاوية عينها اليمنى ولأشمّ القرنفل من رقبتها ولأرى الحنّاء على أصابعها — ولم أستطع أن أتحرّك.
هي أيضاً لم تتحرّك.
وقفنا — ثانية أو ثانيتين أو ربما عمراً كاملاً — ثم سحبتْ يدها ببطء وأدارت ظهرها ومشت.
وأنا — بقيت واقفاً والحقيبة في يدي والماء يقطر منها ومن ثيابي ومن عيني شيء ليس ماء.
بعد ذلك اليوم — تغيّرت.
ليس إلى الأفضل. تغيّرت إلى شيء لا أفهمه ولا أسيطر عليه. أنا — إلياس — الذي عاش حياته كلها بالحساب والتخطيط والسيطرة — فقدت التوازن.
في الليل — لا أنام. أجلس في عيادتي القصبية والقلادة بين أصابعي وأفكّر بأشياء لم أفكّر بها من قبل. أفكّر بزينة. بيديها حين مسّتا يديّ. بعينيها. بابتسامتها الحزينة. ثم أفكّر بنور — الطفلة التي ماتت بين يديّ — وأحسّ بذنب يأكل صدري. ثم أفكّر بأم ياسر وقصّتها — وبأبي ياسر الطفل الذي رأى أباه يموت. ثم أفكّر بنفسي — بمن أكون حقاً وبما فعلته قبل أن أصل إلى هنا — وأحسّ بثقل لم أحسّه من قبل.
أصابعي تنقر على ركبتي بإيقاع أسرع. عيني اليمنى ترتجف أكثر. وأدير وجهي إلى اليسار حتى حين لا أكذب — كأنني أتجنّب مواجهة نفسي.
في اليوم الحادي عشر — أخطأت بجرعة دواء. أعطيت طفلاً ضعف الجرعة المطلوبة. لم يمت — الحمد لله — لكنّ أمّه جاءت تصرخ أنه يتقيّأ. وأنا — الذي لا ترتجف يده حين يمسك السكين — يدي ارتجفت وأنا أفتح الحقيبة الطبية.
أبو دعيّر لاحظ. جاءني تلك الليلة:
— أبو كرّار — شبيك؟ وجهك متغيّر من أيام. ما تنام. ما تاكل زين. وعيونك — عيونك مو هِيَّه.
— ما بيه شي.
— لا. أكو شي. وأنه أعرف شنو هو — بس ما راح أگوله. بس أگلَّك شي واحد: لا تخلّي الأشياء اللي بقلبك تخرّب الأشياء اللي بإيدك. لأنه إذا إيدك خربت — كلنا خربنا.
كلام بسيط. لكنه دقيق كحساب دلّال. وفهمت ما يقصد: لا تدع مشاعرك تجاه زينة — أو تجاه أيّ شيء — تعطّل المهمة. لأن المهمة هي الشيء الوحيد الذي يبقينا أحياء.
لكنّ المشكلة — المشكلة الحقيقية — أنني لم أعد متأكّداً أن المهمة هي الشيء الصحيح.
أبو دعيّر كان قد ذهب من اليوم الثامن — سلّم المسواگ للقرية وأخذ بالمقابل سمكاً وحليباً وبيضاً ومواشي يحتاج يصرّفها بالعلوة والسوگ قبل أن تتلف. هذا شغله الطبيعي — يروح ويجي — ومحد يشك. لكنّ غيابه ترك فراغاً. أنا وسيد هاشم وحدنا في قرية ليست قريتنا بمهمة ليست مهمّتنا.
والأيام تمضي. وأم ياسر حكت. وزينة مسّت يدي. وأنا أفقد توازني. وسيد هاشم يتسلّل ويخطّط. وأبو ياسر يراقب من بعيد. والزئبق الأحمر تحت الطين ينتظر.
في العلوة — بين بيع السمك وتصريف الحليب والبيض قبل أن تتلف — وجد أبو دعيّر الوقت.
عند منتصف الليل — في كوخ أبي حسّون الطيني — أخرج اللاسلكي من مخبأ كان قد تركه فيه قبل رحلتنا الأولى. شغّله:
— قاعدة — هنا عين. تقرير.
— عين — مفهوم. شنو الوضع؟
— الهدف موجود. مستقرّ. عنده قوّة عسكرية بالممرّ الشرقي — عشرين رجل تقريباً. سلاح ثقيل. ومعدن — المعدن اللي حچيتو عنه — موجود. يطلّعونه من تحت الطين.
صمت. ثم صوت مختلف — ليس صوت المشغّل العادي بل صوت أعمق أكثر سلطة. صوت المقدم ناظم نفسه:
— أبو دعيّر.
تجمّد.
— سيّدي.
— اسمع زين. أنتو صاير لكم ثنعش يوم. ثنعش يوم وما شفت نتيجة. أنه ما عندي وقت. والناس فوگي ما عندهم وقت. المطلوب واضح — الهدف يُزال والمعدن يُأمّن. وعندكم أسبوع. أسبوع واحد.
— سيّدي الوضع حسّاس وما نگدر...
— أسبوع. وإذا ما شفت نتيجة — أرسل قوّة تسوّي الشغل بطريقتها. وأنتو — تذكّروا: أنتو رسمياً أموات. أگدر أرجّعكم أموات بأي لحظة. وهالمرة — مو وهمي.
انقطع الاتصال.
جلس أبو دعيّر في الظلام. الچولة أمامه مطفأة. لا ضوء إلا خيط القمر من شقّ في السقف القصبي. ويداه — يدا أبي دعيّر الضخمتان اللتان ترفعان كيس طحين بيد واحدة — ترتجفان.
أسبوع.
في اليوم التالي لاتصال أبي دعيّر — وقبل أن يعود — وقع ما كنّا نخشاه.
قبل الفجر — سمعنا انفجارات من الجهة الغربية. ليست قريبة لكنها ليست بعيدة بما يكفي لتجاهلها. قذائف هاون تسقط على ممرّات القصب — دوي ثم عمود ماء يرتفع ثم صمت ثم دوي.
القرية استيقظت في ثوانٍ. رجال يركضون نحو المشاحيف بأسلحتهم. نساء يسحبن الأطفال. جواميس تخور في الماء من الفزع.
أبو ياسر — لأول مرة رأيته يتحرّك بسرعة — خرج من الممرّ الشرقي بمشحوف محمّل برجاله ومضى نحو مصدر القصف. أوامره قصيرة حادّة — لهجة قائد لا لهجة رجل دين. والشيخ ضياء وقف عند المضيف ونادى رجال العشيرة — وجهه صارم لكنّ يديه ترتجفان.
بعد ساعة عاد أبو ياسر. جلس في المضيف وطلب اجتماعاً طارئاً مع الشيخ ضياء وكبار القرية.
حضرت — كطبيب — لأن أربعة جرحى أُحضروا معه. شظايا في الأكتاف والأذرع. وبينما أضمّد الجروح سمعت أبا ياسر يتكلّم مع الشيخ ضياء:
— قوّة استطلاع. من جهة الكحلاء. ما وصلوا — ردّيناهم. بس هاي تحذير. يريدون يعرفون وين نحن بالضبط.
— وشنو نسوّي؟
— ننقل مواقع الأسلحة الثقيلة لممرّات ثانية. ونغيّر مسالك الدخول. ونزيد الحراسات بالليل. القصف من بعيد يگدرون — ولازم نكون جاهزين.
وأنا أضمّد جرح شابّ من بو العيطة — أسمع كل كلمة وأفكّر: هل هذه مقدّمة لما هدّد به المقدم ناظم؟ هل بدأ العدّ التنازلي؟
حين عاد أبو دعيّر بعد يومين — محمّلاً بمسواگ جديد للقرية — رأيت وجهه. والوجه يقول كل شيء.
انتظرنا حتى الليل. ذهبت إلى الحسينية — وجدت سيد هاشم وأبا دعيّر قد سبقاني. حسين نائم في الزاوية. الچولة تشعّ والبگ يطنّ.
أبو دعيّر أخبرنا. بصوت خافت لا يشبه صوته:
— أسبوع. عطانا أسبوع. وإذا لا — يرسل قوّة. وقال — مو وهمي هالمرة.
صمت.
سيد هاشم حرّك المسبحة — تِك — وقال:
— أسبوع يكفي.
نظرنا إليه.
— يكفي لشنو؟
— يكفي نقرر: ننفّذ... لو لا.
"لو لا." الكلمتان بقيتا معلّقتين في دخان الچولة.
أبو دعيّر — بصوت من يفكّر بصوت عالٍ:
— إذا ما نفّذنا — يرسل قوّة. القوّة ما تفرّق بين أبو ياسر والقرية — تدمّر كل شي. الشيخ ضياء والنساء والجهّال — الكل يدفع الثمن.
— وإذا نفّذنا — نگتل رجل يحمي هالناس. ونسلّم الزئبق الأحمر للمقدم ناظم. ونمشي — إذا خلّانا نمشي.
— والخيار الثالث؟
سيد هاشم:
— الخيار الثالث — نسرق الزئبق ونهرب لإيران. ونترك القرية تواجه المقدم ناظم لحالها.
قلت أنا — ولم أكن أنوي أن أقول:
— هذا مو خيار. هذا خيانة.
سيد هاشم نظر إليّ بعينيه الرماديّتين:
— أبو كرّار — كلها خيانة. ننفّذ نخون القرية. ما ننفّذ نخون المقدم ناظم ويخرب القرية. نهرب نخون الكل. ما أكو خيار نظيف. أكو بس خيار أقل وساخة.
والچاي يبرد في الإستكانات. والبگ يلسع. والماء تحتنا يتحرّك ببطء.
وأنا — بين القلادة في جيبي ووجه زينة في ذاكرتي وصوت أم ياسر في أذني وموعد أسبوع فوق رأسي — أحسّ أن الحبل يضيق.
والجواب — الجواب الذي لا بدّ منه — يقترب.
يتبع — الفصل الثاني عشر: المعركة
خمسة أيام. خمسة أيام من المهلة. وكل يوم — كلما اقتربنا من قرار — يظهر شيء يقلب الطاولة.
اليوم الأول بعد التهديد:
الهور يتغيّر. لاحظت ذلك من الصباح — الماء أقلّ ممّا كان عليه قبل أسبوع. المستوى ينخفض — جزر الطين التي كانت بالكاد تطلّ صارت مكشوفة، والممرّات التي تتّسع لمشحوفين صارت تتّسع لواحد بالكاد. السدّة الترابية التي يبنيها الجيش نهاراً ويهدمها الثوار ليلاً بدأت تؤثّر. الماي يقلّ. والهور يجفّ.
وجاء صيّادون من الغرب بأخبار: نقاط تفتيش جديدة على أطراف الكحلاء. وعائلتان من المعدان هربتا من ناحية السويب بعد مداهمة ليلية. والطوق يضيق.
جلسنا في الحسينية — أنا وسيد هاشم — وأبو دعيّر يوصل الأخبار.
أبو دعيّر يقول:
— لازم ننفّذ. ما عدنا خيار. أسبوع وينتهي كل شي.
سيد هاشم — بمسبحته وعينيه اللتين تحسبان — لم يوافق. لم يرفض. فقط قال:
— خلّيني أفكّر.
وأنا لم أقل شيئاً.
بعد ساعة — جاء خبر: قافلة مشاحيف عبرت الحدود المائية ليلاً وسلّمت أسلحة لرجال أبي ياسر. سلاح جديد ثقيل. يعني أبو ياسر يتقوّى — وأي عملية ضدّه صارت أصعب.
القرار يتأجّل.
اليوم الثاني:
ثلاث عائلات وصلت القرية فجراً — لاجئون من قرى أخرى في الهور دمّرها الجيش. نساء يحملن أطفالاً ورجال بلا سلاح بعيون فارغة. حكوا أن الجيش يحرق القصب بالنفط في الأهوار الغربية — يشعل النار في القصب اليابس ليجبر الناس على الخروج إلى البرّ حيث ينتظرهم. والدخان — قالوا — يُرى من عشرين كيلومتراً. الحرب ضد الهور نفسه — ليست ضد الناس فقط بل ضد الماء والقصب والأرض.
عالجت أطفالاً مصابين بالجفاف والحمّى. وأعطيت ما بقي من الأدوية — والحقيبة بدأت تفرغ.
سيد هاشم "ذهب للصيد." رجع بسمكة واحدة — وبمعلومات. جلس معي بالحسينية ليلاً:
— أبو كرّار — المسألة مو بسيطة مثل ما يتصوّرها أبو دعيّر. أبو ياسر عنده الآن ثلاثين رجل مو عشرين. وسلاح ثقيل جديد. ومعبر مفتوح لإيران. إذا حاولنا نگتله — رجاله يذبحوننا قبل ما نوصل.
— يعني شنو الحل؟
نظر إليّ بعينيه الرماديّتين الحادّتين — نظرة رجل يعرف بالضبط ما يريد:
— الحل — مو القتل. الحل — الزئبق.
— شنو تقصد؟
— أقصد إنّي طول هالفترة ما كنت "أصيد سمچ" — كنت أدرس. أدرس الممرّات والمواقع والحراسات وأوقات التبديل ومكان خزن الزئبق المعالج. وأدرس طريق الحدود — الممرّ اللي يوصل لإيران. وهسّه — أعرف كل شي. كل تفصيل. كل لفّة. كل حارس ويمته ينام.
فهمت. سيد هاشم — طوال أسبوعين — لم يكن يتسلّل ليجمع معلومات للمهمّة. كان يبني خطّته الخاصة. خطّة لا علاقة لها بالمقدم ناظم ولا بالمهمّة: يأخذ الزئبق الأحمر ويعبر إلى إيران. يختفي. ويبدأ من جديد — بثروة تساوي أكثر ممّا يحلم به أي إنسان.
— وأنتو — إذا تريدون — تجون وياي.
قالها بهدوء. بثقة مطلقة. هذا هو سيد هاشم الحقيقي — لا يتردّد ولا يخاف ولا يتأثّر. يدير أموره لمصلحته ويتلاعب بكل ما حوله. حساباته مبنية على الربح والخسارة — بلا مشاعر.
لكنّ قبل أن أجيب — سمعنا انفجاراً بعيداً. والشيخ ضياء أرسل يطلب أبا ياسر لاجتماع طارئ. قوّة استطلاع من جهة الكحلاء. القرار يتأجّل.
اليوم الثالث:
في الصباح — وجدنا مشحوفين مهجورين في الممرّ الغربي. مشاحيف صيّادين تركوها وهربوا. الصيّادون الذين كانوا يأتون بالسمك من الأطراف — توقّفوا. الطوق يضيق والمسالك تُغلق واحداً تلو الآخر. والقرية التي كانت تعيش على السمك والحليب والبيض بدأت تحسّ بالضغط — الأطفال يبكون من الجوع والنساء يطحنّ الشعير على الرحى لأن الطحين نفد.
ثم — الهجوم الاستطلاعي. قذائف هاون من بعيد — أربعة جرحى. أبو ياسر يردّ ويعقد اجتماعاً مع الشيخ ضياء. وأنا أضمّد الجراح وأسمع — وأفكّر: هؤلاء الناس يُقصفون بسببنا. بسبب اللاسلكي اللي بمشحوف أبي دعيّر. نحن وصّلنا المعلومات. نحن السبب.
تلك الليلة — قلت لسيد هاشم:
— خطّتك — الزئبق وإيران — والقرية؟ شنو يصير بيهم؟
— ما يصير شي. ناظم يريد أبو ياسر والزئبق. إذا أبو ياسر مات وحده — أو هرب — وما لگى الزئبق — يمكن يتركهم.
— يمكن. بس يمكن لا.
لم يجب. لأنه يعرف أن "يمكن لا" هي الأرجح.
القرار يتأجّل.
اليوم الرابع:
الماء انخفض أكثر. ممرّ جنوبي كان يتّسع لمشحوف صار مجرّد شريط طين بينه بقع ماء ضحل. والجواميس — التي تحتاج ماءً عميقاً — بدأت تخور من العطش وتحاول الخروج نحو المناطق الأعمق. رأيت جاموسة عالقة في الطين — غارقة حتى بطنها تحاول أن تتحرّك ولا تستطيع — وثلاثة رجال يحاولون سحبها بالحبال. الهور يموت — ببطء — والجيش يعرف ذلك وينتظر.
وفي الليل — سمعنا إطلاق نار من بعيد. الجهة الشمالية. ليس هجوماً على قريتنا بل على قرية أخرى. رأينا الضوء — وميض أصفر برتقالي يرتجف في الأفق بين القصب — وسمعنا الدوي. قرية أخرى تُدمَّر. والدور يقترب.
في ذلك الصباح — جاء أبو ياسر لعيادتي. المشهد الذي غيّر كل شيء.
جلس على العتبة ونظر إليّ بعينيه اللتين لا ترمشان:
— أبو كرّار — أنته من يمته هنا؟ وسيّدكم اللي يروح "يصيد" — شنو يصيد بالضبط؟ أنه ما أعمى.
ثم وقف عند الباب:
— مراح أسأل. راح أجيكم. وأنه على يقين.
ومشى.
أخبرت سيد هاشم. لم يتفاجأ — عيناه لم ترمشا:
— يعرف. ما يهم. الخطة ما تتغيّر. بالعكس — هسّه لازم نسرع. لأنه إذا أبو ياسر تحرّك قبلنا — خسرنا كل شي.
— بس هؤلاء الناس...
— أبو كرّار — هؤلاء الناس عايشين بدوننا قبل ما نجي وسيعيشون بدوننا بعد ما نروح. ما نگدر ننقذ كل العالم.
القرار يتأجّل — لأنّني لم أوافق على خطّته. ولم أرفضها. وأبو دعيّر بالعلوة لا يعرف.
اليوم الخامس:
وصلت عائلات أكثر — لاجئون من ثلاث قرى هذه المرة. وجوه مرعوبة وأطفال حفاة وعجائز يُحملون على الظهور. حكوا أن الجيش بدأ يستخدم المروحيات — رغم اتفاقية وقف إطلاق النار — مروحيات تحلّق على ارتفاع منخفض وترشّ الماء بمادة تقتل السمك. السمك يطفو ميّتاً بالآلاف على سطح الماء. يقتلون الهور من داخله — يقتلون الطعام ليموت الناس جوعاً.
وفي العيادة — المرضى لا ينتهون. والأدوية تنفد. آخر علبة مسكّن ألم. آخر لفّة شاش. وأنا أمزّق قمصاناً لأصنع ضمادات.
تلك الليلة — لم أنم. جلست بالعيادة والقلادة بين أصابعي. وفكّرت:
أنا — إلياس — ماذا أريد حقاً؟
لا أريد أن أقتل أبا ياسر. ولا أريد أن أسرق الزئبق وأهرب لإيران مع سيد هاشم. ولا أريد أن أعود للمقدم ناظم بخبر النجاح.
أريد أن أبقى هنا. أريد أن أعالج الناس. أريد أن أرى زينة كل يوم وهي تضع وردة على عتبتي. أريد — وهذا الشيء الذي لم أقله لأحد ولم أعترف به حتى لنفسي — أريد أن أكون جزءاً من هذا المكان.
وإذا جاء ناظم بقوّاته — فأنا أعرف ماذا أفعل. أقاتل. أقاتل مع القرية. ليس لأنني بطل — بل لأنني ليس عندي مكان آخر.
الماء انخفض بمقدار شبر كامل عن البارحة. ممرّان آخران صارا غير صالحين للمشاحيف. والقصب اليابس على الأطراف بدأ يصفرّ ويموت — والقصب الميّت يكشف ما كان يخفيه. القرية التي كانت مخفية بالقصب بدأت تتكشّف — كأن الهور يخلع عنها غطاءه.
وفي المساء — وصلت أخبار من صيّاد منهك: البصرة سقطت. المقاومة انتهت. علي الكيمياوي وعدي سيطروا على كل شي. ومحافظة ذي قار سقطت. والناصرية سقطت. ميسان — هي الأخيرة. نحن — الأخيرون.
أخبرت سيد هاشم بقراري.
— أنه ما راح أجي وِيّاك لإيران. وما راح أنفّذ المهمّة. أنه ناوي أبقى هنا. وإذا جاي ناظم بجنوده — أقاتل وِيّه أهل القرية.
سيد هاشم نظر إليّ — نظرة طويلة باردة. ثم — للمرّة الأولى — ابتسم ابتسامة لا أفهمها. ابتسامة ليست سخرية ولا احتراماً — بل شيء بينهما. كأنه يرى في قراري شيئاً يعرفه ويرفضه لنفسه لكنه يحترمه عند غيره.
— أبو كرّار — أنته حر. بس أگلّك شي: إذا قاتلت — تموت. مو يمكن — أكيد. لأنه ناظم ما يرسل قوّة استطلاع هالمرة. يرسل جيش. وهالقرية — بكل سلاحها — ما تصمد.
— أعرف.
— وبعدك ناوي؟
— بعدني.
هزّ رأسه. ثم قال:
— زين. أنه أمشي بخطّتي. الزئبق وإيران. وأنته — الله وِيّاك.
مدّ يده. صافحته.
— وأبو دعيّر؟
— أبو دعيّر — يختار. إذا يريد يجي وياي — أهلاً. إذا يريد يبقى — حريته.
أبو دعيّر — حين سمع قراري — نظر إليّ طويلاً ثم قال:
— أبو كرّار، إذا ناظم انتصر — نحن ميّتين. رسمياً ميّتين مرّتين. أوّل مرّة بأوراقه. وثاني مرّة إذا شاف إنّا ما نفّذنا المهمّة. لا أگدر أرجع للعلوة ولا أگدر أختفي. يلاگيني. عشائره ياخذون بيتي وعائلتي وكل شي. يعني — مصيري هنا. وِيّاك.
ثم أضاف:
— بس لازم نحچي وِيّه الشيخ ضياء. ما نگدر نقاتل وِيّه القرية إذا الشيخ ما يريد. نحن غرباء. والسلاح بإيدنا بلا إذنه — هذا عيب بالعشيرة.
ذهبنا — أنا وأبو دعيّر — إلى المضيف. جلس الشيخ ضياء مع كبار العشيرة. وحكينا. لم نقل كل شي — لم نقل المهمّة ولا المقدم ناظم ولا مَن نحن حقاً — بل قلنا ما يكفي: نحن هاربون من النظام. ناظم قادم لقتلنا. وإذا جاي — راح يقتل القرية هم. ونحن — عدنا سلاح وخبرة. نريد نقاتل وِيّاكم.
الشيخ ضياء سمع بصمت. ونظر إلى كبار العشيرة. ثم قال:
— يا أبو كرّار — من يوم ولّدت مرت رشد وجبت ولدي الحفيد سالم — أنته بعشيرتنا. دمك دمنا. وأبو دعيّر — تاجرنا من زمان ودينا علينا كبير. ما راح أسأل عن قصصكم — كل واحد وإلهه. بس إذا جاي ناظم — أنتو وِيّانا. وسلاحكم معنا. وجرحكم جرحنا.
وبهذه الكلمات — صرنا جزءاً من الدفاع. وقرّر الشيخ ضياء: ممرّ الدخول الغربي تحت مسؤولية رجال البو بزون. والجنوبي رجال بو العيطة. والشمالي — رجال أبي ياسر. وأنا أبو دعيّر — نتوزّع على الممرّات حسب الحاجة. وعيادتي تتحوّل إلى نقطة إسعاف ميداني.
خبر قراري — لا أعرف كيف — انتشر.
في القرى الصغيرة لا أسرار. ربما سمعني أحد. ربما حسين اليتيم فهم شيئاً ونقله. ربما الجدران القصبية لها آذان. المهم — الخبر وصل: أبو كرّار الطبيب ناوي يقاتل مع القرية.
والخبر — وصل لزينة.
نمت — نوماً ثقيلاً عميقاً. جسدي خذلني — خمسة أيام من التوتّر والسهر والقرارات الصعبة أخيراً أطبقت عليه. غططت في نوم لم أعرفه من سنوات — نوم رجل استسلم جسده قبل أن يستسلم هو. والوردة الحمراء على الطاولة والقلادة فوق صدري والسكين تحت المخدّة.
لم أسمع دخولاً ولا حركة ولا نفَس. لم أحسّ بيدٍ تلمسني ولا بحبل يُشدّ. كنت في قاع النوم — ذلك القاع الذي لا يصله حتى الحلم.
ما أيقظني لم يكن يدي ولا صوت في غرفتي.
أيقظني صوت انفجار.
قذيفة هاون سقطت قريبة — هزّت جدران العيادة القصبية ونثرت غباراً على وجهي. فتحت عيني. الظلام يخفّ — الفجر الرمادي يتسرّب من شقوق السقف.
حاولت أن أنهض.
لم أستطع.
ذراعاي — شيء يشدّهما. سحبت. لم تتحرّكا. سحبت أقوى. حبل. حبل حول معصمي الأيمن يشدّه إلى حافة السرير الطيني. والأيسر أيضاً. والكاحلان — حبل آخر.
مربوط.
مربوط بالكامل — على سرير من طين في عيادة من قصب — ولم أحسّ بشيء حين رُبطت. نمت كالميّت. ومن ربطني عمل في صمت مطلق وخفّة لا تصدّق.
لحظة — لحظة واحدة — قفزت الفكرة: سيد هاشم.
سيد هاشم خانني. الليلة — الليلة التي قال فيها إنه سيأخذ الزئبق ويهرب — جاء ليربطني. أنا الوحيد الذي يعرف خطّته. الوحيد الذي يستطيع أن يُفسدها. فجاء يضمن صمتي — أو موتي — قبل أن يختفي.
— سيد هاشم! يا خاين!
صرخت. والقرية تصرخ حولي. انفجار آخر. ثم ثالث. ثم رصاص من كل اتجاه.
— الحگك لو تضل سنين ما عوفك!
لكنّ صوتي ابتلعه دويّ المعركة. ولم يرُدّ عليّ أحد. ربّما سيد هاشم هرب فعلاً. ربّما يستمتع بنجاحه الآن وهو يشقّ الماء نحو إيران. وربّما — هذا الذي لا أريد أن أصدّقه — ربّما لم يكن هو.
سحبت الحبال بكل قوّتي. عُقد صيّاد تعرف الحبال كما تعرف الماء. لم تنفكّ. وأنا — أنا الذي فككت كل قيد في حياتي — بقيت مربوطاً.
— ساعدوني! ساعدوني! حلّوني!
صرخت. والرصاص يدقّ في الجدران. والقذائف تهزّ الأرض. وأنا — مربوط على سريري الطيني كضحية في مذبح — أسمع قريتي تحترق ولا أستطيع أن أفعل شيئاً.
لأنه لا يثق بأحد. هذا رجل بنى حياته على عدم الثقة — لا يثق بالثلاثة الذين أرسلهم ولا بتقاريرهم ولا بوعودهم. يعرف أن من يُرسَل لمهمّة في عمق الهور قد يتغيّر — قد ينقلب — قد يصير جزءاً ممّا أُرسل ليدمّره. والمهلة التي أعطاها — الأسبوع — لم تكن وعداً بل فخّاً: يعطيهم أسبوعاً ويهاجم قبل يومين ليكسب عنصر المفاجأة. يضرب وهم ينتظرون. يضرب والقرية مسترخية تظنّ أن يومين لا يزالان.
وفوق ذلك — وصلته أخبار أن علي حسن المجيد وعدي صدام حسين انتهيا من البصرة وباقي المحافظات الجنوبية. السيطرة تمّت. والآن يتّجهون نحو ميسان. والمقدم ناظم يريد أن يُنهي المهمة بنفسه قبل أن يصلوا — يريد أن يقدّم لهم ميسان جاهزة. من ينجز يُكافأ. ومن يتأخّر — يعرف مصيره.
سمعت الماطورات قبل أن أرى شيئاً. وأنا مربوط.
صوت ماطورات كثيرة — ليس ثلاثة ولا خمسة بل عشرة أو أكثر — تقترب من كل اتجاه. والقذائف — سمعتها تسقط قبل أن أعدّها. انفجار يتبع انفجار. والأرض — سرير الطين تحتي — يهتزّ.
— ساعدوني! حلّوني!
صرخت. والقرية كلها تصرخ حولي. صراخ نساء وأطفال ورجال يركضون. ورصاص — رصاص من كل اتجاه — يدقّ في القصب والطين والماء.
لا أحد جاء.
الكل مشغول. الكل يقاتل. الكل يحمي أطفاله. ومن يسمع صرخة رجل مربوط في عيادته وسط معركة؟
بقيت مربوطاً. أسمع. أرى من شقوق السقف خيوط الفجر تتحوّل إلى نهار. وبين الحين والآخر — رذاذ من غبار القصب يسقط على وجهي حين تهزّ الانفجارات الجدران. وحسين اليتيم — لا أعرف أين. نساء تركض خارج العيادة بأطفالها. صرخات. وأوامر بالعربية العسكرية من بعيد. وأوامر ردّ بالعربية العشائرية من قريب.
وأنا — أسمع.
الفجر لم يكتمل — والقرية تحترق.
هذه المرة — ليست قوّة استطلاع. هذا جيش. عرفت ذلك من الأصوات — ليست رشقات متفرّقة بل نيران مستمرّة من عدّة اتجاهات. عشر زوارق على الأقلّ — بعضها بمدافع رشّاشة على حوامل. الممرّ الغربي والجنوبي والشمالي. حصار. والقصف من بعيد لا يتوقّف — هاونات تسقط بين البيوت كمطر من حديد.
المقدم ناظم — هذه المرة — جاء بكل ما عنده.
ورجال أبو ياسر قاتلوا. قاتلوا بكل ما عندهم — سمعت الآر بي جي يطلق من الممرّ الغربي ثم انفجاراً ضخماً وعموداً من الدخان ارتفع فوق سقف العيادة من الشق — زورقان انفجرا في الممرّ الغربي. والرشّاشات الثقيلة من القصب أمطرت الزوارق القادمة من الجنوب. لكنّ الشمال — من الأصوات عرفت — كان مفتوحاً. وجنود ناظم تدفّقوا منه.
والقرية — بين نارين.
وأنا — مربوط. لا أركض ولا أقاتل ولا أعالج. أسمع فقط.
جرحى. سمعت أصواتهم. سمعت امرأة تصرخ بمن ترى ضمّد ابنها. سمعت صوت طفل يبكي خارج العيادة ويتوقّف فجأة — ولم أعرف إن كان نام أم مات. سمعت رجلاً يلهث عند باب العيادة — ربّما هو نفسه كان يحتاجني — ثم رحل لأنه لم يجدني.
كل صرخة كانت تمزّق شيئاً في داخلي. أنا الطبيب — أنا الذي بنوا لي عيادة من قصب وطين وأعطوني الصدرية البيضاء — أنا الذي قلت قبل ساعات إنني سأقاتل معهم وأعالج جرحاهم — أنا الآن مربوط بينما هم يموتون.
أبو دعيّر — كان قد عاد من العلوة في الليلة السابقة ببضاعة جديدة. لم يكن يعرف أن الهجوم سيأتي اليوم.
حين بدأ القصف — كان عند مشحوفه. فعل ما يعرفه: فتح الأرضية المزدوجة وأخرج صناديق الذخيرة والقنابل ووزّعها على شباب العشيرة الذين يركضون نحوه.
ثم — سمع صوت الزورق العسكري يقترب من ممرّ المشاحيف مباشرة نحوه. زورق كبير بعشرة جنود ومدفع رشّاش.
نظر حوله. لم يبقَ أحد. الشباب أخذوا الذخيرة وذهبوا.
نظر إلى صندوق القنابل المفتوح — بقيت أربع قنابل. نظر إلى الزورق يقترب.
جرّ الصندوق إلى حافة الممرّ — حيث كان المشحوف مربوطاً — واحتمى خلفه. الزورق يقترب والمدفع الرشّاش يطلق نحوه. الرصاص يدقّ في الصندوق الخشبي والأكياس حوله — لكنّ الصندوق سميك والذخيرة داخله لم تنفجر بعد. أبو دعيّر منكمش خلفه يعدّ الثواني.
حين صار الزورق على بعد أمتار قليلة — وجنوده يصرخون ويُطلقون — فعل ما يفعله رجل يعرف السلاح كما يعرف البضاعة. فتح الصندوق. أخذ قنبلة واحدة من الأربع. سحب الصاعق — تلك الحلقة المعدنية الصغيرة — ورماها جانباً. ثم وضع القنبلة المسحوبة داخل الصندوق بين القنابل الثلاث الأخرى. أغلق الصندوق.
وبدأ العدّ. خمس ثوان. أربع.
الصناديق العسكرية — مثلها مثل كل صندوق ذخيرة — لها حلقة معدنية على الغطاء تُستخدم للحمل. وضع أبو دعيّر يده في الحلقة المعدنية وأحكم قبضته. وبحركة واحدة — رفعه وقذفه نحو الزورق.
ثلاث.
وخلال هذه الثواني — الثواني التي طار فيها الصندوق في الهواء — تلقّى أبو دعيّر الرصاص. رصاصة في كتفه. الدم ينفجر من ظهره. رصاصة ثانية في بطنه. ثالثة في صدره.
اثنتان.
الصندوق سقط داخل الزورق. والجنود رأوه — ظنّوه ذخيرة وقعت من السماء. ظنّوه غنيمة. ولم يعرفوا.
واحد.
وأبو دعيّر — الذي ظلّ واقفاً لحظة أخيرة رغم الرصاصات الثلاث — سقط على ركبتيه في الماء.
الانفجار — حين وقع — شعرت به من سريري الطيني. أربع قنابل في آن واحد. عمود ماء ونار وخشب وحديد ارتفع في الهواء — رأيته من شقّ في السقف القصبي — والأرض كلها اهتزّت. والزورق بعشرة جنود — تحوّل إلى شظايا.
وموجة الانفجار وصلت إلى أبي دعيّر الراكع في الماء. ارتمى إلى الخلف. والماء حوله يتحوّل أحمر.
هذا ما رووه لي بعدها. أنا لم أرَ — أنا كنت مربوطاً على سريري الطيني أسمع الانفجار ولا أعرف أن الذي انفجر هو أبو دعيّر. أبو دعيّر الذي صوته يسمعونه من آخر السوگ والذي يرفع كيس طحين بيد واحدة والذي أكلنا معه دجاجة ماء تحت المطر وشربنا الچاي من كيتليه — أبو دعيّر لم يعد موجوداً.
وأنا لم أودّعه. لم أرَه وهو يسقط. لم أمسك يده. كنت مربوطاً وحدي بعيادة من قصب أسمع ولا أعرف.
بعد الانفجار — والأصوات تقول لي إن الممرّ الغربي انسدّ بالحطام — فكّرت.
سيد هاشم. أين هو؟
لم أسمع صوته. لم أسمع أوامره. وفي كل معركة يكون فيها سيد هاشم — يُسمع. هذا رجل لا يختفي.
فهمت. في لحظة واحدة فهمت: سيد هاشم — بينما القرية تحترق وأبو دعيّر ينفجر والرصاص يشقّ الهواء — سيد هاشم نفّذ خطّته. استغلّ الفوضى. الفوضى المثالية — حين كل العيون على المعركة ولا أحد يراقب الممرّ الشرقي — ذهب نحو مخزن الزئبق. وأخذ ما جاء ليأخذه. واتّجه نحو إيران.
هذا هو سيد هاشم. حتى في اللحظة التي يموت فيها صديقه وتحترق القرية التي صلّى فيها — حساباته لا تتوقّف. الربح والخسارة. بلا مشاعر.
وربّما — ربّما — هو من ربطني. هو من جاء قبل الفجر وضمن أنني لن أقف في طريقه.
أو — هكذا ظننت.
ثم — سمعت الأذان.
من الحسينية. وسط المعركة. وسط الرصاص والقذائف.
"الله أكبر... الله أكبر..."
ثم — بعد الأذان المعروف — سمعته يصيح:
"حيّ على الجهاد... حيّ على الجهاد..."
صوت سيد هاشم.
لم يذهب. لم يهرب. لم يأخذ الزئبق. أو ربما ذهب ثم عاد. أو ربما وقف عند الممرّ الشرقي ونظر نحو إيران — نحو الحرية والثروة — ثم التفت ونظر نحو القرية — نحو الحسينية واليتيم حسين وأم ياسر والناس الذين صلّوا خلفه — وقرّر.
لا أعرف. لن أعرف أبداً ما حدث في تلك الدقائق. لكنّ صوته — صوت الأذان — يشقّ ضجيج الحرب. يقول للعالم كله: أنا هنا. ما ذهبت.
والرجال — رجال العشيرة — حين سمعوا الأذان، شيء تغيّر فيهم. نبرة جديدة في صراخهم. عناد. يقين. كأن الأذان أعطاهم ما لا يعطيه السلاح.
وجنود ناظم — بدأوا يتراجعون. الممرّ الغربي مسدود بحطام زورق أبي دعيّر. والشمال فيه مقاومة لم يتوقّعوها. والهاون ينفد.
لا أعرف كم ساعة مرّت. الرصاص خفّ ثم توقّف. والصراخ صار بكاءً. والحرب تركت مكانها للحداد.
وأنا — لا أزال مربوطاً.
ساعة أو اثنتان. ربما أكثر. أنظر إلى السقف القصبي ومن الشقوق يتسلّل ضوء نهار كامل — النهار الذي بدأ بالفجر وامتدّ. وجسدي يؤلمني من بقائه على ظهره ثابتاً — وذراعاي خدرتان — والعطش يملأ حلقي.
ثم — سمعت خطوات. ليست خطوات شخص واحد بل عدّة. رجال. يقتربون من باب العيادة بحذر.
— أبو كرّار؟ أبو كرّار موجود؟
صوت رجل من بو بزون. لم أميّزه بالضبط لكنه معروف.
— هنا! داخل! ادخلوا!
فُتح الباب. دخل ثلاثة رجال — وجوههم مغبّرة وملابسهم ملطّخة بدم ليس دمهم. رأوني على السرير الطيني مربوطاً. توقّفوا.
صمت. والرجل الأول — أكبرهم سنّاً — نظر إلى الحبال. ثم إلى وجهي. ثم إلى الحبال مرّة أخرى. وفي عينيه شيء ما — ليس استغراباً فقط بل أكثر. شكّ. شكّ الذي يرى ما لم يتوقّعه.
— منو ربطك؟
السؤال طُرح ببرود لم أتوقّعه. ليس سؤال رجل يساعد صديقه — بل سؤال رجل يحقّق.
ولحظة — لحظة كاملة — فكّرت. فكّرت ماذا أقول.
إذا قلت "زينة" — فضحتها. وأمرها سينتشر ولن يُنسى. وهذي بنت خرساء ما عندها من يحميها إلا عمّها العجوز.
إذا قلت "سيد هاشم" — نشرت شكّاً لا أستطيع إثباته. وإذا طلع أنه حيّ وعاد — صار بيننا شيء لا يُغتفر. وإذا مات — ظلمت ذكراه.
إذا قلت "لا أدري" — زرعت شكّاً في نفوسهم بوجود خائن بين صفوفهم. وهذا — في عشيرة كالبو بزون بعد معركة كهذه — يفتح أبواب جحيم.
فكّرت. ثم اخترت.
— ما شفت منو. كنت نايم. صحيت على صوت الانفجارات وأنه مربوط.
الرجل نظر إليّ طويلاً. ثم نظر إلى رفاقه. وفي نظراتهم ما لم أرُد أن أراه: شكّ. شكّ بوجود خائن. شكّ بوجود من وصّل معلومات لناظم. شكّ قد يتوجّه نحوي في أي لحظة.
لأنّ الرجل الذي يُربط في فراشه وسط هجوم — يمكن أن يكون ضحية — أو يمكن أن يكون من دبّروا ربطه كذريعة لعدم القتال.
— زين. خلّ نحلّك.
أخرج الأكبر سكيناً من حزامه. قطع الحبال. يدي حين تحرّرت أحسست بها ثقيلة كأنها ليست لي. والكاحلان كذلك.
جلست. فركت معصميّ. نظرت إلى الرجال:
— الجرحى... وينهم؟
— بالمضيف. وبساحة الحسينية. كثيرون.
— وحقيبتي الطبية؟
— موجودة حيث تركتها.
نهضت. أخذت الحقيبة — التي لمست فوق القلب أن كل ما فيها لا يكفي لربع الجرحى — وخرجت ركضاً.
وأضمرت الشكّ في نفسي. شكّي بسيد هاشم. شكّي بأنه هو من ربطني. شكّي بأنه خاننا جميعاً. لم أقل لأحد — لا للرجال الثلاثة ولا لحسين اليتيم حين وجدته حيّاً يبكي عند باب الحسينية ولا لأم ياسر حين رأتني وقفزت نحوي تقبّل يدي ولم اجد سيد هاشم ما زاد شكي. أضمرت كل شيء. وهرعت للجرحى.
لأنّ يديّ — في تلك اللحظة — فهمت أنها خُلقت للعلاج لا للقتل ولا للكلام. والكلام ينتظر. الجرحى لا ينتظرون.
أول جريح — محسن من بو العيطة. رصاصة بفخذه. ربطت ساقه. ثاني — امرأة عجوز. شظية بكتفها. ضمّدتها. ثالث — طفل مصاب بالصدمة تحت مشحوف مقلوب. حملته.
والصدرية البيضاء — التي كانت نظيفة حين نمت — صارت حمراء كلها بدم ليس دمي.
يتبع — الفصل الثالث عشر: غضب الله الشديد
القصف توقّف. الجنود انسحبوا. ولم يبقَ إلا الحداد.
أنا — أركض بين الجرحى بصدريتي التي صارت حمراء كلها. سبعة شهداء منهم أبو دعيّر. اثنا عشر جريحاً. وثلاثة بيوت مدمّرة. والنساء يبكين بصمت — بكاء الأهوار الذي لا صوت له — والجدّة تعاونني في التضميد والجروح المستعصية.
والقرية كلها تحاول تلملم أمرها. رجال يحملون الشهداء لغسلهم وتكفينهم. نساء يجمعن ما تبقّى من الطعام ويوزّعنه على العائلات التي فقدت بيوتها. والأطفال — الأطفال الذين نجوا — يقفون ينظرون بعيون كبرت فجأة وكأنها رأت ما لا يُنسى.
وأنا وسط كل هذا — أضمّد وأخيط وأعطي ما بقي من الأدوية. والسؤال في رأسي لا يتوقّف: أين سيد هاشم؟ لم يظهر منذ الأذان. لم يأتِ لرؤية الشهداء. لم يأتِ ليساعدني مع الجرحى. اختفى.
لم أعرف إلا لاحقاً ماذا كان يفعل سيد هاشم في تلك الساعات.
لم يذهب لإيران. لم يأخذ الزئبق. ولم يختفِ. كان هنا — في القرية — يتحرّك بصمت لا يراه أحد.
كان يعدّ.
يعدّ القتلى من الجانبين. من جنود ناظم — في الممرّ الغربي حيث انفجر زورق أبي دعيّر ومنه في المياه قرب الممرّ الشمالي حيث تمّ الصدّ. ومن جانب القرية. يمشي بين الجثث ويحسب. مرّة. ثم مرّة أخرى. ويقارن الأرقام.
ويفكّر — يفكّر بذلك الذهن البارد الذي لا يتأثّر بشيء: كيف وصل جنود ناظم إلى هذا العمق؟ القرية محاطة بممرّات لا يعرفها إلا أهلها. والممرّات المفتوحة للسلاح الثقيل يحرسها رجال أبي ياسر. ثلاثون رجلاً مدرّبون. ومواقع محصّنة. فكيف تدفّق هذا العدد من الجنود دون أن يُصَدّوا إلا جزئياً؟
الممرّ الغربي — الآر بي جي ضرب زورقين. يعني هناك مقاومة. الممرّ الجنوبي — أُمطِر بالرشّاشات الثقيلة. مقاومة. لكن الممرّ الشمالي — من أصوات المعركة التي سمعها — كان الأضعف. الأكثر ثغراً. وجنود ناظم تدفّقوا منه إلى قلب القرية تقريباً.
الممرّ الشمالي — مَن يحرسه؟ رجال أبي ياسر. الحلقة الخاصة. المدرّبون.
فكّر سيد هاشم. وحسب. ورسم في ذهنه خارطة الخلل.
بعد الغروب — وبعد أن دُفن الشهداء وضُمّد الجرحى وأُطعم الأطفال بما تبقّى — دُعيَ إلى اجتماع في المضيف.
الشيخ ضياء استدعى كل من له رأي: كبار العشيرة من البو بزون وبو العيطة. ابنه رشد. عدداً من الشباب المقاتلين. وأبا ياسر ومعه ثلاثة من رجاله. وأنا — دُعيت أيضاً. كطبيب القرية ولأنّ موضوع ربطي قبل الفجر صار سؤالاً في رؤوس الناس.
جلسنا في المضيف. الچولة تشتعل والقوري فوقها. لكنّ الچاي — لم يُصبّ. لا أحد يحسّ بطعم الچاي في ليلة كهذه.
الشيخ ضياء فتح الاجتماع. وجهه — الذي أعرفه صارماً دائماً — بدا متعباً للمرة الأولى. صوته منخفض لكنه حادّ:
— يا رجال. اليوم خسرنا سبعة شهداء. سبعة. واثنا عشر جريح. وثلاث بيوت هُدمت. وبضاعة دخلت خسارة. ولنا جرحى يمكن ما يبقون. وقبل ما نفكّر بباچر — لازم نفكّر بهسّه. أكو أمور لازم نحچي بيها. كلها حسّاسة.
ثم بدأ يعدّ. واحداً واحداً. كأنه يضع ورقة أمامنا نكتب عليها:
أوّلاً: ناظم كيف عرف بالضبط متى يضرب؟ شنو المعلومات اللي وصلته وعلى أساسها حدّد التوقيت؟ أكو واحد يوصّل؟
ثانياً: كيف وصلت قوّاته لقلب القرية؟ رجالنا بالممرّات الثلاثة — غربي وجنوبي وشمالي — وبالمفروض ما يعبر أحد. لكن الشمالي — فتح. كيف؟
ثالثاً: الزئبق. الزئبق الأحمر كله. خزنته التي يعرفها أبو ياسر — راحت. كل الكمية. كل اللي جمعناها هالشهور — مفقودة.
الكلمات الأخيرة وقعت كقذيفة في المضيف. عيون كل الحاضرين توجّهت إلى أبي ياسر. وأبو ياسر — للمرة الأولى منذ عرفته — وجهه تغيّر. ليس غضباً — بل شيء أعمق. كأنّ أرضه تُسحب من تحت قدميه.
رابعاً: المخبر. هل بيننا من وصّل معلومات لناظم؟ لا بدّ من ذلك. وإلا كيف عرف بالضبط أي ممرّ ضعيف؟
خامساً: موضوع أبي كرّار. وُجد مربوطاً على سريره الطيني أثناء المعركة. من ربطه ولماذا؟ هل هو ضحية — أم متواطئ؟
نظرت إلى الأرض. كلّ العيون عليّ لحظة. لم أردّ. لم أتحرّك.
سادساً: أسلحة جنود ناظم اللي سقطت في الماي والجثث. كم سلاح لگيناه؟ كم ذخيرة؟ وهل الأسلحة صالحة للاستعمال لو تحتاج صيانة؟
سابعاً: ممرّات الدخول الثلاثة. كلها فيها ثغرات — الشمالي انكشف اليوم. بس الغربي والجنوبي — مضمونين لأي هجوم ثاني؟ ولا فيهم فجوات مثل اللي بالشمالي؟
ثامناً: الذخيرة اللي بقت عندنا. كم رصاصة بقية لكل بندقية؟ كم آر بي جي؟ كم هاون؟ وإذا ناظم هاجم مرة ثانية — نصمد كم ساعة؟
تاسعاً: الكيمياوي وعدي قادمون. المحافظات الجنوبية اللي انتفضت سقطت وِيّاهم. ومتى يوصلون لينا — شنو نتوقّع؟ قصف جوّي رغم الاتفاقية؟ دبّابات لو سفن نهرية؟ وأهمّ شي — كيف نصدّهم؟
عاشراً: خطوط التراجع. إذا انكسرنا — وين نروح؟ عدنا مسالك خفيّة للأهوار العميقة تستوعب النساء والجهّال؟ ولا — كلنا نموت هنا؟
سكت الشيخ ضياء. ثم نظر إلى أبي ياسر:
— عَندَك الجواب على أكثر من نصف هالأسئلة. نبدي منّك.
أبو ياسر تكلّم. هادئاً كعادته — لكنّ هدوءه هذه المرة ليس هدوء السيطرة بل هدوء الدفاع:
— شيخ ضياء — الزئبق اللي مفقود — ما أعرف عنه شي. خزنته محروس. والحرّاس الثلاثة اللي عليه — ما شفتهم من الصبح. يمكن استشهدوا. يمكن هربوا. ما أدري.
رجل من البو بزون — شابّ بوجه قاسٍ — قاطعه:
— "ما أدري" ما تصلح جواب يا أبو ياسر. الزئبق هاي مسؤوليتك. والممرّ الشمالي اللي دخل منه الجنود — رجالك. كيف ما أدري؟
— رجالي بذلوا كل ما عندهم. استشهد منهم ثلاثة.
— ثلاثة بس؟ من ثلاثين؟ يعني السبعة وعشرين هسّه وين؟
الصوت ارتفع. وأبو ياسر — الذي لا ترمش عيناه — ترمشان الآن. من الغضب. تماسك:
— بعضهم جرحى. بعضهم بمواقعهم بعدهم. ما كلهم يظهرون مرّة وحدة.
الشيخ ضياء بهدوء:
— والمخبر؟ شنو رأيك؟
— ما عندي أدلّة على أحد.
— وأبو كرّار — مربوط بسريره. شنو رأيك هم؟
كل العيون عليّ. وعلى أبي ياسر.
أبو ياسر نظر إليّ نظرة باردة. لم يتكلّم. لكنّ نظرته كانت اتّهاماً بلا كلام.
فتحت فمي لأدافع عن نفسي — لكنّ شيئاً في المضيف تغيّر. صوت عند الباب. خطوات.
دخل سيد هاشم.
بهدوء. بعمامته السوداء وعباءته ومسبحته. وخلفه — حسين اليتيم يحمل إستكان چاي.
المضيف كله صمت. كل العيون انقلبت من أبي ياسر إلى سيد هاشم. وعند دخوله — رأيت شيئاً لم أتوقّعه: كبار العشيرة — شبابها — حتى الرجل الذي قاطع أبا ياسر قبل لحظات — وقفوا. وقفوا ترحيباً.
لأن سيد هاشم — في أذنهم — ليس الغريب الذي وصل قبل أسبوعين. سيد هاشم هو الرجل الذي أذّن وسط المعركة ورفع "حيّ على الجهاد" حين كانت قلوبهم تنكسر. الصوت الذي أعطاهم ما لم يعطهم السلاح.
جلس في المكان الذي أُخلي له بجانب الشيخ ضياء. وأخذ إستكان الچاي من حسين. وشرب رشفة. ثم تكلّم:
— الشيخ. سامحني إذا أجيت متأخّر. كنت أجمع معلومات. وأحسب. وأفكّر.
الشيخ ضياء أومأ. تفضل.
وسيد هاشم — بصوته الهادئ الذي لا يعرف أنه هادئ — بدأ يتكلّم. ولم يكن يعرف أن الأسئلة العشرة التي بحثها الشيخ قبل قليل لا تزال معلّقة. لم يحضر النقاش. لكنه — بمحض تحليله الخاص — بدأ يجيب عليها واحداً واحداً.
— أوّلاً — عن موعد الهجوم ناظم. ناظم هاجم عندما ضن انه منتصر ولأنه متاكد المعلومات العنده اكيده. ومهاجمة ثلاث محاور وتوغل بزورق — كانت فخّ. ليلتف للمدافعين من الخلف لولا ابو دعير فهم الخطورة وضحى بنفسه وملگا الوقت يشرح ليش اختار هيچ — وصله خبر إن الكيمياوي وعدي انتهوا من المحافظات الجنوبية. استعجل ليسبقهم.راد يطلع بالوجه الابيض
عيون الشيخ ضياء اتّسعت. قالها سيد هاشم بثقة رجل يعرف. كأنه كان داخل رأس ناظم.
— ثانياً — عن الممرّ الشمالي. أنه — طوال فترة وجودي هنا — درست الممرّات. الممرّ الشمالي عنده نقطة ضعف. في المكان اللي بعد الانحناءة الثانية — أكو فجوة بين القصب مايها قليل . الفجوة صغيرة — ما تنفع لمشحوف. بس — الجنود اللي يعرفون الهور يگدرون يمشون على الطين اليابس عبروها. ويدخلون من الخلف.
سكت. ثم أكمل:
— وهذا اللي صار اليوم. الجنود ما دخلوا من الممرّ — دخلوا من الفجوة. وهالفجوة — المفروض أبو ياسر يعرفها. ويحرسها.
صمت في المضيف. رأيت أبا ياسر. وجهه صار صعباً جداً.
— ثالثاً — الزئبق. الزئبق الأحمر كله مفقود. وأنه أعرف وين الخزنة وأعرف الحرّاس. والزئبق — ما سُرق من جنود ناظم. ناظم ما وصله. الزئبق سُرق من الداخل — وبمعرفة من يعرف مكانه بالضبط.النقطة التاسعة — بلا أن يعرف أن بقية النقاط طُرحت — أجاب عن كل شيء. الذخيرة، الكيمياوي القادم، العائلات اللاجئة، حتى الأدوية (قال إنه يعرف تاجراً من الكحلاء يمكن يأتي ببضاعة طبّية عبر أبي حسّون). أجاب بدقّة مذهلة وكأنه كان جالساً معنا طوال الساعة الأخيرة.
كل المشاكل التسعة — ما عدا واحدة.
لأنه — لم يعرف — لم يُخبره أحد — أنني كنت مربوطاً.
وحين انتهى من الإجابات — وفي الصمت الذي يلي — بدأ النعي.
— يا رجال. نعزّي أنفسنا وإياكم بشهدائنا اليوم. سبعة شهداء — منهم رجل أخصّه. أبو دعيّر.
والصوت — صوت سيد هاشم — للمرة الأولى منذ عرفته — ارتجف.
— أبو دعيّر كان دلّال. تاجر. رجل من أهل السوق. ما كان جندي ولا مقاتل. بس اليوم — فعل ما لم يفعله أمهر جندي.فهم ان الزورق الذي دخل كان ليمر القرية والجيش ولانه وحيد ماگدر يحچيله لاحد واختار ينطي روحه وحمل صندوق القنابل بوحده يندار ويرمي بزورق الاعادي وببصدره الارصاص — وتلقّى ثلاث رصاصات بجسده خلال ما الصندوق بالهواء. قتل عشرة من جنودهم. وسدّ الممرّ الغربي بحطام الزورق. هذا — بوحده — ربما هو السبب إنّا هسّه هنا نتكلّم ولسنا جثثاً.
رفع المسبحة. قرأ الفاتحة. قرأ معه المضيف كله.
ثم — عزّى الجميع. أبو دعيّر بالاسم. والشهداء السبعة بأسمائهم واحداً واحداً — أسماء حفظها خلال نهاره الذي غاب فيه عنّا. وأطال في كل اسم. وقال عن كل شهيد كلمة تناسبه — ابن فلان من بو بزون، فلّاح جواد يطعم الجميع من سمچه. وآخر — شابّ من بو العيطة، أبوه استشهد بالانتفاضة، أمّه تعتمد عليه. وآخر — عم أبي محسن، أخو أبي زينة.
وحين وصل إلى الاسم الأخير — كنت أبكي. لا أستطيع الإخفاء. وحولي — الرجال الأشدّاء يبكون أيضاً.
ثم — بعد أن فرغ من النعي — شيء تغيّر في صوت سيد هاشم.
الهدوء بقي. لكنّ البرودة عادت.
— يا شيخ ضياء. عدنا سبع شهداء اليوم. وعدنا إثنعش جريح. وعدنا ثلاث بيوت. وعدنا زئبق مفقود كله. وعدنا ممرّ شمالي دخل منه الجنود بلا صدّ كافي.
سكت. ثم نظر إلى أبي ياسر:
— وهاي كلها — مسؤولية واحد.
أبو ياسر تجمّد. كل المضيف تجمّد.
سيد هاشم تكلّم. لم يصرخ. لم يرفع صوته. لم يتّهم بحماس. قال ما قاله بهدوء رجل يُثبت أن الشمس طلعت من الشرق:
— أبو ياسر. أنته — قائد الجناح العسكري لهالقرية. مسؤوليتك حماية القرية. والممرّ الشمالي مسؤوليتك. والفجوة اللي دخل منها الجنود — يعرفها أي قائد عسكري منتبه. أنته ما عرفتها — أو عرفتها وما حرستها. وبهذي الحالتين — أنته غير مؤهّل لمنصبك.
صمت. ثم أكمل:
— والزئبق — المفروض تحت حراستك. راح كلّه. يا جنود ناظم أخذوه — وهذا مستحيل لأنّهم ما وصلوا إلى الخزنة — يا واحد من الداخل سرقه. وإذا من الداخل — فالمسؤول أنته. لأنه كل اللي يعرفون مكانه — أنته توظّفهم.
أبو ياسر — بصوت خفيض قاتل — ردّ:
— يا سيّد — أنته جيت هنا من أسبوعين. وتحچي عن مسؤوليّتي؟ أنه حميت هالقرية سنين.
— وبهاليومين — خسرتها.قاطعه سيد هاشم
— ما خسرناها.
— لسّه ما خسرناها. بس خسرنا سبع شهداء وزئبق غالي . وعدنا هجوم قادم — والكيمياوي وعدي في الطريق. وأنه أسألك بالله: بقيادتك هاي — كم راح نصمد؟ يوم؟ يومين؟ أسبوع؟ وبعدين؟
المضيف صار مع شسد هاشم. الرجال — الذين كانوا مع أبي ياسر دائماً — نظر بعضهم إلى بعض. وبعضهم — وجوههم تقول إنّ ما يقوله سيد هاشم ليس بعيداً عن أفكارهم منذ أشهر.
أبو ياسر رأى ذلك. رأى رجاله يشكّون. رأى الشيخ ضياء يسمع ولا يدافع. رأى كل ما بناه — كل سلطته في هذه القرية — يهتزّ أمامه.سحب مسدسه وصوبه نحو سيد هاشم
ثم — تكلّم. وصوته تغيّر. ليس غضباً ظاهراً — بل حقداً مضبوطاً بذكاء. كرجل قرّر أن يقلب الطاولة.
— يا شيخ ضياء. قبل ما تحكم عليّ — عدي أنه سؤال. بس جوابه يقلب كل هالمسرحية اللي يمثّلها السيد عليكم.
سكت. لم يُخفض مسدّسه لكنه توقّف عن التصويب. ثم نظر إلى الحاضرين:
— تدرون منو ربط المضمّد؟ وهو يسخر مني
الصمت في المضيف صار ثقيلاً كالرصاص.
— تدرون ليش مربوط؟ لأنه — هو والسيد — متّفقين. مسرحية. السيد قال للمضمد: اربط نفسك بالسرير ونجيبلك شاهد يشهد انته چنت مربوط. وهذا الغبي — وهو يشير الي - تصوّر هالرجل اللي يطلع گدامنا بالصدرية البيضة — خلّى نفسه ينربط مثل الجاهل بحبل، علمود لمّا نشوفه يطلع منه ضحية. مسرحية. دراما. سؤدون يخدعونا أكو خائن — خائن ثاني، مو هم. بس هم الخونه .
تكلم وهو غير مستوعب ماتفوه به لانه غير متاكد وتكلم بلا دليل وكان عقله شارد
نظر إلى سيد هاشم والحقد في عينيه:
لحظة واحدة — رأيت وجه سيد هاشم. ذلك الوجه الذي لا يتحرّك — تحرّك. عيناه اتّسعتا. مفاجأة.عندما سمع انني كنت مربوطا لكن سيد هاشم — رجل الحسابات — طبّق قاعدة عرفها طوال حياته: إذا رأيت عدوّك يخطئ، فلا تقاطعه. فلم يقل شيئاً. ترك أبا ياسر يكمل.
وأبو ياسر — الذي ظنّ أن صمت الاثنين اعتراف — أكمل بصوت يرتفع:
— تدورون منو وصّل المعلومات لناظم؟ تدورون منو عرف ممرّات قريتنا بهالدقّة؟ تدورون منو خلّى الجنود يلگون الفجوة بالشمالي؟ تدورون منو الخائن؟ هذوله — گدامكم. الدخلاء. الثلاثة اللي اجو من الخارج. السيد والمضمّد والدلّال اللي انفجر اليوم -اثار استياء الحضور-. هم المتواطئون مع الأمن. هم اللي جابوا ناظم لبابنا. هم السبب بكل اللي صار.
صوته ارتفع أكثر:
— واليوم — ثنينهم يقفون هنا. واحد دلّال مات — خلّي الله يحاسبه. بس هذا السيّد — والمضمّد اللي وِيّاه — ذوله حصتي أخطر من ناظم نفسه. لبسوا ثياب الدين والطب وخدعوكم — صلّى السيد بيكم وقرى على موتاكم والمضمّد ولّد نساءكم وعالج جرحاكم — كل هذا ليدخلوا لبيوتكم ويعرفوا أسراركم ويوصّلوها لناظم.
وقف — مسدّسه ارتفع نحو سيد هاشم بحزم:
— ما يگدر يطلع من هالمضيف حيّ. لا هو ولا صاحبه.
— أُوگف! أگلّك أُوگف صاحت ام ياسر!
الصوت من الباب الخلفي. امرأة.
كل الرؤوس دارت.
أم ياسر. دخلت المضيف. وخلفها — ثلاث نساء. زوجة الشيخ ضياء. زوجة ابنه رشد. وزينة.
زينة كانت مرعوبة. وجهها كالجصّ تحت الشيلة السوداء. فهمت فوراً — الخبر وصلهن. خبر أن أبو ياسر اتّهم الدخلاء بالخيانة. وأن السيد وأبو كرّار سيُقتلان على هذه التهمة. وأن زينة — حين سمعت الاتّهام وخصوصاً الجزء المتعلّق بأن ربط أبو كرّار كان "مسرحية" — انهارت. وحكت للنساء ما فعلته قبل الفجر. قالت إنها هي من ربطت أبو كرّار. خوفاً عليه. لأنها سمعت أنه ناوي يقاتل. وخافت يموت. فربطته بحبال أبيها الصيّاد.
النساء — زوجة الشيخ وزوجة رشد — جاءت معها لتدعمها وتشهد بكلامها. لأن زينة بنت خرساء ما عندها من يحميها إلا كلمة النساء.
المضيف كله انقلب. الرجال نظروا إلى النساء — حالة غير طبيعية، النساء لا يدخلن المضيف إلا لحدث استثنائي.
زوجة الشيخ — امرأة عجوز بعينين حادّتين — تكلّمت:
— يا شيخ ضياء. يا رجال. الخبر وصلنا. سمعنا أبو ياسر يتّهم السيد والمضمّد بالخيانة. وأنّ ربطه كان مسرحية بينهم. هذا كذب. زينة — بنت حسين جواد من بو العيطة — جاتنا تبچي تحچي أنها هي اللي ربطته. خافت عليه. حبّته من يوم ما أنقذها عند كوخ ربيع. وما تريد يقاتل ويموت. ربطته بحبال أبوها الصيّاد — لأنها بنت صيّاد. وهاي — شهادتها أمام الله وأمامكم.
صمت. زينة — خلف النساء — تبكي بصمت. دموعها على خدّيها والمشبك الذهبي يهتزّ على شيلتها.
الاتّهام الأول — تهمة المسرحية التي استند إليها أبو ياسر — سقطت. في لحظة واحدة. ليس المضمّد من ربط نفسه . بنت خرساء من بو العيطة — بدافع الحب. وهاي شهادة نساء بيت الشيخ ما تُكذَّب.
لكنّ أبو ياسر — رغم هذا — لم يخفض مسدّسه عن سيد هاشم. ليس لأنه لم يسمع — بل لأن تهمة الربط كانت فقط المدخل. والهدف الحقيقي كان اتّهام الاثنين بالخيانة والتواطؤ مع الأمن. وهذا — بنظره — لم يتغيّر.
— سمعنا. زين. البنت ربطته. بس هذا ما يلغي اتّهامي الأكبر. السيد وهذا المضمّد — جواسيس. هم السبب بكل اللي صار. ما يطلعون من هالمضيف حيّين.
سيد هاشم — الذي كان صامتاً يسمع — فتح فمه أخيراً.
ونظر إلى أبي ياسر. ثم ابتسم. ابتسامة باردة لا تشبه ابتسامات البشر.
— يعني — أبو ياسر — أنته قبل دقايق گلت إنّي أنه ورفيقي دبّرنا مسرحية الربط. وهسّه — النساء شهدن إنه كان مربوط بحيل الحب ومقيد بكيوبيد بنت خرساء. يعني — كلامك الأول طلع كذب. والسؤال هسّه: إذا كذبت بالأول — ليش يصدگوك بالباقي؟
ثم التفت إلى الحاضرين:
— أبو ياسر ما صدّگ لزمة لزمه — ويريد يرمي بلاه علينا. هو رجال جرحه عميق ومعذور على جرحه — بس هذا ما يعطيه الحق يرمي أخطاءه العسكرية علينا ويتّهمنا بالخيانة بلا دليل. طيب. عندك دليل؟ جيبه. ما عندك — اسكت.
نظر إلى الشيخ ضياء. ثم إلى الحاضرين كافّة:
— هسّه أنه أسألكم سؤال: أبو ياسر هسّه مو مسؤول عن أرواحنا — صح ولا غلط؟ إلى اليوم — چان كلنا قتلى لولا تضحية أبو دعيّر ونداء "حيّ على الجهاد." رجاله ما صدّوا الشمالي. والزئبق من مخزنه ضاع. والجنود دخلوا من فجوة تحت حراسته. وهو — بدل ما يعترف — يدور عن كبش فداء. يحمّلنا نحن المسؤولية. يخترع تهم الخيانة والجاسوسية — كلها بلا دليل — لأنه ما عنده جواب ثاني.
ارتفع همس في المضيف. أصوات رجال يؤيّدون. شابّ من بو بزون — الذي قاطع أبا ياسر من قبل — قال بصوت واضح:
— صدك سيّدنا. أني وعشرة من زلمنا — صدّينا الممرّ الجنوبي وحدنا. رجال أبو ياسر ما ساندونا. ولا واحد.
ورجل من بو العيطة:
— والشمالي — ابني استشهد هناك -عمت عيني-. گال گبل ما يموت جماعة أبو ياسر ما صدّوا. هربوا.
وثالث ورابع — كل واحد يحكي شيئاً رآه أو سمعه يُثبت تقصير رجال أبي ياسر. الكلام يطول. الاتّهامات تتوالى. والرجال — الذين كانوا خلف أبي ياسر لسنوات — ينكشفون الآن عن وجه ثانٍ لم يجرؤوا إظهاره من قبل.
أبو ياسر — وجهه صار كالحجر. الاتّهامات تنقلب عليه. المضيف ضدّه.
صرخ:
— ولك! أنتو الدجّالين! عمركم — عمركم ما خدمتو أحد! جيتو هنا من أسبوعين وتكسبون ثقة الناس وتحرّضون عليّ! أنه من سنين أحمي هالقرية وأدفع من جيبي ومن دمّي — وأنتو — ثلاثة غرباء — تريدون تقيّمونّي؟ تريدون تحكمون عليّ؟
أصبعه على الزناد. تحرّك. يريد الضغط. والكل — الكل في المضيف — رأوه. رأوا أنه هذه المرة جادّ. لا خطبة. لا تهديد. إطلاق نار.
— أبو ياسر! كافي!صاحت
أم ياسر. لكنها هذه المرة — في يدها مسدّس. مسدّس الشيخ ضياء — أخذته من حزامه بسرعة خاطفة .
— أبو ياسر — اترك المسدس. اسمعني. زوجي — يا أبو ياسر — بعدك زوجي. عمر زواجنا تسع سنين بس عشرتنا سنتين. وأقولك: اترك. اترك وخلّي الشيخ يحكم. إذا السيد جاسوس — يُحكم عليه. إذا مو جاسوس — يعيش. بس لا تقتل رجل بيدك أمام عشيرتك وتطفي وجه الله.
أبو ياسر — لم يلتفت. لم ينظر إلى زوجته. والحقد في عينيه السوداوين صار نار:
نظر إلى سيد هاشم — أصبعه يضغط على الزناد — هذه المرة فعلاً.
ثم — التفت. التفت بحركة سريعة. ليس نحو سيد هاشم. بل نحو زوجته. يريد نزع المسدّس من يدها. أو هكذا بدا عليه.
لكنّ أم ياسر — زوجة الصيّاد والقائد العسكري — ما انتظرت لتعرف. ردّ فعل أسرع من الفكر:
أطلق النار.ولا اعرف صؤاحة من الذي اطلق النار ثواني كانت سنين من الذي اصيب ..
الرصاصة أصابته في صدره. تعثّر — مسدّسه سقط من يده — ونظر إلى زوجته بعينين واسعتين. عينين لم أرَها من قبل — ليستا عيني قائد ولا عيني مجروح. عيني طفل. الطفل الذي كان عمره عشر سنوات شاف أبوه ينضرب. عاد إلى وجهه لحظة — ثم ذهب.
الرصاصة الثانية — لم تحتج. لأن الأولى وصلت إلى قلبه.
سقط على ركبتيه. ثم على وجهه.
وأم ياسر — المسدس في يدها — سقطت هي أيضاً على ركبتيها. ومدّت يدها وهي تزحف ومسحت شعره عن جبهته. كأنها تعيده إلى النوم. والدموع تنهمر من عينيها.
ثم — همست. بصوت لم يسمعه أحد إلا أنا لأني كنت الأقرب:
— سامحني يا ابو ياسر. ما گدرت أساعدك — بس گدرت أرحمك. حتى تموت وِيّه بقية كرامة.
وسيد هاشم — الذي كان هدف الرصاصة لولا هذه اللحظة — رفع المسبحة إلى شفتيه. وأغمض عينيه. ودموع — دموع رجل لا يبكي — سالت على وجهه.
وأنا — واقف عند الباب — نظرت إلى كل هذا ولم أفهم. لم أفهم لماذا أبكي أنا أيضاً. على رجل أُمرت بقتله. على امرأة قتلت زوجها. على كل ما حدث في هذا المضيف في هذه الدقائق التي بدّلت كل شيء.
وزينة — لا تزال عند باب المضيف خلف النساء — عيناها على عينيّ. الخرساء التي ربطت رجلاً بحبال الحب — تنظر إليّ كمن تعتذر عن كل ما حدث. لأنها تعرف — بطريقة الخرسان الذين يقرأون الوجوه — أن شيئاً في قلبي انكسر الليلة ولن يعود.
يتبع — الفصل الرابع عشر
لم أنم.
عدتُ إلى عيادتي — الصريفة القصبية الصغيرة التي خصّصوها لي بعد أسبوع من وصولي — وجلستُ على السرير الطيني، ظهري مسنوداً إلى الجدار. الچولة مُطفأة. بريمز النفط على الحافة، حقيبتي الطبّية مفتوحة على الأرض، محتوياتها متناثرة — شاش، إبر، قطن مُلطَّخ بدم الجرحى الذين ضمّدتُهم قبل الاجتماع وبعده.
وفي رأسي — جثّة أبي ياسر.
رأيتُه يسقط. رأيتُ أمّ ياسر تنحني. رأيتُ سيد هاشم يبكي. وكلّ هذا — كلّ هذا — لم يُقنعني بأنّ ما حدث حقيقيّ.
منذ سبعة عشر يوماً دخلتُ هذه القرية بأوامر المقدّم ناظم: أن أقتل هذا الرجل. ومنذ أيّام — اكتشفتُ أنّه ليس الوحش الذي وصفوه لي. ومنذ ساعات — قُتل أمامي برصاصة زوجته.
ولم أكن أنا من قتلَه.
لا أعرف إن كنتُ مرتاحاً لهذا أم مخذولاً. لا أعرف إن كنتُ جئتُ لأقتلَه أم لأُنقَذ منه. لا أعرف — وهذا أصعب شيء — ماذا أفعل الآن.
سمعتُ حركة خارج الصريفة. نهضتُ وذهبتُ إلى الباب. شيلة سوداء تختفي خلف زاوية بيتٍ من القصب. زينة.
خطوة واحدة، ثمّ توقَّف. ثمّ سمعتُ شيئاً يسقط على العتبة. انحنيتُ. وردة — وردة قرنفل بيضاء هذه المرّة، لا حمراء. أخذتُها بين أصابعي. شممتُها. ولم أعرف لماذا بكيتُ من جديد.
وأنا جالس على العتبة بالوردة في يدي، تحت ضوء قمر آخر الليل، وقع شيءٌ في قلبي استقرّ كالحجر على قاع البحيرة: أنا لا أريد أن أموت. أنا — لأوّل مرّة منذ مذبحة الانتفاضة في بغداد وأنا أجري من شارع إلى شارع أبحث عن أوراق أو عن باب يُفتح — لا أريد أن أموت. أريد أن أعيش. أريد زينة. أريد هذه القرية مهما دفعت. الگرين كارد الذي حلمتُ به في أمريكا — ذاب. القلادة التي جعلتُها واجهة — صارت حقيقة. أريد أن أبقى. هنا. بأيّ ثمن.
أذّن رجلٌ لا أعرفه من الحسينية. ليس سيد هاشم هذه المرّة، بل صوت آخر أصغر، يرتعش قليلاً عند "الله أكبر." ربّما حسين اليتيم. أو شابّ من شباب القرية استلم المقام. وبعد الشهادتين، سمعتُ: "أشهد أنّ عليّاً وليّ الله." الصوت الصغير ارتعش أكثر عند هذه الشهادة — كأنّه يضعها بحبّ.
وضوء الفجر بدأ يتسلّل من شقوق الباب القصبي. صوت أوّل جاموسة تخوض الماء. صوت طير يُطلق نداءه الصباحي من القصب. الحياة — رغم كلّ شيء — تبدأ يومها الجديد.
قمتُ من عند الباب حيث بقيتُ ساعات. غسلتُ وجهي بماء الدلو. لم أنظر في المرآة — لا أحتمل وجهي الآن.
ثمّ — من وراء القصب — صوت مشحوف يَعبُر شريعة القرية بهدوء. ليس صوت عبور عابر — بل صوت مستعجل ثمّ بطيء. رجل يعرف أنّ الهدوء أعلى من السرعة. نظرتُ من الفتحة الصغيرة في جدار الصريفة.
سيد هاشم.
عائد من اتّجاه الشريعة حيث يُربَط مشحوف أبي دعيّر — المشحوف الذي لم يتجرّأ أحدٌ على أن يمسّه منذ موت صاحبه أمس. يمشي ببطء محسوب. المسبحة في يده اليمنى. العباءة السوداء تتحرّك مع الريح الخفيفة. وفي يده اليسرى — شيء صغير ملفوف بقماش أسود.
نظر يميناً ويساراً. ثمّ دخل الحسينية.
لم أفكّر كثيراً. من عرفَ أبا دعيّر — ومن كان يعرف بضاعته ومشحوفه — ربّما ذهب ليأخذ شيئاً من أشيائه. وداعٌ على طريقته. رجل دينٍ يُكرِم صاحبه الشهيد.
عدتُ إلى سريري الطيني. وانتظرتُ الصباح.
جاء حسين اليتيم قبل شروق الشمس بقليل. صبيّ صغير في العاشرة من عمره، شعره أسود قصير، قميصه أبيض مرقَّع عند الكتفين، يمشي على أصابع قدميه لأنّ الأرض ما زالت ندية من مطر خفيف نزل في الليل. في يده اليمنى إبريق چاي صغير من النحاس وإستكان واحد، وتحت إبطه الأيسر رغيف خبز تنّور ملفوف بقماش.
قرع على الباب المفتوح. دخل بحياء. وقف في الوسط ينتظر حتّى أنظر إليه. ثمّ تكلّم بصوت صبيّ يُؤدّي رسالة حفظها كلمة كلمة:
— أبو كرّار. السيّد يسلّم عليك. يگول: تفضّل على الحسينية بعد ساعة. أكو اجتماع. فطور حاضر. وأنه جايبلك إستكان چاي علمود ما تدخل عالريگ.
نظرتُ إليه. هذا الصبيّ — هو الذي يأتي كلّ صباح ليُقبّل يد سيد هاشم. هو الذي يحمل إستكانه ويمسح حافّة عباءته من الطين. هو الذي رآه سيد هاشم يتيماً في طين الشريعة فرفعه إلى جواره. وأنا — ماذا أنا؟ هل أنا ابنٌ آخر من أبنائه المُتَبَنَّين؟ أم ضحيّة مخبَّأة تحت لباس الصداقة؟
ابتسمتُ للصبيّ. لا يستحقّ أفكاري.
— الله يخلّيك يا ولدي. أشرب الچاي وأجي.
خرج. شربتُ الچاي — أسود ثقيلاً كما يحبّه سيد هاشم — وأكلتُ نصف الرغيف. ثمّ لبستُ الصدرية البيضاء — تلك التي أعطوها لي في مديرية الأمن في العمارة قبل أن ينطلق المشحوف، حين كان ناظم يُفصّل لي دوري ويُعطيني "شهادتي الطبّية المزوّرة" و"سمّاعتي التي لم أستخدمها للفحص قبل هذا اليوم." الدم من الأمس لا يزال عليها، جافّاً بنّياً داكناً. ولم أغسلها. لا أريد.
ثمّ مشيتُ إلى الحسينية.
كانت الحسينية أوسعَ مكانٍ في القرية. بُنيت من القصب المشدود على أعمدةٍ خشبية قويّة، وسقفها مغطًّى بالبردي المعالج بالقار لمنع المطر. في الوسط — حُصُرٌ من حلفاء الأهوار مصفوفة على الأرض الطينية المرصوصة. وعلى الجدران القصبية — أعلام سوداء بسيطة، ولوحاتٌ مكتوبة بخطٍّ بلديّ: "يا حسين" — "يا علي" — "لا إله إلّا الله، محمّد رسول الله، عليّ وليّ الله."
وجدتُ الاجتماع منعقداً بالفعل.
الشيخ ضياء — في صدر المجلس. وجهه، الذي كان متعباً أمس في المضيف، أصبح هذا الصباح أسوأ. شعره الأبيض مبعثر. عيناه محمرّتان من قلّة النوم. على كتفيه عباءة قديمة لم يرتّبها. يدُه اليمنى تدور على مسبحة من حجر العقيق، لكنّ حبّاتها لا تدور بانتظامٍ — كلّ ثلاث حبّات تقف ثمّ تعود. رجلٌ كسَرَ فيه شيء ولن يصلُح.
عن يمينه — ابنه رشد. شابّ في نحو الثالثة والثلاثين، قويّ البنية، كتفاه عريضتان، لحيته قصيرة سوداء، عيناه محمرّتان لكن بنارٍ لا بدموع. خنجر فضّي في حزامه الجلدي — يده اليسرى لا تفارقه. منذ ولدت زوجته ابنه قبل ثلاثة أسابيع — يوم وصولنا — لم ينم رشد إلّا قليلاً. ورغم هذا، جلس في الاجتماع بظهر مستقيم كظهر رمح.
أمامهما — ثلاثة من كبار بو بزون جلسوا بترتيب: أبو محسن (رجل في الستّين، طويل نحيل، يضع يده على ركبته)، وأبو ربيع (أقصر، سمين، يمضغ حبّة هيل)، وأبو فلاح (صامت، عيناه لا تُفارق الأرض).
ومن بو العيطة — شيخان من السَّلَف الذي جاء منه سيد هاشم بادّعائه: أبو حسن كبير السَّلَف، ورجل ثانٍ أنحف منه لا أعرف اسمه.
ومن شباب المقاتلين — خمسة جلسوا القرفصاء على الحصير، أحدهم ملفوف الذراع بشاشٍ ضمّدتُه بنفسي أمس. وخلف الجميع عند الجدار الشرقي — خمسة من رجال أبي ياسر الباقين. خمسة. من السبعة والعشرين الذين كانوا يحرسون القرية. الباقون — لم نعرف أين ذهبوا. قيل إنّهم هربوا في الليل. قيل إنّهم في ممرّات الشرق. قيل أشياء كثيرة. لا أحد يعرف الحقيقة.
وفي الزاوية الغربية — على طبليّة خشبية صغيرة — چولة مشتعلة فوقها قوري چاي يغلي بهدوء، وحسين اليتيم يقف بجانبها كصبيّ ضابطٍ يعرف وظيفته.
سيد هاشم — جالس إلى يسار الشيخ ضياء — رفع عينيه حين دخلتُ. وأشار إلى مكانٍ بجانبه.
— أبو كرّار. تفضّل.
جلستُ. أحسستُ بالعيون كلّها عليّ — خاصّة عيون رجال أبي ياسر الخمسة. نظرات تحمل سؤالاً لم يُجَب بعد: ماذا يفعل هذا الغريب في مجلس كبارنا صباحاً مُبكِراً؟
صبَّ حسين الچاي. دار به على الجميع. وحين وصل إلى سيد هاشم — انتظر لحظةً أطول. سيد هاشم شرب رشفة ثمّ وضع الإستكان إلى جواره. أخرج من تحت عباءته شيئاً.
جهازاً صغيراً. مربَّعاً. أسود. بعُرًى نحاسية على جوانبه، وزرٍّ دوّار في وسطه، وهوائيٍّ قصير ينثني فوقه. ومقبضٍ جلديّ على الأعلى.
لاسلكيّاً.
وضعَه على الحصير أمامه بهدوء. كأنّه كتاب يفتحه.
الشيخ ضياء نظر إلى الجهاز. ثمّ إلى سيد هاشم. ثمّ إلى الجهاز مرّة أخرى. لم يتكلّم. لكنّ يده توقَّفت عن تدوير المسبحة.
سيد هاشم بدأ. صوته — كعادته — هادئ. كأنّه يُعلّق على حالة الجوّ:
— يا شيخ ضياء. يا رجال. هذا — جهاز اتّصال. لاسلكي. حصّلتُه هذا الفجر.
كبار بو بزون نظر بعضهم إلى بعض. شابٌّ من الشباب المقاتلين ضغط على مقبض خنجره في خصره. لم يتكلّم أحد. الشيخ ضياء — وحده — سأل:
— حصّلته وين يا سيّد؟
— بمشحوف أبي دعيّر. رحمه الله.
صمت. ثقيل جدّاً. كأنّ أحداً خلع سقف الحسينية فجأة ودخل الهواء البارد.
رشد — بصوتٍ يُخفي صعوبة — قال:
— يعني. أبو دعيّر كان عنده لاسلكي.
— إي. كان عنده. وكان يُستخدم منذ وصلنا هنا. ومنذ قبل وصولنا.
— منو يستخدمه؟
سيد هاشم أدار رأسه. نظر إليّ لحظةً. ثمّ إلى الشيخ. ثمّ أعاد نظره إلى الحاضرين كلّهم:
— أنه.
ما الذي يحدث؟
لم أفهم. نظرتُ إلى سيد هاشم ثمّ إلى الشيخ ضياء ثمّ إلى اللاسلكي. قلبي — الذي كان يدقّ بقوّة منذ الليلة الماضية — بدأ يدقّ أسرع. يداي بدأتا ترتعشان تحت ركبتيّ. العادة القديمة — رأسي يريد أن يلتفت يساراً. كبحتُه.
سيد هاشم — بالسكون نفسه — تكلّم كمن يُسلّم حقيقة يعرفها منذ زمن:
— يا شيخ ضياء. أنه بصراحتي معك — أحسن لي ولك. أنه وأبو دعيّر — جينا لهنا بمهمّة.
الهواء في الحسينية تجمّد.
— مقدّم بالأمن العام اسمه ناظم — بعثني. قال: اذهبوا إلى قرية البو بزون واقتلوا أبا ياسر. هذا الرجل — حسب معلوماته — خطر على النظام. خطّط لشيءٍ كبير بانتفاضة شعبان.
رشد قفز إلى قدميه. خنجره خرج من غمده نصف شبر:
— ولك! جواسيس!
رجلٌ من بو العيطة تحرّك نحو اللاسلكي. شابٌّ من المقاتلين نهض. وصراخ من زاوية الجدار الشرقي — أحد رجال أبي ياسر الخمسة: "قلنا إنّهم خونة! من الأوّل!"
الشيخ ضياء — بحركةٍ واحدة من يده اليمنى — أسكت الجميع. حركةٌ هادئة لا يمكن عصيانها. رجلٌ له أربعٌ وستّون سنة يحكم عشيرة لا ترفع صوتها حين ترفع يده.
— اگعد يا رشد. اگعدوا كلّكم. يكمل السيّد كلامه. بعدين نحكم.
جلس رشد على مضض. لكنّ يده بقيت على الخنجر.
سيد هاشم — كأنّ الغضب حوله لا يمسّه — أكمل:
— أبو دعيّر — هو صلة الوصل. دلّال حقيقي بالبضاعة. بس عمل كدلّال معلومات أيضاً. كان يأتي كلّ أسبوع من العمارة ومعه بضاعة ومعه تقارير. وكان يُرسل لناظم باللاسلكي كلّ ثلاثة أيّام.
سكتَ لحظة. ثمّ — وهنا تبدّل صوته قليلاً وارتجف عند آخر كلمة — أضاف:
— بس أبو دعيّر — بآخر أيّامه — تغيّر. عرفتم شنو فعل أمس. لفَّ على زورق الجنود بنفسه وفجّره. هذا ما كان أمراً من ناظم — هذا كان خيانة لناظم. وكان توبة لله. مات شهيداً. وأنه أشهد بذلك أمامكم وأمام الله.
عيناي على الأرض. لا أرفعهما. لأنّ شيئاً يقع في صدري الآن لا أحتمله: أبو دعيّر — الذي سافرتُ معه من العمارة، ونمتُ في مشحوفه، وأكلتُ خبزه، وبكيتُ أمس لأنّه مات — كان العميل الذي ينقل أخبار موتنا. وسيد هاشم — الذي يعترف الآن — كان يعرف ذلك طوال الوقت. أيّ رجلٍ هذا الذي جلس معي ثمانية عشر يوماً وأنا لا أعرف عنه أيّ شيء؟
ولكن — لماذا يعترف الآن؟ لماذا يضع رقبته على هذه الطبليّة أمام خمسة خناجر؟
الشيخ ضياء تكلّم أخيراً. صوته منخفض — خطير:
— وأنته يا سيّد. إنته شيعي حقيقي ولا متنكّر؟
سيد هاشم ابتسم ابتسامةً حزينة. رفع المسبحة قليلاً — كأنّه يُقسم بها:
— شيخ ضياء — أنه رجل دين. هذا صحيح. درستُ في النجف أربع سنين عند شيوخ معروفين. بس ناظم — قبل سنتين — ضغط عليّ بقضية أخٍ لي. خيّرني: إمّا أساعد الأمن في مهمّات مختارة — وإمّا يموت أخي تحت التعذيب. اخترتُ أخي. من ذيك الساعة — أعمل معهم. ما عندي شرف أفتخر به. وقبلتُ هذه المهمّة بس علمود أنجّي أخي. بس —
رفع عينيه إلى السقف القصبي:
— لمّا دخلتُ قريتكم، وسمعتُ أذانكم، وشفتُ أطفالكم، وسمعتُ أمّ ياسر تشكي لي حال زوجها — قلبي انقلب. قرّرت أخون ناظم. هذا اللاسلكي — كان يستخدمه أبو دعيّر. الليلة الماضية — أخذتُه. وفجر اليوم — راح أرسل بيه. لكن —
التفت إلى الشيخ. نظر في عينيه مباشرة:
— قبل ما أرسل — جيت عندك. علمود تسمع منّي أنه. مو من ثاني.
وأنا جالس إلى جواره، سمعتُ الحكاية. وسمعتُ نفسي أصدّقها لحظةً — كما صدّقها الشيخ ضياء، كما صدّقها أبو محسن وأبو حسن والشباب المقاتلون. حكاية جميلة مُرتّبة، فيها ما يكفي من الضعف البشريّ ليُصدَّق، ومن الشجاعة الأخلاقية ليُحبّ.
لكنّي — لحظةً بعد ذلك — تذكّرتُ.
أبو دعيّر، في ليلتي الثانية معه في كوخ أبي حسّون قبل أن ندخل الهور، قال لي وهو يشرب إستكان چاي ويضحك: "السيّد هاشم، ولك يا أبو كرّار، هذا رجل ما عنده أحد بالدنيا. لا أخ ولا أخت ولا أمّ ولا أبّ. يتيم من صغره. علمود هيچ تشوفه ما يخاف من شي — ما كو واحد يخسره."
لا أخ.
الأخ الذي يُنقذه سيد هاشم الآن — الأخ الذي ضغط عليه ناظم بقضيّته — الأخ الذي من أجله قبل أن يكون جاسوساً ورجل دين مُزوَّراً — لا وجود له.
الحكاية كلّها — من أوّلها إلى آخرها — مفبركة.
وأنا — إلياس بن يوسف، الذي اسمه المزوّر حيدر والذي لقبه الجديد أبو كرّار — لا أعرف كيف صاغ سيد هاشم هذه القصّة ولا متى خطّط لها ولا ما هو تأثيرها الحقيقي على الجالسين هنا. لا أعرف لماذا يعترف بحقيقة ويُخفيها تحت طبقة ثانية من الكذب. لا أعرف إن كان اللاسلكي الذي أمامه فعلاً وجدَه في مشحوف أبي دعيّر — أم كان معه طوال الوقت. لا أعرف إن كان "يعترف" — أم "يُمسرح." لا أعرف.
لكنّني أعرف أمراً واحداً: أنّ هذا الرجل الجالس إلى جواري — بالعباءة السوداء والمسبحة والابتسامة الحزينة — خطير. خطير بطريقة لم أفهمها حتّى هذه اللحظة. خطير على ناظم الذي أرسله. خطير على الشيخ ضياء الذي يسمعه. خطير عليّ أنا الذي جاء معه. وأنا — في أحسن حالاتي — ضيفٌ على مسرحه. لا أفهم دوره ولا دوري.
ورفعتُ عينيّ لألتقي عينيه لحظة واحدة — أريد أن أرى فيها شيئاً — أيّ شيء — يكشف لي ما يدور. لكنّه — كما لو أنّه أحسّ — أحنى رأسه إلى الأرض. فلم أرَ شيئاً.
الشيخ ضياء — عيناه تضيقان قليلاً — سأل:
— وأبو كرّار؟
كلّ العيون دارت إليّ. شعرتُ بالدم يصعد إلى عنقي. كبحتُه.
سيد هاشم نظر إليّ. وفي نظرته — شيء لم أفهمه حينها ولن أفهمه إلّا لاحقاً:
— أبو كرّار — جاء معنا مضمّداً. فقط. ما كان طرفاً في التواصل. ناظم اعتقد أنّه كان. لكن — أنا وأبو دعيّر أخذناه ليكون غطاءنا الطبّيّ. الولد شاف الكثير بعينيه هذي الأيّام. ويشهد الله — إنّه أصبح منّا. قلبه هنا.
الشيخ ضياء نظر إليّ. طويلاً. ثمّ هزّ رأسه بخفّة. ثمّ التفت إلى سيد هاشم من جديد:
— كمِّل.
سيد هاشم — كأنّه ينتظر هذه الكلمة — مدّ يده إلى جيب العباءة. أخرج ورقة نظيفة مكتوباً عليها بخطٍّ أسود دقيق. لا أعرف متى كتبها ومن كتبها لكنّها في يده.
— فجر اليوم — بعد ما أخذتُ اللاسلكي — أرسلتُ لناظم. قلتُ له: أبو ياسر مات. المهمّة انتهت. والآن — انسحب قوّاتك من هور الكحلاء واتركوا البو بزون بسلام.
نظر إلى الورقة. ثمّ إلى الحاضرين:
— ناظم — ما رضى. أرسل مطالب جديدة. هسّه أقراها لكم.
فتح الورقة. قرأ:
— "إلى السيّد. بالنسبة للعشيرة — الوضع تغيّر. تضامنُهم مع أبي ياسر جعلهم شركاء في المؤامرة. القرار من بغداد — من القصر — اثنتين لا ثالث لهما."
رفع إصبعاً:
— الأولى: القوّات تدخل القرية. مدفعيّة ودبّابات وطيران. الممرّات كلّها تُغلق، والأهوار تُجفَّف. ما كو رجل ولا مرأة ولا جاهل يبقى. ومَن يهرب إلى عمق الهور — يموت جوعاً لمّا تجفّ الماي. خلال أسبوع — ما يبقى من البو بزون وبو العيطة اسم ولا عَلَم.
الحسينية — بكاملها — لم تتنفّس.
رفع إصبعاً ثانياً:
— الثانية: العشيرة تُسلّم نفسها. تُعلن الندم والرجوع إلى حُسن الطاعة. تُنفى إلى محافظات جنوبية متفرّقة — الناصرية، الديوانية، السماوة، الحلّة، البصرة. كلّ عائلة إلى مكان بعيد عن الأخرى. ولا أكثر من عائلتين في محافظة واحدة. تعيش — تحت مراقبة الأمن — لكن تعيش. لا إعدامات. لا سحل. الرجال اللي ما شاركوا بالسلاح يفضلون مدنيّين. واللي شاركوا — يسلّمون سلاحهم ويأخذون عفواً.
سكت.
— ومقابل هذا — تُغلق الممرّات. تُجفَّف الأهوار. وتنتهي قصّة البو بزون في الهور. مهلة الجواب — ثلاثة أيّام.
أنزل الورقة. وضعها على الحصير إلى جانب اللاسلكي.
رشد قام من جديد. وهذه المرّة — صرخته خرقت القصب:
— نخضع؟ نُنفى من أرضنا؟ ولك هاي أرضنا من ستّ مئة سنة! أبوي — ما يرضى بهذا. عشيرتنا عمرها عشر أجيال ما سجدت لحاكم. وهسّه — لأنّ الحكومة جاتنا بدبّابة — نگول "سمعاً وطاعة"؟ ولك يا سيّد — أنته نفسك گلت قبل شوي هم المجرمون. هم اللي قتلوا أبا ياسر بحقيقته! والآن يريدون يرمونّا من هنا؟
أصواته رفعت معه أصوات الشباب. ثلاثة من المقاتلين قاموا معه. هتافات متداخلة:
— لا نُنفى!
— نموت هنا!
— أرض العيطة والبزون ما تُباع ولا تُنفى!
— والله ما ننحني!
الشيخ ضياء — لم يقم. بل نظر إلى رشد نظرةً لم يقلها لكنّ رشد فهمها. جلس. لكنّ يده بقيت قابضةً على خنجره. والشباب وقفوا ثمّ جلسوا ثمّ عادوا يقومون. الحسينية كلّها اهتزّت اهتزازة الغضب الصادق.
سيد هاشم — انتظر. لم يرفع صوته. لم يتحرّك. لم يحاول إسكات أحد. عيناه على الأرض بين قدميه. ولمّا تكلّم أخيراً — كان قد اختار كلّ كلمة:
— رشد. يا ابن شيخنا. أنت محقّ. وكلامك كلام رجال. لكن — اسمعني أنه. لأنّي — والله أعلم بقلبي — أحبّكم. ولا أريد لكم هذا. لكنّي مرغم أن أقول لكم ما لا تريدون سماعه.
مدّ يده إلى اللاسلكي. أدار الزرّ. صوت أجشّ من الصفير خرج. ثمّ صوت رجل. لم أفهم كلّ ما قال — لكنّ الكلمات التي فهمتُها كانت كافية:
"...سقطت البصرة نهائيّاً قبل ثلاثة أيّام... الحرس الجمهوري دخل الناصرية... المعتقلون في الديوانية بالآلاف... مقابر جماعيّة جنوب الحلّة... الدبّابات أمام مرقد سيّدنا العبّاس... القنّاصة على أسطح النجف... آخر جيوب المقاومة في السماوة سقطت أمس... عديّ وصل العمارة وينتظر الأوامر..."
أغلق الجهاز. نظر إلى الحاضرين:
— هذا اللي يصير هسّه. يا جماعة. الانتفاضة — انتهت. كلّ المحافظات الجنوبيّة سقطت. البصرة والناصرية والديوانية والسماوة والحلّة — كلّها. والنجف وكربلاء بعد. الدبّابات تقف أمام المراقد، والأزقّة ملآنة جثث ما تُدفن. والحرس الجمهوري دخل كلّ مدينة ومشّى الفرقة العاشرة أمامه. وعديّ — في العمارة. ينتظر إشارة والده علمود يتحرّك نحو الأهوار.
سكت. ثمّ:
— إحنا — آخر بقعة. آخر جيب. وإذا ما صار اتّفاق — الدبّابات تجي لنا بعد أسبوع. أسبوعين أقصى حدّ.
صمت.
أبو محسن — الرجل الطويل النحيل من بو بزون — تكلّم لأوّل مرّة. صوته كسكّين قديم:
— ولك يا سيّد. إحنا ما خفنا من الموت. عشيرتنا ما خافت من الموت عمرها.
سيد هاشم رفع عينيه إليه:
— يا أبو محسن. يا عمّي. ما گلت تخافون من الموت. الموت شرف. بس هذا اللي يجينا — مو موت مُعتَبَر. هذا موت بلا قبور. أمس بالبصرة — دخلوا محلّة كاملة وقتلوا أهلها ورموا جثثهم بالشطّ. ما دفنوهم. الجثث طفّت سبعة أيّام. وهذا اللي ينتظرنا. تموت وما يلگى من يغسّلك. تموت وما يصيح "الله" على قبرك أحد. تموت وبعد عشر سنين — ما يعرف أحد إنّه عاشت هنا عشيرة اسمها البو بزون.
أبو محسن نظر إلى الأرض. لم يُجب.
سيد هاشم مدّ يده إلى المسبحة. رفعها:
— ويا رشد. أنت ابن شيخك. وشيخك عالم. اسأله: شنو قال الله بالقرآن؟ "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكّل على الله." الآية واضحة. السلم — حين يُعرض — نجنح إليه. لأنّ الله هو الذي يحاسب. مو نحن.
رشد — الذي كان ينتفض — توقّف لحظة. ابن شيخٍ ومحفوظ قرآن. لا يستطيع أن يردّ بسهولة.
سيد هاشم أكمل:
— والحديث الشريف: "إنّ الله يُحبّ من الأمور أيسرها." والقاعدة الفقهيّة: "الضرورات تبيح المحظورات." وضرورتنا الآن — إنقاذ الأرواح. إنقاذ النساء. إنقاذ الجهّال. إنقاذ نسل بو بزون وبو العيطة. إذا متنا كلّنا هنا — العشيرة تنقرض. ما يظل منها واحد يكمل الاسم. وهذا — يا رشد — مو شجاعة. هذا انتحار بالمعنى الشرعي. والانتحار — حرام.
رشد — فمه نصف مفتوح — لم يتكلّم. نظر إلى أبيه. الشيخ ضياء لا ينظر إليه. ينظر إلى سيد هاشم.
سيد هاشم التفت قليلاً. نظر إلى رجال أبي ياسر الخمسة في الجدار الشرقي. ثمّ أعاد نظره إلى الشيخ:
— شيخ ضياء. أمس قلتَ إنّ عندنا مخبراً. وأنّ أبا ياسر مات — بس المخبر مو أكيد هو. أو ربّما كان هو ومعه آخرون. وأنه — والله — ما أعرف منو. ما عندي دليل على أحد بعينه. لكنّي أعرف — لأنّي أعرف كيف يعمل ناظم — إنّه ما يشتغل بمخبر واحد. دائماً اثنين. على الأقلّ.
نظر إلى الحاضرين:
— يعني — بيننا هسّه — رجل أو رجلان يُوصّلون أخبارنا للأمن. ما أعرف منو. وما يعرف الشيخ. وما يعرف أحد. والرجل اللي يخون — ما يُعلن نفسه. يشتغل بالظلام.
الرجال الخمسة — رجال أبي ياسر — تغيّرت وجوههم. واحدٌ منهم رمش أكثر من اللازم. وآخر عضّ شفته. وسيد هاشم رآهم. لم ينظر إليهم مباشرة. لكنّه رآهم. وكلّ الحسينية رأتهم.
— إذا قاتلنا — كيف نقاتل ومعنا خائن؟ كيف نخطّط لهجوم مضادّ ونحن لا نعرف من يوصل خططنا للأعداء؟ كيف نوزّع الأسلحة ونحن ما ندري من يسرقها؟ والله يا رشد — حتى لو عندنا شجاعة — ما عندنا أمان.
صمت.
— بس إذا قبلنا المفاوضات — الخائن ما يستفيد منّا بعد. لأنّه ما كو سرّ لينقل. كلّ شي علني. والنفي — يُفرّقنا كلّنا. يُبعدنا عنه. يُنجّينا منه.
رشد — للمرّة الأولى — نظر إلى الجدار الشرقي. نظرة سريعة ثمّ عادت. الرجال الخمسة أشاحوا.
سيد هاشم — كأنّه أدرك أنّ الحسينية بدأت تميل — ترك اللحظة تمتدّ. ثمّ — بصوت أقلّ ارتفاعاً، بصوت أكثر قُرباً — أضاف:
— شيخ ضياء. يا رجال. أنتم تعرفون ابن رشد اللي وُلد قبل ثلاث أسابيع — يوم ما وصلنا نحن. الولد ما تسمّى بعد — رشد كان يريد يستشير أبوه. ولد عمره واحد وعشرين يوماً. ما فتح عينيه بعد على الدنيا كاملة.
رشد رفع رأسه بسرعة. وجهه تغيّر.
— وتعرفون بنات أبي محسن — الأربعة. أكبرهن اثنعش سنة. وتعرفون بيت أبي ربيع — ستّة أطفال. وبيت أبي فلاح — ثلاثة. وأولاد الشهداء اللي استشهدوا أمس — عشرة أيتام صاروا بغمضة عين. وبنت أبي ياسر الصغيرة — اللي وُلدت بعد ما رجع من الأسر، عمرها سنة وشوي — هسّه بلا أبٍ.
سكت. ثمّ:
— إذا قاتلنا — هذولّا كلّهم يموتون. الجنود اللي جاوا أمس — ما فرّقوا بين جندي وطفل. والقوّة اللي جاية مع عديّ — أشدّ بمئة مرّة. وابنك — ابن واحد وعشرين يوماً — يموت قبل أن يفتح عينيه على ضوء كامل. والبنت ذات السنة والشوي — اللي ما تعرف شنو أبوها ولا شنو انتفاضة — تموت وهي تضحك بلعبتها.
رشد — نظر إلى أبيه. وعلى وجه رشد — شيء انكسر. الابن. واحد وعشرون يوماً.
الشيخ ضياء — أخيراً — رفع رأسه. نظر إلى الحسينية. نظر إلى سيد هاشم. نظر إلى ابنه.
ثمّ نظر إلى يديه.
لم يتكلّم أحد لدقائق. چولة الچاي فقط — تطنّ خفيفاً. وحسين اليتيم يقف بجانبها بلا حركة، صغير يشعر أنّ شيئاً ثقيلاً يجري ولا يفهمه.
الشيخ ضياء قام. ببطء. كأنّ سنواته كلّها على كتفيه. مشى خطوتين في الحسينية. توقَّف. وتكلّم بصوت لا يشبه صوته المعتاد — أخفض، أقرب إلى الأرض:
— يا رجال. أنه — عمري أربع وستّون سنة. ورثتُ مشيخة البو بزون عن أبي، الذي ورثها عن جدّي، الذي ورثها عن الأجداد. ومنذ وُلدت — ما قلتُ لأحدٍ "خذ أرضي." ولا — يشهد الله — ما رضيتُ بحاكم يدخل قريتي إلّا ضيفاً.
صوتُه ارتجف قليلاً. استدرك:
— لكنّي — شِفت أمس — أبا ياسر — رجلاً عرفتُه من طفولته — يقع برصاصة زوجته في مضيفي. شفتُ سبعة شهداء من زلمي. شفتُ أمّ ياسر تقتل زوجها حقناً لدم آخر. وشفتُ جثثاً كثيرة في يومٍ واحد. ولقيتُ نفسي عاجزاً أن أحمي قريتي.
التفت. نظر إلى رشد. ثمّ إلى الحاضرين:
— المعركة — خسرناها. هذه حقيقة ما أريد أكذب على نفسي بيها. وإذا جانا عديّ بفرقته — نخسر مرّة ثانية. بس نخسر الجهّال. نخسر حفيدي ابن رشد. نخسر بنت أبي ياسر اليتيمة.
سكت. عيناه دمعتا. لم يمسحهما.
— أنه — يا رجال — أقبل المفاوضات. أقبل النفي. أقبل ذلّ العيش بعيداً عن أرضي. حقناً لدماء الأبرياء. بس — بشرط.
رفع سبّابته:
— بشرط واحد. وهذا الشرط — لا أتنازل عنه. إذا تنازل عنه ناظم — نموت كلّنا هنا ولا نُنفى.
ثمّ — وهذا أدهشني — نظر إليّ. إليّ أنا. ثمّ قال:
— أغلب أبناء عشيرتي — ما عندهم مستمسكات.
صمت.
الشيخ ضياء أكمل:
— حياتنا هنا — في الأهوار — من ثلاث مئة سنة ما دخلتها دولة. ما سجّلنا عند النفوس. ما عندنا هويّات أحوال مدنية. ما عندنا شهادات جنسيّة. عند واحد أو اثنين بكلّ سَلَف — مستمسك قديم أيّام الملكيّة، مكتوب باليد. لكنّ الباقي — ما كو. ولداننا — ما سُجّلوا. بناتنا — ما سُجّلن. نحن — في سجلّات الدولة — مو موجودين.
التفت إلى سيد هاشم:
— يا سيّد. إذا ننفى — بلا مستمسكات — معناها نُرمى كالكلاب في شوارع الناصرية والسماوة. ما عندنا بطاقات تموينية. ما نگدر ندخل ولدنا مدارس. ما نگدر نطبّب بمستشفى. ما نگدر نبيع أو نشتري بيت. نكون أشباحاً. عائلاتنا تموت جوعاً في الشوارع بدل ما يموتون هنا بالرصاص.
سكت. ثمّ:
— الشرط: كلّ فرد من العشيرة — رجال ونساء وجهّال وحتى المواليد الجدد — يُعطى مستمسكات كاملة. هويّة أحوال، شهادة جنسيّة، بطاقة تموينية. مسجّلاً في المحافظة الجديدة اللي يُنفى إليها. وحقّ قانوني يشتغل ويدرس. هذا الشرط — مو مفاوضة. هذا شرط الحياة.
ثمّ — وهنا فاجأني — أضاف:
— وعندي طلب ثاني للوفد المفاوض. أبو كرّار — الولد هذا — جاء مضمّداً وطبّب أولادنا وأنقذ بنت عمّنا زينة من بو العيطة أوّل يوم دخل. والسيّد شهد عليه إنّه "صار منّا." وأنه — شفتُ في الولد دم رجل. ومنذ البارحة قرّرت — إذا وافقت بنت عمّنا وأهلها — أزوّجه عليها. يدخل عشيرتنا بعقد شرعي. ولمّا نفاوض — يكون معنا لا كضيف بل كابن. يفهم شغل الدولة لأنّه تعلّم ببغداد. وأنه ما أثق بالسيّد وحده أن يفاوض باسمنا — بدون إهانة يا سيّد.
سيد هاشم — بلا تغيُّر ملامح — أومأ:
— حقّك يا شيخ. وعندك الأحقّ.
الشيخ عاد إليّ:
— أبو كرّار. هل تقبل؟
فتحتُ فمي. ثمّ أغلقتُه. ثمّ فتحتُه. ثمّ قلتُ أخيراً — بصوتٍ ارتجف قليلاً — ما كان عليّ أن أقوله:
— شيخ ضياء. أنه — بنت عمّك زينة — أنا أعرفها. ومنذ أوّل يوم — وأنا أعرف إنّ قلبي راح يكون لها إذا الأقدار سمحت. أرضى. بالشرع. وبالعشيرة. وبالعهد معك يا شيخ. وأكون في خدمة الوفد — إلى آخر نَفَس.
الشيخ ضياء هزّ رأسه. لم يبتسم — الوقت ليس للابتسامات — لكنّ عينيه هدأتا قليلاً. ثمّ جلس.
الحسينية — صمتت. وكلّ الرجال الذين كانوا يُجادلون قبل نصف ساعة — نظروا إليّ نظرة جديدة. لم أعد الغريب الذي دخل معهم الاجتماع. صرتُ — شيئاً بين الضيف والابن. عقد الزواج لم يُقرأ بعد. لكنّ الكلمة مرَّت أمام شهود. وفي الأهوار — الكلمة أمام شهود تساوي الوثيقة في المدن.
سيد هاشم — الذي كان صامتاً يسمع — مدّ يده إلى اللاسلكي. أخذه. وضعه في حضنه:
— شيخ ضياء. كلامك كلامنا. الوفد: أنه وأبو كرّار وأبو محسن — ممثّلاً عن بو بزون. وأبو حسن — ممثّلاً عن بو العيطة. أربعة. نلتقي ناظم — الليلة أو باچر — بمكان نتّفق عليه. ونفرض الشرط. والشرط — المستمسكات للجميع — أحصّله لكم. بإذن الله.
الشيخ ضياء أومأ. لم يقل شيئاً. لكنّه أومأ.
سيد هاشم — وأنا الذي عرفتُ وجهه طوال هذه الأيّام — رأيتُ شيئاً خلف عينيه لا يراه أحد سواي. ارتياح. ارتياح خفيّ مكتوم. كمن لعبَ كلّ أوراقه واستقرّت حيث أراد.
ولا يكفيه مكر الأوراق — عنده أيضاً زواجي من زينة. الذي طرحَه الشيخ كأنّه فكرته الخاصّة. لكنّي الآن — بعد أن رأيتُ أخاه المفبرك وقصّته المصنوعة — أتساءل: هل الزواج أيضاً فكرتُه؟ هل زرع الفكرة في رأس الشيخ دون أن يعرف الشيخ من أين جاءت؟ هل كان يعرف أنّي سأقبل؟ هل حسب أنّ حبّي لزينة سيربطني بالعشيرة ربطاً أشدّ من الحبال التي ربطتني بها هي نفسها قبل يومين؟
لا أعرف. لا أعرف كيف خطّط. لا أعرف ما تأثيره الأبعد. ولا أريد أن أعرف الآن. لأنّني — رغم كلّ شيء — سأحصل على زينة. وسأعيش. وباقي الأسئلة — تنتظر.
لكنّ شيئاً في صدري قال لي: إلياس. أنت الآن — أعمق في شبكته ممّا كنت قبل أن تدخل الحسينية.
خرج الاجتماع بعد أن شربنا إستكاناً ثانياً من الچاي. الهواء في الحسينية كان ثقيلاً — لكنّه أقلّ مما كان في بدايته. رجال أبي ياسر الخمسة خرجوا أوّلاً، بصمت، وفي عيونهم شيءٌ لا أعرف ماذا أسمّيه. الشباب المقاتلون خرجوا بعدهم — بعضهم لا يزال غاضباً، بعضهم منكسراً. رشد خرج خلف أبيه. قبل أن يعبر الباب توقَّف ونظر إليّ. نظرة لم أفهمها. ثمّ مشى.
بقيتُ أنا وسيد هاشم. وحسين اليتيم عند الچولة يجمع القوري والإستكانات في صينية.
سيد هاشم نظر إليّ. ابتسم ابتسامة صغيرة:
— أبو كرّار. بارك الله بيك. اختيار الشيخ لك — شرف. وأنه — شاهد زواجك إن شاء الله.
قلتُ لنفسي: طبعاً شاهد. وأكثر من شاهد.
قلتُ له:
— سيّد. أنه ما أفهم شغل الدولة كما تصوّر الشيخ. ما درستُ قانون.
— بس درست بالجامعة. والشيخ — يثق بتعلّمك. وأنه — أيضاً — أثق بيك.
نظر إلى اللاسلكي في حضنه. ثمّ إليّ:
— الليلة — نرسل لناظم. نُعلمه بالقبول والشرط. ثمّ ننتظر. وباچر — يمكن — نذهب للقاء. كن مستعدّاً.
أومأتُ. نهضتُ. خرجتُ من الحسينية.
حين عدتُ إلى عيادتي — كانت زينة تنتظرني.
لم تدخل. وقفت خارج الصريفة. شيلتها السوداء على رأسها، ووجهها يظهر من بين طرفيها — الوجه الذي رأيتُه أوّل مرّة في العمارة عند كوخ ربيع، والذي أنقذتُها منه، والذي صار هو السبب أنّي — الآن — أريد أن أعيش.
حين رأتني — تحرّكت شفتاها بصوتٍ لم يخرج. الخرساء تحاول أن تقول شيئاً. بيدها — أشارت إلى المضيف. ثمّ إلى قلبها. ثمّ إليّ. ثمّ أشارت إلى إصبعها الرابعة. إصبع الخاتم.
فهمتُ.
الخبر وصلها. عمّها الشيخ أرسل من يخبرها أنّ الأمر قد قُرِّر في الاجتماع، وأنّ العقد سيُقرأ قريباً. لم تُعارض. لم تبتسم أيضاً. فقط — وقفت تنظر إليّ كأنّها تسألني: هل أنت راضٍ؟
قربتُ منها. ولم ألمسها — لا يجوز قبل العقد — لكنّي وقفتُ على مسافة شبر واحد. ونظرتُ في عينيها. وقلتُ — بصوتٍ أسمعه أنا فقط:
— زينة. راضٍ. راضٍ من قلبي. والله.
دمعة — واحدة فقط — نزلت على خدّها. مسحتها بطرف الشيلة. وأومأت. ثمّ استدارت ومشت.
وأنا — واقفاً عند عتبة عيادتي، بصدريّتي الملطّخة بدم الأمس، التي أعطونيها في مديرية الأمن قبل شهر وكأنّها كانت تنتظر كلّ هذا الدم لتستحقّ اسمها، وبالوردة البيضاء في جيبي، وبذاكرة أذانٍ لم يكن ذاك الأذان حقيقيّاً، ولاسلكيّ ميّت كان ينبض منذ ثمانية عشر يوماً وأنا لا أدري، واعترافٍ خرجت منه قصّةُ أخٍ لا يوجد — فهمتُ شيئاً واحداً:
أنا حيّ.
غداً سأكون خطيباً مُعلناً. وبعد أسبوع زوجاً. وبعد أسبوعين منفيّاً إلى إحدى المحافظات الخمس. وبعد سنة لا أعرف أين. لكنّي اليوم — حيّ. وزينة حيّة. وأمّ ياسر — رغم كلّ شيء — حيّة. والشيخ ضياء حيّ. وابن رشد ذو الواحد والعشرين يوماً حيّ. وبنت أبي ياسر ذات السنة والشوي حيّة.
وهذا — الآن — يكفيني.
حتّى لو كنتُ في قلب شبكةٍ نسجها رجلٌ لا أعرف من هو ولا ماذا يريد. حتّى لو كان كلّ ما حولي قصّةً يرويها شخصٌ آخر. أنا — في قصّته — حيّ. وسأبقى حيّاً. ما دمتُ لا أفهم خطّته — لا أستطيع أن أُفسدها. وما دمتُ لا أفسدها — لن يحتاج أن يتخلّص منّي.
هذه — في هذا الفجر — كلّ فلسفتي.
أكفاني أن أعيش. ثمن العيش — أيّ ثمن — مدفوع.
يتبع — الفصل الخامس عشر: النفي
عدتُ إلى عيادتي. لم أستطع العمل. ثلاث نساء دخلن سألنني عن أدوية لأطفالهنّ — صرفتُ لهنّ ما عندي دون أن أسمع أنصاف أسئلتهنّ. يداي كانتا تشتغلان — أنا لااعي مايدور اذ.
خبرُ الاجتماع انتشر في القرية قبل أن يصل الظهر.
رأيتُ الخبر يمشي في الطرقات القصبية كريح جنوبية: امرأة تجلس أمام بيتها تفكّ كوفية مَن تغسلها — توقّفت عن الفكّ، ركبتُها الصغيرة عليها قماش أبيض كانت تصنع منه شيئاً — سقط من يدها. رجلٌ يُصلح شبكة سمك — جمّد يده. صبيّان كانا يضحكان — صمتا ونظرا إلى وجه أمّهما التي خرجت من الكوخ تبحث عنهما. نظرات الناس — في يومٍ واحد — تبدّلت. لم أكن الغريب. صرتُ جزءاً من الكارثة.
بعد الظهر — جاءني أبو محسن. وقف عند الباب، لم يدخل. هذا الرجل الطويل النحيل الذي كان في الستّين من عمره، بشماغ قديمة فوقها عقالٍ أسود، وأصبعه السبّابة ملفوفٌ بشاشٍ رأيتُه بنفسي منذ أيّام يجفّ — قال بلا مقدّمة:
— أبو كرّار. احنا نروح للتفاوض بيوم. الجمعة. تره — المفاوضة ما تضحك. إذا ناظم غيّر رأيه بمنتصف الطريق — نموت كلّنا بدقيقة. حظر روحك؟
— حاظر اني لا تشيل هم يا عمّي.
— زين. نتحرّك الضحى الخميس. باچر — العقد. السيّد يعقد عليك وعلى زينة. الشيخ گال.
ومشى. لم ينتظر جواباً.
الخميس. أي أنّ اليوم الذي يليه هو الخميس. وفي الوسط — الأربعاء — يوم العقد.
جلسنا في الحسينية نفسها التي جلسنا فيها صباح أمس لنُقرّر مصير العشيرة. هذه المرّة — ليس اجتماعاً. عقد زواج.
كنتُ على الحصير المركزي. إلى يميني الشيخ ضياء، إلى يساري رجل من بو العيطة — خال زينة، وكيلها الشرعي بعد وفاة أبيها قبل سنوات. اسمُه أبو جاسم. رجل في الخمسين، لحيته قصيرة خفيفة، صوتُه عالٍ كأنّه لا يثق أنّ الآخرين يسمعونه. أحضر معه قرآناً صغيراً لفّ بقماش أخضر — قرآن جدّ زينة — ووضعه على الحصير أمامنا.
أمامي — سيد هاشم. بالعباءة نفسها. بالمسبحة نفسها. لكنّ وجهَه — هذا الوجه الذي أعرفه — يحمل الآن ما لم أرَه فيه قبل هذه اللحظة. يبدو راضياً. يبدو — لأقولها بصراحة — سعيداً. سعادةُ رجلٍ يُكمل لوحةً طويلاً ما رسمها.
وزينة — في غرفة خلف جدار قصبي رفيع، لا أراها. نساء الشيخ معها، وأمّ ياسر بينهنّ. هكذا يجري العقد في الأهوار: البنت خلف الجدار، والشهود أمامه، والوكيل يسأل والعريس يقبل.
لم أرَ أمّ ياسر منذ الليلة التي قتلت فيها زوجها. قيل لي إنّها لم تبكِ في عزاء أبي ياسر. قيل إنّها خلعت السواد بعد ثلاث ليالٍ فقط — وهذا خلاف العُرف. قيل إنّها جلست أمام بيته وغسّلت عتبته بالماء ثمّ أغلقت الباب وخرجت ولم تعد. اليوم — هي بين النساء تُكمّل زينةَ لعرسها. أحتاج أن أسألها يوماً ما: هل حقناً للدم أيضاً كان قتلُها لزوجها؟ أم أنّ الدم لم يُحقَن — بل انتقل من وريد إلى وريد؟
هذا سؤالٌ ليس وقتُه.
سيد هاشم فتح المصحف. قرأ سورة الفاتحة بصوته الهادئ. ثمّ سورة الإخلاص. ثمّ التفت إلى أبي جاسم:
— أبو جاسم — مدّ يدك.
مدّ أبو جاسم يده اليمنى. وسيد هاشم وضع يده فوقها. والشيخ ضياء وضع يده فوق سيد هاشم. ومن خلف الجدار — صوت خافت من أمّ ياسر: "زينة بنت حسين جواد حاضرة. وكيلتها الشرعية — أخوها من أمّها أبو جاسم. وأنه — أمّ ياسر بنت الشيخ — شاهدة."
وسيد هاشم — بدأ الصيغة:
— بسم الله الرحمن الرحيم. اللهمّ بارك في عبدك حيدر عبد الواحد وهيب وفي أَمَتك زينة حسين علي. , واجعل بينهما مودّةً ورحمة. واحفظهما من شرّ ما خلقت.
ثمّ سألني — والعيون كلّها عليّ:
— أبو كرّار. ولدي حيدر. هل قبلتَ الزواج ببنت عمّ الشيخ ضياء، زينة بنت حسين علي، على كتاب الله وسنّة رسوله، بمهرٍ قران، منه معجَّل عند العقد ومؤجَّل قران؟
— قبلتُ.الزواج
— كرّر.
— قبلتُ المتعة ببنت عمّ الشيخ ضياء، زينة بنت حسين علي، على كتاب الله وسنّة رسوله، بمهرٍ قران.، منه معجَّل عند العقد ومؤجَّل قران
— قبلتُ.المتعة
— كرّر.— قبلتُ نكاح بنت عمّ الشيخ ضياء، زينة بنت حسين علي، على كتاب الله وسنّة رسوله، بمهرٍ قران.، منه معجَّل عند العقد ومؤجَّل قران؟
— قبلتُ.النكاح ولا اعرف لم يعيدها علي ويعلمني الاجابة
ثمّ — سأل من خلف الجدار:
— زينة بنت حسين علي. هل قبلتِ الزواج بحيدر عبد الواحد رهيف، على الكتاب الله وسنّة رسوله، بالمهر المذكور؟
صوتٌ من خلف الجدار. صوتُ أمّ ياسر:
— القبول منها أشرتْ بيدها ثلاث مرّات ورأسها. وأنه أشهدُ بقبولها.
سيد هاشم قال:
— قُرئ العقد. تزوّجا على كتاب الله. اللهمّ بارك. الفاتحة.
رفع الجميع الأيدي. قرأتُ الفاتحة خلف سيد هاشم. ولم أعرف — حتّى هذه اللحظة — كيف أقف على هذه الأرض. هذا الرجل الذي أعرفُ أنّ حكايته كلّها مفبركة — هو من زوّجني. هذا الرجل الذي يعرف أنّ اسمي ليس حيدر عبد الواحد بل إلياس يوسف — هو الذي نطق اسمي المزوّر باسم الله. هذا الرجل الذي خطّط كلّ شيء — يعقد لي عقدي على بنت خرساء تحبّني ولا تعرف من أنا. هذا الرجل — بمقياس السماء — لا يصحّ عقدُه. أتزوّج في كذبة.
لكنّ قلبي — بمقياسه هو — زُوِّج. لأنّ زينة — تحت الشيلة السوداء، وخلف الجدار القصبيّ — قالت بإشارة يدها ثلاث مرّات: نعم.
والباقي — حساباتٌ أتركُها لله.
بعد العقد — الليلة الأولى.
أمّ ياسر جاءت إليّ بعد المغرب وفي يدها مفتاح صغير من الحديد. قالت:
— أبو كرّار. البيت اللي كان لعمّ زينة الراحل — جهّزناه. ثلاث ليالٍ فقط. باچر يوم المفاوضة — راح تكون بعيد. ولمّا ترجع — نجهّز بيت أكبر. بس الليلة — لك البيت الصغير. زينة بالداخل تنتظرك.وصوتها مبحوح والمها مدفون
أخذتُ المفتاح. نظرتُ في عينيها. أردتُ أن أقول لها شيئاً — عن زوجها، عن الرصاصة، عن اللحظة التي رأيتُها فيها تنحني لتمسح شعره من جبهته. لكنّي لم أعرف ماذا أقول. هي كانت أسرع منّي. قالت:
— أبو كرّار. لا تسأل. أنه ما عندي جواب هسّه. وبعد سنين — يمكن — أعرف شنو گلت وشسويت. هسّه — روح لزوجتك. الليلة ليلتك — روح للي مشت بيك عند باب الموت لمّا ربطتك —
استدارت ومشت.
ذهبتُ إلى البيت. بيتٌ طيني صغير، سقفُه منخفض، في وسطه حصير وفراش من الصوف، وعلى حافّة الحصير — بريمز نفط مُضاء. وعلى الجدار — لوحة مكتوب عليها بخطّ طفولي: "بسم الله." ربّما من ولد صبي . ربّما من بنت صغيرة. لا أعرف.
وزينة — جالسة على طرف الفراش. الشيلة السوداء مرفوعة. شعرها — أسود طويل مضفور بضفيرتين نحيفتين — تراه لأوّل مرّة عيناي. وعلى رأسها إكليل صغير من شوك الريحان الأبيض. امرأة. مُكتملة. حقيقية. امرأتي.
جلستُ أمامها على ركبتيّ. ولم ألمسها — بعد. لأنّ بيننا شيئاً ينبغي أن يُقال أوّلاً. شيئاً لا أستطيع أن أحمل وزنه ثانية واحدة.
قلتُ — بصوتٍ خافت:هل اصارحها ام اعيش الكذبة التي عشتها واكمل الدور
سكتُّ. قلبي يدقّ أسرع من أيّ لحظة في حياتي.
زينة — مدّت يدها. أبطأت — كأنّها تسأل: هل تسمح؟ ولمّا لم أتحرّك — تقدّمت يدُها ووضعتْ أصابعَها على القلادة الفضيّة المعلّقة على صدري. قلادة القرآن. المصنوعة بحرفة التي اهدته لي، أمسكتْها بلطف كأنّها تزن حقيقتَها. وكانها سمعتني وتريد طمانتي
ثمّ — نظرت في عينيّ. وأومأت.
أومأت أنّها تعرف. او انها تتقبل لكن ان لم اقل شيئا
فتحتُ فمي لأسأل — متى؟ كيف؟ — لكنّها بادرتني بإشارة أخرى. رفعت سبّابتها إلى شفتيها ثمّ إلى شفتيّ — الإشارة التي لا تحتاج ترجمة: اسكت. لا تقل. لا يسمع أحدنا الآن إلّا الآخر.
ثمّ — مدّت ذراعيها. والتفّت يداها حول عنقي. وخدّها على خدّي. ولم تبكِ. لم تبتسم. لم تقل شيئاً — لأنّها لم تكن تقدر. لكنّ الحرارة التي خرجت من صدرها إلى صدري في تلك اللحظة — كانت أكثر كلاماً من كلّ ما سمعتُه في حياتي.
الخرساء التي ربطتني بحبال أبيها الصيّاد قبل يومين — كانت تعرف أنّها تربط يهوديّاً. وحبّتْه. وربطتْه. وتزوّجتْه.او هذا ما اردت ان اقنع نفسي
والباقي من تلك الليلة — ليس من حقّ الكلام أن يُسجّلَه.
ضحى اليوم التالي، خرجنا.
أربعة رجال — سيد هاشم، أبو محسن، أبو حسن، وأنا. وأبو محسن حمل معه قرآناً صغيراً وضعه في حزامه. وأبو حسن — وهو رجل في الخامسة والخمسين، شاربُه كثّ — حمل مسبحة طويلة من خشب العود. وسيد هاشم حمل اللاسلكي في كيس قماش أسود.
أنا — حملتُ حقيبتي الطبّية كي املاها ان وافتني الفرصة. وشيئاً آخر — لا يراه أحد — في الجيب الداخليّ من صدريّتي: الوردة البيضاء من قبل ليلتين، جفّت الآن وأصبحت هشّة. لكنّها معي. كأنّها تميمتي.
ركبنا مشحوفَين. المشحوف الأوّل — لأبي دعيّر. استعاده سيد هاشم بعد أن أخذ منه اللاسلكي. المشحوف الثاني — لأبي محسن.
نقطة اللقاء: عند الشريعة التي انطلقنا منها عند اول المهمة، الساعة الثانية بعد الظهر. ناظم بنفسه أبلغ بالموقع باللاسلكي أمس.
عَبَرنا الممرّات ببطء. الجوّ صافٍ. الشمس في كبد السماء. طيور الهور تُحلّق على ارتفاعات بعيدة كأنّها تنظر إلى ما لا نراه. ومعدان الهور — في مشاحيفهم — يبتعدون عن مشحوفنا عندما يرونه. لا يسلّمون. لا يلوّحون. يسحبون مشاحيفهم إلى جانب القصب ويختفون. الخبر سرى في كلّ الأهوار: البو بزون يذهبون للمفاوضة. والمفاوضة — لا ينبغي أن يُشهَد عليها.
بعد ساعتين — وصلنا إلى الشريعة. توقّفنا قبل نصف كيلومتر تقريباً، في ممرّ خلف قصب عالٍ، وربطنا المشاحيف. ترجّلنا.
مشينا ثلاث دقائق عبر أرض طينيّة ثمّ صُلبة. ومن خلف كثيب ترابيّ — ظهرت سدّة ترابية. ركّزوا عليها ثلاث سيّارات. الأولى "لاندكروزر" سوداء بنوافذ داكنة، والثانية سيّارة ايڤا عسكريّة فيها ستّة جنود بكلاشينكوفات، والثالثة واز عسكرية معلّقة بها علم العراق.
وعلى السدّة نفسها — طاولة خشبيّة. ورائها أربعة كراسٍ. واقفٌ أمام الطاولة — رجل في الخامسة والأربعين، نحيف، طويل قليلاً، بزيّ عسكري كاكي، بلا رتبة مرئيّة، شاربُه مُشذَّب بحدّة، ونظّارة شمسيّة سوداء رفعها إلى جبهته حين اقتربنا. عينان رماديّتان باردتان. المقدّم ناظم.
بجانبه — مساعد عسكري يحمل ملفّاً. وخلفه — ضابط آخر بزيّ الأمن المدني، لكنّ المسدّس في خاصرته يقول غير ذلك.
ناظم لم يمدّ يده. لم يرحّب. قال فقط — بلهجة تكريتية أمنية:
— السيّد. الدكتور. شيوخ بو بزون وبو العيطة. تفضّلوا.
جلسنا. الأربعة أمام الأربعة. الورقة في المنتصف.
وناظم — رفع عينه إليّ مباشرة. ثانيتان. ثلاث. كأنّه يتأكّد من شيءٍ ما. أنا الذي أرسلَه قبل تسعة عشر يوماً. أنا الذي كان ينبغي أن أقتل أبا ياسر. وها أنا — أمامَه — متزوّجٌ من بنت القرية نفسها، مبعوثٌ لأفاوض باسمها. ابتسم ابتسامةً لا أعرف كيف أصفها — ابتسامةٌ تُقرّ بالهزيمة وتُخطّط للانتقام في آنٍ واحد.
لكنّه لم يقل شيئاً عنّي. بدأ بالعمل:
— السيّد. اتّفاق بغداد — ثلاثة أشياء. الأوّل: التسليم الكامل للسلاح. الثاني: إعلان طاعة مكتوب يُقرأ في جامع الكحلاء يوم الجمعة القادمة. الثالث: النفي.
فتح الملفّ. أخرج قائمة.
— عشرة بيوت من بو بزون. سبعة من بو العيطة. سبعةَ عشرَ بيتاً. توزيعُهم: أربعة إلى الناصرية. ثلاثة إلى الديوانية. ثلاثة إلى السماوة. ثلاثة إلى الحلّة. أربعة إلى البصرة. ولا بيتان متجاوران في محافظة واحدة. الوثائق — تصدر خلال أسبوع. السفر — الاثنين القادم. سيّارات الحكومة تنقلكم من الكحلاء بعد تسليم السلاح.
سكت. نظر إلى سيد هاشم:
— هذه الشروط. وقّعوا — نمضي. لا توقّعوا — أرجع إلى بغداد الليلة، والسيد عديّ يتحرّك صباح الأحد.
سيد هاشم — بهدوئه الذي لا ينضب — مدّ يده إلى الورقة. أطال النظر فيها. ثمّ رفع عينيه:
— مقدّم. الشيخ ضياء قال شيئاً واحداً. شرطٌ واحد لا يتنازل عنه.
— أعرف. المستمسكات.
— إي. أغلب أبناء العشيرة — بلا هويّات. اولاد بلا قيد ولادة. نساء بلا شهادات جنسيّة. هل التزمتم؟
ناظم ابتسم مرّة أخرى. ابتسامة مختلفة هذه المرّة — ابتسامةُ رجلٍ يرى سلطتَه تتمدّد:
— التزمنا. سيّارة النفوس سترافقنا يوم السبت. يسجّلون كلّ فردٍ في محلّ سكنه الجديد. هويّة أحوال. شهادة جنسيّة. دفتر عائلة. بطاقة تموينيّة. وكلّ شيء — بالأسماء الحقيقيّة. لا أسماء مُزوَّرة. لا أحد يريد أن يُخفي اسم البو بزون — نريدُكم مُسجَّلين. كلّ فردٍ. بكلّ مكان.وهذا مرسوم جمهوري.
"مرسوم."؟ الكلمة هذه — فهمتُها في اللحظة نفسها. ناظم لا يخفي العشيرة. يُسجّلها. يربط كلّ فردٍ بعنوانه الجديد ورقمه الجديد. حتّى لو هرب واحدٌ من المحافظة المُقرَّرة له — يُعاد. حتّى لو حاول رجلٌ العودة إلى الأهوار — يُعرَف. السجلّ هو القيد. والقيد — أحدّ من الحديد.
لكنّ هذا — ما طلبه الشيخ ضياء. لأنّ الشيخ يعرف — كما أعرفُ أنا الآن — أنّ العيش بلا سجلّ موتٌ بطيء. والعيش بسجلٍّ — حياة تحت العين، لكنّها حياة.
التفتُّ إلى سيد هاشم. نظراتُنا التقت. أومأتُ. هو — أومأ أيضاً.
سيد هاشم قال:
— مقدّم. باسم العشيرة — نقبل.
مدّ ناظم قلماً. سيد هاشم أخذه. وقّع على الورقة بلقبه الديني. ثمّ أبو محسن — وقّع ببصمة إبهامه. ثمّ أبو حسن — أيضاً. ثمّ — وهذا فاجأني — مدّ ناظم القلم إليّ:
— أبو كرّار. وأنت أيضاً.
لم أفهم. نظرتُ إلى سيد هاشم. سيد هاشم نظر إلى ناظم. ثمّ إليّ:
— وقّع يا بني. الشيخ ضياء أرسلك كممثّل. والوثيقة — تحتاج ممثّلاً بالحبر، لا بالبصمة. تعلّمت بالجامعة.
أخذتُ القلم. يدي — التي كبحتُها عن الارتعاش منذ عشرين يوماً — ارتجفت. وكتبتُ — "حيدر منصور — ممثّل العشيرة — أبو كرّار."
ووضعَ ناظم الورقة في الملفّ. أغلقه. ورفع عينيه عليّ مرّةً أخرى:
— دكتور. مبروك الزواج.
لم يضحك. لم يمزح. قالها بنبرةٍ مُحايدة تقتل أكثر ممّا لو ضحك. قالها ليعرف أنّه يعرف. قالها ليذكّرني بأنّي — بعد كلّ شيء — ملكُه. ولو بعد عشر سنين. ولو في الناصرية أو الديوانية. ولو تحت اسم "حيدر منصور" أو غيره. أنا ملكُه. وسأظلّ.
قلتُ — بأهدأ ما أستطيع:
— شكراً مقدّم.
رفع يده. التفت مساعده العسكري إلى السيّارة الثالثة. وأعاد ناظم نظّارتَه السوداء إلى عينيه. وقام. مشى إلى اللاندكروزر. صعد. والسيّارات الثلاث — دارت ومضت على السدّة.
وبقينا نحن الأربعة — واقفين وسط الغبار. والورق — في يد سيد هاشم. والعشيرة — قُرّر مصيرها.
كنت مذهولا لما رايته من اجراءات لاني لم اثق يوما بازلام النظام او سياساته وكنت متاكدا اذا لم نمت نسجن لكن مالذي جرى لقد كنا محضوضين اذ استخدم قصتنا النظام ليظهر عطفه الابوي للعالم بعد صدور قرار مجلس الأمن 688 (5 نيسان 1991) — قرار حماية المدنيين في العراق، صدام يخاف من تدخل دولي بعد شُيوع مجازر الكيمياوي، فيعطي أوامر بحلول سياسية للبؤر الصغيرة (مثل عشيرتنا) كغطاء وإن يحتفظ بالعنف للمناطق الكبرى
عدنا بالمشاحيف في صمت. أبو محسن كان جاداً، يقرأ في القرآن الذي يحمله حفنةً من الآيات صوت هادر. أبو حسن كان يسبّح بمسبحة العود بصوتٍ مكتوم: "سبحان الله. الحمد لله." سيد هاشم — في المشحوف الثاني معي — لا يقول شيئاً. يضع اللاسلكي على حجره ويداه فوقه.
ثمّ — وبعد نصف الطريق تقريباً — تكلّم. بصوتٍ خفيض، دون أن يلتفت إليّ:
— أبو كرّار. أنت رجل ذكي. وأنا رجل ذكي. الذكيّان — لا يحتاجان أن يُكذّبا بعضهما. ترى حقائقَ أكثر ممّا تقول. وأنا — أقول أقلّ ممّا أعرف. هذي قاعدة حياتي. وإذا تقبلَها — نكمل سالمَين.
لم أجب. بعد دقيقة — أضاف:
— بنتي زينة بنت بو العيطة — هي بنتي. ما تعرفني. بس من يوم دخلتُ القرية، قرّرت أنّها منّي. ومن يصون بنتي — صانه الله. ومن يمسّها بسوء — مسّه. هذا عهدٌ بيني وبينك، لو ما صار بيننا عهودٌ أخرى. هذه قصتنا الجديدة
سكت. ثمّ قال كلمةً واحدة:
— نسلم.
ولم يتكلّم بقيّة الطريق.
وأنا — فهمتُ ما لم يقله: العقد الذي أقرّه لي — سيف. إذا بقيتُ "أبا كرّار زوج زينة" — حميتُها، وسلمتُ. إذا حاولتُ أن أعود إلى إلياس الذي كنتُه — انكشفتُ، وكشفتُها، ومات كلُّ عهدٍ بيننا. الزواج لم يكن هديّةً من الشيخ ضياء. كان قفلاً صنعه سيد هاشم بيديه. ومفتاحُه — معه.
ابتسمتُ في نفسي ابتسامةً مرّة. لأنّ في قلبي شيئاً آخر — هو نفسُ ما قاله هو بتعبيرٍ مختلف. لا أريد أن أعود إلى إلياس. أريد أن أبقى أبا كرّار. وزينة — التي تعرف شيئا ربما — تحبّ الاثنين. وبيني وبين سيد هاشم — ستارٌ من الصمت يُحافظ علينا كلانا.
صمتُّ أيضاً. حتّى وصلنا إلى شريعة القرية.
يوم السبت — جاءت سيّارة النفوس. سيّارة صلاح الدين فحل بيضاء عليها شعار المديريّة. نزل منها ثلاثة موظّفين وكاتبان. فرشوا طاولتَين خشبيّتَين أمام المضيف. ووضعوا دفاتر كبيرة. وبدؤوا.
كلّ عائلة — تدخل. الأب، الأمّ، الأولاد، العجائز. يقولون أسماءهم الكاملة — أوّل مرّة في حياة كثيرين منهم تُلفَظ أسماؤهم أمام موظّفٍ حكوميّ. الموظّف يسجّل. يُعطيهم استمارةً يضعون عليها بصمة الإبهام. يلتقط لكلٍّ صورةً على جهاز صورٍ فوري. يُعطي كلَّ فردٍ ورقةً مؤقّتة — "شهادة تسجيل" — إلى حين إصدار الهويّة من بغداد.
ومرَّ أمامنا الشيخ ضياء — كأحد الرعية. لا كشيخٍ. مرّت أمامنا أمّ ياسر — وسُجّلت أرملةً، لم يسألها أحد كيف تأرمّلت. ومرّ أمامنا رشد وعائلته — وقد حملت زوجتُه الطفل ذا الواحد والعشرين يوماً، وسُجِّل الطفل باسمٍ ما حسب الموظّف اسمه: محسن بن رشد. أوّل فردٍ من عشيرة البو بزون يُسجَّل عند ولادته — في نفس اليوم الذي يُسجَّل فيه ليرحل.
ومرّت أمامنا زينة. معي. قلتُ للموظّف:
— حيدر عبد الواحد وهيب. وزوجتي — زينة حسين علي. متزوّجان منذ ثلاثة أيّام بعقدٍ شرعيٍّ من السيّد هاشم.
الموظّف كتب. سأل:
— وجهة النفي؟
سيد هاشم — الذي كان يقف إلى جانبي — قال:
— الناصرية. معنا في نفس المحافظة.
الموظّف كتب. ختم الاستمارة. أعطانا الورقتَين المؤقّتَتين. وانتقلنا.
يوم الأحد — تسليم السلاح. بندقيّتان بدون أقواس. ثمّ خمس عشرة بندقيّة كلاشينكوف. ثمّ ثلاثة آر بي جي. ثمّ صناديق الذخيرة. كلّ ما عندنا — رُمي في كومةٍ أمام المضيف. وأخذه الجنود في سيّارةٍ إلى الكحلاء. وبقي عندنا من السلاح — شيءٌ واحد: الخناجر التقليديّة. لأنّها — قال ناظم — "جزء من عُرفكم، لن نمنعها."
رأيتُ رشد ينظر إلى خنجره الفضّي. رأيتُه يفكّر. ثمّ يهزّ رأسه. ثمّ يُعيد الخنجر إلى حزامه. البندقيّة — تسلّم. الخنجر — لا يُسلَّم. هذه آخر سطرٍ في عقيدة الرجل الذي ما كسَره أحدٌ حتّى اليوم.
ومقدم ناظم يبحث عن شيء يخصه وبلا هوادة
ليلة الأحد — آخر ليلة في القرية. نمنا في البيت الصغير. زينة جمعت ثيابها كلّها في صرّةٍ من قماش أخضر. لم تأخذ كثيراً — معدان الأهوار لا يملكون كثيراً. شيلتها السوداء الإضافية. ثوبٌ ثانٍ. المشبك الذهبي الذي أهداه لها أبوها يوم بلوغها. وصندوقٌ صغير من الخشب — فتحته أمامي لأوّل مرّة — فيه خصلة شعرٍ من أمّها وخصلة من أبيها، ملفوفتان بقماشٍ أحمر. تُراث الخرساء الذي لا يحتاج كلاماً.
أنا — جمعتُ ما عندي. حقيبتي الطبّية. ثوبَين. الوردة اليابسة — أودعتُها في الصندوق الخشبيّ الصغير الذي أعطتْني إيّاه زينة. القلادة — تحت القميص. كلّ ما حملتُه من بغداد ضاع منّي. وكلّ ما بين يديّ الآن — إمّا أخذتُه من ناظم، أو أخذتُه من أبي دعيّر، أو أخذتُه من الشيخ ضياء، أو أخذتُه من زينة. ولا شيء — ولا شيء — يعود إلى إلياس بن يوسف. إلياس انتهى. أبو كرّار — وُلد.
منتصف الليل — زينة نامت. أنا لم أنم. قلقٌ غريب في صدري. شعورٌ بأنّ شيئاً في القرية هذه الليلة يتحرّك ولا أراه.
قمتُ. لبستُ عباءة خفيفة. خرجتُ.
القرية ساكنة. بعض الكلاب تنبح من بعيد. وضوءُ قمرٍ نصف مرَّ يرسم ظلالاً طويلة على القصب.
مشيتُ من غير هدف. عبرتُ أمام بيت الشيخ ضياء — نائمٌ. عبرتُ أمام بيت رشد — الطفل يبكي خافتاً ثمّ تُسكته أمّه. عبرتُ أمام بيت أمّ ياسر — مضاءٌ، لكنّ الستارة مُسدَلة. لا أعرف ماذا تفعل في هذه الساعة.
ثمّ — وصلتُ إلى الحسينية.
بابُها مفتوح قليلاً.
دخلتُ.
الحسينية فارغة. بريمز واحد مُضاءٌ على الجدار الشرقيّ. ضوءُه ضعيف. وفي وسط الأرض — حيث كانت الحصر التي جلسنا عليها قبل أربعة أيّام — رأيتُه. أثرٌ. تراب رُطِب ثمّ جفّ حديثاً. مساحةٌ بقدر بابٍ صغير، قريبةٌ من المنبر الخشبيّ المتواضع. ولو لم أنظر بعناية — لما رأيتُه. لكنّ الترتيب — أحكمُ من أن يكون طبيعياً. شخصٌ حفر، ثمّ أعاد التراب، ثمّ رصَّه، ثمّ نثر فوقه حصى رمليّة ليُشبه أرضيّة الحسينية الأصليّة.
انحنيتُ. لمستُ التراب. بارد لكنّه أقلّ برودةً من حوله. حُفِر في الأيّام القليلة الماضية.
وتذكّرتُ.
فجر يوم الاجتماع — قبل أربعة أيّام — رأيتُ سيد هاشم عائداً من الشريعة. في يده اليسرى — شيءٌ صغيرٌ ملفوفٌ بقماشٍ أسود. دخل الحسينية. وبقي فيها قبل أن يدعونا للاجتماع.
وقبل ذلك — الحرّاس الثلاثة على مخزن الزئبق الأحمر — "اختفوا." قيل إنّهم استشهدوا. قيل إنّهم هربوا. لا أحد وجد جثثَهم. لا أحد سأل كثيراً لأنّ يوم المعركة كان يوم فوضى.
والزئبق — كلُّ الكمّيّة — ضاع. اتّهمَ سيد هاشم أبا ياسر بأخذه من الداخل. وقُتل أبو ياسر. والسؤال — أين الزئبق؟ — ذاب في دماء المضيف ولم يعد أحدٌ يطرحه.
والآن — في هذه الحسينية — تحت المنبر الذي قرأ منه سيد هاشم سورة الفاتحة على عقد زواجي قبل أربعٍ وعشرين ساعة —
تراب حديث الدفن.
فَهِمتُ.
لم أحفر. لم ألمس أكثر. لم أبحث. فقط — فهمتُ. الزئبق الأحمر. كلّ الكمّيّة. تحت هذه الأرض. دفنَه سيد هاشم هنا. وحده. قتل الحرّاس الثلاثة، ونقل البضاعة، ودفنها تحت الحسينية — أقدس مكانٍ في القرية — حيث لن يحفر أحد من أبناء بو بزون حتّى لو شكّوا. ثمّ اتّهم أبا ياسر، وقتلَه بيد زوجتِه، وأنهى الحكاية.
وغداً — تُخلى القرية. وتُجفَّف الأهوار. وتُردَم الممرّات. وتبقى الحسينية وحدها، بعيدة عن كلّ عينٍ، وتحتها — ثروة.
وسيد هاشم — في مكانٍ ما، في أيّ وقتٍ يختاره — سيعود. ويحفر. ويأخذ ما له.
رفعتُ عينيّ إلى السقف القصبيّ. قلتُ — بلا صوت — كلمةً واحدة: "يا ابن الرب." هذا ما كنتُ أقوله حين أكون صغيراً وتأتيني لحظةٌ لا أفهمُها. كلمةٌ يهوديّة لا تخرج إلّا من قلبي.
ثمّ خرجتُ من الحسينية. أعدتُ الباب كما كان. ومشيتُ إلى بيتي. ولم أخبر أحداً. ليس لأنّي أوافق. بل لأنّي أخاف.
الفجر — أذّن حسين اليتيم من الحسينية للمرّة الأخيرة. "لا إله إلّا الله، محمّد رسول الله، عليّ وليّ الله." وبعد الأذان — بكى. لأوّل مرّة، سمعتُه يبكي علناً. صبيٌّ في العاشرة يُودّع الحسينيةَ التي رفعه فيها سيد هاشم من يُتم الطين إلى شرفٍ له اسم.
القرية — قامت كلّها. كلّ عائلة — جمعت صرّتها. لم يأخذوا الأثاث. لم يأخذوا الحصر. لم يأخذوا الأواني الكبيرة. فقط ما يُحمل باليد. جاؤوا إلى الأهوار بلا شيء منذ ستّة قرون — ويخرجون منها بلا شيء.
نزلنا إلى الشريعة. المشاحيف — مائة وثلاثون مشحوفاً — جاهزة. كلّ عائلة في مشحوفها. النساء والأطفال في الوسط. الرجال يُجدّفون. هذه — الرحلة الأخيرة في الماء.
الشيخ ضياء قبل أن يركب — توقّف عند الشريعة. انحنى. أخذ حفنةً من طينٍ رطب. ومسحه على جبهته. ثمّ وضع ما بقي في جيب عباءته. ولم يلتفت وراءه. صعد المشحوف.
ورأيتُ أمّ ياسر تفعل الشيء نفسه. ورشداً. وأبا محسن. كلّ واحدٍ — يأخذ معه قبضة طين. تراثُه. وطنُه المَحمول.
وأنا — حين انحنيتُ لأفعل مثلهم — فوجئتُ بأنّ الطين في يدي لم يكن باردا. كأنّه يعرفني. كأنّه يقول: أنت من هنا الآن. فإن عُدت — ستجدني هنا. وإن لم تعد — أنا معك إلى حيث تذهب.
وضعتُ القبضة في جيبي. وصعدتُ المشحوف.
ولم يكن سيد هاشم بيننا.
بحثتُ عنه بعينيّ وأنا أصعد. لم أره. سألتُ رشداً — لم يعرف. سألتُ الشيخ ضياء — هزّ رأسه: "ما شفتُه منذ أمس." سألتُ أمّ ياسر — نظرت إليّ نظرةً غريبة وقالت: "السيّد يذهب حين يريد ويرجع حين يريد. لا تسأل."
ومشحوفه — مشحوف أبي دعيّر الذي صار له — لم يكن عند الشريعة.
ولا عباءته السوداء. ولا مسبحته. ولا اللاسلكي. ولا الكيس الأسود.
اختفى.
كأنّه لم يكن.
ركبنا المشاحيف. وعبرنا الممرّات للمرّة الأخيرة. وصلنا إلى الكحلاء — حيث كانت هناك — أربع ناقلات عسكرية كبيرة "فاون" تنتظر. وبجانبها — سيّارة لاندگروز سوداء من القصر — وسيارة شرطة فيها ضابط يحمل قائمةً.
نزلنا من المشاحيف. تركنا المشاحيف تطفو. لم يسحبها أحدٌ إلى البرّ. تركناها تنجرف مع التيار. هذا — شعورُنا. لو لم نترك شيئاً حيّاً خلفنا، لمات قلبُنا قبل أن نصل.
الضابط بدأ ينادي. عائلة بعائلة:
— آل الشيخ ضياء — سيّارة رقم اثنين. الناصرية.— آل أبي محسن — سيّارة رقم واحد. الديوانية.— آل أبي فلاح — سيّارة رقم ثلاثة. السماوة.— آل أبي ربيع — سيّارة رقم أربعة. البصرة.— آل حسين جواد — الزوج والزوجة — سيّارة رقم اثنين. الناصرية.
آل حيدر عبد الواحد وهيب — أنا وزينة. نفس سيّارة الشيخ ضياء. صعدنا.
والناقلات بدأت تتحرّك. وسحاب الغبار — خلفنا — غطّى شريعةَ الكحلاء. وبعد دقيقتين — ما عاد الهور يُرى من نافذة الناقلة الخلفيّة. قصبٌ بعيد. زرقةٌ بعيدة. وطنٌ بعيد.
زوجتي نامت على كتفي بعد ساعة. الطريق طويل. الأربعاء القادم سنصل إلى الناصرية. وهناك — بيتٌ جديد، ولم أرَه بعد. وعمل جديد، ولا أعرف ما هو بعد. وحياة جديدة — تحت اسمٍ جديد هو اسمٌ مزوّر، تحت مراقبة دائمة من الأمن، مع زوجةٍ اوهمت نفسي انها تعرف كلّ أسراري ولا تستطيع أن تبوح بها حتّى لو أرادت.
وفي جيبي الأيمن — قبضة الطين من شريعة القرية.
وفي جيبي الأيسر — الوردة البيضاء اليابسة في صندوقها الخشبيّ الصغير.
وفي الجيب الداخليّ للصدرية — القلادة الفضيّة بالقرآن الذي لم أقرأه قبل عشرين يوماً وصرتُ أحفظه بعد.
وفي رأسي — صورة الحسينية فجراً، والتراب المُرَصّ حديثاً، والمنبر الذي قرأ منه سيد هاشم آية الزواج.
وسؤالٌ واحد — سؤال لن يغادرني من الآن وإلى الأبد:
متى سيعود؟
لأنّه سيعود. الرجل الذي دفن ثروةً تحت حسينيّة لا يُدفَن هو نفسُه بعيداً عنها. سيعود. بعد سنة. بعد عشر سنين. في وقتٍ يختاره. وسيحفر. ويأخذ. ويمضي.
وأنا — في الناصرية، بحانوتٍ طبّي صغير سيفتحونه لي، مع زوجتي الخرساء التي قبلتني بكلّ ما أنا — سأنتظر.
لأنّ بيني وبينه — عهدٌ غير مكتوب. قفلٌ صنعه بيديه، ومفتاحُه معه. ولن يعود ليأخذ الزئبق وحدَه. ربّما — سيعود ليأخذني معه. ربّما — سيعود ليقتلني لأنّي رأيتُ ما رأيتُ. ربّما — أشياء لم أتخيّلها بعد.
ما أعرفُه — أنّ سيد هاشم لم ينتهِ. أنّ غضب الله الشديد لم ينتهِ. أنّ ما بدأ في فجر العمارة وأنا أُخرج من مديريّة الأمن بصدريّةٍ بيضاء وحقيبةٍ طبّية وحكاية مزوّرة — لم ينتهِ. فقط — دخل في نومٍ طويل. سيستيقظ يوماً.
ويومَها — إذا كنتُ لا أزال حيّاً — سأكون أمامَه.
دخلنا الناصرية عصر الأربعاء.
مدينةٌ لا أعرفها. نخلٌ عاليةٌ على ضفّتي الفرات. شوارع واسعة — بعضُها مقطوعة بسواترَ ترابيّة بقيت من أيّام الانتفاضة. جدرانٌ عليها عبارات مكتوبة بالفحم نصفها مُحيت — "الموت للجلّاد" كتبها شخصٌ، ومحاها آخر، ولم يبقَ إلّا: "الم... جلّاد".
الفاون أنزلَتنا أمام بيتٍ صغير في حيّ النخيلة. طابقٌ واحد. ثلاث غرف. صحنٌ مكشوف فيه نخلة نحيفة. ومفتاحٌ سلّمنا إيّاه الضابط المرافق مع ورقةٍ فيها عنوان.
قال:
— البيت ملكٌ للدولة. تسكنون فيه بإيجار رمزيّ. الدكتور — الشرطة ستتّصل بك خلال أسبوع لتوجّهك إلى عيادة مديرية الصحّة. جنطتك الطبّية — اعرضها للتفتيش. منوع سلاح. منوع سفر خارج المحافظة بدون إذن. يجوز السفر ضمن المحافظة. التقارير أسبوعية — إلى مركز شرطة القريب منك.
سلّم المفتاح. صعد سيّارته. مضت.
وقفتُ. زينة إلى جانبي. وصرّتها في يدها الواحدة. ويدها الثانية — في يدي.
رفعتُ المفتاح. أدرتُه في قفل الباب الخشبيّ.
فُتح.
دخلنا.
لم أكذب عليكم. قلتُ في البدء إنّي لستُ رجلاً طيّباً وإنّ يديَّ ليستا نظيفتَين. هذا — بعد كلّ ما جرى — ما زال صحيحاً.
لكنّ يديّ — الآن — تُمسك يداً. يد امرأةٍ لا تقدر أن تتكلّم، لكنّها قالت لي بإشارةٍ واحدة كلّ ما لم يقله لي أحدٌ في حياتي: أنت من هنا، من الآن، ومنّا.
وفي جيبي قبضة طين لا تعرف الجغرافيا. ووردة يابسة أبيض. وقرآن في قلادة. وثقل يعرف أنّ ما انتهى — لم ينتهِ.
وسيد هاشم — في مكانٍ ما — يمشي. بمسبحته أو بدونها. بعباءته أو بدونها. باسمه أو باسمٍ آخر. يخطّط. ينتظر.
وأنا — في الناصرية، في حيّ النخيلة، في بيتٍ ملكُه للدولة — أبدأ حياتي الثانية.
حيّاً.
ومنتظراً.
انتهى الجزء الأوّل
يتبع — الجزء الثاني: عودة السيّد
*غضب الله الشديد — رواية عراقية
الأحداث تدور في ربيع 1991 — بين أهوار ميسان ومدن الجنوب العراقي
النهــــــــــــــــــــــــــــــــــاية
© 2026 — أكاديمية المصفوفة للذكاء الاصطناعي